Indexed OCR Text
Pages 401-420
وقال أبو الحسين بن القطان: حيث قلنا: لا يفيد الفور فله التأخير بشرط أن لا يموت حتى يفعله ، فإن قيل : فإذا أخر لم يأثم فلم أثمتموه بعد الموت ؟ قلنا : إنما جوزنا له التأخير على وصف، فإذا مات ولم يفعله علمنا أنه لم يكن له التأخير. قال: ونظيره رامي الغرض يرمي على غرر يحتمل أن يصيب وأن لا يصيب ، وكذلك قوله في الوصية والكفارة ، فإن قيل : متى يكون عاصيا ؟ قيل : من أصحابنا من قال: يكون في جميع السنين عاصيا، كما يقول في السكر: إنه لم يقع بالقدح الأخير دون ما تقدمه من الأقداح / كذلك هذا ، وكان أبو حفص يقول : ١١٤/ب إذا مضت عليه سنة فأمكنه أن يحج فلم يفعل ومات قبل السنة الثانية علم أن حجه لم يكن له إلا وقت واحد فكان عاصيا ، فإذا بقي إلى السنة الأخرى فأخر عنها ومات، علم أن حجه كان له ومات فكان عاصيا به في السنة الثانية دون الأولى. مَسألةٍ [الأمر المعلق بالفاء] هذا كله في الأمر المطلق ، فأما ما علق بالفاء كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [سورة المائدة /٦] (فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك). قال أبو الحسين بن القطان: فاختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما : أنه على الفور لأن الفاء للتعقيب . والثاني: لا يقتضيه . قال : والصحيح : هو الأول للإجماع على أن الفاء للتعقيب ، ولو خلينا والظاهر في قوله: إذا (وجدت الماء فأمسسه جلدك) لعملنا به، لكن صرنا إلى أدلة أخرى . ٤٠١ مَسألة إذا ورد الخطاب من الشارع بفعل عبادة في وقت معين فخرج ذلك الوقت ولم يفعل ، فهل يجب القضاء بأمر جديد ابتداء أم يجب بالسبب الذي يجب به الأداء، وهو الأمر السابق أي: يتضمنه ويستلزمه لا أنه عينه ؟ فيه قولان. وأكثر المحققين من أصحابنا على الأول. منهم أبو بكر الصيرفي وابن القشيري. قال الشيخ أبو حامد وسليم وابن الصباغ ، وهو قول أكثر أصحابنا. وقال الشيخ أبو حامد وأبو إسحاق : إنه الصحيح ، ونقل عن المعتزلة منهم أبو عبدالله البصري وحكاه عن الكرخي ، وقال العالمي من الحنفية : إنه اللائق بفروع أصحابنا ، وقال الباجي : إنه الصحيح . ونقله عن القاضي أبي بكر وابن خُوَيْز مَنْداد ، وقال عبد العزيز الحنفي : إنه مذهب أصحابنا ، ووجهه أن صيغة التأقيت تقتضي اشتراط الوقت في الاعتداد بالمؤقت، فإذا انقضى الوقت فليس في الأمر بالأداء أمر بالقضاء فلا بد من أمر ثان ، ولأن التكليف يتبع مقتضى الأمر وما دلت عليه الصيغة ، والصيغة لا تدل إلا على الأمر في الوقت المخصوص فدلالتها على الفعل في غيره قاصرة عنه ، وما وجب القضاء فيه فبدليل من خارج . وذهب الحنابلة وأكثر الحنفية إلى الثاني منهم شمس الأئمة والجصاص والرازي وغيرهم ، وبه قال عبد الجبار وأبو الحسين من المعتزلة ، وحكاه الآمدي عن الحنابلة، وحكاه عبد العزيز في ((الكشف)) عن عامة أصحاب الحديث . قلت : وهو ظاهر نص الشافعي في الأم فإنه قال : فيما إذا ظاهر عنهما ظهارا مؤقتا أن العود لا يحصل إلا بالوطء قال : ووجبت الكفارة واستقرت لا لإجل استحلال الوطء ، ثم قال : ولو طلقها بعد العود أو لاعنها فحرمت عليه على الأبد ولزم كفارة الظهار، وكذلك لو ماتت أوارتدت فقتلت على الردة ، ومعنى قوله تعالى : ﴿من قبل أن يتماسا﴾ [سورة المجادلة / ٣] وقت لأن يؤدي ما وجب عليه في الكفارة قبل المماسة، فإذا كانت المماسة قبل الكفارة فذهب الوقت لم تبطل الكفارة ولم يزد عليه فيها، كما يقال: له أَدِّ الصلاة في وقت كذا ، وقبل وقت ٤٠٢ كذا ، فيذهب الوقت فيؤديها ، لأنها فرض عليه ، فإذا لم يؤدها في الوقت وأداها بعده فلا يقال له : زد فيها ، لذهاب الوقت قبل أن يؤديها. انتهى . قال ابن الرفعة في ((المطلب)): وهذا من الشافعي يدل على أنه لا يرى القضاء بأمر جديد بل بالأمر الأول ، إذ لو كان لا يجب إلا بأمر جديد عنده لم يقسه على الصلاة ، لأن الأمر الجديد ورد فيها لكن إمام الحرمين في باب التطوع من ((النهاية)) قال: إن القضاء بأمر يجدد عند الشافعي، ويؤيده نصه في ((الرسالة)): على أن الصوم لا يجب على الحائض ، وإنما وجب القضاء بأمر جديد ، ونقل الهندي عن صاحب ((التقويم)) قولا ثالثا، أنه يجب بالقياس على العبادات الفائتة عن وقتها الواجب قضاؤها في الشرع ، فإنه الأكثر بجامع استدراك مصلحة الفائتة . وقال بعضهم : وعند أبي زيد الدبوسي أن وجوب القضاء إنما هو بقياس الشرع ، وأضافه إلى الشرع لتخرج المقدمتان والنتيجة ، فإن ذلك قياس