Indexed OCR Text

Pages 381-400

منه الإباحة ، ورد الشىء إلى الحالة الأولى . ألا ترى أن وطء الرجل زوجته لم
يكن فرضا عليه ثم حرم بحدوث الحيض؟ فلما قيل : ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من
حيث أمركم الله﴾ [سورة البقرة/٢٢٢] لم يكن ذلك إيجابا بل إباحة كأنه قال : فإذا
تطهرن فهي على الحالة الأولى ، وكذا قوله : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور
فزوروها) أي: فقد أبحت لكم الآن ما حظرته عليكم .
قال ابن دقيق العيد: ونكتة المسألة أن تقدم الحظر على الأمر هل هو قرينة
توجب خروجه عن مقتضاه عند الإطلاق أم لا ؟ فالقائلون بالمذهب الأول لا يرونه
قرينة موجبة للخروج عن ذلك ، والقائلون بالإباحة يرون تقدم الحظر قرينة
خارجة للأمر المطلق عن مقتضاه ، وهم مطالبون بدليل على ذلك ، ولا مستند لهم
إلا دعوى الفرق في صرف اللفظ المطلق عن مقتضاه أو دعوى أكثرية الاستعمال
في ذلك ، وطريقهم في ذلك إيراد النظائر ، كقوله : ﴿وإذا حللتم﴾ ﴿فإذا قضيت
الصلاة﴾ [سورة الجمعة/ ١٠]، وإلا فلا إشكال في إمكان الانتقال من بعض الأحكام
إلى بعض كيف كانت .
قال : ومن هذا تبين لك أن ما قاله بعض الفضلاء في هذه، وهو ممن اختار أن
الأمر للوجوب أن المقتضي للوجوب قائم والوجود لا يصلح معارضا ، وقرر كون
الموجود لا يصلح معارضا بأنه لا يجوز الانتقال من الحظر إلى الوجوب ليس
بقوى ، لأن الإمكان جائز من غير شك ، وإنما المخالف يدعي أن الاستعمال
والعرف دالان على صرف الأمر على ظاهره في هذا المحل ، وهذا لا ينافيه جواز
الانتقال ، وإنما الطريق منازعة الخصم في ذلك وإلزامه للحجة على ما قال ، وأما
الناظر في نفسه فيحتاج الى اعتبار الإطلاقات وأمر العرف فإن صح عنده ما ادعاه
المخالف قال به ، وإلا فلا .
تنبيهات
الأول
جعل الصاحب ((الواضح)) المعتزلي وصاحب ((المصادر)) الشيعي الخلاف فيما إذا
٣٨١

كان الحظر السابق شرعيا ، قالا : فإن كان عقليا فلا خلاف أنه لا يتعين مدلوله
عما كان لوروده ابتداء .
وصرح أبو الحسين بن القطان في ((كتابه)) بأنه لا فرق في الحظر بين العقلي
والشرعي ، والأول: أظهر .
وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): للمسألة حالتان.
أحداهما : أن يكون الفعل مباحاً في أصله إما بحكم العقل على القول بأن
الأصل في مجوزات العقول مباح ، أو بتوقف من الشرع على ذلك ثم يرد حظر
معلق بغاية أو شرط أو علة ، فإذا ورد ((افعل)) بعد زوال ما علق الحظر به فإنه يفيد
الإباحة ويرفع الحظر عند جمهور العلماء .
والثانية : أن يرد حظر مبتدأ غير معلل بعلة عارضة ولا معلق بشرط ولا غاية
ثم يرد بعده صيغة الأمر فهذا موضع الخلاف ، ومثله بالكتابة .
قال : ويجوز رجوعها إلى الأول ، لأن منع الكتابة إنما كان لدخولها في الغرر ،
وحظر الغرر مبتدأ .
الثاني : ليس المراد بالحظر في هذه المسألة أن يكون محرما فقط بل المراد ذلك أو
أنه كان من حقه التحريم فإن الشافعي رضي الله عنه مثلها بقوله تعالى:
﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [سورة النور / ٣٣] وجواز الكتابة على خلاف
القياس ومثل ذلك الإجارة والمساقاة .
الثالث : قال المازري ترجمة المسألة بالأمر الوارد بعد الحظر للإباحة غير سديد،
لأنه كالمتناقض ، إذ المباح غير مأمور به ، وهذه العبارة تقتضي كونه مأمورا به ،
والصواب: أن يقول: ((افعل)) إذا ورد بعد الحظر .
وقال عبد الجليل الربعي في ((شرح اللامع)): هذه العبارة رغب عنها القاضي ،
وقال: الأولى فيها أن يقال: ((افعل)) بعد الحظر لأن ((افعل)) يكون أمرا تارة وغير
أمر، والمباح لا يكون مأمورا به وإنما هو مأذون فيه .
الرابع : احتج القائلون بالإباحة بأن تقدم الحظر قرينة صرفت الأمر عن
الوجوب .
٣٨٢

