Indexed OCR Text
Pages 221-240
إن قولهم : زيد الاسم الجامع للأوصاف لما كان قصد به أن يكون العلم الخاص له من سائر مسميات جنسه. اهـ . واعلم أن هذا الحكم ليس متفقا عليه ، فقد حكى القاضي عبدالوهاب في ((الملخص)) الخلاف في دخول المجاز في الأعلام، وكذلك صاحب ((الميزان)) من الحنفية ، فقال : الأعلام هل يدخلها الحقيقة والمجاز؟ قال : والأكثرون على الدخول ، وكذا قاله ابن لقمان الكردي في كتابه ((الفصول)) ذهب عامتهم إلى أن الأعلام يدخل فيها الحقيقة والمجاز ، ومن هنا قال ابن الساعاتي : إن كل كلام عربي مستعمل لا يخرج عن الحقيقة والمجاز، إذ الأعلام عربية .. وفي المسألة قوله ثالث جزم به القاضي أبو بكر والغزالي في ((المستصفى))، وهو التفصيل بين الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات كزيد وعمرو، فلا يدخلها المجاز ، لأنها لم توضع للفرق بين الصفات وبين الأعلام الموضوعة للصفة كالأسود ونحوه ، إذ لا يراد به الدلالة على الصفة مع أنه وضع لها فيكون [مجازاً] (١) وعلى هذا جرى ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) فقال : الحقيقة والمجاز لا يدخلان في أسماء الألقاب ويدخلان في أسماء الاشتقاق . قال بعض شارحي ((المحصول)): إنما قال الغزالي ذلك بناء على مذهبه في عدم اعتبار العلاقة في المجاز، فإن المجاز عنده ما استعملته العرب في غير موضوعه، فما ذكره مستقيم على مذهبه لا غير، وفيه نظر ، لأنه لو كان مأخذه في هذا عدم اعتبار العلاقة لم يفرق بين زيد وعمرو وبين الأسود والحارث، بل جعل الكل مجازا ، إذ يصدق على كل واحد منهما أنه استعملته العرب في غير موضوعه . وقال بعض نفاة المجاز : تصور هذه المسألة محال ، إذ يستحيل وضع سابق على الاستعمال ثم يطرأ الاستعمال فصار باعتباره حقيقة ومجازاً ، ولا يعرف تجرد اللفظ عن الاستعمال وهو مستحيل ، وإن تجرده عن الاستعمال كتجرد الحركة عن المتحرك . نعم إنما يتجرد وهي حينئذ ليست لفظا وإنما هي على تقدير ألفاظ لا حكم لها، وثبوتها في الرسم مسبوق بالنطق بها، فإن الخط يستلزم اللفظ من غير عکس . (١) هذه التكملة أخذناها من ((المستصفى)) للإمام الغزالي بالمعنى لا بالنص لكي يستقيم الكلام. ٢٢١ قالوا : ويستلزم أمراً فاسداً ، وهو أنه إذا تجرد الوضع عن الاستعمال جاز أن يوضع للمعنى الثاني من غير أن يستعمله في معناه الأول فيكون مجازاً لا حقيقة له . وأورد بعضهم على القائلين : إن الأعلام لا يدخلها المجاز نحو قولنا: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير شعرا ، وهذا لا يرد ، لأن الكلام الآن في أن العلم بالنسبة إلى مدلوله ليس بمجاز ، وأما استعمال العلم في غير مدلوله كاستعمال أبي حنيفة في أبي يوسف واستعمال زهير في زيد ، وكذلك اشتريت سيبويه وتريد كتابه ، فقد يقال: كيف يجوز ذلك والمجاز فيه غير العلم ؟ والعلم إذا لم يكن حقيقة ولا مجازا فكيف يجعل المجاز ناشئا عنه ؟ . وأجاب التبريزي في كلامه على ((المحصول)) بجوابين : أحدهما: أنها في هذه الحالة خرجت عن العَلَّمَّية . والثاني: أنه مجاز عقلي . والجواب الصحيح ما اقتضاه كلام القاضي أبي بكر، وصرح به النحاة : أنه على حذف مضاف، أي أبو يوسف مثل أبي حنيفة ، وزيد مثل زهير ، واشتريت كتاب سيبويه ، وقد تحصلنا في هذه المسألة على مذاهب ، ويجب تخصيص محل الخلاف بالأعلام المجددة(١) دون الموضوعة بوضع أهل اللغة ، فإنها حقائق لغوية . مَسْأَلَة [الحَقيقة لا تستلزم المجَاز] قالوا : لا خلاف في أن الحقيقة لا تستلزم المجاز إذ الوضع(٢) لا يستلزم الثاني، (١) أي: المتجددة. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. (٢) لعله: إذ الوضع الأول لا يستلزم الخ، ويؤيد هذا الترجي قوله الآتي: وكان ينبغي أن يجيء في هذه المسألة خلاف من الخلاف في أن الأول هل يستلزم ثانيا؟ كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ٢٢٢ والأصل لا يستلزم الفرع، وليس كل الحقيقة تكون في غيرها علاقة فيها مسوغة للتجوز، بل الحيققة يكون لها مجاز كالبحر، وقد لا يكون كالفرس . قال الشيخ أبو إسحاق : ومن حكم هذا أنه إذا ورد به الشرع فهل هو على حقيقته ولا يعدل به عنها إلى المجاز إلا بدليل ؟ وكان ينبغي أن يجىء في هذه المسألة خلاف من الخلاف في أن الأول هل يستلزم ثانيا كما فرع عليه الفقهاء ؟ إذ الحقيقة فيها قيد الأولية . ثم رأيت القاضي أبا بكر في كتاب ((التقريب)) حكى عن بعض القدرية أن كل حقيقة لا بد لها من مجاز ، وما لا مجاز له فلا يقال : إن له حقيقة ، وهو يرد على حكايتهم الإجماع فيما سبق . واختلفوا في المجاز هل يستلزم الحقيقة على معنى أنه هل يشترط في استعمال اللفظ في غير موضوعه أن تكون الحقيقة قد وجدت واستعملت في ذلك المعنى أولا ؟ على قولين : أحدهما : نعم وبه جزم الشيخ في ((اللمع)) والقاضي أبو بكر وابن فُورَك. قال : كما أن لكل فرع أصلا، وابن برهان / في ((الأوسط)) وابن السَّمْعاني في ١/٩٠ ((القواطع))، وأبو الحسين البصري في ((المعتمد))، والقاضى عبدالوهاب في ((الملخص))، والقاضي عبدالجبار والإمام فخرالدين والأبياري في ((شرح البرهان)) وغيرهم ، فكل مجاز لا بد أن يكون له حقيقة ، لأنه فرعها ، والفرع يستلزم الأصل ، ولأن الثاني يستدعي أولا . وأصحهما عند الآمدي وابن الحاجب: المنع ونقله ابن الساعاتي عن المحققين، واختاره البيضاوي في ((المرصاد))، لأن المجاز وإن كان مستعملا في غير ما وضع له ففائدة الوضع التهيؤ للاستعمال، ولأن اللفظ بعد وضعه وقبل استعماله لا حقيقة ولا مجاز ، ويجوز أن يسمى به حينئذ غيره لعلاقة بينهما فيكون مجازاً لا حقيقة له . والحق : أن المجاز يفتقر إلى سبق وضع أول، لا إلى سبق حقيقة، وكذا قال الأصفهاني : الحق أن المجاز يستلزم اللفظ الموضوع، بإزاء معنى من المعاني ، ٢٢٣ والحقيقة ليست اللفظ الموضوع بل المستعمل(١) فيما وضع له اللفظ ، واختلف كلام الرازي في ((منتخبه)) وأوَّله ابن التلمساني بأنه حيث قال: لا يستلزم، أراد به الجواز العقلي ، وحيث يقال : يستلزمه، أراد به الوضع، فإنا لم نعرف أن الألفاظ موضوعه بإزاء ما دلت عليه إلا بالاستعمال ، ولا نعرف عين الواضع من توقف أو مصطلح ، وزعم بعضهم أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في المفرد لا في المركب . والمانعون تمسكوا بأن الرحمن مجاز في الباري تعالى، لأنه موضوع للواحد المذكر الموصوف بالتعطف ، وليس له حقيقة، لأنه لم يستعمل إلا في الله ، واعترض بأنه كان يقال على رحمان اليمامة . وأجيب بأنه على سبيل المجاز أيضا، ومعناه: منعم اليمامة، وبأنه لا يلتفت إليهم، لأنه تعنت منهم . وقيل : في الجواب نظر ، لأنه لا ينفي الاستعمال في حق الباري سبحانه، غايته أنه يعلل الواقع، وهو تأكد الاستعمال لكنه ضعيف، إذ لا اعتداد بالاستعمال إذا كان على خلاف أصل الوضع مضادا له منافيا إياه وظهر من هذا أنه مجاز ليس بحقيقة . مَسألَة [هَل يَتجوز بالمجَازِ عَن المجاز] هل من شرط المجاز أن يتجوز به عن الحقيقة أم يجوز أن يتجوز عن المجاز؟ هذا لم يتعرض له الأصوليون . وسبق عقد مسألة فيه، ويخرج من كلام أصحابنا فيه خلاف، فإنهم قالوا فيما إذا قال لزوجته أو أمته : أنت عليَّ كالميتة والدم والخنزير، فإن نوى صريح الطلاق (١) لعله: اللفظ المستعمل. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية بتصرف. ٢٢٤ أو الظهار أو العتق صح ، وإن نوى كناية بأن أراد لفظ التحريم، فيجعل قائما مقام قوله : أنت عليّ حرام ، فإن قلنا : الحرام صريح في وجوب الكفارة، فهذا كناية عنه . لأن الصريح يكنى عنه فتجب به الكفارة، وإن قلنا : إنه كناية فيها لم يجب هنا شىء ، لأن الكناية يكون لها كناية لضعفها ، وإنما الكناية عن الصريح قاله الماوَرْدي وغيره . وحكاه الرافعي عن الشيخ أبي حامد ، ثم قال: ولا يكاد يتحقق هذا التصوير، لأنه ينوي باللفظ معنى لفظ آخر لا صورة اللفظ ، وإذا كان المنوي المعنى فلا فرق بين أن يقال : نوى التحريم، وبين أن يقال : نوى أنت علي حرام . مَسَأَلَة [ المجَاز فَرَع للحَقيقَة] المجاز خلف عن الحقيقة بالاتفاق أي فرع لها بمعنى أن الحقيقة هي الأصل الراجح المقدم في الاعتبار ، وأجمعوا على أن شرط الخلف انعدام الأصل للحال على احتمال الوجود ، لكن اختلفوا في جهة الخليفة هل ذلك في حق المتكلم به أو في حق الحكم ؟ فذهب أبو حنيفة إلى أنه خلف عن المتكلم ، سواء كان معناه الحقيقي مقصوداً فيه أم لا ، لأنهما من عوارض الألفاظ ، وذهب صاحباه إلى أنه خلف عن حكم ذلك، يعني أن يكون اللفظ موجبا حقيقة، ثم تعذر العمل بحقيقته لمعنى، فحينئذ يصار إلى المجاز ، وهو ظاهر مذهبنا ، لأنه الظاهر من الكلام . ولأن المجاز الذي لا يمكن صحة معناه الحقيقي في القرآن وكلام البلغاء أكثر من أن يحصى ، ومعنى هذه المسألة : أنه إذا استعمل لفظ وأريد به المعنى المجازي هل يشترط إمكان المعنى الحقيقي بهذا اللفظ أولا ؟ فعندنا يشترط فحيث يمتنع المعنى الحقيقي لا يصح المجاز ، وعنده : لا : بل يكفي صحة اللفظ من حيث العربية احترازا من إلغاء الكلام . ٢٢٥ ونكتتها: أن اللفظ عندنا إذا كان محالا بالنسبة إلى الحقيقة لغو، وعند أبي حنيفة يحمل على المجاز، وعلى هذا الأصل مسائل : منها : إذا قال الرجل للعبد الأكبر منه سنا : هذا ابني فحقيقته مستحيلة إذ يستحيل كونه ابنه ، فهل ينزل على المجاز ، ويقال : المراد مثل ابنى في الحرية فيعتق عليه بهذا اللفظ ، أو لا ينزل عليه بل يلغو ؟ قال أبو حنيفة بالأول ، وقال صاحباه بالثاني ، ولا خلاف عند أصحابنا فيه ، وإنما اختلفوا عند الإمكان إذا كان المقَرُّ بنسبه بالغاً وكذَّب المقِرُّ، فإن النسب لا يثبت جزما ، وفي ثبوت العتق وجهان للإمكان على الجملة . وقالوا : لو حلف ليصعَدنّ السماء أن يمينه تنعقد على الأصح لإمكان البر ، وتجب الكفارة ، ولو حَلف لا يصعد السماء لم ينعقد يمينه على الأصح ، لأن الحنث فيه غير متصور . لكن خالفوه فيما لو قال : لأشربَنّ ماء هذه الأداوة ولا ماء فيها ، فقالوا : يحنث على الأصح وتجب الكفارة ، وكان ينبغي تصحيح عدم الانعقاد ، لأن الأصل وهو البر غير ممكن . لنا أن المجاز ينتقل الذهن من الموضوع له إلى لازمه ، فاللازم موقوف على الموضوع له فيكون اللازم خلفا وفرعا للموضوع له ، فلا بد من إمكان الأول لتوقف المعنى المجازي عليه ، فالذي ثبت بهذا اللفظ بطريق المجاز ثبوت الحرية مثلا ، فلفظ: هذا ابنى خلف عن الحكم الذي ثبت بهذا اللفظ بطريق الحقيقة كثبوت البنوة مثلا . وقال أبو حنيفة: لفظ هذا ابني خلف عن لفظ : هذا حر، فيكون المتكلم باللفظ الذي يفيده المعنى بطريق المجاز خلفا عن المتكلم باللفظ الذي يفيد عين ذلك المعنى بطريق الحقيقة ، وقيل : بل أراد أن لفظ : هذا ابني إن أريد به الحرية خلف عن لفظ : هذا ابني إذا أريد به البنوة . وقد أورد على الصاحبين أنه ينبغي أن لا يصح بهذا قولهم : هذا أسد للرجل الشجاع، لما تحقق أن الهيكل المخصوص في حق الإنسان محال ، وقد أطبق على صحته . وأجيب بأنه ليس نظير ما نحن فيه ، لأن قوله : هذا أسد ليس مستعارا ٢٢٦ بجملته، بل أسد مستعار، وهذا استعارة له ، وأما ههنا فهذا ابني بجملته مستعار في حق إثبات الحرية . مسألَة [العبرة بالحقيقَة] إذا كانت الحقيقة مستعملة والمجاز غير مستعمل، أو كانا مستعملين والحقيقة أغلب استعمالا / فالعبرة بالحقيقة بالاتفاق، لأنها الأصل ولم يوجد ما يعارضه، ٩٠/ب فوجب العمل به ، وإن كانا في الاستعمالين سواء، فالعبرة بالحقيقة أيضا، ومنهم من نقل فيه الاتفاق وليس كذلك: بل حكى الخلاف فيه جماعة منهم أبو يوسف في (الواضح))، فقال: وأما إذا كان يفيد مجازا متعارفا وحقيقة متعارفة، فقد اختلف فيه، فقال أكثر المتكلمين: يجب حمله على الحقيقة، وقيل: بل يحمل عليهما. وقال صاحب ((المصادر)): القول إذا كانت له حقيقة متعارفة فيه ومجاز متعارف ، كقوله : لا أشرب من هذا النهر، فحقيقته العرفية الكرع، ومجازه أن يغترف منه فيشرب ، فذهب بعضهم إلى وجوب حمله على الحقيقة لقوتها وآخرون إلى أنه لا يجب . قال : والذي أقوله: إن حكم هذا القول حكم الحقائق المشتركة ، لأنه حقيقة في المعنى الأول بحكم الوضع، وحقيقة في المعنى الثاني بحكم العرف الطارىء وكثرة الاستعمال ، وهو حقيقة فيهما مشتركة بينهما باعتبار الوضع والعرف وتسميته مجازا خطأ. اهـ. وكذلك حكى الخلاف أيضا القاضي عبدالوهاب في ((الملخص)) وجزم به في ((المحصول)) في المسألة السابعة من الباب التاسع بالمساواة ، وقال الأصفهاني في ((شرحه)): إنه الحق . وإن هجرت الحقيقة بالكلية بحيث لا تراد في العرف، فالعبرة بالمجاز بالاتفاق ٢٢٧ كما لو حلف لا يأكل من هذه النخلة، فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها، وإن كان هو الحقيقة ، لأنها قد أميتت بحيث لا تراد في العرف البتة، وأما إذا غلب للجاز في الاستعمال والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات، فقال أبو حنيفة: الحقيقة أولى، لأنها راجحة بحسب الأصل وكونها مرجوحة أمر عارض لا عبرة به، وقال صاحباه: المجاز أولى لكونه راجحا في الحال ظاهراً فيه . قال القَرَافي في ((شرح التنقيح)): وهو الحق، لأن الظهور هو المكلف به، واختار الإمام في ((المعالم)) والبيضاوي في ((المنهاج)) استواءهما، لأن كل واحد راجح على الآخر من وجه ، فالحقيقة بالأصل والمجاز بالغلبة فيتعادلان ولا يحمل أحدهما على الآخر إلا بالنية ، وهذا يتوقف على ثبوت تعادل المرجحين ، وقال الصفي الهندي: وعزى ذلك إلى الشافعي . قلت : ويشهد له المثال، فإنهم مثلوا المسألة بما إذا حلف لا يشرب من الفرات ولا نية له، فعند أبي حنيفة إنما يحنث بالكرع منه ، ولا يحنث بالشرب من الأواني المملوءة منه ، وعندنا يحنث بالاغتراف منه كما يحنث بالكرع منه لأنه المتعارف، وهو المنقول عندنا كما قاله الرافعي في كتاب الأيمان في النوع الثاني من ألفاظ الأكل والشرب . قالوا : والخلاف في هذه المسألة يرجع إلى الأصل السابق وهو أن المجاز هل هو خلف عن الحقيقة في حق المتكلم أو في الحكم ؟ فإن كان المجاز خلفا في حق المتكلم لا تثبت المزاحمة بين الأصل والخلف ، فيجعل اللفظ عاملا في حقيقته عند الإمكان . هذا تحرير التصوير في هذه المسألة والنقل والتمثيل، فاعتمده واطرح ما عداه . وجعل الأصفهاني في ((شرح المحصول)) محل الخلاف فيما إذا صدر ذلك ممن لا عرف له ولا قرينة، فإن صدر ذلك من الشارع حمل على الحقيقة الشرعية قطعا أو من أهل العرف حمل عليها . والحق : أن المجاز إن ترجح على الحقيقة بحيث يتبادر إلى الفهم عند إطلاق اللفظ كالحقيقة الشرعية أو العرفية العامة أو الخاصة يحمل على الشرعية إن صدر ٢٢٨ من الشرع ، وعلى العرفية إن صدر منهم ، وإن ترجح على الحقيقة، ولكن لم ينته إلى حد الشرعية أو العرفية أو انتهى إليه ولكن لم يصدر من أهل الشرع أو العرف فيكون اللفظ ، مجملا ولا يحمل على أحدهما إلا بالقرينة أو النية . وههنا أمور : أحدها : أن الآمدي ذكر في باب المجمل أن ماله موضوع شرعي ولغوي قيل : هو مجمل ، وأنه عند الحنفية يحمل على الشرعية . وفرق الغزالي بين حالة الإثبات فكذلك ، أو النفي فمجمل ، ولا شك أن الحقيقة الشرعية من المجاز الراجح، ولم يظهر لي بينهما فرق في جريان الخلاف في كل من المسألتين إلى الأخرى ، لكن كلام الأصفهاني السابق يأباه . وقال صاحب ((المصادر)) بعد أن حكى الخلاف : وعندي أنه يجب حمله على المعنى المتعارف، ولكن لا أسمية مجازا، بل هو حقيقة عرفية كالغائط ، ورأيت في ((شرح الوسيط)) للشيخ نجم الدين بن الرفعة في باب الإيلاء، وقد تعرض لحكاية الخلاف في هذه المسألة ، فقال : محل هذا الخلاف في جانب الإثبات ، وأما في جانب النفي فيعمل بالمجاز الراجح جزما ، لأنا إن نظرنا إلى المجاز فلا كلام، وإن نظرنا إلى الحقيقة، فسلبها يقتضى سلب سائر الأفراد ، ومن جملتها ما يرجح في الاستعمال . قال : ولهذا جزم الجمهور بأن لفظي الجماع والإيلاء صريحان وإن حكوا القولين في قوله : لا أباشرنّك ولا أقربّك لملاحظة أصل الحقيقة والرجحان في لا أجامعك دونهما. اهـ.وفيه بعد عن كلام الأصوليين. الثاني: مثل في ((المعالم)) هذه المسألة بما إذا قال لأمته: أنت طالق ونوى العتق، هل يكون كناية فتعتق به؟ لأن مادة ((ط ل ق)) حقيقتها في الخلّية وحلّ القيد سواء من النكاح والرق فيكون حقيقة في عتقها بالوضع، لكنها مرجوحة لاشتهارها في الطلاق الذي هو حلّ قيل النكاح، وهو مجاز راجح، ثم أورد أنه يلزم على هذا أن لا يصرف إلى المجاز الراجح إلا بالنية، وليس كذلك بدليل أنه لو قال لزوجته: أنت طالق، طلقت من غير نية. ٢٢٩ وأجاب بأن هذا غير لازم، لأنه إذا قال لمنكوحته: أنت طالق فإن عنى بهذا اللفظ الحقيقة المرجوحة وهو إزالة مطلق القيد وجب أن يزول مسمى القيد، وإذا زال هذا المسمى فقد زال القيد المخصوص، وإن عنى به المجاز الراجح فقد زال قيد النكاح، فلما كان يفيد الزوال على التقديرين استغنى عن النية. قال ابن التلمساني والسؤال لازم إذ الكلام مفروض فيما إذا ذكره ولم ينو شيئاً، فلا خلاف أنه يحمل على الطلاق، فقوله: إن نوى حمل على السؤال. وقال بعضهم: هذا الذي قاله صاحب ((المعالم)) لا يتعلق بشىء مما قاله الحنفية، بل هو مباين لهم، لأنهم يقولون: لا يصلح للإيقاع، وهذا مبحث في أنه يحتاج إلى ١/٩١ النية أولا وهو بحث صحيح مفرع على القول باستواء/ الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح إلا إن قيل إن لفظ الطلاق نقله إلى حل قيد النكاح، وصار فيه حقيقة شرعية أو عرفية، وارتفع عن هذا المجاز الراجح بذلك كسائر الحقائق الشرعية والعرفية . ومسألة التعارض فيما إذا لم يصل المجاز إلى هذا الحد ، والظاهر أنها مماتة والحقيقة هنا لم تمت، لكن سياق كلام صاحب ((المعالم)) أنه ينوى الحقيقة ، وهو مطلق القيد ، والشافعي وأصحابه إنما قالوا ينوي العتق ، وهو إزالة قید خاص وهو ملك اليمين، وهو مجاز لا حقيقة. فيخرج عن معنى الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، فيبطل اليمين في هذه الجهة . ولا ندري ما يقول الأصحاب في هذه المسألة إذا نوى بقوله : أنت طالق للأمة إزالة مطلق القيد من غير نية العتق بخصوصه لكن ينبغي أن يقال : تعتق، لأنه يلزم من إزالة الأعم