Indexed OCR Text

Pages 421-440

الخلاف في كلام الله تعالى، لأن مثبتي كلام النفس مطبقون على اتحاد كلام الله
من أمر ونهي ووعد ووعيد واستفهام إلى جميع الأقسام الواقعة في الكلام، فهو
تعالى آمر بعين ما هو ناً عنه، ولا شك أن قول القائل: ((تحرك)) غير قوله: ((لا تسكن)»
وإنما النظر في قوله: ((افعل)) إنما يتضمن ذلك على خلاف فيه طلب الفعل فهو
طالب ترك ضده أم لا؟ وكذا قال الصفي الهندي : هذا النزاع غير متصور في كلام
الله تعالى على رأي من يرى اتحاده، بل في كلام المخلوقين وفي كلام الله تعالى على
رأي من يرى تعدده.
وقال ابن القشيري: الكلام في هذه المسألة مع مثبتي كلام النفس أما من نفاه
فلا يمكنه أن يقول: الأمر عين النهي، فإن صيغة ((افعل)) غير صيغة ((لا تفعل))
لكنهم قالوا: يقتضيه من طريق المعنى. قال: وصار إلى هذا ضعفة الفقهاء، ومن
لم يتحقق عنده كلام النفس.
ثم قال: الخلاف في أمر المخلوق، أما كلام الله فهو قديم، وهو صفة واحدة
يكون أمرا بكل مأمور، ونهيا عن كل نهي، خبرا عن كل مخبر، ثم قال في آخر
المسألة: والقول بأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده يلزم المصير ألى مذهب
الكعبي، لأن من ضرورة ارتكاب المباح أن يترك محظورات، فالوجه النظر إلى
مقصود الآمر والناهي والمبيح لا فيما يقع من ضرورة الجبلّة، وهذا نهاية المسألة.
[النهي عن الشيء إن كان له أضداد]
أما النهي عن الشيء فأمر بضده إن كان له ضد واحد بالاتفاق كالنهي عن
الحركة يكون أمرا بالسكون، وإن كان له أضداد، فاختلفوا فيه، فقيل: نفس
الأمر بضده كما في جانب الأمر قاله القاضي، ثم مال آخراً إلى أنه يتضمنه، وقيل:
بل ذلك في جانب الأمر لا النهي، فلا يجري الخلاف.
وقال إمام الحرمين في ((البرهان)): الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن النهي
عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهي عنه، والأمر بالشيء نهى عن جميع أضداد المأمور
به، وجرى عليه القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)). وابن السمعاني في ((القواطع)»
وسليم الرازي في ((التقريب)) فقالوا: إن كان له ضد واحد فهو أمر بذلك الضد
٤٢١

أى: تضمنًا، كما قاله سليم كالصوم في العيدين، وكقوله: لا تكفر فإنه أمر
بالإيمان.
وإن كان له أضداد كثيرة فهو أمر بضد واحد، لأنه يتوصل إلى ترك المنهي عنه
إلا به، فأما إثبات الأمر بسائر الأضداد فلا معنى له، وحكاه ابن برهان في
((الأوسط)) عن العلماء قاطبة.
وقال صاحب ((اللباب)) من الحنيفة: النهي يقتضى الأمر بضده إن كان ذا ضد
واحد، فإن كان له أضداد، فقال أبو عبدالله الجرجاني: لا يقتضي أمراً بها.
وقال الشافعي: يقتضى أمراً بالواحد، وهو قول عامة أصحابنا. انتهى.
وحكى إمام الحرمين قولا ثالثا: إنه ليس بأمر بشيء مطلقا، وشنّع على من قال
بأن النهي عن ذي أضداد أمر بأحد أضداده، فقال: من قال: إن النهي عن الشيء
أمر بأحد أضداده فقد اقتحم أمرا عظيما، وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي
الإباحة، فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال: الأمر بالشيء نهى عن الأضداد،
١١٧/ب ويتضمن لذلك من حیث تفطن لغائلة / المعنی فقد ناقض كلامه فإنه کما یستحیل
الإقدام على المأمور به دون الانكفاف عن أضداده فيستحيل الانكفاف عن المنهي
[عنه](١) دون الاتصاف بأحد أضداده.
والتحقيق: في هذه المسألة: ما أشار إليه ابن القشيري أن هَهُنا شيئين:
أحدهما: كون الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟.
الثاني: المأمور بشيء منهي عن جميع أضداده، وأن الآمر به ناه عن جميع
الأضداد.
فأما الثاني فقد نقل القاضي فيه الإجماع، وقال أبو نصر بن القشيري: أنا لا
أشك أن هذا ممنوع، ثم ذكر أن القاضي قال: إن منع ذلك مانع قيل له: هذا
خرق ما عليه الكافة مع أنا نلجئه إلى ما قيل له به، فنقول: إذا ورد الأمر على
الجزم بشيء وهو مقيد بالفور وانتفى عنه سمة التخيير، فتحريم ضد الامتثال
(١) هذه الزيادة من ((البرهان)) ٢٥٥/١.
٤٢٢