العقل ، والمراد بقياس الشرع رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما . فكأنه قاس القضاء على المعاوضات الشرعية . وذهب بعض المتأخرين إلى وجوبه بالأمر الأول باعتبار آخر مخالف لما يقوله الحنابلة ، وبرهانه العلم القديم لم يتعلق بالأداء في حق من يستحيل وقوعه منه ، لأن ذاته معدومة في الموجودين، فلو كلف العبد به كلف بما لا يطاق ، فإذن تعلق الأمر إنما هو بالفعل الذي يسمى قضاء وهو أمر واحد ، وهو الأمر الأول في حق القضاء إذ لا أداء هناك ولا فائت لعدمه في الموجودين العلمي والخارجي ، ومعنى هذا الخلاف أنه هل يستفاد من الأمر ضمنا الأمر بالقضاء ؟ أي: يستلزم ذلك كما يستفاد منه جميع الفوائد الضمنية أو لا يستفاد ، هذا هو الصواب وصرح به المازري وغيره . وزعم الأصفهاني في ((شرح المحصول)) أن القائلين بأن القضاء بالأمر الأول يقولون: إنه يدل عليه مطابقة، وأن هذا هو محل الخلاف ويساعده عبارة ابن برهان: هل بقيت واجبة بالأمر السابق أم وجبت بأمر جديد؟ ٤٠٣ وقال عبد العزيز : موضع الخلاف في القضاء بمثل معقول ، فأما القضاء بمثل غير معقول فلا يمكن إيجابه إلا بنص جديد بالاتفاق ، وهذا كله في العبادة المؤقتة ، أما المطلقة إذا لم يفعل في أول أزمنة الإمكان على رأي من يجعل الأمر للفور ، فإن فعله بعده ليس قضاء عند الجمهور خلافا للقاضي أبي بكر . ومن فروعه : ما لو استأجر الولد سنة معينة، ثم لم يسلمه حتى مضت انفسخ العقد ، ولا يجب بدلها سنة أخرى اعتباراً بالعقد الأول ، بل لا بد من إنشاء عقد جديد إن أرادها. وقال صاحب ((الواضح)) المعتزلي : هذا الخلاف لا يجيء إلا من القائلين بأن الأمر يقتضي الفور ، وأما القائل بأنه للتراخي فلا ، لأن عنده أن الفعل في الوقت الثاني والثالث وفيها بعدها مراد ، وأن لفظ الأمر باطلاقه يتناول الفعل في أي وقت شاء ، وبذلك صرح أبو الحسين في ((المعتمد))، فقال: أما القائلون بنفي الفور فيقولون باقتضائه فيما بعد ، ولا يحتاج إلى دليل ثان ، وأما القائلون بالفور هل يقتضي الفعل فيما بعد أو، لا ؟ وقال الشيخ أبو إسحاق: ليس الغرض بهذه المسألة الكلام في أعيان المسائل التي اتفقنا فيها على وجوب القضاء في العبادة المؤقتة ، كالصلاة والصوم ، وإنما الغرض بيان إثبات هذا الأصل من مقتضى الأمر المطلق في موضع لا إجماع فيه . قال : وكذلك جميع مسائل الأصول التي نتكلم فيها المقصود إثبات أصل عند التجرد من القرائن . ١/١١٥ قال: وفائدة الخلاف في / هذه المسألة جواز الاستدلال بالأوامر المطلقة في أداء العبادة على قضائها إن قلنا : يجب ما يجب به الأداء ، ومنعه ، وإن قلنا : يجب بأمر جدید . قيل : ومنشأ الخلاف يرجع إلى قاعدتين: الأولى : أن الأمر بالمركب أمر بأجزائه. الثانية: أن الفعل في وقت معين لا يكون إلا المصلحة تختص بذلك الوقت ، فمن لاحظ القاعدة الأولى قال : القضاء بالأول ، لأنه اقتضى شيئين الصلاة ٤٠٤ وكونها في ذلك الوقت ، فهو مركب ، فإذا تعذر أحد جزئي المركب وهو خصوص الوقت بقي الجزء الآخر وهو الفعل فيوقعه في أي وقت شاء ، ومن لاحظ القاعدة الثانية قال : القضاء بأمر جديد لأنه إذا كان تعين الوقت لمصلحة فقد لا يشاركه الزمن الثاني في تلك المصلحة ، وإذا شككنا لم يثبت وجوب الفعل الذي هو القضاء في وقت آخر بدليل منفصل ، والمراد بالأمر الجديد إجماع أو خطاب جلي على وجوب فعل مثل الفائت خارج الوقت ، لا أنه يتجدد عند فوات كل واجب الأمر بالقضاء، لأن زمن الوحي قد انقرض . مَسألة [فوات الامتثال بالأمر] إذا قلنا : الأمر يقتضي الفور فأخر عنه، فهل يفعله بعد ذلك بالأمر الأول أو يحتاج إلى أمر جديد؟ قال ابن الصباغ في ((العدة)): إن قلنا: المؤقت لا يسقط بفوات وقته فكذلك هنا، وإن قلنا: يسقط: ثم اختلفوا ههنا على قولين: أحدهما : أنه يسقط أيضا بفوات الفور لأنه مأمور به في الوقت، فإذا مات سقط كالمؤقت . والثاني : لا يسقط، لأن الأمر يتناول فعله مطلقا ولا (١) لوقت وإنما وجب الفور لئلا يقتضي وجوبه . (١) بياض في جميع النسخ. ٤٠٥ مَسألة [احتياج الإجزاء الى دَليل] إتيان المكلف بالمأمور به على المشروع موجب للإجزاء عند الجمهور خلافاً لأبي هاشم والقاضي وعبد الجبار حيث قالا : الإجزاء يحتاج إلى دليل . قال الأستاذ أبو منصور : وهو خلاف مردود بإجماع السلف على خلافه . ونقل الشيخ أبو حامد الأسفرايني وسليم الرازي قولا ثالثا: أن الأمر موقوف على ما يثبته الدليل ونسباه للأشعرية . قال سليم : وهو قريب من مذهب