إزالة الأخص . وبعد فلا يستقيم التمثيل بالطلاق، لأنه صار حقيقة شرعية أو عرفية في حل قيد النكاح، وهما مقدَّمتان على الحقيقة اللغوية قطعا . ٢٣٠ مَسَألَة [قلة اسْتعمَال الحقيقة فلايفهم مَعناهَا الا بقرية] قد يقلّ استعمال الحقيقة في معناها فتصير بحيث إذا أطلقت لا يفهم المعنى الذي كانت حقيقة فيه إلا بقرينة، فتلتحق بالمجاز كالغائط للمكان المطمئن، فإنه حقيقة ثم هجر ، ويكثر استعمال اللفظ في المعنى الذي كان مجازا فيه فيصير بحيث إذا أطلق فهم منه ذلك المعنى من غير قرينة فيلتحق بالحقائق ، لأن استعمال هذه الألفاظ في معانيها تابع لاختيار الواضع والمستعمل لا لأنفسها . وحكى القاضي عبدالوهاب عن قوم منعوا ذلك ، وقالوا : لا يجوز أن تغير الحقيقة عن دلالتها لا بكثرة الاستعمال في مجازها ، ولا بقلته فيها ولا بغير ذلك وكذا منعوا أن يتغير المجاز عن دلالته بأن يصير يدل على المراد بلا قرينة . قالوا : لأن ذلك يوجب قلب دلالة الاسم ومعناه، والأدلة لا تنقلب عما هي عليه . قال القاضي : وهذا باطل للقطع بأن وضع هذه الألفاظ ليس عن علة عقلية أو دليل عقلي، وإنما حصل الاتفاق بمواطأة ، وذلك يدل على أنه لو اتفق، وإنما حصل الاتفاق بمواطأة، وذلك يدل على أنه لو اتفق على تسمية كل مسمى بغير اسمه لدل عليه، كدلالة اليوم على ما اتفق عليه ، وقولهم : إنه يوجب قلب الأدلة فذلك في الأدلة القطعية أما ما ثبت بالمواطأة والمواضعة فلا يمنع ذلك . وقال صاحب ((المصادر)): ما ذكرناه من صيرورة المجاز حقيقة والحقيقة مجازا إنما نجوزه قبل نزول القرآن واستقرار حكمه ، فأما بعد نزوله فلا، وإلا لانسد علينا طريق معرفة الله بمراد خطابه ، ويتطرق الوهم إلى الحقائق. اهـ . والمشهور الجواز مطلقا . ٢٣١ مَسَأَلَة [تعدد وجوه المجَاز] إذا تعذرت الحقيقة وتعددت وجوه المجاز ، وكان بعضها أقرب إلى الحقيقة تعين الحمل عليه . قال ابن دقيق في ((شرح الإلمام)): هذا إذا كانت المجازات بينها تناف في الحمل ، فإن لم يكن ومنع من الحمل عليها مانع ، وأحدها أقرب إلى الحقيقة تعين الحمل على الأقرب منهما ، أو يحمل عليهما جميعا لتناول ذلك الوجه العام لها ، وعدم المنافي يحتمل أن يحمل على الأقرب إلى الحقيقة ، ويحتمل أن يحمل عليهما ، لأن في الحمل على الأقرب محذور التخصيص مع إمكان التعميم ، بخلاف ما إذا تعددت وجوه المجاز ، ووقع التنافي في الحمل ، فإنه ليس فيه هذا المحذور . ومثال ما إذا تعذر الحمل على الحقيقة وتعددت وجوه المجاز مع التنافي : ما إذا دخل على الحقيقة اللغوية وتعذر الحمل عليها، كما في لا عمل إلا بنية مثلا، فإن الحقيقة متعذرة، واحتمل أن يقدّر: لا صحة عمل، واحتمل أن يقدّر لاكمال عمل، فهذان وجهان من المجاز، وفي الحمل على أحدهما منافاة للآخر، لأنا إذا قلنا: لاصحة لزم انتفاء الكمال ، وإذا قلنا : لا كمال لم يلزم انتفاء الصحة ، والحمل على الصحة أقرب إلى انتفاء الحقيقة من الحمل على الكمال . قلت : ومن المرجحات عند تعذر الحقيقة وتعدد المجاز فيها ما تحققت علاقته، فهو أولى مما لم تتحقق علاقته: مثاله: قوله عليه الصلاة والسلام : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). فإن الحنفية حملوه على المتساويين ، وأطلق عليهما بائعين باعتبار المستقبل ، والشافعية حملوه على من صدر منهما البيع باعتبار الماضي ، وكل منهما مجاز، لكن مجاز الشافعية أولى لوجهين : أحدهما : أن العلاقة متحققة بخلاف إطلاق الفعل وإرادة المستقبل ، فإنه قد لا يتحقق صدور البيع . ٢٣٢ الثاني : الاتفاق على مجازيته باعتبار المستقبل والاختلاف فيه باعتبار الماضي هل هو حقيقة أم لا ؟ فكان راجحا بهذا الاعتبار مسألة الواسطة بين الحقيقة والمجاز ولنا واسطة بين الحقيقة والمجاز . قال ابن الخباز النحوي في كتاب ((النهاية)): وهو لفظ مستعمل لشىء وضع الواضع مثله لعينه كالأعلام للشيء المعين . وقال الأصوليون: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازاً كاللفظ قبل الاستعمال، لأن شرطهما الاستعمال وهو منتف، وكالأعلام المتجددة بالنسبة إلى مسمياتها، فإنها أيضا ليست بحقيقة ، لأن مستعملها لم يستعملها فيما وضعت له ، إما لأنه اخترعها من غير سبق وضع كالمرتجلة أو نقلها عما وضعت له كالمنقولة، وليست مجازا، لأنها لم تنقل لعلاقة. قاله صاحب (المعتمد)) و((المحصول)) أما الأعلام الموضوعة بوضع أهل اللغة فهي حقائق لغوية كأسماء الأجناس ، وعلى هذا فلا فرق بين المنقولة والمرتجلة خلافا للهندي حيث خصها بالمنقولة، وقد سبقت . مسألَة كما