وعارض ابن عقيل الحنبلي ، فقال : إذا راعيتم الحظر المتقدم وجعلتموه قرينة
صارفة له عن مقتضاه ، فكان من حقكم أنه يكون تهديدا ووعيدا ويكون قرينة
الحظر صارفة له إلى التهديد حتى تكون القرينه مبينة لحكم من جنسها ، ثم
يلزمهم النهى إذا ورد بعد الأمر أن يكون الوجوب المتقدم قرينة تصرفه عن ظاهره
إلى الكراهة .
وأجيب عن الأول: بأنه إنما لم يحمل على التهديد لئلا يبطل مقصود الأمر
فحمل على الإباحة مراعاة له ، وصرف عن الوجوب مراعاة للقرينة .
وللمعترض أن يقول ما راعى الأمر فلا بد من جواب صحيح .
الخامس : قيل : يحتاج إلى الجمع بين هذه المسألة وبين قول الفقهاء: ما كان
ممنوعا منه لو لم يجب فإذا جاز وجب كالختان وقطع اليد في السرقة، وقضية / هذا ١/١١٢
الجزم بأنه للوجوب .
قلنا: القاعدة الفقهية مفروضة في شيء كان ممنوعا منه على تقدير عدم الوجوب،
والأصولية فيما هو ممنوع منه لا على هذه الصورة .
مسألة
[النَّهِى الوارد بعد الاباحة ]
أما النهي الوارد بعد الإباحة الشرعية فهو كالنهى المطلق بلا خلاف. قاله
صاحب ((الواضح)) و((المصادر))، وأما الوارد بعد الوجوب فمن قال هناك: يفيد
الوجوب قال هنا: يفيد التحريم، وحكى في ((المنخول)) فيه الاتفاق ، ومن قال
هناك بالإباحة، فاختلفوا، فمنهم من طرد الخلاف وحكم بالإباحة ، ومنهم من
قال : لا تأثير هنا للوجوب المتقدم بل النهي بعد التحريم ، وبه قال الأستاذ.
وقال : لا ينتهض الوجوب السابق قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب، وادعى
الإجماع في تلك، وتبع في دعوى الإجماع الإمام في ((التلخيص))، وهو ممنوع فإن
الخلاف ثابت .
٣٨٣

وقال إمام الحرمين : أما أنا فأسحب ذيل الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر
بعد الحظر .
قال ابن القشيري: وما أرى المخالفين الحاملين الأمر بعد الحظر للإباحة
يسلمون ذلك .
وعلى هذا فالفرق بين الأمر والنهي أن النهي لدفع المفاسد والأمر لتحصيل
المصالح أو اعتناء الشارع بدفع المفاسد أكثر من اعتنائه بتحصيل المصالح ، لأن
المفاسد في الوجود أكثر، ولأن النهي عن الشيء موافق للأصل الدال على عدم
الفعل بخلاف الأمر .
مسألة
[الأمُر عقيب الاستئذان ]
الأمر عقيب الاستئذان والإذن حكمه في إفادة الوجوب کالأمر بعد الحظر، مثل
أن يستأذن على فعل شىء، فيقول: ((افعل)) ذكره في ((المحصول))، وهو حسن
نافع في الاستدلال على وجوب التشهد بقوله # إذ سألوه كيف نصلى عليك ؟ قال
(قولوا .... ) الحديث .
أما النهي عقيب الاستئذان كقول سعد : أوصي بمالي كله ؟ قال : (لا)،
وقولهم : أينحني بعضنا لبعض ؟ قال : (لا) فالأصل في هذا الاستفهام أنه
استفهام عن الخبر . وقد تأتي قرينة دالة على إرادة الاستفهام عن الحكم الشرعي
. إما الوجوب أو الجواز أو الاستحباب ، وقد يكون استرشاداً أيضا كما مثلنا،
والظاهر فيها أن الاستفهام عن الجواز ، ولذلك كان الانحناء حراما .
قال في ((البحر)): وتحرم الوصية بما زاد على الثلث، لكن المشهور خلافه،
ويتجه تخريجه على هذا الأصل .
٣٨٤
1

مسألة
[ورود الأمر مقيدًا بمرة أو بتكرار]
الأمر إن ورد مقيدا بمرة أو بتكرار حمل عليه قطعا ، وإن ورد مقيدا بصفة أو
شرط فسيأتي ، وإن ورد مطلقا عاريا عن القيود فاختلفوا في اقتضائه التكرار
وعدمه ، وسواء قلنا : إنه للوجوب ، أو الطلب على مذاهب:
أحدها : أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة ، وإنما يفيد طلب الماهية
من غير إشعار بالوحدة والكثرة ثم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة ،
فصارت المرة من ضروريات الاتيان بالمأمور به إلا أن الآمر لا يدل عليها بذاته بل
بطريق الالتزام .
وقال الخطابي في ((المعالم)): إنه قول أكثر الناس ، وقال ابن السمعاني : وهو
قول أكثر أصحابنا ، وقال الْكيا الطبري : إنه الصحيح ، وهو رأي القاضي على
تولعه بالوقف في أصل صيغة الأمر والعموم ، واختاره الإمام فخرالدين والآمدي
واتباعهما ونقله في ((المعتمد)) عن الأكثرين.
وقال صاحب ((اللباب)) من الحنفية والباجي من المالكية: هو قول عامة
أصحابنا ، وحكى ابن السمعاني خلافا عن القائلين بأنه لا يفيد التكرار منهم من
قال : لا يحتمله أصلا ، ومنهم من قال : يحتمله . قال : وهو الأولى ، وهو ظاهر
كلام الإمام في ((البرهان)) فإنه قال : إنه في الزائد على المرة متوقف لا ننفيه ولا نثبته
وقال أبو زيد الدبوسي : الصحيح : أنه لا يقتضي التكرار ولا يحتمله ولكن يحتمل
كل الفعل المأمور به ويقتضيه ، غير أن الكل لا يثبت إلا بدليل ، وعليه دلّت
مسائل علمائنا ، وكذا قال شمس الأئمة السرخسي .
والثاني: أنه للتكرار المستوعب لزمان العمر إجراء له مجرى النهي إلا أن يدل
دليل على أنه أريد مرة واحدة ، وبه قال الاستاذ أبو إسحاق ، ونقله الشيخ أبو
إسحاق عن شيخه أبي حاتم القزويني وعن القاضي أبي بكر .
٣٨٥