لاشك فيه، إذ لو لم يحرم فما معنى وجوب الامتثال؟ انتهى.
وأما الأول فلا سبيل إلى القول به مع تجويز عدم خطوره بالبال، وعلى تقدير
الخطور فليس الضد مقصودا بالذات، وإنما هو ضروري دعا إليه تحقق المأمور
به، وليس كل ضروري للشيء يقال له: إنه مدلوله أو يتضمنه.
قال: وهذا التحقيق تحرير في أن الآمر بالشيء ليس ناهيا عن أضداده، لأن
الأمر للقيام طالب له، وقد لا يخطر له ضده، فيكف يطلب؟
واعلم أنهم اتفقوا على أن عين الأمر لا يكون نهيا عن ضد المأمور به، وكذا
النهي عن الشيء لا يكون أمرا بضد المنهي عنه، لكنهم اختلفوا في أن كل واحد
منهما هل يوجب حكما في ضِدّ ما أضيف إليه؟ فذهب أبو هاشم وغيره من متأخري
المعتزلة إلى أنه لا حکم له في ضده أصلا بل هو مسكوت عنه، وإليه ذهب إمام
الحرمين والغزالي، وذهب بعض المعتزلة كعبد الجبار وأبي الحسين إلى أن الأمر
يوجب حرمة ضده، وذهب جماعة من محققي الحنفية إلى أنه يدل على كراهة ضده.
وفائدة الخلاف: أن من قال: لا يقتضي تحريم الضدّ، قال: إذا أدّى الاشتغال
به إلى فوات المأمور به حرم، لأن تفويت المأمور به حرام، فلّما نهى المحرم عن لبس
المخيط دل على أن من السنة لبس الإزرار والرداء.
تنبيهات
الأول
أطلقوا الأمر وهو يشمل الواجب والمندوب، وبه صرح القاضي في ((مختصر
التقريب)) وجعلها نهيا عن الضد تحريما وتنزيها، ونقل تخصيصه بالواجب عن بعض
أهل الحق، وهو الذى حكاه القاضي عبد الوهاب في ((الملخّص)) عن الشيخ،
فقال: ذهب الشيخ إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان له ضد واحد،
وأضداده إن كان ذا أضداد.
٤٢٣

وحكى القاضي أنه - يعني الشيخ - شرط في ذلك أن يكون واجبا لاندبا. قال:
وقد حکی عن الشيخ أنه قال في بعض کتبه: إن الندب حسن ولیس مأمورا به،
وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر، إذ هو حينئذ لا يكون إلا
واجبا، ثم قال القاضي: والصحيح عندي أن الأمر بالشيء نهى عن ضده من
وجوب وندب.
قال: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك شرطين:
أحدهما: أن يكون مع وجوبه مضيقًا مستحق العين لأجل أن الواجب الموسع
ليس بنهي عن ضده.
والثاني: أن یکون نهیا عن ضده، وضد البدل منه الذى هو بدل لاما إذا كان
أمرا على غير وجه التخيير. انتهى.
وهذا الشرط الثاني قد سبق تصوير المسألة به، وقد ذكرهما الشيخ أبو حامد
الأسفرايني في كتابه، فقال: إذا كان شيء واحد مضيق معين لا بدل له، وذكره
ابن القشيري أيضا، فقال: هذا في الأمر بالشيء على التنصيص لا على التخيير،
فإن الأمر على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، فيكون الواجب أحدهما لا بعينه.
وذكر عبد القاهر البغدادي أن الأمر بالشيء إنما يكون نهيا عن ضده إذا كان
المأمور به مضيق الوجوب بلا بدل ولا تخيير، كالصوم، فأما إذا لم يكن كذلك فلا
یکون نہیا عن ضدّه، کالكفارات واحدة منها واجبة مأمور بها غير منهي عن تركها،
لجواز ردها إلى غيرها، كما في الأمر.
وقد احترز القاضي عن هذا فقال: الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به
وبدله القائم مقامه إن كان له بدل، فيخرج بذلك الأمر المشتمل على التخيير.
انتھی .
وذكر صاحب ((القواطع)) أن المسألة مصورة بما إذا كان الأمر يوجب تحصيل
المأمور به على الفور فلا بدّ من ترك ضده عقب الأمر كما لا بد من فعلة عقبة
الأمر، فأما إذا كان الأمر على التراخي فلا، وهكذا ذكره بعض الحنيفة كشمس
الأئمة وغيره أنه إنما يقتضي النهي عن ضده إذا اقتضى التحصيل على الفور، وأما
٤٢٤

الأول فاستشكل وجهه فإن الموسع ان لم يصدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى
يستثنى منه قولهم الأمر الشيء نهي عن ضده؟ وإن صدق عليه واجب بمعنى أنه لا
يجوز إخلاء الوقت عنه فضده الذي يلزم من فعله تقويته منهي عنه.
وحاصله: أنه إن صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيا عن ضده وإلا فلا وجه
الاستثنائه كما قلنا في المخيّر.
الثاني: ذكر بعضهم أن الخلاف إنما هو في الضد الذى هو الأمر الوجودي الذي
هو من لوازم نقيض الشيء المأمور به، فالأمر بالحركة هل هو نهي عن نفس
السكون الذي هو ضد أم لا؟ هذا هو موضع الخلاف. أما النقيض فلا خلاف
أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن نقيضه، فإن الحركة نقيض اللاحركة فاللاحركة
نقيض، وليس بضد بل ضد الحركة هو السكون، وهذا أمر وجودي إلا أنه لازم
مساو لنقيض الحركة، فإذا وجد الأمر بالحركة فهذا بعينه نهي عن نقيضها، لأن
النهي عن نقيضها هو سلب لسلبها، وهو في نفسه عبارة عن سلب الحركة وسلب
سلب الحركة هو نفس الحركة، لأن سلب السلب إثبات، وطلب سلب الحركة هو
طلب سلب نفس الحركة، فيكون الأمر بالحركة هو بعينه نهياً عن نقيضها، وهو
سلب الحركة .
الثالث: ذكر بعضهم أن موضع الخلاف إذا لم يقصد ((الضد)» بالنهي فإن قصد
كقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن﴾ [سورة البقرة/٢٢٢] فإن
الضد مثل هذه الصورة حرام بلا خلاف.
٤٢٥