المعتزلة . وفيها مذهب رابع: وهو أنه يقتضي الإجزاء من حيث عرف الشرع ، ولا يقتضيه من حيث وضع اللغة: حكاه في ((المصادر)) عن الشريف المرتضى . وخامس: وهو التفصيل بين ما يقع على الشروط المعتبرة ، كالصلاة المؤداه بشروطها وأركانها فهو موصوف بالإجزاء ، وبين ما يدخله ضرب من الخلل . إما من جهة المكلف أو غيره كالوطء في الحج والصوم ، فلا يدل على الإجزاء. حكاه القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)). ثم قال : وليس هذا في الحقيقة مذهبا آخر ، لأنا لا نقول بالإجزاء على أي أمر وقع ، وإنما يجزىء إذا وقع على الوجه المعتبر . وقال الغزالي في ((المستصفى)) إذا قلنا : إن القضاء يجب بأمر جديد ، وأنه مثل الواجب الأول ، فالأمر بالشيء لا يمنع إيجاب مثله بعد الامتثال، لكن إنما سمى قضاء إذا كان فيه تدارك الفائت من أصل العبادة ووضعها ، فإن لم يكن فوات استحال تسميته قضاء يعني شرعا لا عقلا . ولا بد من تحرير محل النزاع، فنقول: الإجزاء يطلق باعتبارين : . ٤٠٦ أحدهما: الامتثال. والثاني : إسقاط القضاء ، فالمكلف إذا أتى بالمرور على وجهه فعلى الأول هو مجزىء بالاتفاق ، وعلى الثاني هو موضع الخلاف كما صرح به القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) والغزالي في ((المستصفى)) وغيرهما ، أي هل يستلزم سقوط القضاء ؟ لا يستلزمه بمعنى أنه لا يمتنع أن يقول الحكيم : افعل كذا ، فإذا فعلت أديت الواجب ، ويلزمك مع ذلك القضاء . قال القاضي عبد الجبار في ((المعتمد)): وهذا هو معنى قولنا : إنه غير مجزىء ولا يعني به أنه لم يمتثل ولا أنه يجب القضاء فيه ، ولا يكون وقع موقع الصحيح الذي لا يقتضي ، هذا تحرير مذهب عبد الجبار في المسألة. وممن اعتنى به أيضا الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في ((شرح العنوان))، فقال : وتحرير الخلاف فيه أن الاكتفاء بفعل المأمور به هل هو من مدلول الأمر ومقتضاه؟ أو هو من مجموع فعل المأمور به وأن الأصل عدم وجوب الغير؟ وأما كونه إذا فعل المأمور به يبقى مطلوبا فما زاد فلا يصار إليه أصلا ، لأن الأمر انقطع تعلقه عما عدا المأمور به فلو بقي عليه شىء آخر من جهة الأمر لزم أن لا يكون منقطعا في تعلقه ، وفيه جمع بين النقيضين ، وهو محال. انتهى . وقد وقع في المسألة أمران: أحدهما: إطلاق إمام الحرمين وفخر الدين وأتباعه الخلاف في أن الامتثال هل يوجب الإجزاء ؟ وعبد الجبار لم يخالف في الإجزاء ، بالتفسير الأول ، وإنما خالف فيه بالثاني ، والخلاف في الأول بعيد ، والأول: أقرب . قال الهندي ، وعلى هذا ترجمة المسألة بما ذكروه لا يستقيم، لأن الإجزاء عند المتكلمين ليس عبارة عن سقوط القضاء بالفعل ، فلا يلزم من كون الفعل سقوط القضاء، بل ينبغي ترجمتها على ما قاله الغزالي وغيره بأن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بالمأمور به عند الفقهاء ، وقال المتكلمون: لا يقتضي ، فلا معنى لتخصيص على هذا ببعض المتكلمين كأبي هاشم وعبد الجبار، فإن كل من قال: ٤٠٧ الإجزاء ليس عبارة عن سقوط القضاء على التفسير المتقدم يلزم أن يقول: لا يلزم من كون الفعل مجزءاً سقوط القضاء. ولعل الأقرب أن الخلاف إنما هو في سقوط القضاء لا في سقوط التعبد به ، وكونه امتثالا وطاعة ، لأن ذلك كالتناقض فيبعد وقوع الخلاف فيه ، لأن أدلتهم تشعر بذلك . الثاني: أنه يعني بقوله : لا يستلزمه أن فعل المأمور به لا يمنع من الأمر بالقضاء . وحاصله: أنه لا يدل على الإجزاء ، وإنما الإجزاء مستفاد من عدم دليل يدل على وجوب الإعادة ، ولا خلاف بين عبد الجبار وغيره في براءة الذمة عند الإتيان بالمأمور . واتفقوا على أن البراءة الأصلية اقتضت العدم السابق، وعبد الجبار يقول : العدم اللاحق الكائن بعد الفعل مستفاد أيضا من البراءة الأصلية ، كالأعدام الكائنة قبل الفعل . وقد شبه القرافي هذا الخلاف بالخلاف في مفهوم الشرط ، كقوله : إن دخلت الدار فأنت حر، فمن نفاه قال: عدم عتقه ما لم يأت بالمشروط مستفاد من الملك السابق، ومن أثبته قال : هو مستفاد من ذلك ، ومن مفهوم الشرط أيضا . وظهر بهذا أن الخلاف لفظي ، لأنه أتى بالمأمور به على وجهه ، ولا خلاف في أنه ١/ب يمكن إيراد أمر ثان بعبادة يوقعها المأمور على حسب ما / أوقع الأولى، لأنه كاستئناف شرع وتعبد ثان . والنزاع في تسمية هذا الأمر الثاني قضاء للأول ، فالجمهور ينفونه، لأن القضاء عندهم ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق وجوبه ، وهذا ليس كذلك . وبهذا يندفع بناءُ من بنى عليه صلاة فاقد الطهورين إذا تمكن من أحدهما هل يعيد؟ قال ابن الحاجب في ((مختصره الكبير)): إن أراد عبد الجبار أنه لا يمنع أن يرد أمر بعده بمثله فمسلم ، ومرجع النزاع في تسميته قضاء ، وإن أراد أنه لا يدل على سقوطه فساقط . ٤٠٨ وقال إلْكِيا الطبري: الخلاف في هذه المسألة لا يتحقق لأنه إن كان المراد لزوم الإتيان بمثله فهي مسألة التكرار ، والأول يجزىء عن الآخر لكن لم يستكمل ، وإن كان لأنه لم يقع الموقع فهو غير مجزىء بالاتفاق ، وقال: هذه المسألة مقلوبة بالمسألة الأخرى، وهي كون النهي يدل على الفساد . مسألة [تعليق الأمربمعين] الأمر إن تعلق بمعين لم يخرج المكلف عن عهدته إلا بالإتيان به قطعا ، وإن تعلق بمطلق وهو المتناول واحداً لا بعينه ، فاختلفوا في المطلوب به هل هو الماهية الكلية أو جزؤ من جزئياتها ؟ قال الآمدي: هو أمر بجزء معين من جزئيات الماهية لا بالكلي المشترك ، وقال الإمام فخر الدين : هو أمر بالكلي المشترك بين الأفراد لا بجزء معين ولا بجميع الجزئيات ، لأن الدال على الأعم غير دال على الأخص ، فإذا قال في الدار جسم لا يدل على أنه حيوان ، لأن الجسم أعم، وهذا ما حكاه أبو المناقب الزنجاني عن مذهب الشافعي ، وأن الأول مذهب أبي حنيفة ، واختار الثاني أيضا القرافي والأصفهاني شارحا ((المحصول)) والصفي الهندي وغيرهم لأنها ليست هي هي ، ولا لازمة لها فلم يدل عليها لا مطابقة ولا التزاما ، فعلى هذا الأمر بالجنس لا يكون أمرا بشىء من أنواعه البتة ، وذلك كالمأمور بالبيع أعم من أن يكون بثمن المثل أو بغبن فاحش أو غير ذلك ، لأن البيع مشترك بين هذه الأمور ، وحيث حمل على معين كالأمر من الموكل للوكيل بالبيع مطلقا فإنه محمول على الشىء بثمن المثل ، فإنما هو لدليل منفصل ، وحيث لم يوجد دليل منفصل يخير ، لأنه لا بد من تحصيل الماهية ولا يمكن ذلك إلا في ضمن جزئي ، وليس البعض أولى من البعض فيتعين التخيير . ٤٠٩ وتوسط القاضي عضد الدين فقال : المطلوب الماهية من حيث هي هي لا بقيد الجزئية ، ولا بقيد الكلية ، ولا يلزم من عدم اعتبار أحدها اعتبار الآخر ، وأن ذلك غير مستحيل، بل هو موجود في ضمن الجزئيات . قال : ويوضح هذا كلامهم في الفرق بين الماهية بشرط شىء وبشرط لا شىء ولا بشرط . وقال الأصفهاني : هذه المسألة تستدعي تجديد العهد بمسألة منطقية وهي أن الكلي إما منطقي أو طبيعي أو عقلي ، لأنا إذا قلنا : البيع كلي، فهناك أمور ثلاثة: الأول: ماهية البيع من حيث هي هي، وهو الطبيعي . والثاني: قيد كونه كليا أي: يشترك في مفهومه كثيرون، وهي المنطقي . والثالث: تلك الماهية بقيد كونها كلية، وهو العقلي . فأما الطبيعي: فهو موجود في الأعيان ، لأن هذا البيع موجود، وجزء هذا البيع نفس البيع بالضرورة ، وجزء الموجود موجود . وأما المنطقي والعقلي: ففي وجودهما في الخارج خلاف يتفرع على أصل آخر وهو أن الأمور النسبية هل لها وجود في الخارج أم لا؟ وفيه خلاف بين العقلاء . قال : وبهذه القاعدة يتبين ضعف كلام الآمدي ، وذلك لأن البيع وهو القدر المشترك بين البياعات هو الكلي الطبيعي، ولا شك في وجوده في الأعيان ، وإنما الخلاف في الكليين الآخرين ، وبه يندفع عدم تصوره في نفس الطالب ولزوم التكليف بما لا يطاق . واعلم أن المراد بالمطلق غير المقيد في اللفظ بقيد أو وصفه بل أطلق إن طلب فعل من الأفعال ، ولا شك أن مالا يطلب إيقاعه في الأعيان لا يكون كليا، لأن الكلي ليس في الخارج ولا يقبله الخارج ، وإذا كان هكذا فيكون المطلوب جزئياً . قلنا: ولا يمكن أن يكون جزئيا معينا عند المكلف تقع فيه الإشارة إليه ، لأن ذلك متعذر قطعا فإذن يكون المطلوب جزئيا غير معين مثل النكرات كلها كما تقول : إذا لقيت رجلا فأكرمه ، فلا شك أن الذي يلقاه هو جزئي إلا أنه غير ٤١٠ متعين ويفسر حالة اللقاء بمعين ، والقائل الآخر يقول : المطلوب الماهية الكلية ويتفسر بجزئي منها أو جزئيات . مَسألة [ الأمر بالأمر بالشى] الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بذلك الشىء ما لم يدل عليه دليل ، وإلا لزم التخلف في مثل قوله : (مروهم بالصلاة لسبع) كذا قال القاضي والغزالي والآمدي وغيرهم ، وذلك لأن الأمر كما كان على ضربين : بوسط ، وبغير وسط جعلوا الأمر بوسط ليس أمراً حقيقيا . ونقل العالمي عن بعضهم أنه أمر، ونصره العبدري وابن الحاج في كلامهما على ((المستصفى))، وقالا: هو أمر حقيقة لغة وشرعا بدليل قول