Indexed OCR Text
Pages 181-200
ابن جني ، وقال : فإن قلت : فقد أحال سيبويه قولنا : شربت ماء البحر، وهذا منع منه لوقوع المجاز . قلت : الذي منعه سيبويه حقيقة لامتناع تصوره ذلك ، أما إذا أريد البعض فلا شك في جوزاه . تنبيه لم يبينوا الكلام في هذه المسألة هل هو في الوجوب والامتناع ، أو في الجواز كما هو في المشترك والمرادف ؟ وظاهر دليل الأستاذ أنه في الامتناع لاحتجاجه فإنه مخل بالتفاهم وهذا يناسب المنع . مَسألة بالغ ابن جني فادعى أن الغالب على اللغة المجاز، ونقله ابن السَّمْعاني عن أبي زيد الدبوسي ، وقال تلميذ ابن جني عبدالله بن متويه : الكل مجاز.وهما شاذان ، وعبارة ابن جني : وأكثر اللغة لمن تأمل مجاز لا حقيقة ، وذلك عامة الأفعال نحو قام زيد وقعد عمرو ، ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام ، وكيف يصح ذلك وهو جنس، والجنس يطلق على الماضي والحاضر ؟ وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير ، وحكى قريبا من ذلك عن أبي علي . وغرض ابن جني من هذا أن الله غير خالق لأفعال العباد كما صرح به بعدُ حيث قال : وكذلك أفعال القديم نحو خلق الله السموات والأرض ونحوه . قال : لأنه تعالى لم يكن بذلك خالقاً لأفعالنا، ولو كان حقيقة لا مجازا لكان خالقا للكفر والعصيان وغيرهما من أفعالنا ، ويتعالى عن ذلك. قال : وكذلك علم الله بقيامٍ زيد مجازاً أيضاً ، لأنها ليست الحالة التى علم عليها قيام عمرو ، ولسنا نثبت ١٨١ ١/٨٤ له تعالى علما ، لأنه تعالى عالم بنفسه إلا مع / ذلك ، فعلم أنه ليست حالة علمه بجلوس عمرو هي حالة علمه بقيام زيد . قال : وكذلك ضربت عمرا مجاز ، لأن الضرب إنما وقع على بعضه . قلت : وقد استدرج بهذا المركب الصعب إلى أمور قبيحة تنزه الله عنها . مَسألة [ المجَاز في القرآن] ووقع في القرآن على الأصح ، كقوله تعالى : ﴿جداراً يريد أن ينقض﴾ [سورة الكهف / ٧٧] ﴿ لما طغا الماء﴾ [سورة الحاقة] وقد صنف شيخ الاسلام عز الدين بن عبد السلام كتابا حافلا في ذلك، وبه قال جمهور الفقهاء منهم أحمد بن حنبل ، فإنه قال في قوله تعالى : ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [سورة طه/٤٦] هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: سنجري عليك رزقك. إنا نشتغل بك. ومنعه آخرون ، ونسبه الغزالي في ((المنخول)) إلى الحشوية . قال ابن القشيري: وحكي عن الأستاذ أيضا، وقال ابن برهان: والأستاذ أبو إسحاق إذا أنكر المجاز في اللغة، فلأن ينكره في القرآن من طريق أولى، لأن القرآن إنما نزل بلغتهم . قلت : وكذا حكاه ابن برهان في ((شرح الإرشاد)) عن الأستاذ وابن خويز منداد وهو قول أبي العباس بن القاص من أصحابنا فيما حكاه العبادي في الطبقات ، وحكوه عن داود الظاهري وابنه ، وحكاه أبو الوليد الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية ، وإليه ذهب منذر بن سعيد البلوطي في ((أحكام القرآن)). وحكاه أبو عبد الله الصيمري من الحنفية في كتابه في الأصول عن أبي مسلم بن يحيى الأصفهاني . ١٨٢ وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة عن أبي الفضل التميمي : إنه حكاه في كتابه ((الأصول)) عن أصحابهم، ولذلك قال أبو حامد في ((أصوله)) ليس في القرآن مجاز ، لكن المنصوص عن أحمد خلافه. وقيل: إنما أنكرت الظاهرية مجاز الاستعارة، ونقله صاحب ((الكبريت الأحمر)) عن أبي الفتح المراغي . وشبهتهم : أن المتكلم لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وهو مستحيل على الله تعالى ، وهذا باطل ، ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد وتثنية القصص والإشارات إلى الشىء دون النص ، ولو سقط المجاز من القرآن ذهب شطر الحسن . وقولهم : إن المجاز لا يستعمل إلا عند الحاجة ممنوع، بل قد يراد به امتحان العلماء وإتعاب خواطرهم وحدّ فكرهم باستخراجه، طلب معانيه لرفع درجاتهم وإكرام منازلهم كما في الخطاب بالمجمل والمشترك والمتشابه وغيره من الأشياء التي فيها أمارة الحكم على وجه خفي . وقال القاضي في ((مختصر التقريب)): يلزم من إثبات المجاز في اللغة إثباته في القرآن ونحوه قول ابن فورك : من أنكر المجاز في القرآن ، فقد قال : إن القرآن نزل بلسان غير عربي ، لأن في اللسان العربي مجازا وحقيقة ، والقرآن نزل على لغتهم ، ومن نازع في إعطاء التسمية لأنه(١) مجاز واستعارة ، فقد نازع في اللفظ مع تسليم المعنى المطلوب . قال الشيخ أبو إسحاق: واستدل