النَهي
هو اقتضاء كف عن فعل، فالاقتضاء جنس، و((كف)) مخرج للأمر لاقتضائه غير
الكف.
وشرط ابن الحاجب هنا على جهة الاستعلاء كما شرطه في الأمر، وقال القرافي: لم
يذكروا الخلاف السابق في الأمر في اشتراط العلو أو الاستعلاء هنا، ويلزمهم التسوية
بين البابين.
قلت: قد أجراها ابن السمعاني في ((القواطع)) وليس من شرط النهي كراهة المنهي عنه
كما ليس من شرط الأمر إرادة المأمور به خلافا للمعتزلة حيث اعتبروا إرادة الترك كما في
١/١١٨ الأمر. وللنهي صيغة مبنية له تدل بتجريدها عليه وهي / قول القائل: لا تفعل، وفيه
الخلاف السابق في الأمر.
وقال الأشعري: ومن تبعه: ليس له صيغة، والصحيح: الأول.
وإذا قلنا: له صيغة، ففيه مذاهب:
أحدها: ونسب للأشعرية أنه موقوف لا يقتضي التحريم وغيره إلا بدليل.
والثاني: أنه للتنزيه حقيقة لا للتحريم لأنها يقين فحمل عليه ولم يحمل على التحريم
إلا بدليل، وحكاه بعض أصحابنا وجها، وعزاه أبو الخطاب الحنبلي لقوم.
والثالث: أنه للتحريم حقيقة كما أن مطلق الأمر للوجوب، لأن الصحابة رجعوا في
التحريم إلى مجرد النهي، ولقوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [سورة الجشر/ ٧] وهذا
هو الذي عليه الجمهور، وتظاهرت نصوص الشافعي عليه، فقال في ((الرسالة)):
في باب العلل في الأحاديث: وما نهى عنه رسول الله وَّر فهو على التحريم حتى
يأتي دلالة على أنها إنما أراد به غير التحريم، وقال في ((الام)) في كتاب صفة الأمر
والنهي: النهي من رسول الله ويّيو إن كان ما نهى عنه فهو محرم حتى تأتي دلالة أنه
٤٢٦

بمعنى غير التحريم، ونص عليه في ((أحكام القرآن)) أيضا.
قال الشيخ أبو حامد: قطع الشافعي قوله: إن النهي للتحريم بخلاف الأمر،
فإنه في بعض المواضع لَيْنْ القول فيه، وهذا الذى قاله الشيخ أبو حامد هو الذى
دل عليه كلام الشافعي كما سبق.
فنقول : إن النهي للتحريم قولا واحدا حتى يرد ما يصرفه، وله في الأمر
قولان، وعلى هذا فهل يقتضي التحريم من جهة اللغة أم من جهة الشرع؟ فيه
وجهان. كالوجهين في الأمر، ثم المراد صيغة ((لا تفعل)) فأما لفظ ((ن هـ ي)) فإنه
للقول الطالب للترك أعم من أن يكون حراما أو مكروها.
وقال ابن فورك: صيغته عندنا ((لا تفعل)) و((انته)) و((اكفف)) ونحوه.
٤٢٧

[ورود صيغة النهي لمعَان]
وترد صيغة النهي لمعان:
أحدها: للتحريم، كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [سورة الاسراء/٣٢]
الثاني: الكراهة، كقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [سورة
الأنعام/١٢١] ومثله الهندي بقوله: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٥] أي
على عقدة النكاح، وقد يدل عليه السياق كقوله: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه
تنفقون﴾ [سورة البقرة/٢٦٧] قال الصيرفي: لأن حثهم على إنفاق أطيب أموالهم، لا
أنه يحرم عليهم إنفاق الخبيث من التمر أو الشعير من القوت، وإن كانوا يقتاتون ما
فوقه، وهذا إنما نزل في الأقناء التي كانت تعلق في المسجد، فكانوا يعلقون
الحشف.
قال: فالمراد بالخبيث هنا الأردأ، وقد يقع على الحرام، كقوله ﴿ويحرم عليهم
الخبائث﴾ [سورة الأعراف/١٥٧].
وقد يعلل بالتوهم، لقوله ويلشير: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في
الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده) وكذلك حديث عدي في العبد:
(إني أخشى أن يكون قد أمسك على نفسه) فنبهه على مظنة الشبهة احتياطا.
الثالث: الأدب، كقوله: ﴿لا تنسوا الفضل بينكم﴾ [سورة البقرة/٢٣٧].
الرابع: التحقير لشأن المنهي عنه، كقوله تعالى: ﴿ولا تمّدنّ عينيك إلى ما متعنا
به﴾ [سورة الحجر/٨٨].
الخامس: التحذير، كقوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [سورة آل
عمران/ ١٠٢].
السادس: بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
أمواتا﴾ [سورة آل عمران/١٦٩].
السابع: اليأس، كقوله تعالى: ﴿لا تعتذروا﴾ [سورة التوبة/٦٦).
٤٢٨

