Indexed OCR Text
Pages 101-120
مَسألة
[الاشتقاق من المعنى القائم بالشيئ]
في المعني القائم بالشيء هل يجب أن يشتق لمحله منه اسم؟
قال الرازي: إن لم يكن لذلك المعنى اسم كأنواع الروائح والآلام استحال أن
يشتق لمحله منه اسم بالضرورة، وإن كان له اسم ففيه مقامان:
أحدهما: هل يجب أن يشتق اسم لها/ منها؟
١/٧٣
الظاهر من مذهب أئمتنا المتكلمين وجوبه، فإن المعتزلة لما قالوا: إن اللّه يخلق
كلامه في جسم. قال أصحابنا لهم: لو كان كذلك لوجب أن يشتق من ذلك اسم
المتكلم من ذلك الكلام، وعند المعتزلة غير واجب.
وثانيهما: أنه إذا لم يشتق لمحله منه اسم، فهل يجوز أن يشتق لغير ذلك المحل
منه اسم؟ فعند أصحابنا: لا، وعند المعتزلة نعم، لأن الله تعالى يسمى متكلما
بالاتفاق، وهو اسم مشتق من الكلام .
ثم إن الأشاعرة أطلقوا على الله ما منه الاشتقاق قائم بذاته الكريمة، وهو
الكلام النفسي، ولا يطلقون ذلك على ما لم يقم به الكلام النفسي ، وأما المعتزلة
فإنهم يطلقون اسم المتكلم على اللّه باعتبار خلقه للكلام في اللوح أو في غيره، ولا
يعترفون بالكلام النفسي، فإذن اسم المتكلم صادق على الله، ولم يقم بذات الله
الكلام، ويسمى متكلما، وما قام به لا يسمى متكلما .
١٠١
هذا حاصل ما قاله، ثم إنه مال إلى مذهب المعتزلة، وقال ليس من شرط
المشتق منه قيامه بمن له الاشتقاق، إذ الكي والحداد ونحوهما مشتقة من أمور يمتنع
قيامها بمن له الاشتقاق .
ورد ما قاله بأن الأصحاب إنما ادعوا ذلك في المشتقات من المصادر التي هي
أسماء المعاني وما ذكره مشتق من الزوائد وأسماء الأعيان، فلا يرد عليهم .
وقال القَرَافي: هذه الأشياء أجسام، والكلام في المعاني لا في الأجسام، وهذا
يوجب تخصيص المسألة بالمصادر ذات المعاني .
وقال الجزري: إن النقض بهذه إنما ورد على قول الأصحاب: إن المعنى إذا لم
يقم بالمحل لم يشتق له منه اسم، فقيل: هذه الأشياء لم تقم بمحالها، وقد اشتق
منها أسماء. وإنما كان كذلك، لأن الأجسام لا لبس في عدم قيامها بمحال الأسماء،
ولما كانت المعاني يصح قيامها بالمحال التي أخذت لها منها الأسماء فإذا أطلقت على
غير محالها التبس الأمر فيه .
قال: ولو قيل: إن المراد بهذه الأشياء إنما هي النسب، وهي موجودة بالمحال،
فمن النسبة أخذت الأسماء لا من المنتسب إليه، كان له وجه .
قلت : وكأن كلام الأصحاب على إطلاقه .
وقال إمام الحرمين في ((الرسالة النظامية)): ظن من لم يحصل علم هذا الباب أن
المعتزلة وصفوا الرب تعالى بكونه متكلما، وزعموا أن كلامه مخلوق، وليس هذا
مذهب القوم، بل حقيقة معتقدهم: أن الكلام فعل من أفعال اللّه كخلقه الجواهر
وأعراضها، فلا يرجع إلى حقيقته وجود حكم من أحكام الكلام، فمحصول
أصلهم: أنه ليس لله كلام، وليس قائلا آمرا ناهيا، وإنما يخلق أصواتا في جسم
من الأجسام دال على إرادته . اهـ .