وذكر الأصفهاني أن العالمي نقله عن أكثر الشافعية، وحكاه شمس الأئمة
السرخسي عن المزني ، ونقله في ((المنخول)) عن أبي حنيفة والمعتزلة ، ونقله الباجي
عن ابن خُوَيْزِ مَنْداد، وحكاه ابن القصار عن مالك، وحكاه أبو الخطاب الحنبلي
عن شيخهم. لكن شرط هذا القول الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة واليوم
وضروريات الإنسان، كما صرح به أبو الحسين بن القطان ، والشيخ أبو إسحاق
وإمام الحرمين وابن الصباغ والآمدي وغيرهم .
قال الصَفِيّ الهندي : ثم لا يخفي عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه
الحقيقي ، وهو إعادة الفعل الأول فإن ذلك غير ممكن من المكلف ، وإنما المراد
تحصيل مثل الفعل الأول .
واعلم أن بعضهم يعبر عن التكرار بالعموم ، لأن أوامر الشرع مما يستلزم فيه
العموم التكرار إن قلنا : إن العام في الأشخاص عام في الأحوال والأزمنة .
والثالث : أنه نص في المرة الواحدة فقط ، ولا يحتمل التكرار ، وإنما يحمل
عليه بدليل ، وحكاه في ((التلخيص)) عن الأكثرين والجماهير من الفقهاء ، وقال
ابن فورك : إنه المذهب. قال أبو الحسين بن القطان : وهو مذهب الشافعي
وأصحابه ، وكذا قال الغزالي في ((المنخول))، وقال الشيخ أبو حامد الأسفرايني في
كتابه في أصول الفقه: إنه هو الذي يدل عليه كلام الشافعي في الفروع قال : لأنه
قال في الطلاق: إذا قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق إلا طلقة
واحدة بالدخول إلى الدار، لأن إطلاق ذلك اقتضى مرة واحدة : قال : وعليه أكثر
الأصحاب ، وهو الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء .
قلت: بل نص عليه في ((الرسالة)) صريحا في باب الفرائض المنسوبة إلى سنن
رسول الله وَلي معها .
قال : فكان ظاهر قوله : ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [سورة المائدة /٦] أقل ما يقع
عليه اسم الغسل مرة ، واحتمل أكثر، وبين رسول الله وَّر الوضوء مرة فوافق
ظاهر القرآن، ولو لم يرد الحديث به لاستغنى عنه بظاهر القرآن. انتهى .
٣٨٦

وممن اختاره ابن الصباغ في ((العدة))، ونقله الأستاذ أبو منصور والشيخ أبو
إسحاق وسليم الرازي وابن برهان في ((الأوسط)) عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة
وأكثر الفقهاء ، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب ،
ونقله القاضي عبد الوهاب عن أصحاب مالك، ونقله صاحب ((المصادر)) عن
شيوخ المعتزلة وأبي الحسن الكرخي ، وقال : ظاهر قول الشافعي يدل عليه .
قيل : وأكثر/ النقلة لا يفرقون بين هذا والقول الأول وليس غرضهم إلا نفي ١١٢/ب
التكرار والخروج عن العهدة بالمرة، ولذلك لم يحك أحدٌ المذهب المختار مع حكاية
هذا ، وإنما هو خلاف في العبارة .
قلت : بينهما فرق من جهة أن دلالته على المرة هل هي بطريق المطابقة والالتزام؟
وإن عدم دلالته على التكرار هل هي لعدم احتمال اللفظ له أصلاً أو لأنه يحتمله
ولكن لما لم يتعين توقف فيه؟
والرابع : أنه يدل على المرة الواحدة قطعا ، ولا ينبىء عن نفي ما عداها ،
ولكن يتردد الأمر في الزائد على المرة الواحدة ، وهو الذي ارتضاه القاضي، كما نقله
إمام الحرمين في ((التلخيص)).
قال : والفرق بين هذا والذي قبله: أن الأولين قطعوا بأن الأمر يحمل على المرة
الواحدة ، ولا يحتمل معنى غيرها، فافهم الفصل بين هذه المذاهب .
وقال الصفي الهندي : القائلون باقتضائه للمرة الواحدة اختلفوا ، فمنهم من
قال: يقتضيها لفظا ، ومنهم من نفى ذلك، وزعم أن اقتضاءه لها إنما هو بحسب
الدلالة المعنوية ، وهي أنه لا يفيد إلا الطلب بتحصيل الماهية من غير إشعار
بالوحدة والكثرة، لكن لما لم يمكن تحصيلها بدون المرة الواحدة قلنا : دل عليها
الأمر ضرورة، بخلاف الكثرة فإنها لا تدل عليها لفظا ولا معنى .
قال : وهذا اختيار أبي الحسين البصري والإمام فخر الدين . ومنهم من قال :
إن مقتضى الصيغة الامثال والمرة الواحدة لا بد منها، وأما الزائد عليها فيتوقف
فيه ، وهو اختيار إمام الحرمين وإليه ميل الغزالي. انتهى .
٣٨٧

وهذا الأخير حكاه صاحب ((المصادر)) عن الشريف المرتضى ، وقال : إنه
الصحيح، والذي في ((البرهان)) للإمام أنه يتضمن الامتثال بالمرة وهو في الزيادة
عليها على الوقف يتوقف على القرينة ، وهو يرد نقل الآمدي عنه الثالث فاعلمه .
والخامس : الوقف في الكل، وهو رأي القاضي أبي بكر وجماعة الواقفية بمعنى
أنه يحتمل المرة ويحتمل لعدد محصور زائد على المرة والمرتين ، ويحتمل التكرار في
جميع الأوقات كذا صرح به في ((التقريب))، ثم ادعى قيام الإجماع على انتفاء ما
عدا التكرار والمرة بالحصر ، وتوقف حينئذ بالمرة والتكرار ، ثم ادعى الاتفاق على
أن فعل المرة متفق عليه وهو واضح ، ثم قال تفريعا على القول بعدم الوقف : إن
المفهوم فعل مرة واحدة. هذا تحقيق مذهب القاضي ، ونقل بعضهم قول الوقف ،
وقال : هو محتمل لشيئين: أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في
أحدهما على قرينة ، والثاني: أنه لأحدهما ولا نعرفه فيتوقف لجلهنا بالواقع .
والسادس : أنه إن كان فعلا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في
جميعها ، وإلا فلا فيلزمه الأول. حكاه الهندي عن عيسى بن إبان ، ونقل في
((المعتمد)) عن أبي عبد الله البصري أن ورود النسخ والاستثناء على الأمر يدلان
على أنه قد أريد به التكرار .
والسابع : إن كان الطلب راجعا إلى قطع الواقع كقولك في الأمر الساكن تحرك
فللمرة وإن رجع إلى اتصال الواقع واستدامته كقولك في الأمر المتحرك تحرك
فللاستمرار والدوام. ويجيء هذا في النهي أيضا، وهو مذهب حسن .
مَسألة
[الأمر المعَلق بشَرَط أوصفة أو وَقت]
أما الأمر المعلق بشرط أو صفة أو وقت ، نحو إن كان زانيا فارجمه، ﴿والسارق
والسارقة فاقطعوا﴾ [سورة المائدة / ٣٨] ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [سورة الإسراء
/٧٨) فهل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارها ؟
٣٨٨