الثامن: الإرشاد إلى الأحوط بالترك، كقوله تعالى: ﴿ولا تسألوا عن أشياء﴾
[سورة المائدة/ ١٠١] ومنه قوله رَله: (لا تعمروا ولا ترقبوا) قال الرافعي في باب الهبة:
قال الأئمة: هذا إرشاد معناه: لا تعمروا طمعا في أن يعود إليكم، واعلموا أن
سبيله سبيل الميراث.
التاسع: اتباع الأمر من الخوف كقوله: ﴿ولا تخف إنك من الآمنين﴾ [سورة
القصص / ٣١].
العاشر: الدعاء، كقوله: (لا تكلنا إلى أنفسنا).
الحادي عشر: الالتماس، كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا.
الثاني عشر: التهديد، كقولك لمن لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري.
الثالث عشر: الإباحة وذلك في النهي بعد الإيجاب فإنه إباحة للترك.
الرابع عشر: الخبر، ومثّله الصيرفي بقوله تعالى: ﴿لا تنفذون إلا بسلطان﴾
[سورة الرحمن/٣٣] فالنون في ((تنفذون)) جعل خبراً لا نهيا يدل على عجزهم عن
قدرتهم ولولا النون لكان نهيا، وأن لهم قدرة كفّهم عنها النهي، وعكسه قوله: ﴿لا
ريب فيه﴾ [سورة البقرة/٢] أي: لا ترتابوا فيه على أحد القولين، كقوله تعالى ﴿ولا تموتن
إلا وأنتم مسلمون﴾ [سورة آل عمران/١٠٢] لم ينههم عن الموت في وقت، لأن ذلك ليس
إليهم، وقوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشتركة﴾ [سورة النور/٣] لفظه الخبر
ومعناه النهي أي: لا تنكحوا. وليست حقيقة في الكل اتفاقا بل البعض، وهو إما تحريم
فقط، وإما الكراهة فقط، وإما هو مشترك بينهما أو هي مشتركة بينهما أقوال: والأول
معنوي، والثاني لفظي، أو لا يدري حال هذه الأقسام مع أنه غير خارج عنها، أو
الوقف على ما سبق في الأمر.
وحكى الغزالي القول بالإباحة هنا، ورأيت من ينكره عليه، وإنما قال الغزالي
في ((المنخول)): إن من حمل الأمر على الإباحة ورفع الحرج حمل هذا على رفع الحرج
في ترك الفعل.
وقال أبو زيد في ((التقويم)): لم أقف على الخلاف في حكم النهي كما في الأمر،
فيحتمل أن تكون أقوالهم في النهي على حسب اختلافهم في الأمر، فمن قال
٤٢٩

بالوقف ثم يقول به هنا، ومن قال بالإباحة ثمّ يقول بالإباحة هنا، وهو إباحة
الانتهاء، ومن قال بالندب هناك بندب الانتهاء هنا، ومن قال بالوجوب ثم يقول
به ههنا.
وقال البزودي: إن المعتزلة قالوا بالندب في باب الأمر، وفي النهي قالوا
بالوجوب، لأن الأمر يقتضي حسن المأمور به، والمندوب والواجب في اقتضاء
الحسن سواء بخلاف النهي، فإنه يقتضي قبح المنهي عنه، والانتهاء عن القبيح
واجب، فأما إتيان الحسن فليس بواجب، ولهذا فرقوا.
[مجيء النفي في معنى النهي]
وقد يجيء النفي في معنى النهي، ويختلف حاله بحسب المعاني:
منها: أن يكون نهيا وزجرا، كقوله تعالى ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من
الأعراب أن يتخلفوا﴾ [سورة التوبة / ١٢٠]
ومنها: أن يكون تعجيزا، كقوله تعالى: ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [سورة
النمل / ٦٠].
ومنها أن يكون تنزيها، كقوله تعالى: ﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾ [سورة
مريم / ٣٥] ذكره ابن عطية في سورة مريم.
مسألة
[مفارقة الأمر للنهي في الدوام التكرار]
النهي يفارق الأمر في الدوام والتكرار فإن في اقتضاء الأمر التكرار خلافا
مشهوراً، وههنا قطع جماعة منهم الصيرفي والشيخ أبو إسحاق بأن النهي المطلق
يقتضي التكرار والدوام، ونقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد الأسفرايني وابن
برهان، وكذا قاله أبو زيد في ((التقويم)).
٤٣٠
٠

