Indexed OCR Text
Pages 81-100
والثاني: منسوب شرطه إلى عموم الفاعل، وهو المتفق عليه، وإذا ثبت في ((مَن)) فكذلك في ((أيّ))؛ بل هي أقوى مِن ((مَنْ)) في الدلالة على التفصيل. تنبيه عدّى الحنفية هذا إلى: أي عبيدي ضُرِب مبنياً للمفعول، هكذا قاله ابن جني؛ لأن الفاعل وإن لم يذكر فهو في حكم المذكور، ويرده قوله من الر: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، وقد قالوا هم فيه بالعموم أكثر منا، لأنهم أدرجوا فيه جِلْدَ الكلب. تنبيه إذا اتصلت ((أي)) ((بما)) كانت تأكيداً لأداة الشرط، وزعم إمام الحرمين في ((البرهان)) في باب التأويل أن ((ما)) المتصلة بها للعموم في نحو: (أيما امرأة أنكحت نفسها)، فاعتقد أنها ((ما)) الشرطية، وهو وَهَمُ، وقد قارب الغزالي في ((المستصفى)) هناك فجعلها مؤكدة للعموم، وهو أقرب مما قاله الإمام إلى الصواب، لكن الصواب أنها توكيد لأداة الشرط، وهو عند النحويين من التوكيد اللفظي كأنه كرر اللفظ . الحادي عشر إلى آخر الخامس عشر: ((متى، وأين، وحيث، وكيف، وإذا الشرطية)). أما ((متى)) فهي عامة في الأزمان المبهمة كلها كما قيده ابن الحاجب وغيره، ولم يقيده بعضهم بالمبهمة، والأول أقوى لأنها لا تستعمل إلا فيما لا يتحقق وقوعه، فلا يقولون: متى طلعت الشمس فأتنى، بل إذا طلعت الشمس، فهي عكس إذا. وقيل: ((متى)) تقتضي عموم الأزمنة، ولا تقتضي تكرار الفعل، بدليل استعمالها فيما لا تكرار فيه، كما إذا قيل: متى قتلت زيداً؟ والسابق إلى الفهم منها تكرار الفعل، ولا تقتضي تكراراً على التحقيق. فإذا قال: متى دخلتِ الدار فأنت طالق، فالطلاق لا يتكرر بتكرر الدخول، ٨١ وإنما يقع بالدخول الأول، وهذا بخلاف ((كلما)) فإنها تقتضى التكرار لاقتضائها عموم الأفعال، فإذا قال: كلما دخلت، فمعناه كل دخول يقع منك، لأن ((كُلاً)) إنما يضاف للأسماء. وينضم إليها ((ما))، لتصلح للدخول على الأفعال، فهي كـ ((رُبَّ)). وأما ((أين، وحيث)) فيعمان الأمكنة، وقد ذكرهما ابن السَّمعاني وغيره. وأما ((كيف، وإذا)) فقد ذكرهما القَرَافى من الصيغ إذا كانت ((كيف)) استفهامية، أو اتصلت بها ((ما)) إذا جوزي بها، وهما داخلان في إطلاقهم عموم أسماء الشرط والاستفهام، وذكر إمام الحرمين في ((البرهان)) ((حيثما، ومتى ما)) من صيغ العموم، وقال الأستاذ أبو منصور: ((متى)) أعم من ((إذا)). السادس عشر وما بعده إلى آخر العشرين: ((مهما، وأنّ، وأيان، وإذ ما)) على أحد القولين و ((أي حين، وكم)). أما ((مهما)) فهي اسم بدليل عود الضمير إليها، ولا يعاد إلا إلى الأسماء، وهي من أدوات الجزم باتفاق، وتجىء للاستفهام قليلاً. وأما ((أنى)) فأصلها الاستفهام إما بمعنى مِن أين، كقوله تعالى: ﴿أنى لك هذا﴾ [سورة آل عمران / ٣٧] وإما بمعنى كيف، كقوله: ﴿أنى يؤفكون﴾ [سورة المائدة / ٧٥]. وأما ((أيان)) فهي في الأزمان بمنزلة ((متى)) لكن ((متى)) أشهر منها، ولذلك تفسِّرُ ((أيان)) بمتى. وأما ((إذما)) فهي من أدوات الشرط عند سيبويه، وكلها تدخل في إطلاقهم أن أسماء الشروط من صيغ العموم، ولما فيها من الإبهام وعدم الاختصاص بوقت دون غيره. وأما ((أي حين)) على طريقة من يصلها من أي المتقدمة. وأما ((كم)) الإستفهامية لا الخبرية، فإنها عُدَّت من صيغ العموم؛ لأن الاستفهام بها سائغ في جميع مراتب الأعداد، لا يختص بعدد معين، كما أن ((متى)) سائغة في جميع الأزمان، و((أين)) في جميع الأماكن، و ((مَن)) في جميع الأجناس فإذا ٨٢ قيل: كم مالك؟ حسن الجواب بأي عدد شئت. الحادي والعشرون: الأسماء الموصولة سوى ما تقدم مِنْ («ما، ومن، وأي))، وهي / ((الذي، والتي)) وجموعهما من ((الذين، واللاتي، وذو الطائية)) وجمعها، وقد ١٣٢ / ب بلَغ بذلك القَرَافي نيّفا وثلاثين صيغة، وقد صرح بأن ((الذي)) من صيغ العموم القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة))، وقال ابن السَّمْعَاني: جميع الأسماء المبهمة تقتضي العموم، وقال إلّكِيا الطبري: ((مَنْ، وما، وأي، ومتى)) ونحوها من الأسماء المبهمة لا تَسْتَوْعِب بظاهرها، وإنما تَسْتَوْعِب بمعناها عند قوم من حيث إن الإبهام يقتضى ذلك. وقال أصحاب الأشعرى: إنه يجرى في بابه مجری اسم منكور، كقولنا: رجل، ويمكن أن يكون زيداً أو عمراً، فلا يصار إلى أحدهما إلا بدليل، والإبهام لا يقتضي الاستغراق، بل يحتاج إلى قرينة. انتهى. واعلم أن القائل: بأن ((مَنْ، وما)) إذا كانتا موصولتين لا تعمان، يقول بأن ((الذي والتي)) وفروعهما ليست للعموم. أما الحروف الموصولة فليست للعموم اتفاقاً. وإنما يكون ((الذي)) للعموم إذا كانت جنسية، كقوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ [سورة البقرة / ٤] ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [سورة الأنبياء / ١٠١] ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى﴾ [سورة النساء / ١٠]، ولا شك أن العموم في ذلك كله مستفاد من الصيغة. أما العهدية فلا، كقوله تعالى: ﴿وقال الذي آمن ياقوْمٍ﴾ [سورة المؤمن / ٣٨] ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [سورة المجادلة / ١] أو نحوه. وعدّ الحنفية من الصيغ الألف واللام الموصولة الداخلة على اسم الفاعل والمفعول، فلو قال لعبيده: الضارب منكم زيداً حر، ولنسائه: الداخلة منكن الدار طالق، عتق الجميع وطلق الكل؛ لأن الألف واللام بمعنى الذي، وهو ظاهر على القول الصحيح أنها اسم، ويحتمل أن يجعل لما في الصفة من الجنسية، وتكون مشعرة بذلك. ومنع بعض مشايخنا عموم الألف واللام الموصولة، قال: لأنها حينئذ داخلة في ٨٣ الموصولات، فله حكم العموم لجميع أحواله، وخرج من هذا أن استدلال الأصوليين في إثبات العموم من المشتقات المعرَّفة بالألف واللام، مثل: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [سورة التوبة / ٥] ﴿الزانية والزاني﴾ [سورة النور / ٢] ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة / ٣٨]، ليس من محل النزاع، وهذا الذي ذكره فيه نظر، لما قدمنا . تنبيه جعل الموصولات من صيغ العموم مشكل؛ لأن النحاة صرحوا بأن شرط الصلة أن تكون معهودة معلومة للمخاطب، ولهذا كانت مُعَرِّفة للموصول، والمعهود لا عموم فيه، كما صرح به ابن الحاجب وغيره. الثاني والعشرون: الألف واللام: فإن كانت اسماً فلا عموم فيها على ما سبق، وإنما الكلام في الحرفية، والذي تدخل عليه أقسام: أحدها: الجمع سواء كان سالماً أو مكسَّراً للقلة أو الكثرة، وسواء كان له واحد من لفظه أم لا، كالزيدِين والعالمين والأرحُل والرجال والأبابيل ومدلول كل منهما الآحاد المجتمعة دالاً عليها دلالة تكرار الواحد. قاله بدر الدين بن مالك في أول ((شرح الخلاصة))، ودلالة الجمع على كل واحد من أفراده مطابقة، ولهذا منعوا أن يقال: جاء رجل ورجل ورجل في القياس، إذ لا فائدة في التكرار، لإغْنَاء لفظ الجمع عنه، فلو كانت دلالته على رجل بالتضمن، لكان قولنا: رجل ورجل ورجل مشتملاً على فائدة جديدة. الثاني: اسم الجمع سواء كان له واحد من لفظه أم لا، كركب وصحب وقوم ورهط. وما قيل: إن قوماً جمعُ قائمٍ، كصَوم وصائم وهَمٌ، قال ابن عصفور: وهذا النوع لا يدرك بالقياس؛ بل هو محفوظ. وقال ابن مالك: هو موضوع لمجموع الآحاد، أي لا لكل واحد على الانفراد، وكذا قال بعض الحنفية. قال: وحيث تثبت الآحاد فلدخولها في المجموع، حتى لو قال: الرهط أوالقوم الذي يدخل الحصن فله كذا، فدخله جماعة كان النفل ٨٤ لمجموعهم، ولو دخله واحد لم يستحق شيئاً. فإن قلت: إذا لم يتناول كل واحد، فكيف يصح استثناء الواحد منه في مثل جاءني القوم إلا زيداً، والاستثناء يخرج ما يجب اندراجه لولاه؟ قلت: من حيث إن مجىء المجموع لا يتصور بدون كل واحد، حتى لو كان الحكم متعلقاً بالمجموع من حيث هو مجموع من غير أن يثبت لكل فرد لم يصح الاستثناء. مثل: يطيق رفع هذا الحجر القوم إلا زيداً، وهذا كما يصح : عندي عشرة إلا واحداً، ولا يصح العشرة زوج إلا واحداً، إذ ليس الحكم على الآحاد، بل على المجموع. الثالث: اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء، وليس مصدراً ولا مشتقاً منه، كتمر وشجر، هذا هو المشهور أعني كونه اسم جنس، والغزالي يسميه جمعاً، وابن مالك يسميه اسم جمع، فإنه عدّه في أسماء الجموع لكن سماه في شرح الكافية اسم جنس، واختلف في مدلوله على أقوال : أصحها: أنه يصلح للواحد والتثنية والجمع لأنه اسم جنس، والجنس موجود مع كل من الثلاثة، وحكى الكِسَائي عن العرب إطلاقه على الواحد، وقال به الكوفيون، سواء كان الواحد مذكراً أو مؤنثاً. قال الرَّاغب في مفرداته: ((النحل يطلق على الواحد والجمع)). والثاني: أنه لا يطلق على أقل من ثلاثة، قاله ابن جني، وتبعه ابن مالك. والثالث: أنه لا يطلق إلا علىَ جمع الكثرة: ونقل ذلك عن الشلوبين وابن عُصْفُور، وهو مقتضى كلام ابن مالك في باب أمثلة الجمع. ولأجل ذلك أورده شراح سيبويه على قوله: بابُ عِلم ما الكَلِمُ من العربية، وقالوا: إنما هي اسم وفعل وحرف، ثم أجابوا بأن تحت كل نوع منها أنواعاً. والرابع(١): المثنى، نحو الزيدان والرجلان وما ألحق به، ودلالته على كل منهما كدلالة الجمع على أفراده. الخامس: الدال على الحقيقة وأفراده متميزة، وليس له مؤنث بالتاء، كرجل وفرس. والقصْد به الجنس مع الوحدة مالم تقترن بما يزيلها من تثنية أو جمع أو (١) أى من أقسام المعرّف بالألف واللام. ٨٥ عموم، وبه جزم الغزالي في ((المستصفى))، والسَكّاكِي والقَرَافي، ويشهد له تثنيته وجمعه، وصحة قولك: ما عندي رجل بل رجلان. السادس: الاسم الدال على الحقيقة، وأفراده متميزة، وهو مؤنث، لإطباقهم على أن