ابن سريج على أبي بكر بن داود بقوله تعالى : ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات﴾ [سورة الحج / ٤٠] فقال : الصلوات لا تهدم، وإنما أراد به مواضع الصلوات ، وعبر بالصلوات عنها على سبيل المجاز فحذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه ، قال: فلم يكن له عنه جواب . قلت: ذكر أبو عبيد في كتاب ((الأموال)) أن الصلوات بيوت تبنى في البراري للنصارى يصلون فيها في أسفارهم تسمى صلوتا، فعربت صلوات، ومنه قوله (١) لعله: بأنه. كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية . ١٨٣ تعالى: ﴿لخدمت صوامع وبيع وصلوات﴾ [سورة الحج / ٤٠] إنما أراد هذه البيوت على ما يروى في التفسير هذا كلامه ، وهو غريب ، وعليه فلا حجة على داود إذ لا مجاز حینئد . والحق في هذه المسألة : أنه إن أريد بالقرآن نفس الكلام القديم فلا مجاز فيه ، أو الألفاظ الدالة عليه، فلا شك في اشتمالها عليه . وقال الغزالي في إثبات القياس: الخلاف لفظي فإن الحقيقة قد يراد بها الحق ، وهو ما به الشىء حق في نفسه ويقابله المجاز ، ويكون تقابلهما تقابل الحق والباطل، وهذا المعنى يجب القطع بنفي المجاز عنه ، وقد يراد بالحقيقة اللفظ العربي المستعمل فيما وضع له وبالمجاز ما استعمل في غير موضوعه ، وهو بهذا المعنى يشتمل عليه قطعا . وقال القاضي عبد الوهاب : المخالف في وقوعه في اللغة والقرآن لا يخلو إما أن يخالف في أن ما فيهما لا يسمى مجازاً أو في أن ما فيها ما هو مستعمل في غير موضوعه، فإن كان الأول رجع الخلاف إلى اللفظ ، لأنا لا ندعي أن أهل اللغة وضعوا لفظ المجاز لما استعملوه فيما لم يوضع لإفادته ، لأن ذلك موضوع في لغتهم للممر والطريق ، وإنما استعمل العلماء هذه اللفظة في هذا المعنى اصطلاحا منهم ، وإن كان الثاني تحقق الخلاف في المعنى ، لأن غرضنا بإثبات المجاز يرجع إلى كيفية الاستعمال، وأنه قد يستعمل الكلام في غير ما وضع له فيدل عليهم وجوده في لغتهم بما لا تنكره الأكابر . مَسألة [عَن ابن داود انكار وقوع المجَاز] حكى الإمام الرازي عن ابن داود إنكار وقوعه في الحديث أيضا واستنكره الأصفهاني ، وقال : تفرد به . قلت : هو لازم من إنكاره في اللغة ، وقال ابن حزم : لا يجوز استعمال مجاز ١٨٤ إلا بعد وروده في كتاب الله أو سنة رسوله مالية . والحاصل: خمسة مذاهب: المنع مطلقا. المنع في القرآن وحده. المنع في القرآن والحديث دون ما عداهما. الوقوع مطلقا. والخامس التفصيل بين ما فيه حكم شرعي وغيره ، وهو قول ابن حزم وسيأتي . والدليل على وقوعه في الحديث قوله وَالر (لا تبيعوا الصاع بالصاعين) وأراد بالصاع ما فيه بإطلاق اسم المحل على الحال ، وقوله : (أنت ومالك لأبيك) وقوله : وقد ركب فرس أبي طلحة : (إن وجدناه لبحرا) وقال البخاري في كتاب أفعال العباد : أما بيان المجاز من التحقيق مثل قول النبي ◌َّ للفرس: (وجدته بحرا). والذي يجوز فيما بين الناس والحقيقة أن مشيه حَسَن ، كقولك : علم الله معنا وفينا . وقد صنف الشريف المرتضى مجدداً في مجازات الآثار كما صنف الشيخ عزالدين في مجاز القرآن . تنبیھان الأُل كذا فرضوا الخلاف في الوقوع وهو مقتضى الجزم بالجواز ، لكن قال القاضي ابن كج في ((كتابه)) : وقال قوم : لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمجاز، وأنه يكون كذبا ، وتمحلوا للمجازات في القرآن حقائق بوجه تعبد، ثم قال: والجواب عما قالوه : إنه كذب، أنهم إما أن يريدو به في الجملة أو في موضوع اللغة، والثاني باطل للاستقراء بوجوده، والأول باطل بالعموم ، لأنه قد خاطبنا به ، وهو يريد الخصوص فيه . الثاني مرادنا بوقوعه في القرآن على نحو أساليب العرب المستعذبة، لا المجاز البعيد المستكره . ١٨٥ ٨٤/ب وقد توسع فيه قوم / فضلوا. قال الطرطوشي: من هذا الأصل العظيم أعني المجاز في القرآن ضل أكثر أهل الأهواء والضلالات في تأويل أكثر الآيات ، قال : وكذلك من جهة وجود المجاز في التوارة والإنجيل والزبور غلطت اليهود والنصارى في تأويل كثير منه . وقد قال بعض علمائنا: إن القدرية قد ركبوا، هذا فحملوا آيات كثيرة من القرآن هي حقائق على المجازات ، كقوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [سورة النحل / ٤٠] قالوا : ليس فيه دليل على كونه حقيقة ، وإنما هو إخبار عن سرعة إيجاده لأفعاله ، وقالوا في قوله تعالى : ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [سورة فصلت/١١] إن هذا مجاز نحو