وأما الخلاف في أن الأمر هل يقتضي التكرار أم لا؟ فلا يتصور مجيئه في النهي،
لأن الانتهاء عن النهي مما يستغرق العمر إن كان مطلقا، لأنه لا انتهاء إلا بعدم
المنهي عنه من قبله، ولا يتم الانعدام من قبله إلا بالثبوت عليه قبل الفعل فلا
يتصور تكراره بخلاف الأمر بالفعل، لأن الفعل المستمر له حد يعرف وجوده بحده
ثم / يتصور التكرار بعده.
١١٨/ب
وقال المازري: حكى غير واحد الاتفاق على أن النهي يقتضي الاستيعاب
للأزمنة بخلاف الأمر، لكن القاضي عبد الوهاب حكى قولا أنه كالأمر في اقتضائه
المرة الواحدة، ولم يسمّ من ذهب إليه، والقاضي وغيره أجروه مجرى الأمر في أنه لا
يقتضي الاستيعاب. اهـ.
وقال أبو الحسين السهيلي في كتاب ((أدب الجدل)): النهي المطلق يقتضي التكرار
في قول الجمهور، وسمعت فيه وجها آخر أنه يقتضي الاجتناب عن الفعل في
الزمن الأول وحده، وهذا مما لا يجوز حكايته لضعفه وسقوطه. انتهى.
وقال ابن عقيل في ((الواضح)): النهي يقتضي التكرار، وقال القاضي أبو بكر
الباقلاني: لا يقتضيه، وهذا النقل عن القاضي يخالفه نقل المازري، وهو
الصواب .
وممن نقل الخلاف في المسألة الآمدي وابن الحاجب، واختار الإمام في
((المحصول)) أنه لا يقتضي التكرار كما لا يقتضيه في الأمر.
وقال سليم الرازي: النهي يقتضي التكرار، وعن بعض الأشعرية أنه يقتضي
الكف عقب لفظ النهي.
فتحصلنا فيه على مذاهب: يقتضيه مطلقا. يقتضيه مرة واحدة. لا يقتضيه بل
يوقف إلى الدليل من خارج، وهو المنقول عن القاضي أبي بكر، واختاره في
((المحصول))، ويجيء مما سبق في الأمر مذهب آخر بالتفصيل من أن يرجع إلى قطع
الواقع فللمرة، كقولك للمتحرك: لا تتحرك، وإن رجع إلى اتصال الواقع
واستدامته فللدوام، كقولك للمتحرك: لا تسكن.
٤٣١

أما النهي المقيد بشرط أو صفة فالخلاف السابق في الأمر في اقتضائه التكرار يأتي
هنا، فمن قال: النهي لا يقتضي بمجرده التكرار والدوام قال به ههنا.
قال القاضي عبد الوهاب والشيخ أبو إسحاق: والصحيح أنه يتكرر وهو آكد
من مطلقه بخلاف الأمر، لأن مطلق النهي التكرار فالمعلق على الشرط أولى.
وقال إلْكِيا الهراسي: النهي المقيد بشرط أو صفة لا يقتضي التكرار بخلاف
النهي المطلق، لأنه إذا قيده بوصف صار مغلوبا على الاعتماد مختصا به، فلو
اقتضى التكرار مع فهم تعدده كان كالأمر.
وحكى صاحب ((الواضح)) عن أبي عبدالله البصري أنه فرق بين النهي المعلق
بشرط، وبين النهي المطلق، فحمل المطلق على التأبيد، وفصل بينه وبين الأمر،
وحمل النهي المعلق بشرط على أنه لا يقتضي التكرار سوى بينه وبين الأمر، ومثله
بالسيد إذا قال لعبده: لا تسقني الماء إذا دخل زيد الدار، فدخل زيد دفعة واحدة
كفى ولا يجب أن يمنع من سقيه كل دفعة يدخل زيد الدار.
مَسَألة
إذا قلنا: النهي للتحريم فتقدم صيغة الأمر هل يغيره؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بأنها لا تغيره، وإن جرى الخلاف في الأمر، وبه قال الأستاذ
أبو إسحاق والغزالي في ((المنخول)) وحكيا الإجماع على ذلك.
والثاني: طرد خلاف الأمر، وقد حكى الطريقين ابن فورك، وقال: الأشبه
التسوية، ومنع إمام الحرمين الإجماع، وطرد الوقف هنا بناء على اعتقاده أن لا فرق
بينهما، ويمكن الفرق بأن الإباحة أحد محامل ((افعل)) بخلاف ((لا تفعل)).
٤٣٢

مَسألة
النهي يقتضى الكف على الفور على المشهور، قالوا: ولا يتصور مجيء خلاف
الأمر هنا. قال الشيخ أبو حامد: إنه يقتضي الفور بلا خلاف على المذهب.
وحكى ابن عقيل الحنبلي عن القاضي أبي بكر أنه لا يقتضيه، وقال ابن فورك:
يجيء الخلاف إن قلنا: الأمر يقتضي التكرار بظاهره، وإن قلنا: لا يتكرر بظاهره
إلا بدليل فالقول فيه كالقول في الأمر. وقال الإمام الرازي: إن قلنا: النهي يقتضي
التكرار فهو يقتضي الفور وإلا فلا، ونازعه النقشواني والأصفهاني، وقالا : بناء
الفور على وجوب التكرار ظاهر، وأما بناء عدم وجوب الفور على عدم اقتضاء
التكرار فمشكل، لجواز أن لا يقتضي التكرار ويقتضي الفور.
مَسألة
[النهِي عَن واحد لا بعينه]
سبق أن الأمر بالشيء نهي عن ضده على الأصح، وأن النهي عن الشيء أمر
بضده إن كان له ضد واحد كالصوم في العيدين والفطر، وإن كان له أضداد فهو
أمر بواحد منها، وسبق في الواجب المخير أن الواجب أحدها لا بعينه، وأما في
النهي عن واحد لا بعينه نحو لا تكلم زيداً أو عمرا، فإن النهي متعلق بواحد منهما
لا بعينه فيحرم الجمع بينهما ويجوز له فعل كل منهما منفردا.
وقالت المعتزلة: يقتضي النهي عنهما ولا يجوز له فعل أحدهما بناء على أن ((أو)) في
النهي تقتضي الجمع دون التخيير، فإذا قال: لا تكلم زيدا أو عمرا، فعلى مذهبنا
يجوز أن يكلم أيهما شاء على الانفراد، وعلى قول المعتزلة لا يجوز.
٤٣٣