من قال : الأمر المطلق يقتضي التكرار فههنا أولى ، وهو عندهم آكد في التكرار
من المجرد ، ومن قال : لا يقتضيه، ثم اختلفوا ههنا على وجهين. حكاه الصير في
وابن القطان والشيخ أبو حامد الأسفرايني في أصولهم .
وحرر الآمدي وابن الحاجب والهندي محل النزاع بأن المعلق إما أن يثبت كونه
علة لوجوب الفعل مثل ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [سورة النور / ٢] وقولنا: إن كان
هذا المائع خمرا فهو حرام فإن الحكم يتكرر بتكرره اتفاقا من القائلين بالقياس ،
وإن لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي
يتوقف عليه الرجم، فهو محل الخلاف. انتهى .
وبه صرح صاحب ((الكبريت الأحمر))، وهو قضية كلام أبي الحسين في المعتمد
فإنه قال: المراد هنا بالصفة ما علق به الحكم من غير أن يتناول لفظ تعليل ولا
شرط، كقوله: ﴿فتحرير رقبة﴾ [سورة النساء / ٩٢] ﴿والسارق والسارقة﴾ [سورة
المائدة / ٣٨] وجزم بعد ذلك بالتفصيل المذكور .
وقضية كلام الإمام فخر الدين جريان الخلاف مطلقا ، وقد يجمع بينهما بأن
الآمدي فرض الكلام مع القائلين بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية ،
والإمام تكلم في أصل المسألة مع المخالف في الموضعين .
والحاصل: أن المعلق على سبب، كـ ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [سورة
الاسراء/٧٨] و ﴿اقطعوا﴾، و﴿اجلدوا﴾ في الآيتين يتكرر بتكرره اتفاقا، والمعلق
على شرط هو موضع الخلاف .
وأما تكرار الأمر بالتطهير بتكرر الجنابة، وتكرار الأمر بالوضوء بتكرر القيام إلى
الصلاة ، فيرجع إما إلى السببية ، أو بدليل من خارج ، ويعرف السبب
بمناسبته ، أو بعدم دخول أداة الشرط عليه .
وجعل الغزالي موضع الخلاف في العلة الشرعية . قال : فأما العقلية فإن
الحكم يتكرر بتكررها اتفاقا .
ثم في المسألة مذاهب:
٣٨٩

أحدها : أنه لا يقتضي التكرار، وإنما يقتضي فعل مرة إلا أن يقوم دليل على
التكرار. قال أبو بكر الصيرفي : إنه أنظر القولين ، وقال ابن فورك: إنه الأصح .
وقال الشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني في القواطع والشيخ أبو حامد
الأسفرايني وسليم الرازي وإلكيا الطبري : إنه الصحيح كالمطلق ، ونقله في
((المعتمد)) عن أكثر الفقهاء، وكذا قاله صاحب ((المصادر)) وزاد أبا حنيفة وأبا
عبدالله البصري ، وقال السرخسي من الحنفية : إنه المذهب الصحيح ، ونقله في
((الملخص)) عن أكثر الفقهاء من المالكية والشافعية والأصوليين ، وربما نسب
.
للشافعي
قال أبو الحسين بن القطان : لأنه قال فيما لو قال لامرأته: كلما دخلت الدار
فأنت طالق: أنها تطلق بكل دخلة ، ولو قال : إذا دخلت الدار فأنت طالق، وإذا
طلعت الشمس فأنت طالق أن ذلك يحمل على فعل مرة واحدة ، ففرق بين ((إذا))
و((كلما)) وهذا موضع اللسان، فدل على أن إحداهما للتكرار، والأخرى لا
تقتضيه ، واختار هذا القول الآمدى وابن الحاجب .
والثاني : أنها تقتضيه كالنهي .
قال ابن القطان : قال أصحابنا: وهو أشبه بمذهب الشافعي ، لأنه قال في
التيمم لكل صلاة : لما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ [سورة المائدة /٦] وكل من قام وجب عليه الوضوء.
١/١١ قال: فلما توضأ النبي / ﴿ للصلوات وضوءاً واحداً دلنا على أن المراد من ذلك في
الطهارة بالماء ، وبقي في التيمم في الظاهر ، ولأنه يقول بالعموم وهذا عام في سائر
الأوقات .
قال : وأبو بكر خرجها على وجهين ، ثم قال : والأقيس أنه لا يتكرر ،
والأظهر على المذاهب: التكرار. انتهى .
وقوله : والأظهر هو من كلام أبي بكر الصيرفي كما رأيته في كتابه فاعلمه .
وحكى هذا الاستدلال شمس الأئمة السرخسي [و] رده بأن المراد بقوله
٣٩٠

تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [سورة المائدة/٦]: أي محدثين باتفاق المفسرين،
وعلى هذا يستوي حكم الطهارة بالماء والتيمم .
وقال ابن فورك : ما تعلقوا به من احتجاج الشافعي في التيمم فلا حجة فيه ،
لأن وجوب تكرير التيمم لا يصح الاستدلال عليه بذلك إلا بعد أن يصح وجوب
تكرير الصلاة فيجري أمر التيمم على ما يجري عليه أمرها .
والثالث : إن كان الشرط مناسباً لترتب الحكم عليه بحيث يكون علته ، كقوله
تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ [سورة المائدة / ٣٨] وكآية القذف ونحوه،
فإنه يتكرر بتكرره للاتفاق على أن الحكم المعلل يتكرر بتكرارها وإن لم يكن كذلك
لم يتكرر إلا بدليل من خارج .
والرابع : أنه لا يدل عليه من جهة اللفظ ، لأنه لم يوضع اللفط له ولكن يدل
من جهة القياس بناء على الصحيح أن ترتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية ،
واختاره في (المحصول)) والبيضاوي في (المنهاج)).
والخامس : أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار ، والمعلق بصيغة يقتضيه من
طريق القياس ، وهو قضية كلام القاضي في ((مختصر التقريب)) وقال إمام الحرمين
في ((التلخيص)) : الذي يصح وارتضاه القاضي أن الأمر المقيد بشرط لا يتضمن
تكرار الامتثال عند تكرر الشرط ، وإنما يقتضي مرة واحدة، وهو على الوقف فيما
عداها ، وصرح بعد ذلك بالتكرار في العلية .
واعلم أنه كما فصل الآمدي في الصيغة التفصيل السابق فصّل القرطبي في
الشرط ، فقال : إن اقتضى التكرار، نحو كلما جاءك ومتى ما جاءك فأعطه ، فإنه
يقتضي التكرار بحكم القرينة، وإن لم يقتضه فلا تخرج صيغته عن موضوعها
الأصلي .
قال إلْكِيا الهراسي : منشأ الخلاف أن إضافة الحكم إلى الشرط هل تدل على
فعل الشرط مؤثرا كالعلة ؟ والصحيح : أنه لا يدل إلا على كونه أمارة على جواز
الفعل ، والعلة وضعت مؤثرة جالبة ، والخصم يقول : ما يضاف الحكم إليه يدل
على كونه مناطا للحكم .
٣٩١

هذا كله في الأدلة الشرعية ، وأما في تصرف المكلفين فلا يقتضى تكراراً
لمجرده، وإن كان علة فإنه لو قال : اعتقت غانما لسواده، وله عبيد آخرون سود لم
يعتقوا قطعا ، والشرط أولى كقوله : إن دخلت الدار فأنت طالق ، فإذا دخلت
مرة وقع المعلق عليه ، وانحلت اليمين ، ثم لا يتعدد بتكرر المعلق عليه إلا في
((كلما)) ، ومنه يتبين فساد قول بعضهم : ينبغي أن يجري فيه هذا الخلاف
الأصولي .
مسألة
أما إذا تكرر لفظ الأمر نحو صل ثلاثاً صل ثلاثا، فإن قلنا: في الأمر الواحد يقتضي
التكرار، فههنا هو تأكيد قطعا وإن قلنا: إن مطلقة للمرة الواحدة ففي تكرره وجهان :
حكاهما الشيخ أبو إسحاق وسليم الرازي. أحدهما: أنه تأكيد له فلا يقتضي غير
مقتضاه من المرة الواحدة .
قال الاستاذ أبو منصور . هوقول أصحابنا، ونسبه ابن فورك والشيخ أبو
اسحاق وابن الصباغ للصيرفي ، وقد رأيت التصريح به في كتابه المسمى ((بالدلائل
والأعلام))، فقال : متى خوطبنا بإيجاب شىء وكرر لم يتكرر الفعل لتكرر الأمر
كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة البقرة / ٤٣] في مواضع كثيرة ،
والدليل عليه: حديث الأقرع بن حابس في الحج ، وقوله : ﴿إذا قمتم الى
الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [سورة المائدة /٦] الآية، لما أمر بغسل الأعضاء عند
القيام إلى الصلاة وأنه يغسل كل الأعضاء للجنابة لم يجب أن يغسل الأعضاء مرتين
من أجل الحدث أو الجنابة ، لأنه أمر من قام إلى الصلاة أن يدخل فيها بالصلاة
التي وضعها، ولم يجعل الله تعالى الوضوء من الحدث لنفسه ، لأن الحدث إنما هو
علم لنقص الطهارة لا لإيجابها ، ولو كان كذلك لكان إذا أحدث وجب أن يتطهر
لا للصلاة ، فعلم بذلك أن الطهارة للصلاة بهذه الأوصاف، ولو كان من أجل
الحدث للزم تكرار الغسل كما يلزم من أمر إن فعل شيئا من أجل شيء ، وفعل
٣٩٢
.

مثله من أجل غيره كأمرنا بالفدية إذا حلق ، وإذا لبس نعليه(١) وبه جزم أبو
الخطاب الحنبلي في ((تمهيده)).
والثاني : أنه استئناف فيقتضي الأمر بتكرير الفعل ، ونسبه ابن الصباغ لأكثر
أصحابنا ، وصححه الشيخ أبو إسحاق وإلكيا الهراسي ، وقال ابن برهان : إنه
قول الجمهور ، وحكاه الهندي عن الأكثرين، ونسبه صاحب ((الواضح)) المعتزلي
لعبد الجبار، ونسبه الأستاذ أبو منصور لأهل الرأي ، وقطع بالأول .
وقال الباجي : هو قول جماعة من شيوخنا ، وهو ظاهر مذهب مالك ، وإليه
ذهب عامة أصحاب الشافعي ، ونقل وجها ثالثاً ، وهو أنه لا يحمل على التأكيد
والتكرار إلا بدليل ، ونسبه لابن فورك ، ورأيت في كتابه أنه الصحيح .
وهذا قول الوقف الذي حكاه ابن القشيري وغيره عن الواقفية أنه متردد بين
التأكيد وغيره فيتوقف على القرينة .
قال : وكلام القاضي متردد فتارة يميل الى الوقف وهو الصحيح، وتارة يقول :
يقتضي انشاءاً لا متجددا. انتهى .
وممن حكى الوقف عنه أبو الحسين البصري.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويمكن تخريج هذين الوجهين في هذه المسألة من قول
الشافعي في الفروع فيما إذا قال : أنت طالق أنت طالق ، ولم يكن له في الثانية نية
هل يقتضي التأكيد أو الاستئناف ؟ قولان.
ولمحل الخلاف شروط :
أحدها: أن لا يكون هناك ما يمنع التكرار، فإن كان فهو للتأکید قطعا، کالأمر
بالقتل والعتق إذا تكررا في شخص واحد، فإنه لا يمكنه قتله وعتقه مرتين. ذكره
ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب في ((المخلص)).
الثاني: أن يرد التكرار قبل الامتثال فإن ورد بعده حُملَ الثاني على الاستئناف .
قاله ابن القشيري والباجي وغيرهما .
(١) بياض في جميع النسخ.
٣٩٣