امتلأ الحوض، وقال: قطني، وأنكروا أيضا قول جهنم : ﴿هل من مزيد﴾ [سورة ق/٣٠] وقوله تعالى فيها: ﴿تدعو من أُدبر وتولى﴾ [سورة المعارج/١٧] وزعموا أن معناه مصير من أدبر وتولى إليها ، وهذه تأويلات استنبطوها على قواعدهم الفاسدة ، وليس في وجود المجاز في القرآن والسنة ما يوجب تأويل الحقائق على المجاز . وقول السموات والأرض عند علمائنا حقيقة ، وإنما اختلفوا في صفة الحقيقة ، فقال الأشعري : الحياة شرط في النطق يخلق الله فيها الحياة في وقت نطقها ف ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [سورة فصلت/١١]. والقلانسي من أصحابنا لم يشترط الحياة في الكلام وأجاز وجود الكلام . في الجمادات بأن يخلق فيها الكلام وغير ذلك . وقال صاحب ((المصادر)) : يشترط أن يكون في الخطاب بالمجاز وجه زائد على ما ثبت بالحقيقة خلافا لمن قال: يجوز أن يتساوى الحقيقة والمجاز من جميع الوجوه عند الحكيم ، ثم يعدل عن الحقيقة ، لأن المخاطب بالمجاز عادل عن الحقيقة الموضوعة، ويقصد إلى مالم یوضع له، وذلك لا يفعله الحکیم إلا لغرض زائد . ومن فوائده التعريض بزيادة الثواب ، لأنه يستدعي فكرا ونظرا كما يقول في لخطاب بالمتشابه ، ومنها كون الكلام أدخل في الفصاحة وأبلغ وأوجز ١٨٦ فائدة في تحرير النقل عن الظاهرية في نفي المجاز . قال الأمام أبو عبدالله محمد بن أحمد بن سعيد الداوودي في كتابه الموسوم بـ ((أصول الفتوى))، وهذا الكتاب عمدة الظاهرية فيما صح عن داود وابنه ، فقال ما نصه : اختلف الناس في المجازات والاستعارات ، فقال أكثرهم : في القرآن ما هو محمول على الظاهر والحقيقة ، ومنها ما هو محمول على المجاز والتوسع ، وما كان منه من المجاز والتوسع فهو مردود إليهما دون رده إلى الظاهر والحقيقة ، وقال بعضهم : ليس في القرآن مجاز البتة والاستعارة بوجه وجميعه على ما هو به ، وروي عن داود بن علي قريب من هذه الرواية والله أعلم بصحتها ، وذهب الأكثر من موافقيه إلى القول بذلك ، وبه قال ابنه أبو بكر محمد بن داود في آخرين ، وكان يقول : المستعير في الحقيقة هو الآخذ ما ليس له، فإذا سمى الرجل لفظة في القرآن مستعارة، فقد صرح بأنها قد وضعت في غير موضعها . قال : وهذا خطأ من قائله ، لأن الكلمة الأصلية التي جعلت الأخرى مستعارة منها لن تخلو أن تكون إنما صارت أصلية لخاصية فيها موجودة في عينها ، أو لأن اللغة جاءت بها ، فإن كان الأول فما تلك العلة التي أوجبت ذلك الاسم لها، ولم يجد مدع إلى تصحيحها سبيلا ؟ وإن كان إنما صارت أصلية لأن العرب تكلمت بها، فهذه العلة موجودة في الكلمة التي سمتها مستعارة ، فيجب على هذا الأصل أن لا يزال اسم الاستعارة عنها ، فتصير أصلية قائمة بها .. فإن قيل : فما معنى قوله تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ [سورة هود/١٠٢]؟ وقوله ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف/٨٢]؟ قيل : لهذه وجوه كثيرة : منها أن بعض أهل اللغة زعم أن اسم القرية يقع على جماعة الرجال، واحتج بقوله تعالى: ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا﴾ [سورة الكهف/ ٥٩] وإلا لقال: أهلكناها، ويحتمل أن يكون اسأل القرية والبناء يخبراك عن صدقنا ، ويكون ذلك معجزة في أمر يعقوب وولده ، ١٨٧ ويحتمل أن يكون الأمر كما ادعاه خصومنا من أن قوله : ((واسأل القرية)) أي أهلها ، وأن قرية اسم للبنيان والأرض ، وأن تكون استحالة سؤال الأرض دليلا على أنه إنما أراد سؤال الناس ، ويكون هذه حقيقة في معناها لا استعارة. اهـ. ملخصا . وقال أبو محمد بن حزم في كتابه ((الإحكام)): اختلف الناس في المجاز فقوم أجازوه في القرآن والسنة، وقوم منعوا منه ، والذي نقول: إن الاسم إذا تيقنا بدليل نص أو إجماع أو طبيعة أنه منقول عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر وجب الوقوف عنده ، قال الله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [سورة البقرة/ ٣١] وله أن يسمي ما شاء، فإن لم نجد دليلا على نقل الاسم عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر فلا يحل لمسلم أن يقول : إنه منقول ، لأن الله تعالى يقول : ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ [سورة ابراهيم / ٤] فكل خطاب خاطبنا الله به أو رسوله، فهو على موضوعه في اللغة إلى معنى، فإذا وجدنا ذلك نقلناه إليه . قال : وهذا الذي لا يجوز غيره، فكل كلمة نقلها الله من موضوعها في اللغة إلى معنى آخر، فإن تعبدنا