مَسَألة
[الاختلاف في مَعْنى لا تقم]
اختلفوا في معنى قولك: ((لا تقم)) فذهب كثير من المعتزلة إلى أن المعنى لا يوجد
منك قيام. ((فلا)) حرف نهي والمراد نفي المصدر بواسطة إشعار الفعل به، واختاره
القاضي.
وقال قائلون: لا يصح أن يكون النفي مطلوبا لأن يتعلق بشيء ولا بفعل عدم
محض ليس بشيء ولا يصح الإعدام بالقدرة، ذكر هذه المسألة كذا ابن الأنباري في
((شرح البرهان)) قال: والنظر فيها يتعلق بالبحث عن متعلق التكليف.
مسألة
[المكلف به فى النهى]
لا خلاف في أن المكلف به في الأمر الفعل.
واختلف في المكلف به في النهي هل المكلف به ضد المنهي عنه أو عدم الفعل؟
والأول قول أصحابنا، ومعنى ((لا تزن)) عندهم تلبّس ضد من أضداد الزنى أي:
افعل فعلا غيره مباحا أيّ فعل كان.
وقال أبو هاشم: معناه لا تفعل الزنى من غیر تعرض للضد حتى لو خلا عن
المأمور وعن كل ترك له استحق الذم على أنه لم يفعل.
قال القاضي: ولما باح بهذا خالفه أصحابنا من المعتزلة، وقالوا: مازلت منكرا
على الجبرية إثبات الثواب والعقاب على ما ليس بخلق لهم وليس بفعل لهم على
التحقيق، ثم صرت إلى ثبوت الذم من غير إقدام على فعل. وسمي بهذه المسألة
أبو هاشم الذّمَي حيث إنه علق بالذم المعدوم، وهذا يهدم جملة قواعده في التعديل
والتجويز.
٤٣٤

ومنشأ الخلاف في هذه المسألة أن النظر هل هو إلى صورة اللفظ فليس فيه إلا
العدم؟ فإذا قال: لا تتحرك، فعدم الحركة هو متعلق النهي، أو يلاحظ أن الطلب
إنما وضع لما هو مقدور مما ليس بمقدور ولا يطلب عدمه والعدم نفي صرف، فلا
يكون مقدورا، فلا يتعلق به طلب، فتعين تعلق الطلب بالضد.
فالجمهور لحظوا المعنى وأبو هاشم لحظ اللفظ، والمعنى أتم في الاعتبار من
صورة اللفظ .
ونقل التبريزي عن الغزالي موافقة أبي هاشم، وهو معذور في ذلك، فإنه قال في
((المنخول)) قبيل باب العموم: وأما التروك فعبارة عن أضداد الواجبات، كالقعود
عند الأمر بالقيام، ثم بعض ترك القيام لا بالقعود، ووافقنا عليه أبو هاشم فسمي
أبو هاشم الذُّمّي من حيث إنه علق الذم بالمعدوم. انتهى.
وهذا النقل عن أبي هاشم مردود، فإن من أمر بالقيام فلم يتمثل عصى عنده
لكونه لم يفعل القيام لا لكونه فعل الترك، وكونه لم يفعل نفي لا حقيقة له، وعليه
يذم، ولهذا سمي الذَّمَي.
وظاهر كلامه في ((المستصفى)) / في هذه المسألة التفصيل بين الترك المجرد ٦/١١٩
المقصود لنفسه من غير أن يقصد معه ضده بالمكلف فيه بالفعل كالصوم، فالكف
منه مقصود، ولهذا وجب فيه النية، وبين الترك المقصود من جهة إيقاع ضده،
كالزنى والشرب فالمكلف فيه بالضد. وتبعه العبدري في شرحه. قال: ومنشأ
الخلاف هل الترك مقدور للعبد فيصح التكليف كالفعل أم لا؟ قال: وهي حينئذ
كلامية فكان ينبغي تقديم البحث في أنه مقدور أم لا على هذه، لكنهم لم ينظروا
إلا لكيفية وقوعه في الشرع.
وقال بعض المحققين: التحرير في هذه المسألة أن يقال: المطلوب في النهي
الانتهاء ويلزم من الانتهاء فعل ضد المنهي عنه ولا يعكس، فيقال: المطلوب ضد
المنهى عنه، ويلزم منه الانتهاء لأن الانتهاء متقدم في الرتبة في الفعل على فعل
الضدّ فكان معه كالسبب مع المسبب، فالانتهاء وفعل الضد في زمان واحد لكن
الانتهاء متقدم بالرتبة تقدم العلة على المعلول حتى لو فرض أن الانتهاء يحصل
٤٣٥