الثالث: أن يتحد مدلول اللفظين، نحو صلّ ركعتين صلّ ركعتين، فإن اختلفا
اقتضى التكرار قطعا. قاله الباجي وصاحب ((الواضح))، نحو اضرب زيدا أعطه
درهماً، اضرب زيدا اضرب عمراً، صلّ ركعتين، صم يوماً، ولا فرق في هذا
القسم بين أن يقرن بحرف العطف أو لا، ولا بين التعريف والتنکیر کما ذكره إلكیا
الهراسي وغيره.
قال : نعم إن دلّ الدليل على أن الثاني ذكر تأكيداً أو أفرد عما عداه تفخيما
١١٣/ب فالحكم للدليل ، نحو عطف / جبريل ومكيائيل على الملائكة.
وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)): إن ورد الأمر الأول بالنكرة والثاني بالمعرفة فإنه
ينصرف الثاني إلى ما انصرف اليه الأول سواء بالعطف وغيره ، وكذلك إذا وردا
بالمعرفة ، لأن الألف واللام متى ظفرا بمعهود فإنهما ينصرفان إليه إلا لمانع ، ولهذا
حمل ابن عباس العسر الثاني على الأول في قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسراً إن مع
العسر يسراً﴾ [سورة الشرح / ٥ - ٦] حتى قال: ﴿لن يغلب عسر يسرين﴾.
الرابع : أن لا يعطف أحدهما على الآخر، فإن عطف فلا خلاف في حمل الثاني
على الاستئناف ، لأن الشىء لا يعطف على نفسه . قاله الباجي وصاحب
((الواضح))، وبه جزم ابن الصباغ في ((العدة))، ولكنه خص ذلك بما إذا لم يكن فيه
لام التعريف، فإنْ كانت مثل صلّ ركعتين ، وصلّ الركعتين قال : فاختلفوا فيه،
فقيل : يحمل على الاستئناف ، وقيل بالوقف ، لأن العطف يقتضى المغايرة ،
والألف واللام تقتضي الاتحاد .
وقال القاضي عبد الوهاب في ((المخلص)): إذا أمر بفعل ، ثم عطف عليه بآخر
فللمسألة أحوال:
أحدها : أن يكون الثاني خلاف الأول، نحو ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾
[سورة البقرة/٤٣] فهما متغايران .
الثاني : أن يكون ضده فكذلك بالاتفاق كقوله: لا تمس زيداً بسوء ولا تضربه
ثم تقول: اضربه، وشرطه أن يتعدد الوقت ، فلو اتحد لم يجز، وإن ورد حمل على
التخيير .
٣٩٤

الثالث : أن يكون الأمر الثاني مثل موجب الأول فهذا موضع الخلاف، فذهب
القاضي وغيره إلى أن الثاني غير الأول ما لم يمنع مانع ، وهذا الذي يجيء على قول
أصحابنا .
وذهب آخرون إلى أن الثاني هو الأول، ولا بد أيضا في هذا من اشتراط كون
الفعل مما يصح تكراره . قال : فإن كان الأمر الأول متناولا لجميع الجنس
والمعطوف متناولاً لبعضه ، فقيل بالتغاير ، كقوله تعالى : ﴿حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى﴾ [سورة البقرة / ٢٣٨] فقيل: إن هذا يوجب أن تكون الوسطى
غير الصلوات المذكورة قبلها ، لأن العطف للتغاير ، والصحيح: أن ذلك محمول
على ما سبق إلى الوهم عند سماعه ، وهو التفخيم والتعظيم . وأما عكسه وهو
كون الثاني أعم من الأول ، كقوله : اقتل أهل الأديان ، واقتل جميع المشتركين ،
فاختلف فيه هنا ، والصحيح: أنه لا يدل على المغايرة ، وأن المراد بذلك التفخيم
والبداءة بما هو الأهم . قال : وهذا كله إذا لم تقم دلالة على أن المراد به غير
التأكيد ، فإن قامت دلالة على غير ذلك صرنا إليه. انتهى .
الشرط الخامس: أن يكون الأمر في وقتين ، كذا صور به سليم مسألة
الخلاف. وقضيته : أنه إذا كرره في وقت واحد يحمل على التأكيد قطعا ، لكن
صرح ابن القشيري في كتابه أنه لا فرق بين أن يتخلله زمان أم لا ، ثم قال :
وقال القاضي : إن فرض الكلام في الأمر والنهي الصادر من الخلق، فلا يبعد
التفصيل بين ما يرد من الأوامر على التوالي أو مع التخلل بزمان ، فإن تخلل حمل
على التجدد، ويمكن حمله على التأكيد ، فأما ما في أوامر الله تعالى فلا فرق ،
ولذلك جاز التخصيص .
قال ابن القشيري: وهذا الذي قاله القاضي محل نظر ، فإن ما اتصل بنا من
كلام الله تعالى عباراته دالة عليه ، فأيُّ فرق ؟ ولو صح هذا لصح تأخير الاستثناء
على المستثنى منه .
السادس: أن تتكرر صيغة الأمر، فإن تكرر المأمور به دون صيغته، نحو صلّ
ركعتين ركعتين فلم يصرح بها الأصوليون، ويخرج من كلام الفقهاء منها خلاف.
٣٩٥