بها قولا وعملا كالصلاة والزكاة وغير ذلك، فليس شىء منها مجازاً بل حقيقة ، وأما ما نقله عن موضوعه في اللغة إلى معنى قد تعبدنا به دون أن نسميه بذلك الاسم فهذا هو المجاز، كقوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [سورة الاسراء/٢٤] فإنما تعبدنا تعالى بأن نذل للأبوين ونرحمهما، ولن يلزمنا الله تعالى قط أن ننطق، ولا يديننا بأن للذل جناحا ، وهذا بخلاف الصلاة والصيام فإنه لا خلاف في أنه افترض علينا تسميتها هذه بأعيانها . قال: واحتج من منع المجاز بأنه كَذِبٌ، والله ورسوله يبعدان عنه، قال : فيقال له: صدقت ، وليس نقل الله تعالى الاسم عما كان الله تعالى علقه عليه في موضع ما إلى موضع آخر كذبا، بل الكذب مالم ينقله تعالى، بل ما نقله هو الحق نفسه . وقال في كلامه على قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [سورة يوسف/٨٢] وقد ذكر رجل من المالكيين من أهل البصرة يعرف بابن خويز منداد أن للحجارة عقلا، ١٨٨ ولعل تمييزه يقرب من تمييزها، فقد شبه الله قوما زاغوا عن الحق بالأنعام، وصدق سبحانه أنهم أضل سبيلا . قال هذا الجاهل: من الدليل على أن للحجارة تعقلا قوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق﴾ [سورة البقرة/ ٧٤] الآية فدلّ على أن لها عقلا . قال أبو محمد : ومن العجب استدلاله على أنه لا يخشى الله إلا ذو عقل وكيف يكون لها تمييز وعقل ، والله شبه قلوب الكفار بالحجارة في أنها لا تعقل الحق ولا تذعن له. انتهى / ملخصاً . ١/٨٥ قال الغزالي في ((المنخول)): كلام رسول الله وَّليل في الأحكام لا يحمل على الاستعارة ما أمكن ، فإنها لا تليق إلا بواعظ أو خطيب أو شاعر ينتحي السجع لإيقاعه في القلوب ، فإن الشارع إذا بين حكما لمعجوز مثلا فيبعد منه التجوز، وهو تشدق ، وقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه . نعم ، لا يبعد في الاستعارة إذا ذكر الثواب والعقاب ووصف الجنة والنار ليعظم وقعه في الصدر . مَسألة [في السَبب الداعِى إِلى المَجَاز] في السبب الداعي إلى العدول عن الحقيقة إلى المجاز وله فوائد : منها: التعظيم كقوله : سلام على المجلس العالي . ومنها : التحقير لذكر الحقيقة كما في قوله تعالى : ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [سورة النساء/٤٣/] ومنها : المبالغة في بيان العبارة على الإيجاز كقوله تعالى : ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ [سورة مريم/٤]. ١٨٩ م ومنها: تفهيم المعقول في صورة المحسوس لتلطيف الكلام، وزيادة الإيضاح ، ويسمى استعارة تخيلية كقوله تعالى : ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [سورة الاسراء / ٢٤]. ومنها: زيادة بيان حال المذكور، نحو رأيت أسدا، فإنه أبلغ في الدلالة على الشجاعة لمن حكمت عليه في قولك : رأيت إنسانا كالأسد شجاعته . ومنها: تكثير الفصاحة، لأن فهم المعنى منه يتوقف على قرينة ، وفي ذلك غموض يحوج إلى حركة الذهن ، فيحصل من الفهم شبيه لذة الكسب، وكذلك ما يدل عليه اللفظ بالالتزام أحسن مما يدل عليه بالمطابقة لما في دلالة الالتزام من تصرف الذهن . ومنها : أن لا يكون للمعنى الذي عبر عنه بالمجاز لفظ حقيقي إن قلنا : لا يستلزمه ، أو أن يجهل المتكلم أو المخاطب لفظه الحقيقي ، ومنه قول الفقهاء : إن حشيش الحرم لا يجوز نقله ، وأرادوا الأخضر ، وإلا ففي اللغة أن الرطب يقال له : خَلا ، واليابس حشيش ، فكأن الفقهاء آثروا تسمية الرطب حشيشا مجازا باعتبار ما يؤول إليه لكونه أقرب إلى أفهام العامة، ولجهلهم معنى الخلا ، وبهذا يغلط من غلطهم ، أو لثقل لفظ الحقيقة على اللسان كالحنفقيق اسم للداهية، أو تيسير التجنيس والجمع وسائر أصناف البديع . تنبيه اتفق الأدباء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة . قال الجرجاني : وليس ذلك لأن المجاز تارة يفيد زيادة في المعنى نفسه لا تفيدها الحقيقة، بل إنما يفيد تأكيد المعنى. فليس قولنا : رأيت زيداً يفيد زيادة في مساواته الأسد عن قولنا : رأيت رجلا مساويا للأسد في الشجاعة، بل قولنا : إن المجاز أبلغ على معنى أنه أفاد تأكيد مساواة لم تفدها الحقيقة . قالوا : والسبب فيه أن الانتقال فيه من الملزوم إلى اللازم ، فيكون إثبات المعنى به كادعاء الشىء بدليله ، ودعوى الشىء بدليله أبلغ من دعواه بلا دليل. اهـ . ١٩٠ وأورد عليه أن الاستعارة أصلها التشبيه ، وأن وجه الشبه في المشبه به أتم منه في المشبه ، والاستعارة