بدون فعل الضد حصل المطلوب به ولم یکن حاجة إلى فعل الضد لکن ذلك فرض
غير ممكن، فالمقصود بالذات إنما هو الانتهاء، وأما فعل الضد فلا يقصد إلا
بالالتزام بل قد لا يقصد أصلا ولا يستحضر المتكلم، ومتى قصد فعل الضد وطلبه
من حيث هو كان أمراً لا نهياً عن ضده.
وعلى هذا ينبغي حمل [قول] الجمهور.
وأما قول أبي هاشم: إن المطلوب نفس ((لا تفعل)) فهو وإن تبادر إلى الذهن من
جهة أن حرف النهي ورد على الفعل، فقد طلب منه عدمه لكن نفس أن ((لا
تفعل)) عدم محض فلا يكلف به ولا يطلب، وإنما يطلب من المكلف ما له قدرة
على تحصيله، فلعلّ مراد أبي هاشم الذي هو من الانتها، والانتهاء فعل، فإن أراد
ذلك تقارب المذهبان، ويكون الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلف به، وأبو
هاشم نظر إلى المقصود به، وهو إعدام دخول المنهي عنه في الوجود، وإن لم يرد أبو
هاشم ذلك وأراد أن العدم الصرف الذي لا صنع للمكلف في تحصيله فهو باطل .
تنبيهان
الاول:
[الفرق بين المسألتين]
سألوا الفرق بين هذه المسألة وبين المتقدمة في أن النهي عن الشيء أمر بضده،
ولا شك أن قولنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده هو معنى أن المطلوب فعل الضد،
ومعنى أنه ليس أمراً بضده هو أن المطلوب انتفاء المنهي عنه، فالمسألتان واحدة.
وأجاب الأصفهاني بأن الكلام في تلك المسألة بحث لفظي وفي هذه معنوي،
ورُدّ بأن الأمر لفظا يقتضي أن المطلوب المعنوي مأمور به على ما قاله فيحصل
الاشتباه .
وقال القرافي: فيه وجهان :
٤٣٦

أحدهما: أن قولنا: النهي عن الشيء أمر بضده بحث في المتعلّقات - بكسر
اللام - فإن النهي متعلق بالمنهي عنه، والأمر متعلق بالمأمور، وقولنا: المطلوب في
النهي فعل الضد بحث في المتعلّقات - بفتح اللام -.
ورد بأنهما وإن تغايرا لكنه تغاير صوري، ولا يلزم منه عدم تداخل إحدى
المسألتين في الأخرى.
الثاني: أن البحث في تلك من جهة دلالة الالتزام أي: أنه من نهى عن الشيء
مطابقة دل على طلب ضده التزاماً، والبحث في هذه من جهة دلالة المطابقة فيما
مدلولهما المطابق هل هو العدم أو ضده؟.
قيل: والمختار أن الكلام في المسألتين في الالتزام لا المطابقة على ما سبق
تقريره.
ووجه الجمع أن قولهم: المطلوب بالنهي فعل الضد مرادهم به الضد العام،
وهو الانتهاء الحاصل بواحد من الأضداد المنهي عنه. وقولهم: النهي عن الشيء
أمر بضده قد بينوا أنه بطريق الالتزام مراد به الضد الخاص، وهو أحد الأضداد
الذي يحصل به الانتهاء أو بغيره، فإن أرادوا الضد العام لزم من كل من المسألتين
إلى الأخرى لكن لا يكون تكرارا بل هما مسألتان، وإن لزم من معرفة إحداهما
حكم الأخرى فلا يضر، وإنما يحسن السؤال لو كانوا وضعوا مسألة النهي عن
الشيء أمر بضده أوّ، لا، وليس ذلك في ((المحصول)) بل الأمر بالشيء نهي عن
ضده، وتكلم غيره في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟
التنبيه الثاني :
علم من كلامهم فرض الخلاف فيما إذا كان للمنهي عنه ضد وجودي یفهم،
فإن لم يكن كذلك مثل أن ينهى عن شيء لا يفهم غير ترك ذلك الشيء نحو ((لا
تفعل)) فلا يجوز التكليف به إلا على القول بالتكليف بالمحال.
٤٣٧

مسألة
[النهِي عَن متعَدد]
النهي عن متعدد إما أن يكون نهيا عن الجمع أعني الهيئة الاجتماعية دون
المفردات، كالنهي عن نكاح الأختين، وکالحرام المخیر عندنا، وإما أن یکون نهيا
على الجميع أي: عن كل سواء كان مع صاحبه، أو منفرداً، كالزنى والسرقة
فالنهي على الجميع معناه على الجمع في النهي أي: كل واحد منهما منهي عنه، نحو
لا تفعل هذا ولا ذاك، والنهي عن الجمع لا يجمع بينهما، وعلى البدل لا تفعل هذا
إن فعلت ذلك فيحرم الجمع بينهما، وعن البدل النهي عن أن يجعل الشيء بدلا
ويفهم منه النهي عن أن يفعل أحدهما بدون الآخر.
وفرق الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) بين النهي عن الجمع
والنهي على الجمع بأن النهي على الجمع يقتضي المنع من كل واحد منهما، وأما
النهي عن الجمع معناه المنع من فعلهما معا بقيد الجمعية، ولا يلزم منه المنع من
أحدهما إلا مع الجمعية فيمكن فعل أحدهما دون الآخر، فالنهي عن الجمع
مشروط بإمكان الانفكاك عن الشيئين، والنهي على الجمع مشروط بإمكان الخلو
عن الشيئين، فالنهي على الجمع منشؤه أن يكون في كل واحد منهما مفسدة تستقل
بالمنع، والنهي عن الجمع حين تكون المفسدة ناشئة عن اجتماعهما.
٤٣٨