وعلى هذا فتنسلخ هذه المسألة من هذا الطرز، ولننبه أن هذه المسألة هكذا من
بحث اللغات لم تنقل عن المعتزلة، ثم لا يمكنهم اطراد ذلك في كل موضع وإلا
لكان جهلا بالموضوعات اللغوية وخروجا عن العقل، وإنما ألجأهم إلى القول به
هنا أن الكلام النفسي عندهم مستحيل، واللفظي كذلك، وإلازم أن يكون ذاته
١٠٢
محلا للحوادث والاتفاق على أنه سبحانه وتعالى متكلم فاحتاجوا إلى أن قالوا:
سمي متكلماً، لكونه يخلق الكلام في جسم أخذ من اعتقادهم هذا جواز اشتقاق
الفاعل لشيء والفعل قائم بغيره، والحق: أن ذلك غير لازم، لأن لازم المذهب
ليس بمذهب، فلا ينبغي أن تورد المسألة هكذا .
فائدة
قد يخرج على قولهم لا يشتق اسم الفاعل لشيء والفعل قائم بغيره: ما لو حلف
لا يفعل كذا، فوكل من يفعله لا يحنث، لأن الفعل لم يقع منه فلا يسمى فاعلا،
وكذا لو وكل بالبيع والطلاق ثم قال: والله، لست ببائع ولا مطلق هل يحنث؟
مَسألة
[دلالَة الأسْمَاء المشتقة]
الأسماء المشتقة لا تدل على خصوصيات الذوات التي قامت تلك المعاني بها، بل
على اتصافها بالمصدر، فإذن قولنا: ((أسود)) يدل على شيء ما له السواد . أي:
القدر المشترك بين الموجودات وأما أن ذلك الشيء جسم فلا يدل ذلك من اللفظ،
بل بدلالة العقل على أن السواد لا يقوم إلا بجسم فدل على الجسمية بطريق
الالتزام لا بطريق المطابقة والتضمن، فنقول: ((ضارب)) يدل على قيام الضرب
بذات، وأما أنها إنسان أو حيوان أو غير هما فلا، والله أعلم بالصواب .
مسألة
قال الصفار في ((شرح سيبويه)): المشتقات بالاستقراء تدل على ما يدل عليه
المشتق منه وزيادة، وتلك الزيادة فائدة الاشتقاق نحو أحمر يدل على الحمرة وعلى
١٠٣
الشخص، وكذلك ضارب يدل على الضرب وعلى الشخص، ولهذا قال
البصريون: إن الفعل مشتق من المصدر، لأن الفعل يدل على ما يدل عليه المصدر
وزيادة وهو الزمان ، وخلاف الكوفيين يدل على مخالفتهم هذا الأصل .
١٠٤
مباحث الترادف
وهو مشتق من مرادفة البهيمة، وهي حملها اثنين أو أكثر على ظهرها وردفها .
وفي الاصطلاح: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد .
واحترز بالمفردة عن دلالة الاسم والحدّ، فإنهما يدلان على شيء واحد، وليسا
مترادفين، لأن الحد مركب .
وخرج باعتبار واحد المتزايلان كالسيف والصارم، فإن مدلولهما واحد، ولكن
باعتبارين، وفيه مسائل :
[المسألة] الأُولى
في وقوعه مذاهب:
أحدها: أنه واقع مطلقا، وهو الصحيح من لغة واحدة ومن لغتين وبحسب
الشرع ، كالفرض والواجب عندنا، وبحسب العرف .
الثاني: المنع مطلقا، لأن وضع اللفظين لمعنى واحد عِيّ يجل الواضع عنه، وكل
ما ادعى فيه الترادف، فإن بين معنيهما تواصلا لأنهم يعتبرون الاشتقاق الأكبر،
واختاره أبو الحسين ابن فارس في كتابه ((فقه اللغة))، وحكاه عن شيخه ثعلب،
وقال ابن سيده في ((المخصص)): كان محمد بن السري يعني ابن السراج يحكي عن
أحمد بن يحيى ثعلب منعه ، ولا يخلو إما أن يكون منعه سماعا أو قياسا، لا يجوز
أن يكون سماعا فإن كتب العلماء باللغة ونقلها طافحة به في تصنيفه كتاب
((الألفاظ)).
١٠٥
فإن قال: في كل لفظة معنى ليس في الأخرى كما في مضى وذهب، قيل: نحن
نوجد له ما لا تجد بداً من أن تقول: إنه لا زيادة معنى في واحدة منها دون الأخرى
وذلك نحو الكتابات .