والصحيح: لا فرق فإنهم اختلفوا في قوله: أنت طالق طالق، هل هو بمثابة أنت
طالق أنت طالق، أو تقع طلقة قطعا؟ فيه وجهان أصحهما: الأول.
مسألة
[ تصريح الأمر بالفعل في اي وقت شاء]
الأمر إن صرح الآمر فيه بالفعل في أي وقت شاء، أو [قال]: لك التأخير، فهو
للتراخي بالاتفاق. وإن صرح به للتعجيل فهو للفور بالاتفاق، وإن كان مطلقا أي :
مجردا عن دلالة التعجيل أو التأخير وجب العزم على الفور على الفعل قطعا. قاله الشيخ
أبو إسحاق. وهل يقتضي الفعل على الفور بمعنى أنه يجب المبادرة عقبه إلى الإتيان
بالمأمور به أو التراخي؟ أما القائلون باقتضائه التكرار فالفور من ضرورياته كما قاله
الشيخ أبو حامد وغيره.
وأما المانعون فاختلفوا على مذاهب:
أحدها: أنه يقتضى الفور ، وبه قالت الحنفية والحنابلة وجمهور المالكية
والظاهرية ، واختاره من أصحابنا أبو بكر الصيرفي والقاضي أبو حامد المروروذي
والدقاق، كما حكاه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وسليم الرازي. وقال
القاضي الحسين في باب الحج من ((تعليقه)): إنه الصحيح من مذهبنا . قال : وإنما
جوزنا تأخير الحج بدليل من خارج. وحكى في كتابه ((الأسرار)) عن القفال الجزم
به محتجا بأن الأمر يقتضي اعتقاداً بالقلب ، ومباشرة بالبدن ، ثم الاعتقاد على
الفور فكذا المباشرة ، وأيضا فإن أوامر العباد حملت على الفور ، وجزم به المتولى في
باب الزكاة من ((التتمة)) ونقله صاحب ((المصادر)) عن المزني وأبي عبد الله
البصري .
قال الشيخ أبو حامد: وهو قول أهل العراق وأهل الظاهر وداود، وحكاه الكرخي
عن أصحاب الرأي ونصره أبو زيد الرازي، وقال القاضي عبد الوهاب : عليه
٣٩٦
1

تدل أصول أصحابنا : وقال : إنه الذي ينصره أصحابنا، ويذكرون أنه قضية
مذهب مالك ، وقال أبو الخطاب الحنبلي في ((التمهيد)): إنه الذي يقتضيه ظاهر
مذهبهم .
والقائلون بالفورية اختلفوا كما قاله الأستاذ وابن فورك وصاحب ((المصادر)) إذا
لم يفعله في أول الوقت، فقيل : يجب بظاهره أن يفعل في الثاني، وقيل : لا يجب
إلا بأمر ثان ، ولا يقتضي إلا إيقاع الفعل عقبه فقط، وسيأتي .
قال ابن فَوْرَك : واختلفوا أيضا هل اقتضاؤه الفور من مقتضي اللفظ أي :
باللغة أو بالعقل ؟ وزيّف الثاني ، وقال: إنما النزاع في مقتضاه في اللسان.
والثاني: أن الواجب إما الفور أو العزم، ونقله صاحب ((المصادر)) عن أبي على
وأبي هاشم وعبد الجبار، وحكاه ابن الحاجب عن القاضي قيل: وبناه على أصله في
الموسع لكن الذي رأيته في ((التقريب)) للقاضي اختيار أنه على التراخي، وبطلان
القول بالوقف .
قال إمام الحرمين في ((مختصره)): وهو الأصح إذ المصير اليه يؤدي الى خرق
الاجماع أو يلزمه ضرب من التناقض .
والثالث: أنه لا يفيد الفور، وله التأخير بشرط أن لا يموت حتى يفعله ، وهو
قول الجمهور من أصحابنا، كما قاله الأستاذ أبو منصور وسليم الرازي . قال :
وهو ظاهر قول الشافعي في الحج ، وإليه ذهب طائفة من الأشعرية وسائر المعتزلة،
ونقله أبو الحسين بن القطان عن نص الشافعي لما اذكره في تأخير الحج .
وقال الشيخ أبو حامد: ظاهر قول الشافعي يقتضي أن الأمر على التراخي على
حسب ما قاله في الحج ، وهو/ الصحيح من المذهب ، وقال إمام الحرمين وابن ١/١١٤
القشيري: عزوه إلى قول الشافعي وهو اللائق بتفريعاته بالفقه ، وإن لم يصرح به
في مجموعاته في الأصول .
وقال ابن برهان في ((الوجيز)): لم ينقل عن الشافعي ولا أبي حنيفة نقل في
المسألة، وإنما فروعهما تدل على ما نقل عنهما. قال: وهذا خطأ في نقل المذاهب ،
٣٩٧