أنه من الألفاظ ما ليس بحقيقة ولا مجاز ، كذلك فيها ما هو حقيقة ومجاز أما بالنسبة لمعنيين أو لمعنى واحد بحسب وضعين كلغوي وعرفي مثلا ، ولا يجوز أن يكون باعتبار وضع واحد لاجتماع النفي والإثبات . ٢٣٣ 1 فصَل [ في الحقيقَة] الحقيقة تتوقف على النقل عن واضع اللغة كالنصوص في باب الشرع. حكاه ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) عن أبي زيد الدبوسي ولم يخالفه ، وقضيته أنه لا يطرقه الخلاف في المجاز وفيه نظر . وأما المجاز فيعرف إما بالنص من العرب أو الاستدلال ، والنص بأن يقول : هذا حقيقة وهذا مجاز، وينقل ذلك أئمة اللغة . قال ابن العارض في ((نكته)): وإنما اعتبرنا نص أهل اللغة ، لأنهم إن قالوه ٩١/ب نقلا / عن العرب، فهو حجة أو إجماع بإجماعهم كذلك. اهـ . وقد تصدى لذلك الزمخشري في كتابه المسمى ((بأساس البلاغة)): وقيل: يعرف بالضرورة بثلاثة طرق: بأن يصرح أهل اللغة باسمه، بأن يقولوا: هذا اللفظ مجاز في المعنى الفلاني، أو بحده بأن يقولوا: هو موضوع فيه بوضع ثان ، أو بخاصته كما يقال: استعمال هذا اللفظ في ذلك يحتاج إلى العلاقة، وهذا قاله في ((المحصول)). ويمكن رجوع الثالث إلى القسم النظري المذكور آنفا. وأما الاستدلال بالعلامات وهي كثيرة ، وقد أنكر هذا القسم العبدري وابن الحاج في كلامهما على ((المستصفى)): وقالا: الصحيح أنه لا سبيل إلى معرفة المجاز إلا بالنقل والتصفح للسان العرب. اهـ . والصحيح المشهور خلافه . فمن خواص الحقيقة وهي أقواها: تبادر الذهن إلى فهم المعنى بغير قرينة لأجل العلم بالوضع . يعني أن من علم الوضع وسمع اللفظ بادَرَ إلى حمله على ذلك المعنى من غبر قرينة . واحترزنا بقولنا : لأجل العلم بالوضع عما إذا بدر الفهم إلى المعنى لأجل أمر خارج عن الوضع كقرائن احتفت به أو غلبة استعمال لا تنتهى إلى كون اللفظ ٢٣٤ منقولا إلى ذلك المعنى، وربما يتبادر الفهم إلى أحد معنيين من غير أن تكون مختصة به ويكون مشتركاً بينه وبين معنى آخر لم يتبادر الفهم إليه ، ولم يحضر السامع عند الإطلاق، فلا تكون المبادرة إلى ذلك المعنى الأول دليلا على اختصاص الحقيقة به . قاله ابن دقيق العيد وهو حسن، وبه يندفع إيراد من أورد على طرد هذه العلامة المجاز المنقول والمجاز الراجح ، وعلى عكسها المشترك فإنه حقيقة في مدلولاته مع عدم التبادر . وأجيب(١) بأن المنقول إنما يتبادر لأنه حقيقة فيه ولا ينافى ذلك لكونه مجازا، وأما المجاز الراجح فنادر، والتبادر في الأغلب لا يوجد إلا في الحقيقة، وتخلف المدلول عن الدليل الظني لا يقدح فيه حقيقة، وأما المشترك فالتعريف بالعلامة لا يشترط فيه الانعكاس. ومنها : عدم احتياجه إلى القرينة، ولا يرد المشترك بين حقيقتين، فإنه لعارض الاشتراك لا لذاته . ومن خواص المجاز إطلاق اللفظ على ما يستحيل تعلقه به ، إذ الاستحالة تقتضي أن يكون غير موضوع له، فيكون مجازا كقوله تعالى، ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف/٨٢] أي: أهلها كذا ذكره الإمام وأتباعه . واستشكله الصفي الهندي بالمجاز العقلي نحو ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [سورة الزلزلة/٢] فإنه كذلك مع أنه ليس مجازا لغويا ، فإن أراد باستحالة التعلق بالنسبة إلى الوضع اللغوي فباطل . قلت : قد سبق أن المجاز العقلي لغوي على الصحيح . ومنها: أن يستعمل اللفظ في المعنى المنسي بأن يكون موضوعا لمعنى له أفراد فيترك أهل العرف استعماله في بعض تلك الأفراد بحيث يصير ذلك البعض منسيا ، ثم يستعمل اللفظ في ذلك المعنى المنسي، فيكون مجازا عرفياً كالدابة، فإنه موضوع لكل ما يدب على الأرض فترك بعض أهل البلدان استعمالها في الحمار بحيث نسي، فإطلاقها عليه عندهم مجاز ، لأنه مجاز بالنسبة إلى الحقيقة العرفية . (١) قوله: ((وأجيب)) المناسب زيادة ((أيضاً)) لأن الايراد اندفع بالكلام السابق كما قاله ابن دقيق العيد. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية . ٢٣٥ ومنها: صحة نفي اللفظ عن المعنى في نفس الأمر ، كتسمية الجَدِّ أباً. حكاه أبو بكر الرازي في ((أصوله)) عن الكرخي ، وكقولك ، للبليد ليس بحمار . وقلنا : في نفس الأمر ، لأنه يقال للبليد ليس بإنسان ، فقد نفيت الحقيقة لكن ليس في نفس الأمر ، وهذا بعكس الحقيقة فإن علامتها عدم صحة النفي ، إذ لا يقال للبليد ليس بإنسان في نفس الأمر بل عند قصد المبالغة وتشبيهه بالحمار ، وقد اجتمع نفي الحقيقة والمجاز في قوله تعالى: ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ [سورة الأعلى / ١٣] . ومنها : أن الحقيقة يجب اطرادها في سائر المواضع التي ثبت فيها معناها إلا لمانع ومعنى ذلك أنا إذا سمينا إنسانا بضارب لوقوع الضرب منه أو محلا بأنه أسود لحلول السواد فيه وجب أن يسمى كل من صدر منه الضرب بأنه ضارب، وكل ما خَلَّه السواد واتصف به بأنه أسود، وإلا لانتقض قولنا: إنه سمى ضاربا لوقوع الضرب منه بخلاف المجاز . فإنه لا يجب اطراده، بل يقر حيث ورد، فلا يستعمل إلا فيما استعمله أهل اللغة فيه أو في نظيره ، فكما يستدل بالاطراد على الحقيقة يستدل بعدم الاطراد على المجاز كالنخلة للإنسان الطويل ، فلا يقال لكل طويل: نخلة. كذا ذكره جماعة منهم الغزالي وابن برهان. وقيده الهندي بأمرين : أحدهما : الوجوب أي يجب كون الحقيقة جارية على الاطراد لئلا يرد المجاز المطرد نقضا على طرده، فإنه وإن كان مطردا، لكنه لا يجب طرده بدليل عدم اطراد مثله في المجاز. وثانيهما : بشرط عدم المانع، أي : يجب أن تكون مطردة إن لم يمنع مانع شرعي أو عقلي أو لغوي ، لئلا يرد مثل السخي والفاضل بالنسبة إلى الله تعالى نقضا على عكسه. اهـ . وممن ذكر أن علامة الحقيقة الاطراد دون المجاز القاضي أبو بكر فيما نقله إمام الحرمين عنه في ((التلخيص))، ثم قال: وهو سديد إلا أنه لا يقتضى كبير معنى، فإن الأصل أنا في الحقائق نتبع أصل الوضع ، وفي المجاز نتبع استعمال أهل ٢٣٦ اللغة ، وإنما سمى كل من صدر عنه الضرب ضاربا بالاتباع لا بالقياس . وحكاه أبو الحسين في ((المعتمد)) عن بعضهم ، ثم قال : والصحيح أن نفس الاطراد من غير منع دليل على أن الاسم مجاز ، لأنه قد ثبت وجوب اطراد الاسم في حقيقته ، واطراده لا يدل على أنه حقيقة ، لأن المجاز وإن لم يجب اطراده فلا يمنع مانع من اطراده . وقيل : ليس الاطراد من علامات الحقيقة، فإن من المجاز ما قد يطرد كإطلاق اسم الكل على الجزء ونحوه . وقال إلْكِيا الهراسي : الخلاف في هذه مبنى على أن الحقائق تقاس عليها قال : وفيه نظر لأنا قد بينا أن لا قياس في اللغة أصلا، فلا يسمى من صدر منه الضرب ضاربا قياسا، ولكن توقيفا ، ولو ثبت الاطراد في المجاز نقلا طردناه . ومنها : أنا إذا وجدنا لفظة صالحة لمعنيين وجمعها بحسبهما مختلف علمنا أنها مجاز في أحدهما، سواء علمنا أنها حقيقة في الآخر أم لا. ذكره الغزالي. فقال : إن تختلف صيغة الجمع على الاسم فيعلم أنه مجاز في أحدهما وسبقه / ١/٩٢ إليه القاضي أبو بكر، ومثّله بلفظ الأمر فإنه حقيقة في القول المخصوص، وجمعه بهذا المعنى ((أوامر))، وإذا أطلق على الفعل جمع على ((أمور)) وخالفه إمام الحرمين وابن برهان وصاحب ((المعتمد)) وغيرهم، لأن اختلاف الجمع لا مدخل له في كون اللفظ حقيقة أو مجازا إلا أن يدعي فيه استقراء، فيمكن الاستدلال به حينئذ ، وقد يتحد الجمع مع اختلاف الحقيقة والمجاز كالحُمُر جمع حمار، والأسد جمع للرجل وغيره ، وقد يختلف مع كونه حقيقة فيهما كاليد، فإنها حقيقة في النعمة والجارحة على قول، وجمع النعمة على أيادي وجمع الجارحة على أيد . قيل : وعلى من اعتبر(١) هذه العلامة سؤال، فإنه إذا اعتبرنا اختلاف الجمع وجعله مع اتحاد المفرد دليلا على اختلاف المعنى، فهلا فعل ذلك عند اختلاف المصدر مع اتحاد الفعل مثل شَعَرَ، فإنه مشترك بين العمل والنظم ومصدره ، في النظم شِعر وفي العلم شعور، وكذلك اختلاف الفعل في الحركات مع اتحاد (١) قوله: ((وعلى من اعتبر)) أي: ويتوجه على من اعتبر. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ٢٣٧ المصدر، فكان ينبغي أن يجعل اختلاف أحدهما دليلا على أن الآخر مجاز في أحد المعنيين، بل هذا أولى، لأن المصدر والفعل بينهما تلازم باعتبار أن أحدهما فرع الآخر، فإما أن يكون المصدر فرع الفعل أو بالعكس على اختلاف العلماء. بخلاف الجمع فإنه ليس فرع المفرد بل بمثابة تكراره ، فكان ينبغي أن يقول : شعر مجاز في أحد معنييه لاختلاف المصدر كما أن الأمر مجاز في أحد المعنيين لاختلاف الجمع . وقال ابن التلمساني في تعليقه على ((المنتخب)): والحق أن اختلاف الجمع لا يدل مطلقا إلا بزيادة قيد، وهو أن يقال مثلا : أجمعنا على أن لفظ الأمر إذا أطلق على الصيغة الدالة على طلب الفعل على جهة الاستعلاء حقيقة ، وأنه يجمع على أوامر ، فإذا أطلق على الفعل جمع على أمور فخولف به جمع الحقيقة ، فقد عُدِل به عن الحقيقة ، وما عدل به عن الحقيقة يكون مجازا ، وهذا إنما ذكرناه للتمثيل ، وإلا فالأمر لا يجمع على أوامر قياسا ، وإنما هو جمع آمرة كفاطمة وفواطم ، وتسمية الصيغة أمراً مجاز . ومنها : أن الحقيقة