مَسألة
[اقتضاء النهى للفساد]
إذا ثبت أن النهي للتحريم فهل يقتضي الفساد؟
اعلم أن النهي عن الشيء على قسمين:
أحدهما : أن یکون لغيره وهو ضربان :
أحدهما: ما نهي عنه لمعنى جاوزه جمعا كالبيع وقت النداء للاشتغال عن السعي
إلى الجمعة بعد ما لزم وهو معنى تجاوز المبيع، وكالصلاة في الدار المغصوبة.
والثاني: ما نهى عنه لمعنى اتصل به وصفا، ويعبر عنه بالنهي عن الشيء لوصفه عربا
اللازم له، كالزني فإنه قبح لعدم شرط المماثلة الذي علق الجواز به شرعا، بدير ...
وكصوم يوم النحر، وأيام التشريق فإنه لمعنى اتصل بالوقت الذي هو محل الأداء
وصفا، وهو أنه يوم عيد.
فأما الضرب الأول فلا يقتضي الفساد عند الشافعي والجمهور سواء كان في
العبادات كالصلاة في الدار المغصوبة، والثوب الحرير، أو في العقود كالنهي عن
البيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي وغيره.
وقال الآمدي: لا خلاف أنه لا يقتضي الفساد إلا ما نقل عن مالك وأحمد.
قلت: هو المشهور عند الحنابلة وداود وعزي إلى أبي هاشم وغيره، وسوى
أبو زيد الدبوسي في كتابه ((التقويم)) بين هذا القسم والذي بعده، فقال: فيهما
دليلان على كون المنهي عنه غير مشروع لأن القبح ثابت في غير المنهي عنه، فلم
يوجب رفع المنهي عنه / بسبب القبح في غيره، هذا مذهب علمائنا. انتهى. ١١٩/ب
وأما الثاني ففيه مذاهب:
أحدها: وهو المختار أنه يفيد الفساد شرعا، كالمنهي عنه لعينه.
الثاني: لا يفيده، وعزاه ابن الحاجب للأكثرين.
٤٣٩

وثالثها: وهو قول الحنفية أنه يدل على فساد ذلك الوصف لا فساد المنهي عنه،
وهو الأصل لكونه مشروعا بدون الوصف، وبنوا على هذا ما لو باع درهما بدرهمين
ثم طرحا الزيادة أنه يصح العقد.
قال الشافعي: والنهي عن الشيء لوصفه يضاد وجوب أصله.
قال ابن الحاجب: أراد أنه يضاده ظاهراً لا قطعا، وإلا لورد عليه نهي
الكراهة، كالنهي عن الصلاة في أعطان الابل، والأماكن المكروهة فإنه يلزمه
حينئذ إذا كان يضاد الوجوب الأصل أن لا تصح الصلاة، وليس كذلك.
فإذا قيل: إنه يضاد ظاهرا فقد ترك في هذه المواضع الظاهر لدليل راجح، وفي
كلام ابن الحاجب ما يقتضي اختيار ذلك أعني أنه يدل على الفساد ظاهرا لا قطعا،
وقيدّه البيضاوي في ((توضيحه)) بالتحريم، فقال: قال الشافعي: حرمة الشيء
لوصفه تضاد وجوب أصله، وهذا تقييد حسن لا يحتاج معه أن يقول ظاهرا إذا
جعل ذلك مختصا بالنهي المحرم، كما نص عليه الشافعي فلا ترد الكراهة.
واعلم أن حقيقة هذا الخلاف بيننا وبين الحنفية ترجع إلى مسألة أخرى، وهي
أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقا ثم نهي عنه في بعض أحواله هل يقتضي ذلك النهي
إلحاق شرط المأمور به حتى يقال: إنه لا يصح بدون ذلك الشرط ويصير الفعل
الواقع بدونه كالعدم كما في الفعل الذي اختل منه شرطه الثابت بشرطيته بدليل
آخر أم لا يكون كذلك؟ مثاله الأمر بالصوم والنهي عن إيقاعه يوم النحر، والأمر
بالطواف والنهي عن إيقاعه في حال الحيض وغيره، فالشافعي والجمهور قالوا:
النهي على هذا الوجه يقتضي الفساد، وإلحاق شرط بالمأمور به لا يثبت صحته
بدونه .
وذهب الحنفية إلى تخصيص الفساد بالوصف المنهى عنه دون الأصل المتصف به
حتى لو أتى به المكلف على الوجه المنهي عنه يكون صحيحا بحسب الأصل فاسدا
بحسب الوصف إن كان ذلك النهي نهي فساد، وإلا فمجرد النهي عنده لا يدل
على الفساد بل على الصحة، كما إذا نذر صوم يوم النحر ينعقد نذره عندهم،
ويجب عليه إيقاعه في غير يوم النحر، فإن أوقعه فيه كان ذلك محرماً، ويقع عن
٤٤٠