إذ الفروع تبنى على الأصول لا العكس ، ونقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ
عن أبي على ابن خيران وابن أبي هريرة وأبي بكر القفال وأبي على الطبري صاحب
((الإفصاح)) وكذا نقله ابن برهان في ((الأوسط)) عن القاضي، وزادا أبا علي وأبا
هاشم الجبائيين ، ونقله عنهما صاحب ((المعتمد)) أيضا: قال : وجوزوا تأخير
المأمور به عن أول وقت الإمكان واختاره الغزالي والإمام والهندي وأتباعهم .
وقال في ((البرهان)): ذهب القاضي أبو بكر البصري إلى ما اشتهر عن الشافعي
من حمل الصيغة على اتباع الامتثال من غير نظر إلى وقت مقدم أو مؤخر ، وهذا
يدفع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه .
والرابع: أنه يقتضي التراخي، كذا أطلقه جماعة منهم الشيخ أبو حامد
الأسفرايني وابن برهان وابن السمعاني وغيرهم ، وحكوه عمن تقدم ذكره من
أصحابنا ، وقال القاضي في ((التقريب)): إنه الوجه عنده ، وقال ابن السمعاني:
إنه الصحيح. قال: ومعنى قولنا : إنه على التراخي أنه ليس على التعجيل ،
وليس معناه أن له أن يؤخره عن أول أوقات الفعل . قال : وبالجملة إن
قوله: ((افعل)) ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض
للوقت. انتهى .
وعلى هذا فهو المذهب الثالث.
وقال السرخسى : الذي يصح عندي من مذهب علمائنا : أنه على التراخي
ولا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر. نص عليه في ((الجامع))،
فمن نذر أن يعتكف شهرا له أن يعتكف أيّ شهر شاء ، وكان الكرخي يقول :
إنه على الفور، وهو الظاهر من مذهب الشافعي ، وكذا حكاه صاحب ((اللباب))
عن البزدوى ، فقال قال الإمام أبو اليسر البزدوي : لا خلاف عندنا أن الوجوب
مطلقا على حسب إطلاق الأمر لكن يشترط أن لا يفوت الأداء قبل الموت .
وقال أصحاب الشافعي : لا بل مطلق الأمر عن الوقت يقتضي المبادرة وإنما
يبين هذا في باب الزكاة بعد تمام الحول هل يصير مكلفا بالأداء للحال ؟ فعندنا لا
يصير مكلفا بل الأداء موسع له في عمره ، وعندهم يتحتم الأداء في الحال .
٣٩٨

وقال القاضي أبو بكر في ((التقريب)): الوجه عندنا في ذلك القول بأنه على
التراخي دون. الفور والوقت. انتهى. وهذا خلاف ما تقدم النقل عنه .
والخامس: الوقف إما لعدم العلم بمدلوله أو لأنه مشترك بينهما ، وصححه
الأصفهاني في ((قواعده))، وحكاه صاحب ((المصادر)) عن الشريف المرتضى .
فقال : وذهب إلى الوقف من جهة اللغة وأما من حيث عرف الشرع فإنه عنده على
الفور ، ثم افترقت الواقفية ، فقيل : إذا أتى بالمأمور به في أول الوقت كان ممتثلا
قطعا وإن أخرّ عن الوقت الأول لانقطع بخروجه عن العهدة ، واختاره إمام
الحرمين في ((البرهان)) وفي كلام الآمدي خلل عنه ، وقيل: إنه وإن بادر إلى فعله
في الوقت لا يقطع بكونه ممتثلا وخروجه عن العهدة ، لجواز إرادة التراخي .
قال ابن الصباغ في ((العدة)): وقائل هذا لا يجوز فعله على الفور لكنه خالف
الاجماع قبله .
والحاصل : أنه مذهب منسوب إلى خرق الإجماع .
تنبيهات
الاول
إن الكلام في هذه المسألة مبنى على ثبوت الواجب الموسع، وهو الصحيح ومن
لا يعترف به فلا كلام معه قاله وإليكا الطبري .
الثاني
إنه قد اشتهر حكاية قول التراخي، وقال الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين
وابن القشيري وغيرهم : إن هذا الإطلاق مدخول، إذ مقتضاه أن الصيغة المطلقة
تقتضي التراخي حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتد به ، وهذا لم يصر إليه
٣٩٩

أحد ، فالأحسن في العبارة عن هذا القول أن يقال: الأمر يقتضي الامتثال من غير
تخصيص بوقت. انتهى .
ولهذا قال الشيخ أبو حامد : إن العبارة الصحيحة أن يقال: لا يقتضي الفور
والتعجيل ، قال : ومعنى أنه على التراخي أنه يجوز تأخيره ، لا أنه يجب تأخيره
فإن أحدا لا يقول ذلك. انتهى لفظه.
وقد سبق عن ابن الصباغ حكاية قول أن المبادرة لا يعتد بها ، وحكى الغزالي
في ((المستصفى)) الخلاف أيضا في المبادر هل هو ممتثل أم لا؟ فقال : أما المبادر
فممتثل مطلقا ، ومنهم من غلا ، فقال : يتوقف في المبادر .
وحكى الأبياري في ((شرح البرهان)) أن بعض الأصوليين ذهب إلى أن من أَخَّر
لا يعتد منه بما فعل مؤخرا قال : وعلى هذا فالترجمة لا مؤاخذة عليها وعلى ما ذكره
الإمام فالتعبير بالفور يشعر بأن المؤخر ليس بممتثل ، وقد قال الإمام في آخر
المسألة ؛ إنه لم يقله أحد .
الثالث : قيل : الخلاف في هذه المسألة لا يكون إلا في الواجب دون الندب.
وقيل: يكون فيهما، قال القاضي عبد الوهاب: وهو الصحيح. قال: واتفقوا على
أنها لا تتصور على مذهب من يقول : الأمر للدوام والتكرار ، لأنه إذا كان كذلك
استغرق الأوقات.
ثم اختلف الفورية، هل يجب تعلق الأمر المدعي ذلك فيه بفعل واحد أو
بجملة أفعال؟ فقيل: يختص بالفعل الواحد، وقيل: يعمها، والقائلون بأنه
يقتضي واحداً إذا ترك المكلف إيقاعه عقب الأمر هل يجب عليه فعل مثله أو بدل
منه بنفس الأمر به أو لا يحب إلا بأمر مستأنف؟ واختلف القائلون بالتراخي هل
يجوز تأخيره إلى غاية محدودة أو لا؟ فقيل: يجوز إلى غاية بشرط السلامة، فإن مآت
قبل الأداء مات آثماً، وقيل: لا إثم إلا أن يغلب على ظنه فواته أن لو لم يفعل،
وفصّل آخرون، فقالوا: قد يكون إلى غاية وهي أن لا يغلب على ظنه أنه يموت
فإن مات كان معذوراً غير آثم، وقد يكون إلى غاية محدودة، وهي أن يغلب على
ظنه الاحترام عند حصولها، فحينئذ يتعجل، واختاره القاضي. انتهى.
٤٠٠
/