اسم الجنس ما يفرق بينه وبين واحده بالتاء. السابع: الاسم الدال على الحقيقة من حيث هي هي، ولا يتميز بعضها عن بعض، وليس لها مؤنث، فلا إشكال أنه لا دلالة فيه على وحدة ولا تعدد، كالماء والعسل في الأعيان، والضرب والنوم في المصادر. الثامن: ما كان كذلك إلا أن فيه التاء لا من أصل الوضع، كضربة، فمدلوله الوَحْدة. التاسع: ما كان عدداً كالثلاثة، فهو نص في مدلوله، وهو موضوع لمجموعها، ودلالته على أحدها بالتضمن. [الجمع إذا دخلت عليه الألف واللام ] إذا علمت هذا، فإن دَخلت الألف واللام على الجمع أفادت الاستغراق، فإن تقدم عهدٌ ودلت قرينة على قصده حمل عليه بلا خلاف، وكان ذلك قرينة ١/١٣٣ التخصيص، ومنه ما إذا سبقه تنكير، وظهر ترتب التعريف / عليه، لكن القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)) قال: اختلف في الألف واللام على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه يحمل على معهود إن كان، فإن لم يكن حُمل على الجنس، وهو قول أكثر الفقهاء. والثاني: عسكه: أنها تحمل على الجنس إلا أن يقوم دليل على العهد. الثالث: أنه يحمل عند فَقْد العهد على الجنس من غير تعميم. وفيه خلاف آخر، وهو أنه لابد من عَهْد، وإلا لم يصح دخولها. انتهى. وإن لم يسبقه عَهْد، فهي للعموم عند معظم العلماء، قاله ابن برهان، وقال ابن ٨٦ الصبَّاغ: إنه إجماع أصحابنا، وحكي عن الجُبَّائى أنها لا تقتضي الاستغراق، قال ابن السَّمْعاني: سواء جمع السلامة والتكسير، كاقتلوا المشركين، واعمروا مساجد الله، وقال سليم الرَّازِي في ((التقريب)): سواء المشتق وغيره، كالمسلمين والرجال. وقال غيره: سواء كان للقلة كالمسلمين والمسلمات، أو للكثرة كالعباد والرجال، وحكاه أبو الحسين البصري في ((المعتمد)) عن أبي علي الجُبَّائِي وجماعة الفقهاء، وحكى عن أبي هاشم أنه يفيد الجنس لا الاستغراق، وحكاه صاحب ((الميزان)) عن أبي على الفارسي وأبي هاشم. قال: وحكي عنه أنه فرق بين المفرد والجمع، فقال: وفي المفرد يصرف إلى مطلق الجنس من غير استغراق إلا بدليل. وحكاه المازري عن الشيخ أبي حامد الأسفراينى من أصحابنا، وهو غريب، قال: وقالوا في قوله تعالى: ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ [سورة الانفطار / ١٤] إنه يستوعب من حيث دخول الألف واللام. ثم أنكر إلْكِيا هذا وقال: الألف واللام معناها في لسان العرب تعريف العهد لا غير، هكذا قال سيبويه، وأن الألف الأصل لما كانت ساكنة، ولم يتوصل إلى النطق بها، وأن حرف التعريف هو اللام، فثبت أنه لا يصير عاماً ومستوعباً بدخول الألف واللام، وقد كان ولم يكن مستوعباً قبل دخولها، ولو كان اللام مفيداً للاستيعاب لما صح دخوله على الأسماء المفردة، لأن معناه لا يتغير بكون الاسم مفرداً أو مجموعاً، كما لا يتغير معنى سائر الحروف. قال: ولذلك زعم المحققون أن عموم قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة / ٣٨] ﴿الزانية والزاني﴾ [سورة النور / ٢] في معناه، وهو ترتب الحكم على الوصف بفاء التعليل، وهو أقرب من ادعاء العموم من لفظه، ولعل إلْكِيا بنى هذا على قول أرباب الخصوص، فإنه قال بعد ذلك: الصحيح أن هذه الألفاظ للعموم . ونبه أبو الحسين على فائدةٍ ترفع الخلاف، وهي أن أبا هاشم وإن لم يجعله مستغرقاً من جهة اللفظ، فهو عنده عام من جهة المعنى إن صلح له، كقوله تعالى: ﴿إن الفجار لفي جحيم﴾ [سورة الانفطار / ١٤]، فإنه يفيد أنهم في الجحيم لأجل ٨٧ فجورهم، فوجب أن يكون كل فاجر كذلك، لأنه خرج مخرج الزجر. انتهى. هذاكله إذا قام الدليل على أنه لم يرد العهد، فإن أشكل الحال واحتمل كونها للعهد أو الاستغراق أو الجنس، فلم يصرحوا فيها بنقل صريح. ويخرج من كلامهم فيها ثلاثة مذاهب، وظاهر كلام بعضهم أنها تحمل على العهد، وبه صرح ابن مالك من النحويين، وظاهر كلام أكثر الأصوليين أنها تحمل على الاستغراق، لعموم فائدته ولدلالة اللفظ عليه، ونقله ابن القُشَيْري عن المعظم، وصاحب ((الميزان)) عن أبي بكر بن السَّرَّاج النحوي، فقال: إذا تعارضت جهتا العهد والجنس يُصرف إلى الجنس، وهو الذي أورده المَاوَرْدِي والرُّوْيَانِ في أول كتاب البيع. قالا: لأن الجنس يدخل تحته العهد، والعهد لا يدخل تحته الجنس . والثالث: أنه مجمل، لأن عمومه ليس من صيغته؛ بل من قرينة نفي المعهود؛ فيتعين الجنس لأنه لا يخرج عنها، وهو قول إمام الحرمين، وتبعه ابن القَشَيْري في كتابه، وقال صاحبه إلّكيا الهراسي: إنه الصحيح، لأن الألف واللام للتعريف، وليست إحدى جهتي التعريف بأوْلى من الثانية، فيكتسب اللفظ جهة الإجمال لاستوائه بالنسبة إليهما. قلت: وما ذكره إمام الحرمين قد حكاه الأستاذ أبو إسحق في كتابه عن بعض أصحابنا، وقال قبله: إن المذهب أنه عام، ولا يصار إلى غير العموم إلا بدليل. ويخرج من كلام ابن دقيق العيد مذهب رابع، فإنه قال في «شرح العنوان»: وعندنا أن هذا مختلف باختلاف السياق ومقصود الكلام، ويعرف ذلك بقرائن ودلائل منه. وأصل الخلاف أن الألف واللام للعموم عند عدم العهد، وليست للعموم عند قرينة العهد، لكن هل الأصل فيها العموم حتى يقوم دليل على خلافه، أو الأصل أنها موضوعة للعهد، حتى يقوم دليل على عدم إرادته فيه؟ وكلام الأصوليين فيه مضطرب، ومن أخذ بظواهر عباراتهم حكى في ذلك قولين، وقد صرح بهما بعض متأخرى الحنفية، فقال: الأصل هو العهد الخارجي؛ ٨٨ لأنه حقيقة التعيين وكمال التمييز، ثم الاستغراق لأن الحكم على نفس الحقيقة بدون اعتبار الأفراد قليل الاستعمال جداً، والعهد الذهني موقوف على وجود قرينة البعضية، فالاستغراق هو المفهوم من الإطلاق حيث لا عهد في الخارج خصوصاً في الجمعية، هذا ما عليه المحققون. وقيل: العهد الذهني مقدم على الاستغراق بناء على أن البعض متيقن، وهذا معارض، فإن الاستغراق أعم فائدة وأكثر استعمالاً في الشرع، وأحوط في أكثر الأحكام، أعني الإيجاب والندب والتحريم والكراهة، وأن البعض أحوط في الإباحة ومنقوض بثبوت الماهية، فإنه لا يوجد بدون الماهية، وقد جعلوه متأخراً عن الاستغراق بها على أنه لا يفيد فائدة جديدة زائدة على ما يفيد الاسم بدون اللام . ويظهر أثر هذا الخلاف فيما إذا لم تقم قرينة على إرادة عهد، في أن العهد مراداً أم لا، هل يحمل على العموم أم لا؟ وذكر المَاوَرْدِي في كتاب ((الأيمان)) من ((الجاوي)) عند الكلام فيما ((إذا حلف لا يشرب ماء النهر)) أن الألف واللام يستعملان تارة للجنس، وللعهد أخرى، وأنه حقيقة فيهما، فإن قيل: إذا كانت القرينة تَصْرِفُ إلى العهد، وتمنع من الحمل على العموم، فهلا جعلتم العام بالألف واللام مصروفاً إلى العهد بقرينة السبب الخاص، وقلتم: إن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؟ أجيب بأن تقدّم السبب الخاص قرينة في أنه لا يراد، لا أن غيره ليس بمراد، فنحن نعمل بهذه القرينة، ونقول: دلالة هذا العام على محل السبب قطعية، وعلى غيره ظنية، إذ ليس في السبب ما يثبتها ولا ما ينفيها. [ما يفيده جمع السلامة وجمع التكسير] واعلم أن الأصوليين مصرحون بأن جمع السلامة للتكثير، كالمؤمنين والكافرين، وقسّم سيبويه وغيره من النحويين الجمع إلى قسمين: جمع سلامة وهو للتقليل للعشرة فما دونها، وجمع تكسير، وهو نوعان: ما هو للقلة، وهي أربع ٨٩ صيغ: أفعال وأفعُلٌ وأَفْعِلَة وفِعْلةَ، والباقي للتكثير. إذا عرف هذا فقد استشكل كيف يجتمع العموم مع جمع القلة، والأول يستغرق الأفراد، والثاني لا يستغرق العشرة. وجمع بينهما بوجوه: ١٣٣/ب أحدها: / أن العموم يجمع مالا يتجاوز الواحد، فاجتماع العموم مع مالا يتجاوز العشرة أولى، فإذا قلت: أكرم الزيدِين، فمعناه أكرم كل واحد مجتمع مع تسعة، أو دونها إلى اثنين بخلاف أكرم الرجال، فمعناه أکرم كل واحد منهم منضم إلى عشرة فأكثر. الثاني: أن العموم في نحو المؤمنين والمشركين من المنقولات الشرعية التي تصرّف الشارع فيها بالنقل، كما في الصلاة والحج والصوم ونحوها، فحيث جاء ذكر المؤمنين والكافرين ونحوه في الكتاب والسنة، كان المراد به العموم تصرُّفاً من الشارع فيه، وإن لم يكن ذلك مقتضى العموم لغة، ذكره الغزالي في ((المنخول»، وحكاه المازّرِيُّ عن بعض من عاصره، ثم ضعّفه بأنه لا دليل يدل على هذا التصرف، ولا ضرورة تدعو إليه. الثالث: ذكره الغزالي أيضاً أن يكون كما قاله سيبويه من أن كل اسم لا تستمر العرب فيه بصيغة التكثير، فصيغة التقليل فيه محمولة على التكثير أيضاً، لكثرة الفائدة، كقولهم: في جمع رجل أرجل، فهو للتكثير. الرابع: قال إمام الحرمين: يحمل كلام سيبويه على ما إذا كان مُنَكَّراً، وكلام الأصوليين على ما إذا كان معرفاً بأل، ووجهه بأن الاسم العلم إذا ثني أو جمع ولم يعرّف باللام كان نكرة بالاتفاق، وزالت عنه العلمية، وإنما يفيد مَفَاد العلم إذا عُرِّف بالألف واللام كالزيدين والزيود، فموضوع الجمع إذا لم يعرَّف أنه لا يفيد الاستيعاب، كما في قوله تعالى: ﴿وقالوا مالنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم﴾ [سورة ص / ٦٢]، بخلاف حالة التعريف، ويشهد له قول الفارسي وابن مالك بأن جمعي التصحيح للقلة مالم يقترن بأل التي للاستغراق، أو يضاف إلى ما يدل على الكثرة، فإن اقترن صُرِف إلى الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ [سورة الأحزاب / ٣٥]، وقوله: ﴿وهم في الغرفات آمنون﴾ [سورة سبأ / ٣٧]، وقد جمع بين ٩٠ الألف واللام والإضافة حسان (رضي الله عنه) في قوله: لنا الجَفَّنَات الغُرُّ يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نَجدةٍ دما واعترض المَازَرِي والأبْيَارِي على إمام الحرمين في نقله