يشتق منها الصفة ، والمجاز لا يشتق منه ، لأن الأمر بمعنى الطلب حينئذ يشتق منه فيقال : أمر يأمر أمرا فهو آمر، وبمعنى البيان والصفة مجاز لا يتصرف . ذكره القاضي والغزالي وإلْكِيا الهراسي وغيرهم، وخالفهم ابن برهان بأنه ربّ مجاز يشتق منه إذا وقع موقع المصدر كالغائط فإنه يقال : تغوط الرجل يتغوط تغوطا ، وإن كان مجازا في الفضلة . وكذلك قال القاضي أبو الطيب: الفعل ((شأن)) حقيقة ثم لا يقال شأن يَشْأنَ فهو شائن، ورب مجاز يتصرف. وكذا قال إمام الحرمين في ((التلخيص))، ربّ حقيقة لا يصدر عنها الاشتقاق وهو إذا لم يكن مصدراً ، وربّ مجاز ورد التجوز بنعوت صادرة عنه ، فكل ما حل محل المصادر وضعا واستعمالا فالأغلب أن يصدر منه النعوت ، وهذا هو قضية كلام أهل البيان ، فإنهم قالوا إن الاستعارة لا تدخل في الأفعال إلا بطريق التبع للمصادر ، وذلك بأن يتجوز في المصدر أولاً ثم يشتق منه الفعل. ا هـ . ٢٣٨ وأورد أبو الحسين في ((المعتمد)): الرائحة فإنها حقيقة في مسماها مع أنه لا يشتق منها اسم الفاعل لمحلها وهو ممنوع بل يقال للجسم الذي فيه متروح . وأورد بعضهم أن ((ظن)) : بمعنى أيقن مجاز، ويصح أن يشتق منه اسم فاعل فيقال: ظانٌ . ومنها: التزام تقييد في معنى مع استعماله مطلقا في المعنى الحقيقي كجناح الذل ونار الحرب ورحى الحرب كناية عن شدته والتهابه ، وإنما كان التزام التقييد دالا على التجوز ، لأن الحقائق الأصل فيها الإطلاق ، لأن كل لفظ له معنى يخصه معلوم، فلا حاجة فيه إلى التقييد بالقرينة، فجُعِل التزام التقييد دليل المجاز وليس المقصود بالالتزام المنع من الاستعمال من غير قيد، بل المراد به استقراء كلامهم . قال الأصفهاني في ((شرح المحصول)): وفيه نظر لاحتمال أن يكون مشتركا بين معنيين أحدهما نسبي والآخر غير نسبي . ومنها: أن يكون إطلاقه على أحد المسميين متوقفا على إطلاقه على المسمى الآخر، فالتوقف مجاز سواء كان ذلك ملفوظا به كقوله: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [سورة آل عمران/٥٤]، أو مقدراً كقوله تعالى: ﴿قل الله أسرع مكرا﴾ [سورة يونس / ٢١] إذ لم يتقدم لمكرهم ذكر في اللفظ لكنه مذكور معنى وكثير من الناس لا يعلم هذا التقرير، فيظن بطلان القاعدة بهذه الآية . ومنها: أن المعنى الحقيقي له تعلق بالغير، فإذا استعمل في معنى ولم يستعمل له تعلق فيكون مجازا فيه كالقدرة إذا أريد بها الصفة استعمل فيه المقدور ، وإن أريد بها المقدور كإطلاقها على النبات الحسن العجيب كما تقول لمن تنبهه على حسن النبات : انظر إلى قدرة الله أي: إلى مقدوره وهو النبات هنا(١) لم يكن له متعلق إذ النبات لا مقدور له ذكره الغزالي، وضعفه الإمام فخرالدين لاحتمال أن يكون اللفظ حقيقة فيها ويكون له بحسب إحدى حقيقتيه متعلق دون الأخرى. ورده القرطبي أيضا بأن عدم التعلق في المجاز هنا لم يكن لأجل المجاز، بل لأنه نقل إلى النبات ولا متعلق له، فلو نقل إلى شىء له متعلق كما لو أطلق على الإرادة قدرة (١) لعل فيه سقطاً، والتقدير: والنبات هنا .. الخ كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية. ٢٣٩ مجازا لكان له تعلق . ومنها : أن الحقيقة تؤكد بالمصدر وبأسماء التوكيد بخلاف المجاز ، فإنه لا يؤكد بشىء من ذلك ذكره القرطبي وتمدَّح بذكره ، وقال : هو من الفروق المغفول عنها . قلت : قد ذكره القاضي عبد الوهاب في الملخص)) قال ؛ فلا يقولون: أراد الجدار إرادة ولا قالت الشمس وطلعت قولا ، وكذلك ورود الكلام في الشرع لأنه على طريقة أهل اللغة . قال : ولهذا كان قوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾[سورة النحل/ ٤٠] حقيقة لا على معنى التكوين كما يقوله المعتزلة من حيث أكده بالمصدر ، وكذلك قوله تعالى : ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾[سورة النساء/ ١٦٤] يفيد الحقيقة، وأنه أسمعه كلامه وكلمه بنفسه لا كلاما قام بغيره. ا هـ . وقد سبق أن التأكيد بالمصدر إنما يرفع التجوز عن الحديث لا عن المحدث عنه، فليس فيه حجة على تكليمه بنفسه ، ولك أن تورد مثل قول الشاعر : بكى الحر من روح وأنكر جلده وعجت عجيجا من جذام المطارق ٩٢/ب ويجاب عنه بأنه قصد فيه المبالغة بإجرائه مجرى الحقيقة فأكده. وذكر / بعض أئمة النحويين أنه لم يأت تأكيد المجاز إلا في هذا البيت الواحد، وأوله على أن المعنى عجت لو كانت غافلة . قلت : وانشد ابن برهان : قرعت طنابيب الهوى يوم عالج ويوم اللوى حتى قسرت الهوى قسرا وقال : فيه حجة على أن التأكيد بالمصدر لا يرفع المجاز . ٢٤٠