الأعرابي: آلله أمرك بهذا ، فقال : (نعم) ففهم الأعرابي الجافي من أمر الله لنبيه أن يأمرهم بذلك أنه مأمور بذلك المأمور به ، وذلك بواسطة النبي ◌َّر، فبادر إلى الطابعة . قالا : وأي فرق بين قوله للناس : افعلوا كذا، وقوله لنبيه : مرهم أن يفعلوا؟. واحتج بعضهم أيضا بحديث ابن عمر فإنه قد جاء في رواية : (مره فليراجعها) وفي رواية: (فأمره رسول الله ◌َّ ر أن يراجعها)، ففي هاتين الروايتين الأمر له وهو رسول الله ◌َّله، فلولم يكن قوله في الرواية الأولى: (مره فليراجعها) دالاً على أنه مأمور من النبي وير لما كان مروياً في الروايتين الأخيرتين بالمعنى ، لأن المعنى يكون مختلفا حينئذ، وكلام سليم الرازي في ((التقريب)) يقتضي أنه يجب على الثاني الفعل جزما، وإنما الخلاف في تسميته أمرا أم لا، فإنه قال: إذا أمر الله نبيه ملل بأن يأمر أمته بشىء فإن ذلك الشىء يجب فعله عليهم من حيث المعنى ، وهكذا إذا أمر النبي ﴿ الواحد من أمته أن يأمر غيره بشىء كان دالا على وجوب الفعل عليه ، ويصير ذلك بمنزلة ورود الأمر ابتداء عليه. انتهى . وجعل ابن الحاجب في ((المنتهى)) موضع الخلاف نحو مر فلانا بكذا. أما لو قال : قل لفلان : افعل كذا، فالأول آمر، والثاني مبلغ قطعا ، ومثله قول بعض ٤١١ الفقهاء: الخلاف في أمر الاستصلاح نحو (مروهم بالصلاة لسبع) فأما ما أريد به ١/١١٦ التبليغ / فلا خلاف أن الثالث مأمور بذلك الأمر ، ولهذا اتفق الأصحاب على أن من طلق زوجته في الحيض بغير عوض بعد الدخول استحب له أن يراجعها ، لقول النبي مُيم لعمر: (مره فليراجعها) فلو كان للخلاف في هذه الحالة مجال لجري خلاف في الاستحباب . وفصل بعض المتأخرين ، فقال : إن قامت قرينة تقتضي أن المراد بالأمر الأول التبليغ كان ذلك أمرا للثاني ، وإلا فلا ، وهو حسن . والحق: التفصيل: إن كان للأول بأمر الثالث فالأمر للثاني بالأمر للثالث وإلا فلا . ومعنى هذه المسألة أن الشارع إذا أمر مبلغا بشىء، فهل هو أمر للمأمور الثاني بذلك كما لو توجه نحوه الأمر من غير واسطة ؟ والجمهور على أنه ليس كذلك ، ونقل فيه خلاف ، ولم يسم قائله . نعم الخلاف بين أصحابنا الفقهاء مشهور في أن الصبي مأمور بأمر الولي فقط أو مأمور بأمر الشارع ، ورجحوا الأول ، وذلك نظر إلى وضع اللفظ فقط وجنوح إلى أن الصبي خارج عن حكم الخطاب وهو مقتضى حد الحكم : بأنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين ، والأحسن التفصيل المذكور . ومثل جماعة منهم الغزالي هذه المسألة بقوله تعالى : ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾[سورة التوبة/ ١٠٣) الآية . وقالوا: إن ذلك بمجرده لا يقتضي وجوب الإعطاء عليهم إلا من جهة وجوب طاعة النبي ◌َل# في الجملة ، وفيه نظر، لأنه ليس أمرا إلا بطريق التضمن الذي اقتضاه وجوب طاعة النبي ◌ّة، بل هذه الآية ترجع إلى أن ما لا يتم الشىء المأمور به ، وليس من فعل المكلفين هل يكون مأمورا به أم لا ؟ ولا تعلق لذلك بهذه المسألة . ٤١٢ مَسألة [الأمر بالإتمام] الأمر بالإتمام يتضمن الأمر بالشروع إذ لا يتصور الإتمام إلا بعد الشروع ، ولهذا احتج أصحابنا على وجوب العمرة بقوله تعالى: ﴿وأتمو الحج والعمرة﴾ [سورة البقرة / ١٩٦]. مَسألة [إيجاب الله عَلى رسوله شيئاً] إذا أوجب الله على رسوله شيئا لا يتأتى إلا بغيره، مثل أن يوجب عليه أخذ الزكاة ، فهل يتضمن هذا الأمر إيجاب إعطاء الزكاة على أرباب الأموال أم لا ؟ فيه خلاف حكاه ابن القشيري ، فقال : قال بعض الفقهاء : يجب عليهم بنفس ذلك الأمر ، ولعلهم يقربون هذا من قولنا : الأمر بالصلاة أمر بالوضوء . وقال القاضي : يجب على أرباب الأموال الابتدار إلى الإعطاء لا من جهة الأمر بأخذ الزكاة ، لأنه ليس في إيجاب الأخذ على الرسول إيجاب الإعطاء على الغير بل بالإجماع ، لأنه إذا وجب عليه الأخذ فيأمر بالإعطاء ، وأمره واجب ، وأجمعت الأمة على وجوب الإعطاء عند وجوب الأخذ عليه حكماً لله سبحانه عليه . مَسألة الأَمْرهَل يَدخل تحت الأمر؟ اختلفوا في أن الامر هل يدخل تحت الأمر أم لا ؟ على وجهين. حكاهما ابن الصباغ في ((العدة)) ونص على عدم الدخول ، وكذا نصره الشيخ أبو حامد الأسفرايني ، وقال : القول بالدخول ظاهر الفساد ، وقطع به الجرجاني في كتاب الوصية : قال : لأن الظاهر أن المأمور غيره . ٤١٣ < ولا بد من تحرير النزاع، فنقول: له حالات: إحداها: أن يقول لنفسه: ((افعلي)) مريدا ذلك الفعل من نفسه ، ولا نزاع في جوازه وهل يسمى حسنا أم لا ؟ قال الهندي : الحق : المنع ، إذ لا فائدة فيه ، وهل يسمى أمرا ؟ إن شرطنا العلو أو الاستعلاء امتنع، وإن لم نشرطه فيحتمل المنع أيضا لأن المغايرة بين الأمر والمأمور معتبرة وهي مفقودة ههنا ، فإن لم نعتبرها سمي به ، وهو بعيد . الثانية: أن يأمر غيره بلفظ خاص به لا يتناوله ، فلا يدخل الأمر تحته قطعا سواء أمر عن نفسه أو أخبر بالأمر عن غيره . الثالثة: أن يأمر غيره بلفظ عام متناول له ، فإما أن يأمر بأمر الغير . قال الهندي: فالظاهر أنه لا نزاع في دخوله تحت الأمر كما إذا تلى النبي محصلة: ﴿فمن شهدمنكم الشهر فليصمه﴾ [سورة البقرة / ١٨٥] وإما أن يأمر بأمر نفسه، كقوله : ((يا أيها الناس)) أو ((يا أيها المؤمنون افعلوا كذا)) فهذا هو محل النزاع. والأكثرون على دخوله نظرا إلى عموم اللفظ ، فإن كونه أمرا لا يصلح معارضا له ، ولهذا دخل عليه السلام في كثير من أوامره ، والأصل عدم دليل آخر. كذا قاله الهندي وغيره ، وسيأتي في العموم ، لكن الأكثرين - وهو مذهب الشافعي - على عدم دخوله . وقال صاحب ((الواضح)) المعتزلي: لا خلاف في أن الأمر لا يدخل في الأمر إذا أمر عن نفسه ، فأما إذا أخبر بالأمر عن غيره ، كقوله عليه السلام لأمته : (إن الله يأمركم بصوم يوم) فاخلتفوا فيه على قولين: والصحيح : دخوله . قال : وأما المخبر فالظاهر أنه يدخل في الخبر، كقوله : من قعد في المطر ابتلّ ، وليس المراد أنه يخبر عن نفسه ، لأنه عبث بل المراد أنه يصير مخبراً لغيره عن نفسه أنه بهذه الصفة ، وكلام الهندي يقتضي أن الخبر محل وفاق ، ومثله بقوله ﴿﴿: (لن ينجو أحد بعمله) قال: ولهذا قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ ومرتبته كونه مخاطبا لا يخصه ، وكذا في الأمر وليس كذلك، وستأتي المسألة بمزيد تتمة في باب العموم إن شاء الله تعالى . ٤١٤ مَسألة [ الأمر بالصفة] الأمر بالصفة أمر بالموصوف فإذا أمر بالطمأنينه في الركوع والسجود كان أمرا بالركوع والسجود ، لأنه لا يتم إلا بهما قاله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي . قال : وغلطت الحنفية حيث استدلوا على وجوب التلبية في الإحرام بما روي أن جبريل عليه السلام نزل على النبي وَير، فقال: ((مر أصحابك ليرفعوا أصواتهم بالتلبية" ، فجعلوا الندب إلى الصفة ، وهي رفع الصوت بالتلبية دليلا على وجوب التلبية، وهذا غلط ، وذلك أنه قد يندب إلى صفة ما هو واجب ومستحب ، وليس في ندبه إلى الصفة ما يقتضى إيجاب الموصوف ، والذي يتناوله بصريحه هو رفع الصوت بالتلبية ، ونفس التلبية إنما يعلم من ضميمه على سبيل التبع له ، وما تناوله الأمر غير واجب فلأن لا يجب ما كان مستفادا من ضمنه المتوصل إليه أولى، وفيما أطلق حكايته عن الحنفية نظر . وقال بعض الحنابلة : إذا ورد الأمر بهيئة أو صفة لفعل دل الدليل على أنها مستحبة جاز التمسك به على وجوب أصل الفعل لتضمنه الأمر به ، لأن مقتضاه وجوبها فإذا خولف في الصريح بقي التضمن على أصل الاقتضاء . قال : ذكره أصحابنا ، ونص عليه أحمد حيث تمسك على وجوب الاستنشاق بالأمر بالمبالغة . وقالت الحنفية فيما حكاه الجرجاني : لا يبقى دليل على وجوب الأصل. انتهى . وقال ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)): الأمر بإيجاد الصفة وإدخالها في الوجود يقتضي الأمر بالموصوف لاستحالة دخول الصفة في الوجود بدون الموصوف ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وقد يكون الأمر بالصفة على تقدير وجود الموصوف، وقد يحتمل الحال الأمرين كقوله ون لفر: (أفشوا السلام بينكم) هل / المراد إدخال إفشاء السلام في الوجود فيكون أمرا بأصل السلام، أو المراد إفشاؤه ١١٦/ب على تقدير وجوده أي : إذا سلمتم فليكن فاشيا ؟ . ٤١٥ مَسألة [ ورود الأمر بإيجاد فعل إذا ورد الأمر بإيجاد فعل فهل يقع الاكتفاء بما يقع الاسم عليه أم لا ؟ قال إلكيا الطبري : اختلف فيه الأصوليون ، والصحيح : أنه يجزيء ما وقع عليه الاسم ، وقال سليم الرازي: الأمر بفعل الشيء يتضمن وجوب أدنى ما يتناوله اسم ذلك الفعل ، وقيل: يقتضي الأكثر. لنا: أن الأصل براءة الذمة، فإذا ورد مطلق الأمرتعلق بالمتيقن، والزيادة مشكوك فيها ، قال : وإذا قلنا بالأول فزاد عليه ، فالزيادة تطوع ، وعن الكرخي أن الجميع واجب . مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ إن كان له ضد واحد كصوم العيد فالنهي عن صومه أمر بضده . وهو الفطر فلا خلاف ، وإلا لأدى إلى التناقض ، ومثله الأمر بالإيمان نهي عن الكفر ، وإن كان له أضداد كالأمر بالقيام فإن له أضداداً من القعود والركوع والسجود والاضطجاع ونحوها ، وكالزنى فإن من أضداده الصلاة والنوم والمشي وغيرها ، فهو محل الخلاف . قيل: نهي عن جميع أضداده، وقيل: عن واحد منهالا بعينه. حكاه عبد العزيز في «شرح البزدوي)). واعلم أن الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: أحدهما: النفساني ، واختلف المثبتون له في أن الأمر بشىء معين هل هو نهي عن ضده الوجودي ؟ على مذاهب: أحدها: أنه ليس نهيا عن ضده لا لفظا ولا يقتضيه عقلا ، واختاره الإمام والغزالي والكيا الطبري وحكاه الشيخ أبو حامد وسليم وابن برهان وصاحب ٤١٦ ((الواضح)) و((المعتمد)) وإمام الحرمين في ((التلخيص)) عن المعتزلة بناء على أصلهم في اعتبار إرادة الناهي ، وذلك غير معلوم . لكن نقل إمام الحرمين في ((البرهان)) عنهم أنه يتضمنه ، وهو محمول على اللساني كما سيأتي فتفطن له . وقال إمام الحرمين وإِلْكِيا في ((تعليقه)): إن هذا هو الذي استقر عليه رأي القاضي أبي بكر بعد أن كان يقول : إنه نهي عن ضده . والثاني: أنه نفس النهي عن ضده من حيث اللفظ والمعنى بناء على أن الأمر لا صيغة له ، واتصافه بكونه أمرا ونهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قريبا من شيء، بعيدا من شيء . وهذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري ، والقاضي ، وأطنب في نصرته في ((التقريب)) ونقله عن جميع أهل الحق النافين لخلق القرآن، ونقله في ((المنخول)) عن الأستاذ أبي إسحاق والكعبي ، ونقله ابن برهان في ((الأوسط)) عن العلماء قاطبة، وقال صاحب ((اللباب)): هو قول أبى بكر الجصاص وهو أشبه . وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): هو قول المتكلمين منهم الأشعري وغيره أنه نهى عن ضده من حيث اللفظ والمعنى ، لأن الأمر لا صيغة له . قال ابن دقيق العيد: وهذا المذهب لا يتأتى مع القول بأن الأمر هو القول ، لأن إحدى الصيغتين لا تكون عين الأخرى قطعا فليؤوَّل على أنه يستلزمه. انتهى . وهو عجب ، لأن الأشعري بناه على أن الأمر لا صيغة له كما سبق نقله عن القاضي عبد الوهاب وغيره ، وكذلك قال الشيخ أبو حامد الأسفرايني : بنى الأشعري هذا على أصله في أن الأمر لا صيغة له ، وإنما هو معنى قائم بالنفس ، وكذلك النهى ، فالأمر عندهم هو نفس النهي من هذا الوجه . وقال الهندي: لم يرد القائل أن صيغة ((تحرك)) مثلا غير صيغة ((لا تسكن)) فإن ذلك معلوم الفساد بالضرورة بل يعني أن المعنى المعبر عنه بتحرك عين المعنى المعبر عنه بلا تَسْكُنْ ، وقالوا: إن كونه أمرا ونهيا بالنسبة إلى الفعل، وضده الوجودي لكون الحركة قربا وبعدا بالنسبة إلى جهتين ، وقد وجهه الماوردي بأن الأمر له ٤١٧ متعلقان متلازمان اقتضاء الفعل والإيقاع والنهي عن الفعل والاجتناب ، وترك الفعل فعل آخر ، وهو ضد المتروك . والثالث: أنه ليس هو ولكن يتضمنه من طريق المعنى ، وبه جزم القاضي أبو الطيب، ونصره الشيخ أبو إسحاق في ((التبصرة)) وابن الصباغ في ((العدة)) ونقله الشيخ أبو حامد الأسفرايني وسليم عن أكثر أصحابنا . قال : وهو قول أكثر الفقهاء كافة ، وقال ابن السمعاني : هو مذهب عامة الفقهاء ونقله عبد الوهاب عن أكثر أصحاب الشافعي قال : وهو الذي يقتضيه مذهب أصحابنا وإن لم يصرحوا به ، وقال الباجي : عليه عامة الفقهاء واختاره الآمدي والإمام فخر الدين ، وقال أبو زيد الدبوسي في ((التقويم)): إنه المختار ، وبه جزم أبو منصور الماتريدي ، فقال : إنه نهي عن ضده بدلالة الالتزام وكذا قال البزدوي والسرخسي منهم ، وقال إمام الحرمين وابن القشيري والمازري : إن القاضي مال إليه في آخر مصنفاته ، وقال صاحب ((الواضح)): وقصد الفقهاء من هذه المسألة أن الأمر للوجوب فلهذا قالوا : إنه نهي عن ضده . ثم رد الإمام على من قال : هو عينه بأنه جحد للضرورة، فإن القول المعبر عند ((بافعل)) مغاير للمعبرعنه بـ ((لا تفعل)) قيل: وهذا منه غلط أو مغالطة، إذ ليس الكلام في ((افعل)) و ((لا تفعل)) بل في ((افعل)) و ((لا تترك)) وليس بطلان اتحاد مدلولهما ضروريا ، وأبطل مذهب التضمن بأن الأمر قد لا يخطر له الضد ، ولو خطر له فلا قصد له في تركه إلا على معنى أن ذلك وسيلة إلى المأمور به ، واعترف بأنه يرى استلزام الوجوب الوعيد على الترك فكيف لا يخطر له الضد من الترك ولا بد أن يكون متوعدا عليه ؟ ثم هذا الخلاف في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق ، لأنه الذي يغفل عن الضد ، وأما الله تعالى فكلامه واحد لا يتطرق إليه ذهول كما صرح به الغزالي وابن القشيري . واحترزنا بقولنا : معين عن الواجب المخير والموسع ، فإن الأمر بهما لیس نهيا عن الضد ، والمسألة مقصورة على الواجب المعين صرح به الشيخ أبو حامد الأسفرايني والقاضي في ((التقريب)). واحترزنا بالوجودي عن الترك فإن الأمر بالشىء نهى عن تركه بطريق التضمن ٤١٨ قطعا كما قاله الهندي وغيره ، وإنما الخلاف في أنه هل هو نهي عن ضده الوجودي؟ المقام الثاني بالنسبة إلى الكلام اللساني عند من رأى أن للأمر صيغة، وفيه مذهبان : أحدهما: أن الأمر يتضمن النهي عن الضد ، وهو رأي المعتزلة منهم عبدالجبار ، وأبو الحسين . قال ابن الأنباري : وإنما ذهبوا إلى ذلك لإنكارهم كلام النفس والكلام عندهم ليس إلا العبارات ، فلم يمكنهم أن يقولوا : الأمر بالشيء نهي عن ضده ، لاختلاف الألفاظ قطعا ، فقالوا : إنه يقضتيه ويتضمنه ، وليس يعنون بذلك إشعارا لغويا أو أمراً لفظيا فقط ، ولكنهم يقولون: الأمر قول القائل لمن دونه: ((افعل)) مع إرادات، ومريد الشىء لا بد وأن / يكون كارها لضده ، فيلزم أن ١/١١٧ يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده . وفرق إمام الحرمين بين هذا القول وقول القاضي آخراً بأن المعتزلة يقولون : صيغة الأمر تقتضي النهي ، وذلك الاقتضاء راجع إلى فهم معنى من لفظ من يشعر به ، والقاضي يقول بالكلام النفسي ، وما يقوم بالنفس لا إشعار له بغيره ، ولكنه يقول : إذا قام بالنفس الأمر الحقيقي فمن ضروراته أن يقوم بالنفس معه قول آخر هو نهي عن أضداد المأمور به، كما يقتضي قيام العلم بالمحل قيام الحياة به . والثاني: أنه لا يدل عليه أصلا. وجزم به النووي في ((الروضة)) في كتاب الطلاق، ولا يُمكِّن أحد هنا أن يقول: إنه هو، فإن صيغة ((تحرك)) غير صيغة (لاتسكن)) قطعا. ولبعض المعتزلة مذهب ثالث، وهو أن أمر الإيجاب يكون نهيا عن أضداده ومقبحا لها، لكونها مانعة من فعل الواجب بخلاف المندوب فإنّ أضداده مباحة غير منهىٌ عنها، ولا تنزيه غالبا. واختار الآمدي أن يقال: إن جوّزنا تكليف مالا يطاق فالأمر بالفعل ليس نهيا عن الضد، ولا مستلزما للنهي عنه، بل يجوز أن يؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة، وإن منع فالأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده. ٤١٩ واختار الهندي أنه نهي عن ضده بطريق الاستلزام، لا أنه وضده يستلزم ذلك بل مع مقدمة أخرى، وهي أنّ مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لو قيل: باستحالة تكليف مالا يطاق. وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): ليس الخلاف في تسمية الأمر حقيقة لبطلانه، ولا في أن صيغة ((لا تفعل)) موجودة في الأمر لأن الحس يدفعه، بل في أنه نهي عن ضده في المعنى. واعلم أن الذي دلنا على الفصل بين المقامين وتنزيل خلاف كل قوم على حاله أن الشيخ والقاضي لم يتكلما إلا في النفسي، ويدل لذلك قولهما: إن اتصافه بالأمر والنهي على ما سبق، والإمام في ((المحصول)) اختار أن الأمر يتضمن النهي عن ضده، والظاهر أن كلامه في اللساني لأنه عبر بالصيغة، وخلاف المعتزلة إنما يتصور فيه لأنهم ينكرون النفسي، ولا أمر عندهم إلا بالعبارة. إذا علمت ذلك فقد استُشْكِل تصوير المسألة بأنه إن كان الكلام في النفساني بالنسبة إلى الله تعالى فالله تعالى بكل شيء عليم، وكلامه واحد، وهو أمر ونهي وخبر واحد بالذات متعدد بالمتعلقات، وحينئذ فأمر الله عين نهيه، فيكف يتجه فيه خلاف؟ وإن كان الخلاف بالنسبة إلى المخلوق فقط كما صرح به الغزالي وابن القشيري فكيف يقال: هو أو يتضمنه مع احتمال ذهوله عن الضد مطلقا؟ وهذا هو عمدة إمام الحرمين كما سبق. وجوابه: أن القائل بأنه أجراه مجرى العلم المتعلق بمتلازمين كيمين وشمال وفوق وتحت، فإن من المستحيل علم الفوق وجهل التحت وعكسه، وكذلك يستحيل أن يتعلق الأمر بالنفسي باقتضاء فعل، ولا يتعلق النهي عن تركه، وإنما الإشكال على القول بتضمنه النهي. وجوابه ما ذكره إمام الحرمين أن هؤلاء لا يعنون بالاقتضاء ما يريده المعتزلة، وإنما هؤلاء يعتقدون أن الأمر النفسي مقارنة نهي نفسي أيضا يجري ذلك مجرى الحياة في العلم، فإن العلم إذا وجد اقتضى وجود الحياة. وممن جزم أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو بالنسبة إلى الكلام اللساني لا النفساني القرافي، وتبعه عليه التبريزي في ((التنقيح))، فقال: لا يتحقق هذا ٤٢٠