اتفاق الأصوليين على أن الجمع المعرف تعريفَ الجنس يفيد العموم، ونقلا الخلاف فيه عن الشيخ أبي حامد الأسفرايني، وهو غريب، والظاهر أنه لم يثبت عنه، وإنما نقل فيه عن أبي هاشم، وقد سبق في كلام أبي الحسين ما يقتضي رفع الخلاف، فكلام الإمام إذن مستقيم. وقال بعض الجدليّين: قد قيل: إن جمع القلة لا يدل على الاستغراق، وهو ما يكون على وزان الأفعال كالأبواب، أو الفِعْلة كالصِّبية، قال: ولا يبعد أن يدل هذا على الاستغراق، ولكن دلالته دون جمع الكثرة، واعترض الأصفهاني شارح ((المحصول)) عليه بأنه يُوهم أن المنكر لا خلاف فيه، وليس كذلك. الخامس: قاله الإمام أيضاً: إن جمع السلامة موضوع في العربية للقلة، وقد يستعمل في الكثرة، وكثر استعماله، فنظر الأصوليين إلى غلبة الاستعمال، ونظر النحويين إلى أصل الوضع، فلا خلاف بينهم. وهذا الذي قاله الامام نقله ابن الصائغ في ((شرح الجمل)) عن سيبويه، فقال: مذهب سيبويه أن جمعي السلامة للتقليل، غير أن كثيراً من الأسماء لاسيما الصفات يقتصر منها على جمع السلامة، ولذلك تستعمل في الكثرة أكثر من غيره، كالمسلمات والمؤمنات. وزعم ابن خروف أنهما موضوعان القليل والكثير، فإنه مشترك بينهما؛ لأنه يستعمل فيهما،. والأصل الحقيقة، وقال صاحب ((البسيط)) من النحويين: إنه الحق، وهذا أبلغ في تقوية مقالة الإمام، وقد حكاه ابن القُشَيْري في أصوله عن الزَّجَّاج أيضاً، فإنه قال في قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [سورة البقرة / ٢٠٣] وإن كان جمعَ السلامة فلا يدل على القلة، لقوله تعالى: ﴿وهم في الغرفات آمنون﴾ [سورة سبأ / ٣٧] قال ابن إياز: واستضعف، لأن اللفظ إذا دار بين المجاز والاشتراك فالمجاز أوْلى. قال: بل جمع السلامة مُذَكَّرَه ومُؤَنَّثه للقلة، ٩١ فإن استعمل في الكثرة فذلك اتساعٌ. وههنا أمران: أحدهما: أن الجمع ينقسم إلى سالم وهو ما سلمت فيه بنية الواحد كالزيدين والهندات، وقد سبق الكلام فيه، وإلى مالا يسلم كرجال، وهو ضربان: جمع قلة، وهو أربعة: أفعِلة كأرغفة، وأفْعُل كأبحر، وفِعْلة كفِتية، وأَفْعَال كأحمال، ومدلوله من الثلاثة إلى العشرة، ووقع في ((البرهان)) لما دون العشرة، وتبعه ابن القُشَيْرى، فقال: والذي أراه أنه يحمل على ما دون العشرة وهو تسعة، لتصريحهم بأنه وضع لما دون العشرة، ولم يخصوه بثلاثة أو اثنين. والصواب الأول. وقال صاحب ((البسيط)) من النحويين: قولهم: جمع القلة من الثلاثة إلى العشرة، اختلف في العشرة، فمنهم من جعلها من جمع القلة، وهو قولُ مَن أدخل ما بعد ((إلى)) فيما قبلها، ولذلك يقال: عشرة أفلْسٍ ، ومنهم من جعلها أول جمع الكثرة، والتسعة منتهى جمع القلة، وهو قول مَن لم يُدْخِل، وأما تمييزها بجمع القلة فلقربها من جمع القلة. قال تعالى: ﴿عليها تسعة عشر﴾ [سورة المدثر / ٣٠] فجمع في هذين العددين أكثر القليل وأقل الكثير، وما بعد العشرة كثير بالاتفاق. انتهى. وهذه فائدة. [ما يدل عليه جمع الجمع] ونبه بعد ذلك على فائدة أخرى، وهي أنه جاء الجمع في ألفاظ مسموعة نحو: نعم وأنعام وأناعيم، وهذا جمع الجمع. قال: وأقله سبعة وعشرون، لأن النعم اسم للجمع وأقله ثلاثة، وأنعام جمعه وأقله تسعة، وأناعيم جمعه وأقله ذلك، ولو قلت: في هذه المسألة أقاويل لكان أقلها تسعة، لأنها جمع أقوال، وأقلها ثلاثة، قال إمام الحرمين: ولم يوضع للاستغراق باتفاق، قال الأبْيَارِى: إن أراد ظاهراً فنعم، وإن أراد أنه لا يحتمله قطعاً فباطل، وقد قال أئمة العربية: إن الجمع القليل يوضع موضع الكثير وعكسه. واعلم أن الإمام مثّل بعد ذلك بقوله: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ [سورة ٩٢ الانفطار / ١٣] وظاهره إلحاق أبنية القلة من جمع التكسير بجمع السلامة في إفادة العموم، وبه صرح ابنٍ قَدَامة في ((الروضة))، فقال: إنها تفيد العموم إذا عرِّفت، ويكون العموم مستفاداً من الألف واللام المقتضية للجنس كما كان قبله في أسماء الأجناس المفردة. وهو اختيار الأصفهاني والقَرَافي. وقضية كلام الرَّازِي فى ((المحصول)) وابن الحاجب: تخصيص ذلك بالجمع السالم، وأن جمع التكسير لمّا كان للقلة لا يفيد الاستغراق، وإن عُرِّف تعريف جنس، وصرح بهِ الإمام أبو نصر بن القُشَيْري في كتابه في الأصول، وجعل الاستغراق خاصاً بجمع السلامة إذا عُرِّف، قال: وإنما حمل قوله: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ [سورة الانفطار / ١٣] على العموم لقرينة. [فائدة «أل» اذا دخلت عَلى الجمع] الثاني: أن أداة العموم إذا دخلت على الجمع فهل تسلبه معنى / الجمع ويصير ٢/١٣٤ للجنس، ويحمل على أقله وهو الواحد؛ لئلا يجتمع على الكلمة عمومان أو معنى الجمع باق معها؟ مذهب الحنفية الأول، وقضية مذهبنا الثاني، ولهذا اشترطوا ثلاثة من كل صنف في الزكاة إلا العاملين، وقالوا لو حلف لا يتزوج النساء أو لا يشتري العبيد حنث عندهم بالواحد، وعندنا لا يحنث إلا بثلاثة، كما نقله الرافعي في كتاب الطلاق محافظة على الجمع، ولم ينظروا إلى كونه جمع كثرة حتى لا يحنث إلا بأحد عشر. نعم، ذكر المَاوَرْدِي في باب الأيمان من ((الحاوى)) أنه لو حلف لا يتصدق على المساكين حنث بالصدقة على الواحد، بخلاف مالو قال: لأتصدقن فلا يحنث إلا بثلاثة(١)، لأن نفي الجمع ممكن وإثبات الجمع غير ممكن: وقال السَّرُوجى في ((الغاية)): ذكر ابن الصباغ في الشامل أن اللام إذا دخلت على الجموع تجعلها للجنس كقولنا، لكن اشتراطهم الثلاثة من كل صنف في الزكاة يخالف ما قاله ابن الصباغ. (١) قال الشيخ: معلقاً هنا فيما نقل عنه ناسخ الأزهرية: ((لعله: فلا يبرأ إلا بثلاثة)). ٩٣ قلت: وعند أبي حنيفة لو حَلف لا يكلمه الأيام أو الشهور، وقع على العشرة، وعند صاحبيه يحمل على الأسبوع والسنة، لأنه أمكن العهد، ولا يحمل على الجنس، والراجح ما صار إليه أصحابنا؛ لأن فيه عملاً بالصيغتين، وهو بقاء معنى اللام، ومعنى الجمعية، لأنه المستعمل، قال تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾ [سورة الأحزاب / ٥٢] وقولهم: فلان يركب الخيل. ويلزم الحنفية أن لا يصح منه الاستثناء ولا تخصيصه، وكذلك في اسم الجنس المحلى بالألف واللام. وقد قال تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس﴾ [سورة ص / ٧٣ - ٧٤] وقال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [سورة التوبة / ٢٩] إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [سورة التوبة/٢٩] ولا شك أن الباقي بعد تخصيص أهل الذمة لا يتناهى. وقال تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا﴾ [سورة العصر / ٣،٢] وقال تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥] والباقي بعد تخصيص الربا تحت البيع دائر بين الأقل والكل، وهو كثير، وأيضاً اتفق العقلاء على جواز: جاءني القوم إلا زيداً، ويلزم منه أن لا يطلق جنس من الأجناس إلا على الفرد الحقيقي أو على كل الجنس، وهو بعيد؛ لأن النحاة أطبقوا على أن المصدر يصلح القليل والكثير بدون تقييدهم بالفرد الحقيقي أو الكل، بل أطلقوا ذلك، وكذلك قالوا: المصدر لا يثنى ولا يجمع لصلاحيته القليل والكثير، فلا يحتاج إلى تثنيته وجمعه . وقال ابن المنير في تفسيره: اللام تفيد الاستيعاب، والجمعيّة تفيد التعدد، وما كل تعدد استيعاباً، فإن قلت: أليس يتداخل التعدد والاستيعاب، فينبغي أن يكتفى بالاستيعاب، فلا يحتاج مع اللام الجنسية إلى الجمع؟ قلت: احتيج إلى صيغة الجمع، لقطع احتمال التخصيص إلى الواحد، فالجنس العام المفرد يجوز أن يخصَّص إلى الواحد، ولا يجوز في الجمع العام الجنس أن يخصّص إلى الواحد؛ بل يقف جواز التخصيص عند أقل ذلك الجمع، ولك أن تقول: الرجل أفضل من المرأة تفضيل للجنس واحداً واحداً، والرجال أفضل من النساء تفضيل للجنس ٩٤ جماعة جماعة، وكل واحد منهما لغرض يخصه، وهذا بالنسبة إلى الإثبات، وأما في النفي، فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [سورة الأنعام / ١٠٣] إنه للاستغراق دون الجنس، وأن المعني لا يدركه كل بصر، وهو سلب العموم أعني نفي الشمول، فيكون سلباً جزئياً، وليس المعنى لا يدركه شيء من الأبصار، ليكون عموم السلب، أي شمول النفي لكل واحد، فيكون سلباً كلياً، كما أن الجمع المعرف باللام في الإثبات الإيجاب الحكم لكل فرد، فكذلك هو في النفي السلب الحكم عن كل فرد، كقوله تعالى: ﴿وما الله يريد ظلماً للعباد﴾ [سورة غافر / ٣١] ﴿فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [سورة آل عمران / ٣٢] ﴿إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [سورة المنافقون / ٦] وأجاب بعضهم بجواز أن يكون ذلك باعتبار أنه للجنس، والجنس في النفي يعم، وبأن الآية الأولى تعم الأحوال والأوقات، وبأن الإدراك بالبصر أخص من الرؤية، فلا يلزم من نفيه نفيها. [اسم الجمع إذا دخلته الألف واللام] وأما اسم الجمع إذا دخلته الألف واللام فظاهر كلام أصحابنا أنه للجنس، ولهذا لو حلف لا يكلم الناس حنث بالواحد، كما لو قال: لا آكل الخُبز حنث ببعضه، بخلاف ما لو قال: لا أكلم ناساً يحمل على ثلاثة. نقله الرافعي في باب الأيمان عن ابن الصباغ وغيره. لكن نص الشافعي فيمن حلف لا يقرأ القرآن أنه لا يحنث إلا بجميعه، وهو يدل على أن حكمه حكم الجمع في إفادة الاستغراق، وظاهر كلام أبي الحسين في ((المعتمد)) جريان خلاف أبي هاشم فيه، فإنه جعل من صور الخلاف لفظ الناس، وجعل إلْكِيا الهراسي الجمع مما يعم بصيغته ومعناه، وهذا مما يعم بمعناه لا بصيغته . ٩٥ [أقل ما يدل عليه لفظ الطائفة] واستثنى بعض الحنفية من هذا القسم لفظ الطائفة. قال: لأنه لا يدل إلا على قطعةٍ من شيء، واختلف في أقل ما يطلق عليه ذلك، هل هو ثلاثة أو أقل؟ فمن حيث كان مدلولها القطعة من الناس لم تكن عامة؛ لأن مدلول العموم شمول لغير متناه ولا محصور، قلت: ونص الشافعي في ((المختصر)) على أن أقل الطائفة ثلاثة، فقال في باب صلاة الخوف: والطائفة ثلاثة فأكثر، وأكره أن يُصلى بأقل من طائفة انتهى. هذا نصه، واتفق عليه الأصحاب. وذكروا عن أبي بكر بن داود أنه قال: قول الشافعي: أقل الطائفة ثلاثة خطأ، لأن الطائفة في اللغة والشرع تطلق على واحد، أما في اللغة: فحكى ثعلب عن الفراء أنه قال: مسموع من العرب، أن الطائفة الواحد، وأما في الشرع فلأن الشافعي (رضي الله عنه) احتج في قبول خبر الواحد بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [سورة التوبة / ١٢٢] فحمل الطائفة على الواحد، وقال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [سورة النور / ٢] والمراد واحد. وأجيب بأجوبة أشهرها: تسليم أن الطائفة يجوز إطلاقها على الواحد فما فوقه، وحكاه الجوهري عن ابن عباس، وقاله ابن قُتَيْبَة وابن فارس في ((فقه العربية))، وإنما أراد الشافعي أن الطائفة في صلاة الخوف يستحب أن لا تكون أقل من ثلاثة لقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم﴾ [سورة النساء / ١٠٢] وقال في الطائفة الأخرى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حِذرهم وأسلحتهم﴾ [سورة النساء / ١٠٢] فذكرهم بلفظ الجمع في كل المواضع، وأقل الجمع ثلاثة. وثانيهما: أنها لا تطلق إلا على ثلاثة كما هو ظاهر النص، وبه صرح غير واحد من أهل اللغة، منهم الزمخشرى، فقال: وأقلها ثلاثة أو أربعة، وإنما حمل الشافعي ٩٦ الطائفة على الواحد في قوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [سورة التوبة / ١٢٢] بالقرينة، وهي حصول الإنذار بالواحد كما حمله في الأولى على الثلاثة بقرينة وهي ضمير الجمع. وقال القَفَّل الشّاشي في كتابه في الأصول في الكلام على أقل الجمع: جاء أن الشافعي يذهب إلى أن / أقل الجمع ثلاثة، وقال: وذهب بعضهم إلى أنها تقع ١٣٤ / ب على الواحد كالقطعة، فيقال: هذه طائفة من هذا، أي قطعة منه. قال: وذهب أصحابنا إلى أن الطائفة إنما تطلق على القطعة من الشيء الواحد، فلا يكون حينئذ فيه دليل على الجمع، كقوله: هذه طائفة من الثوب ونحوه، فأما إذا أطلق اسمها على جنس كالناس والحيوان والفيل، فالمقصود بها الجماعة، كما يقال: ((كان طائفة من الناس)) أي جماعة، والجماعة أقلها ثلاثة. هذا كلامه. وقد اختلف في دلالة بعض أفراد هذا النوع كالقوم، فإن بعضهم قال: يعم الذكور والإناث، والصحيح اختصاصه بالذكور بدليل قوله: ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء﴾ [سورة الحجرات / ١١] وكذلك الرهط. قال الجوهرى وغيره: إنه اسم لما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. وقال ابن سِيدَه: الرهط جَمْعٌ من ثلاثة إلى عشرة، وكذلك النفر، وعلى هذا ففي عدِّ هذه الأسماء من صيغ العموم نظر. إسم الجنس إذا ادخلت عليه الألف واللام وأما اسم الجنس بأقسامه السابقة، فإذا دخلت عليه الألف واللام سواء الاسم كالذهب والفضة، أو الصفة المشتقة كالضارب والمضروب والقائم والسارق والسارقة، فإن كان للعهد فخاص، سواء الذُّكْرِى كقوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً. فعصى فرعون الرسول﴾ [سورة المزمل / ١٥، ١٦] أو الذُّهْنِى كقوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً﴾ ٩٧ [سورة الفرقان / ٢٧]، فإن اللام في الرسول للعهد، وهو النبي وَلّ، وإن لم يَجْر له ذكر في اللفظ. وإن لم يرد به معهود، فاختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنه يفيد استغراق الجنس، ونقل عن نص الشافعي في ((الرسالة) و((البويطي))، ونقله أصحابه عنه في قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [سورة البقرة / ٢٧٥]، وهو كذلك في ((الأم)) من رواية الربيع، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [سورة المنافقون / ٨] إنكاراً على قول عبد الله بن أَبِيّ ﴿ليخرجَنّ الأعز منها الأذل﴾ [سورة المنافقين / ٨] فدل على أن اسم الجنس المعرّف يعم، ولولا ذلك لما تطابق، والفقهاء كالمجمعين عليه في استدلالهم بنحو ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة / ٣٨] ﴿الزانية والزاني﴾ [سورة النور / ٢] وهو الحق؛ لأن الجنس معلوم قبل دخول الألف واللام، فإذا دَخَلتا ولا معهود، فلو لم يجعله للاستغراق لم يفد شيئاً جديداً. وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينى، وسليم الرَّازي في ((التقريب)): ((إنه المذهب))، ونقله الأستاذ أبو منصور عن القائلين بالصيغ. قال القاضي عبد الوهاب: وهو قول جمهور الأصوليين، وكافة