ليست كذلك بل قولنا : رأيت أسدا يفيد له شجاعة أكثر مما يفيدها قولك : رأيت رجلا كالأسد . وأجيب : بأن هذا لا يرد على مثاله، وإنما يرد على إطلاقه أنه ليس في المجاز زيادة على الحقيقة، ويمكن تخصيصه بالمثال . واعلم أن كلام الأصوليين في الترجيح بين الاشتراك والمجاز يقتضى أن البلاغة تارة تكون في الحقيقة، وتارة في المجاز وهو الحق ، فلا ينبغي إطلاق أن الحقيقة يكون لها من البلاغة ما ليس في المجاز وبالعكس ، ويكون مراد من أطلق : أن المجاز أبلغ من الحقيقة: أن مجاز اللفظ الواحد أبلغ من حقيقة ذلك اللفظ ، وأما مجاز لفظ، وحقيقة لفظ آخر فلا ، وليس بينهما انتساب، بل كل واحد في محله له حكم فتفطن له . وقال أبو زكريا التبريزي في ((شرح الحماسة)): أكثر كلامهم الاستعارات، جَيِّدُها أحسن من الحقيقة ، وهو مقدم عليها في الاستحسان ، فأما في الأحكام فتقدم الحقيقة على المجاز، فحصل في هذه المسألة ثلاثة آراء . مَسألة [المجَاز خلاف الأصل] وهو خلاف الأصل : والأصل هنا بمعنى الراجح ، لأنه يحتاج للوضع الأول ، وإلى العلاقة، وإلى النقل إلى المعنى الثاني ، والحقيقة تحتاج إلى الوضع الأول فقط ، وإنما عدل إليه للفوائد المتقدمة ، وإذا كان كذلك فلا يصار إليه إلا بقرينة، وآحادها غير منحصرة . والضابط: أن ينظر إلى أصل وضع اللفظ وتحققه ، فإذا حصل فانظر هل بقي في الاستعمال على ما وضع له أولا؟ والأول : هو الحقيقة الأصلية ، وإن عدل عنه فإما لعلاقة أو، لا، والأول : إما أن يشتهر حتى يكون أسبق إلى الفهم من الأصل ١٩١ أو، لا، فإن كان سبب الاشتهار استعمال العرف فهو المجاز العرفي ، وإن كان الشرع فهو الشرعي ، وهذان الاسمان أولى بهما من أن يقال عليهما حقيقتان لما بيناه ، وإن كان الثاني وهو الذي عدل عنه لا لعلاقة فهو المنقول والمرتجل كما سبق . مسألة [المجَازِ يَحتاج إلى العَلاقة أو القَرنية] المجاز يحتاج إلى العلاقة وإلى القرينة فالعلاقة هي المجوزة للاستعمال والقرينة هي الموجبة للحمل . فأما القرينة فلا بد للمجاز من قرينة تمنع من إرادة الحقيقة عقلا أو حسا أو عادة أو شرعا ، وهي إما خارجة عن المتكلم والكلام، فالمتكلم كقوله تعالى : ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ [سورة الإسراء/٦٤] فالله تعالى لا يأمر بالمعصية، أو من الكلام كقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن﴾ [سورة الكهف/٢٩] فان السياق وهو قوله : ﴿إنا أعتدنا﴾ [سورة الكهف /٢٩] يخرجه عن أن يكون للتخيير، ولا خلاف في أنه لا بد من القرينة ، وإنما اختلفوا هل القرينة داخلة في مفهوم المجاز، وهو رأي البيانيين أو شرط لصحته واعتباره، وهو رأي الأصوليين ؟ . وأما العلاقة فلا بد في التجوز من العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي ، ولا يكفي مجرد الاشتراك في أمر ما ، وإلا لجاز إطلاق كل شيء على ما عداه ، فجنس العلاقة شرط بالإجماع ، وشخصها ليس بشرط بالإجماع ، فإذا رأبناهم أطلقوا الشجاع على رجل لم يحتج إلى إطلاقهم بالنسبة إلى آخر ، ومحل الخلاف إنما هو في الأنواع، أي : إذا علمنا أنهم أطلقوا اسم اللازم على الملزوم يكفينا هذا في إطلاق كل لازم على ملزومه أو لا بد في كل صورة من جزئيات إطلاق اللوازم على ٨٥/ب الملزومات من السماع عنهم في / ذلك اللازم بعينه والملزوم بعينه . ١٩٢ وهذا أقرب من قول بعضهم : إن الخلاف إنما هو في أنه هل يكتفى بالعلاقة التي نظر العرب إليها كإطلاق السبب على المسبب، ويزيد عليه المسبب على السبب أو لا يتعدى علاقة السبب إلى علاقة أخرى وإن ساوتها مالم تفعل العرب ذلك ؟ وهذا هو الخلاف في أن المجاز هل يتوقف على السمع ويشترط فيه الوضع أم لا ؟ فاختار ابن الحاجب وغيره الأول فهو يجوز إطلاق اللفظ باعتبار ما كان وإن لم تستعمله العرب لاستعمالهم ما هو نظيره أو دونه ، واختار إمام الحرمين في ((التلخيص)) والرازي وغيرهما الثاني، وتوقف الآمدى . وقال ابن الحاجب في ((أماليه)): الإنصاف أن المجاز إن كان باعتبار الألفاظ مفردة احتاج إلى النقل ، وإن كان بإعتبار المعاني الحاصلة باعتبار تعدد الألفاظ مثل طلع فجر وعلا، وشابت لمة رأسه، وأشباهه، لم يحتج إلى النقل لما علم من استعمال العلماء من كل طائفة أمثال ذلك في تصانيفهم وخطهم ورسائلهم ، فظهر أن الخلاف مخصوص بالأنواع، لا في جزئيات المجاز المشخصة، إن أوهمه كلام بعضهم، فلا بد أن تضع العرب نوع التجوز بالكل إلى الجزء، وبالسبب إلى المسبب وغيرهما من الأنواع . وأما وضعها التعبير بهذا الكل المعين أو التجوز بهذا المسبب المعين إلى هذا السبب فلا يشترطه أحد قطعا ، ولم تزل الأدباء في الأعصار والأمصار يكتفون بمجرد العلاقة من غير فحص عن الوضع . ویتحصل صور : أحدها: آحاد العلاقات أعني إذا وجدت علاقة لم ينقل عن العرب التجوز بها فهل يجوز أن يتجوز بها ؟ هذا موضع الخلاف كما ذكره الأصفهاني والقَرَافي في ((شرح المحصول))، وذكر جماعة من ((شراح ابن الحاجب)) منهم القطب الشيرازي أنه لا خلاف في امتناع هذا القسم . الثانية: العلاقة التي ثبت عن العرب اعتبارها، وتجوزت بسببها إلى لفظة هل لنا أن نتجوز بتلك العلاقة بعينها للفظة أخرى ؟ كما إذا ثبت عنهم إطلاق الأسد على الشجاع للشجاعة ، فهل لنا أن نطلق عليه الليث كذلك ؟ وهو من موضع الخلاف على ما ذكره شراح ((المختصر)). ١٩٣ الثالثة : أن يكون تحت العلاقة أنواع تحت كل نوع جهات ، فهل يكون أنواع الجزئيات ملحقة بما فوقها حتى يشترط فيها النقل قطعا أو بما تحتها حتى يكون محل الخلاف ؟ هذا فيه نظر. مثاله إذا ثبت أن من العلاقة المشابهة في صفة ظاهرة فإذا ثبت عنهم التجوز بصفة خاصة كصفة الشجاعة في لفظ الأسد للرجل الشجاع فأردنا أن نتجوز بصفة الكرم في لفظ البحر للجواد فالأقرب إلحاقه بالقسم الأول . الرابعة(١): إن ثبتت باعتبار نوع العلاقة الخاص بالنقل والتجوز في لفظة بعينها كإطلاق الأسد على شخص بعينه للشجاعة ، فهل لنا إطلاق الأسد على عمرو كذلك قطعا أو نلحقها بالثانية في الخلاف ؟ فيه نظر . والظاهر أنه لا يشترط قطعا . والحاصل: أن النقل واجب بالاتفاق في نوع العلاقة أعني النوع الأصلي ، وغير شرط بالاتفاق في مشخصات اللفظة الواحدة المستعملة مجازا في شخص بعينه ، ومختلف فيه فيما عدا ذلك ، وهو ما بين هاتين المرتبتين . وقال صاحب ((اللباب)) من الحنفية : المجاز يقتضى المناسبة بين اللفظين في المعنى ، فكل لفظ جعل مجازا في غيره لا بد من وجود المشاركة بينهما في المعنى كالأسد استعير للشجاع والحمار للبليد ، والعتق للطلاق ونحوه . قال : واختلف أصحابنا في شرط آخر، وهو كمال المعنى في المستعار منه، هل هو شرط أم لا ؟ فمنهم من شرطه وإلا لم يكن العدول عن الحقيقة مفيداً ، ومنهم من قال : يجوز تساويهما في المعنى ، وقيل : هو مشترط في كمال البلاغة في الاستعارة نفسها فلا يحتاج إليه . وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) الحقيقة تتوقف على النقل عن واضع اللغة كالنصوص في باب الشر، وأما المجاز فاختلفوا فيه، فذهب أبو زيد الدبوسي إلى أنه لا يعتبر فيه السماع، بل يعتبر المعنى الذي اعتبره أهل اللغة ، ومنهم من اعتبره، وكلامه يدل على أن هذا هو الخلاف في أن المجاز هل له عموم أم لا ؟ (١) في جميع النسخ التي بين أيدينا: ((الثاني))، ((الثالث)) ((الرابع)) ولعل ذلك وهم من النساخ، وقد قمنا باصلاحها إلى ((الثانية)) و((الثالثة)) و(الرابعة)» لاقتضاء السياق ذلك. ١٩٤ وفرع عليه امتناع استعمال اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز كالثوب الواحد لا يجوز أن يكون ملكا وعارية . ثم حكى ابن السَّمْعاني عن بعض الحنفية : أن المعنى الذي اعتبره أهل اللغة في المجاز هو أن يكون بين المستعار منه والمستعار له اشتراكا في المعنى ، وذلك المعنى في المستعار منه أبلغ وأبين، ونقله عن أهل اللغة منهم علي بن عيسى الرماني . قال : وإنما اشترطنا هذا ، لأن ترك الحقيقة مع القدرة على الاستعمال لها والميل إلى المجاز فيه نوع إيهام وتلبيس، لا يجوز إلا لفائدة لا توجد في الحقيقة . قال : وهذا مثل قوله تعالى : ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [سورة الحجر / ٩٤] معناه امتثل بما تؤمر، فقد استعار قوله: ((اصدع)) مكان قوله: ((امتثل)) والصدع هو الشق ، والامتثال هو التأثير فإن الشق له تأثير في الشقوق ، والامتثال له أثر في المأمور به إلا أن تأثير الشق في الشقوق أبين من تأثير الامتثال في الممتثل ، فكان في المجاز زيادة بيان ، ولهذا يقال للشجاع من الناس : أسد لاشتراكهما في المعنى، وهو الشجاعة ، وهذا المعنى في الأسد أبلغ ، لأنه أشجع الحيوان ، وكذا استعارة الحمار للبليد . وزعم عليٌّ هذا أنه لا يجوز جعل لفظ الطلاق كناية عن العتق ، لأن العتق أبلغ في الإزالة والطلاق دونه ، ولهذا لو قال الرجل لعبده الذي هو أكبر سنا منه : هذا ابنى أنه يعتق، ويصير قوله : هذا أبي أبلغ في إفادة الحرية ، لأنه