الفقهاء. وقال به أبو عبد الله الجُرْجَانى، ونسبه لأصحابه الحنفية. وقال القرطبي: إنه مذهب مالك وغيره من الفقهاء. وقال الباجي: ((إنه الصحيح))، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى، وابن برهان وابن السَّمْعاني والجُبَّائي، ونصره عبد الجبار وصححه إلْكِيا الطبري وابن الحاجب، ونقله الآمدي عن الشافعي والأكثرين، ونقله الإمام فخر الدين عن المُبَرِّد والفقهاء. قلت: ونص عليه سيبويه، فإنه قال: قولك شربت ماء البحر محكوم بفساده، لعدم الإمكان، ولولا اقتضاؤه العموم لما جاء الفساد. لكن اختلف أصحابنا في أن العموم فيه من حيث اللفظ أو المعنى على وجهين، حكاهما الشيخ أبو حامد وسليم الرازي في ((التقريب))، وابن السَّمْعاني في ((القواطع))، وصحح ابن السَّمْعاني أنه من حيث المعنى، وكأنه لما قال: ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة المائدة / ٣٨] فُهِم أن القطع من أجل السرقة. ٩٨ وصحح سليم أنه من جهة اللفظ لأن اللام إما للعهد وهو مفقود، فبقي أن يكون لاستغراق الجنس، وذلك مأخوذ من اللفط، وشرط بعضهم لإفادته العموم أن يصلح أن يخلف اللام فيه ((كل)) كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ [سورة العصر / ٢] ، ولهذا صح الاستثناء منه. والثاني: أنه يفيد تعريف الجنس، ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل، وحكاه صاحب ((المعتمد)) عن أبي هاشم، وحكاه صاحب ((الميزان)) عن أبي علي الفارسي النحوي، واختاره الإمام فخر الدين وأتباعُهُ، وحكى بعض شراح ((اللمع)) عن الجُبَّائي أنه على العهد، ولا يقتضي الجنس، قال: وحقيقة هذا القول أنه إذا لم يعرف عين المعهود صار مجملاً، لأنه لا يعرف المراد إلا بتفسير، وهذا صفة المجمل. والثالث: أنه مشترك يصْلح للواحد والجنس، ولبعض الجنس، ولا يصرف إلى الكل إلا بدليل، وحكاه الغزالي، وقال الأستاذ أبو إسحاق: ذهب بعض أصحابنا إلى أنه مجمل يحكم بظاهره، ويطلب دليل المراد به. والرابع: التفصيل بين ما فيه الهاء، وبين مالا هاء فيه، فما ليس فيه الهاء للجنس عند فقدانها، وفي القسم الآخر التوقف، ونقله الأبيارى عن إمام الحرمين، وقال: إنه الصحيح، والذي في البرهان ونقله عنه المازري أنه إن تجرد عن عهد فللجنس، نحو الزانية والزاني(١)، وإن لاحَ عدمُ قصْدِ المتكلم للجنس فللاستغراق، نحو الدينار أشرف من الدرهم، وإن لم يعلم هل خرج على عهد أو إشعار بجنس فمجمل، وأنه حيث يعم لا يعم بصيغة اللفظ، وإنما ثبت عمومه، وتناوله الجنس بحالة مقترنة معه مشعرة بالجنس. (١) أى من قوله تعالى في سورة النور (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة). ٩٩ الخامس: التفصيل بين أن يتميز لفظ الواحد فيه عن الجنس بالتاء، كالتمر والتمرة، فإذا عري عن التاء اقتضى الاستغراق، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تبيعوا البر بالبر، والتمر بالتمر)، قال في ((المنخول)): وأنكره الفرَّاء مستدلاً بجواز جمعه على تمور، ورد بأنه جمع على اللفظ لا المعنى. وإن لم تدخل فيه التاء للتوحيد، فإن لم يتشخص مدلوله، ولم يتعدد ((كالذهب)) فهو لاستغراق الجنس، إذ لا يعبر عن أبعاضه بالذهب الواحد، وإن تشخص مدلوله وتعدد كالدينار والرجل، فيحتمل العموم، نحو لا يقتل المسلم بالكافر، ويحتمل تعريف الماهية، ولا يحمل على العموم إلا بدليل، وإنما يفهم الجنس في قولك: الدينار أفضل من الدرهم بقرينة التسعير. وهذا التفصيل ذكره الغزالي في ((المستصفى))، و((المنخول))، واختاره الشيخ تقي الدين بن دَقِيق العيد والَرِيسِي ، ونازعه بعض المغاربة فيما ذكره في الدينار والرجل. وقال: الحق ما حَقّقَه هو في كتاب ((معيار العلم)) في الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام لتعريف الجنس، فإنه أطلق فيه اقتضاءه الاستغراق بمجرده، ولا يحتاج فيه إلى قرينة زائدة. وقال في ((المستصفى)): يحتمل كونها للعهد أو الجنس. وكأنه حقيقة فيهما، وهذا تناقض. قال: والعموم فيه غير عموم الحكم لكل واحد، فإن عموم الاسم المفرد إنما معناه أنه يدل على معنى يدخل تحته كثرة تشمله، ويصح أن يخبر به عن كل واحد منها، وهذا معنى كون المفرد كلياً، وأما العموم الآخر، وهو عموم الحكم لكل واحد، فلا يكون إلا في قول: كخبر، أو أمر، أو نهي، مثل: الإنسان في خسر، واقتلوا المشركين، والحكم في قولك: خسر، وكذلك القتل في الأمر. . انتھی ١/١٣٥ / وحكى الإمام وابن القُشَيْري عن بعض القائلين بصيغ العموم أن ما كان من أسماء الأجناس يجمع كالتمر والتمور، فإن ذلك لا يقتضي الاستغراق؛ لأن ذلك إنما يؤخذ منه حالة الجمع. قال الإمام: وهذا لا حاصل له، فإن الاستغراق ثابت في أسماء الأجناس، ويرد عليهم امتناع قول القائل: تمر واحد، وهو أظهر من متعلقهم في الجمع. ١٠٠