يوجب الحرية قبل قوله بزمان كثير بخلاف قوله : أنت حر، فإنه لا يوجبها إلا في الحال . قال ابن السَّمْعاني : وهذا الشرط الذي ذكره لا يعرف في استعمال المجاز ولم يذكره أحد من أهل اللغة . وأما الاستعارة في الكلام لضرب من التوسع، ولتظهر براعة المتكلم وحسن بصيرته في الكلام واقتداره عليه ، وليس / لأن الاستعارة أفادت معنى زائدا على ١/٨٦ ما يفيده التصريح ويدل ، لأن ما قالوه ليس بشرط استعارتهم لفظ المس للوطء والقربان للدخول، وليس فيه زيادة على ما يفيده لفظ الجماع ، وأما إذا قال لغلامه الأكبر منه : هذا أبي فإنما لم يصلح عندنا مجازا عن العتق ، لأن اللفظ إنما يصلح ١٩٥ مجازا إذا كان حقيقة وهذا اللفظ في هذا المحل لا حقيقة له ، لأنه لغو وهذيان . وإن قلتم : إن السبب في الجملة يوجب العتق، فإنما يوجب في محل يتصور فيه السبب لا فيما لا يتصور استعماله فيه، فليس استعماله فيه مجازا . اهـ مخلصا . مسألَة شرط قوم في العلاقة أن تكون ذهنية ، أي : أن يكون المعنى المتجوز يتبادر له الفهم عند سماع اللفظ، وهو المختار في ((المعالم))، والصحيح : خلافه ، لأن أكثر المجازات المعتبرة عارية عن اللزوم الذهني . مَسْألَة [التجوز بالمجَاز عَن المجَاز] يتجوز بالمجاز عن المجاز خلافا للآمدي، ذكره في الترجيح بين المجاز والاشتراك، وهو أن يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر، فيتجوز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينه وبين الثاني . وله أمثلة . منها : قوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدوهن سرا﴾ [سورة البقرة/٢٣٥]، فإنه مجاز عن مجاز ، فإن الوطء، تجوز عنه السر، لأنه يقع غالبا في السر فلما لازمه سمي سرا، وتجوز بالسر عن العقد ، لأنه سبب فيه ، فالمصحح للمجاز الأول الملازمة ، والمصحح للمجاز الثاني التعبير باسم المسبب الذي هو السر عن العقد الذي هو سبب ، كما سمي عقد النكاح نكاحا ، لكونه سببا في النكاح ، وكذلك سمي العقد سرا ، لأنه سبب في السر الذي هو النكاح ، فهذا مجاز عن مجاز مع اختلاف المصحح ، فمعنى قوله : ﴿ولكن لا تواعدوهن سراً﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٥] لا تواعدوهن عقد نكاح . ١٩٦ ومنها: قوله تعالى : ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [سورة المائدة/ ٥] إذا حمل على ظاهره ، لأن قوله: لا إله إلا الله مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ ، والتعبير بلا إله إلا الله عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن القول منه، والأول من مجاز التعبير بلفظ السبب عن المسبب ، لأن توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان . مَسألَة [يَجِيُّ المِجَار بمَراتب] قد يجىء المجاز بمراتب ، كقوله تعالى: ﴿أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم} [سورة الأعراف/٢٦] لأن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس، بل إنما هو الماء المنبت للزرع المتخد منه الغزل المنسوج منه اللباس ، وصار كقول الشاعر . الحمد لله العظيم الشان صار الثريد في رؤوس العيدان فسمى السنبل في رؤوس العصف ثريداً ، وإنما يصير ثريداً بعد أن يحصد، ثم يدرس، ثم يصفى، ثم يطحن، ثم يخبز ثم يثرد . وسمى ابن السيد البطليوسي هذا وأمثاله مجاز المراتب، وهو من غرائب مسائل المجاز . ١٩٧ فصْل في سَرد أنواع العَلاقة النوع الأول : السببية: وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، وإن شئت ، فقل : إطلاق العلة على المعلول ، وسواء كانت العلة فاعلية أو قابلية أو صورية أو غائبة . مثال الأول : قولهم : نزل السحاب أي المطر ، فإن السحاب في العرف سبب فاعلي في المطر كما يقال : النار تحرق الثوب ، ومنه إطلاق اسم النظر على الرؤية كقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [سورة القيامة /٢٢، ٢٣] أي له رائية، ونحو نظرت إلى فلان أي رأيته ، لأن النظر فعل الفاعل، وهو سبب الرؤية . ومثال الثاني: قولهم: سال الوادي، فإن السائل هو الماء ، والوادي سبب قابل لسيل الماء فيه هكذا مثله في ((المحصول))، وفيه نظر ، فإن الوادي ليس جزءاً للماء فلا يكون سبباً قابلا له، بل هو من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال . ومثال الثالث: إطلاق اليد على القدرة ، كقوله تعالى : ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ [سورة الفتح /١٠] واليد صورة خاصة يتأتى بها الإقدار على الشىء، فشكلها مع الإقدار كشكل السرير مع الاضطجاع ، وهو سبب صوري، فتكون اليد كذلك، فإطلاقها على القدرة إطلاق لاسم السبب الصورى على المسبب . ووجه كون صورة اليد سببا للقدرة أنها لو خلقت على غير هذه الصورة المختصة بها لنقص فعلها وبطل ، فبتلك الصورة تتم قدرة اليد على ما هو المطلوب منها ، فإن قيل: إذا كان المراد القدرة، فلم ثُنَّيَتْ وجمعت والقدرة واحدة ؟ . وأجيب: بأنها جمعت باعتبار متعلقاتها، فاستقر لها ما صدر عنها من الآثار العديدة . ويثبت باعتبار أن آثارها قسمان : إما لأنها لا تنحصر في الدنيا ١٩٨ والآخرة ، أو لأنّ آثارها الجواهر والأعراض أو الخير والشر ، وقد انعكس هذا المثال على الإمام فخرالدين وأتباعه ، وقالوا : كتسمية اليد قدرة . قال القَرَافي : صوابه كتسمية القدرة باليد، فإن اليد سبب القدرة، وفيما قاله نظر ، لأن القدرة هي سبب اليد إذ لا توضع إلا بها، فإن من الواضح أن المعنى باليد هنا إنما هو المعنى المسوغ للتصرف لا الجارحة . واعترض الأصفهاني أيضا بأن القدرة ليست صورة اليد، بل لازمة لصورة اليد، وجوابه : أنها صورة معنوية . ومثال الرابع : تسمية العصير خمرا ، ومنه قوله تعالى : ﴿قد أنزلنا عليكم لباسا﴾ [سورة الأعراف/٢٦] وقوله: رعينا الغيث أي النبات الذي سببه الغيث ، قال الشاعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا وهو المطر، لأنه سبب غائي للمطر، وقوله عليه الصلاة والسلام: (اقرأوا على موتاكم يس) أي من احتضر ، وقوله : (من قتل قتيلا فله سَلَبُهُ .. وجعل منه الشيخ عزالدين تسمية الفجر خيطا في قوله تعالى : ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [سورة البقرة/ ١٨٧] قال: لأنه يمتد من الجنوب إلى الشمال كامتداد الخيط على الأفق أحد طرفيه في الجنوب والآخر في الشمال، وتشبيه سواد الفجر الأول بخيط طرفه في الأفق وأعلاه مصعد في السماء ووصفه بالسواد، لأنه يضمحل، فيصير مكانه سواد الليل فوصف بما يؤول إليه كقوله : ﴿إنا نبشرك بغلاك عليم﴾ [سورة الحجر/٥٣] وهو معنى ما ذكره أبو عبيد، وهو من أحسن ما قيل ، إذ لا يصح تشبيه الليل المطبق للآفاق بالخيط ، ولا يصح تشبيه طرفه الملتصق ببياض الفجر ببياض الخيط ، لأنه لا تشبيه بخلاف الفجر الثاني . واعلم أن العلة الغائية أقوى من الجميع، لأنها حال كونها ذهنية علة العلل ، وحال كونها خارجية معلولها فقد حصل لها العلاقتان . ١٩٩ العلاقة الثانية: المسببية: وهي إطلاق اسم المسبب على السبب، كتسميتهم ٨٦/ب المرض المهلك / موتا، لأن الله تعالى جعله في العباد سببا للموت، وكقول الرجل لامرأته اعتدي واستبرئي رحمك يريد به الطلاق ، لأنهما مسبيان عنه ، ومنه أمطرت السماء نباتا، فذكر النبات وأريد به الغيث ، لأن الغيث سبب للنبات ، وعليه قوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ [سورة الزمر/ ٦]. واعلم أن التجوز بلفظ السبب عن المسبب أولى من العكس ، لأن السبب المعين يستدعى مسبباً معينا كالزنى بعد الإحصان ، فإنه يقتضى مسببا معينا وهو الرجم ، والمسبب المعين لا يستدعي سببا معينا، بل سببا ما كإباحة الدم، فإنها تقتضي سببا غير معين ، وهو إما الكفر بعد الإيمان أو الزنى بعد الإحصان ، أو قتل بغير حق ، ولا يقتضى واحداً من هذا الأمور بعينه ، وما اقتضى الشىء المعين أقوى مما يقتضي المطلق ، لأن المقتضي للمعين يقتضى المطلق وزيادة ، وهي التعيين ، فكان أولى كالضرب، فإنه يقتضى الألم جزما بخلاف الألم، فإنه لا يقتضى الضرب. على التعيين لجوز أن يخلفه سبب آخر ، فكان فهم المسبب من اسم السبب فوق فهم السبب من اسم المسبب ، فكان أبلغ إفادة للمقصود، وهكذا يقول : إطلاق اسم اللزوم على اللازم أولى من العكس، وكذا إطلاق اسم الكل على الجزء، وقد يقال: إن إطلاق اسم السبب على المسبب أولى من إطلاق اسم الملزوم على اللازم لما بين السبب والمسبب من الاتصال والمناسبة . العلاقة الثالثة : المشابهة: وهي تسمية الشىء باسم مشبهه ، إما في الصورة كإطلاق اسم الأسد على المنقوش في الحائط بصورته ، وإما في المعنى كالصفة الظاهرة للحقيقة، كإطلاق اسم الأسد على الشجاع ، فلا يجوز في الحقيقة كاستعارة لفظ الأسد للرجل الأبخر ، إذ هي صفة غير مشهورة . وقال القَرَافي : إنه يشترط فيها أن تكون أشهر صفات المحل، ومن ههنا توهم بعضهم اشتراط كون العلاقة أمراً ذهنيا كما سبق ، ونحن وإن اشترطنا الظهور، فلا نشترط كونه ذهنيا . ٢٠٠