ألا ترى أن قولك: ضربك وما ضرب إلا إياك، وجئتني وما جاءني إلا أنت.
ونحوه يفهم من كل لفظة ما يفهم من الأخرى من الغيبة والخطاب والإضمار
والموضع من الإعراب لا زيادة في ذلك، فإذا جاز في شيء وشيئين وثلاثة جاز فيما
زاد على ذلك.
٧٣/ب
وصنف الزجاج كتاباً منع فيه الترادف وكتابا ذكر فيه اشتقاق / الأسماء ،
وصنف أبو هلال العسكري مصنفا آخر منع فيه الترادف وسماه ((الفروق)). قال:
وإليه ذهب المحققون من العلماء، وإليه أشار المبرد في قوله تعالى: ﴿لكل جعلنا
منكم شرعة ومنهاجا﴾ [سورة المائدة / ٤٨] قال : فعطف منهاج على شرعة لأن
الشرعة لأول الشيء والمنهاج لعظيمه ومتسعه، واستشهد بقولهم: شرع فلان في
كذا إذا ابتدأه، وأنهج البلاء في الثوب إذا اتسع فيه. قال أبو هلال: وقال بعض
النحويين: لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على المعنيين المختلفين حتى تضامه علامة
لكلّ واحد منهما، وإلا أشكل، فالتبس على المخاطب، فكما لا يجوز أن يدل اللفظ
الواحد على معنيين مختلفين لا يجوز أن يكون اللفظان يدلان على معنى واحد، لأن
فيه تكثيراً للغة بما لا فائدة فيه .
وقال المحققون من أهل العربية: لا يجوز أن تختلف الحركات في الكلمتين
ومعناهما واحد. قالوا: فإذا كان الرجل عنده الشيء قيل فيه: ((مفعل)) كمرحم
ومحرب، وإذا كان قويا على الفعل قيل: ((فعول)) كصبور وشكور، فإذا تكرر منه
الفعل قيل: ((فعّال)) كعَلام وجبار، وإذا كان عادة له قيل: ((مفعال)) كمعوان
ومعطاف ، ومن لا يحقق المعاني يظن أنها مترادفة، ولهذا قال المحققون: إن
حروف الجر لا تتعاقب، حتى قال ابن درستويه: في جواز تعاقبها إبطال حقيقة
اللغة وإفساد الحكم فيها، لأنها إذا تعاقبت خرجت عن حقائقها، ووقع كل واحد
منها بمعنى الآخر، فأوجب أن يكون لفظان مختلفان بمعنى واحد، والمحققون یأبونه.
. هذا كلامه .
١٠٦
وممن اختار ذلك من المتأخرين الجويني في ((الينابيع))، وقال: أكثر ما يظن أنه
من المترادف ليس كذلك، بل اللفظان موضوعان لمعنيين مختلفين، لكن وجه
الخلاف خفي .
والثالث: يقع في اللغة لا في الأسماء الشرعية، وإليه ذهب في ((المحصول)) فقال
في آخر مسألة الحقيقة الشرعية بعد ما ذكر وقوع الأسماء المشتركة : وأما الترادف
فالأظهر أنه لم يوجد، لأنه يثبت على خلاف الأصل فيقدر بقدر الحاجة. اهـ .
هذا والإمام نفسه ممن يقول بأن الفرض والواجب مترادفان ، والسنة والتطوع،
ثم الخلاف في اللغة الواحدة. أما اللغتان فلا ينكرهما أحد، قاله الاصفهاني .
قلت : ونص عليه العسكري، وهو ممن ينكر أصل الترادف، فقال: لا يجوز أن
يكون ((فعل)) و((أفعل)) بمعنى واحد، كما لا يكونان على بناء واحد، إلا أن يجيء
ذلك في لغتين، وأما في لغة فمحال، فقولك: سقيت الرجل يفيد أنك أعطيته ما
يشربه أو صببته في حلقه، وأسقيته يفيد أنك جعلت له سقيا أو حظا من الماء ،
وقولك: شرقت الشمس يفيد خلاف غربت، وأشرقت يفيد أنها صارت ذات
إشراق. انتهى .
مَسألة
{هَل وَقع في القرآن ترادف؟]
إذا قلنا بوقوعه في اللغة، فهل وقع في القرآن؟
نقل عن الأستاذ أبي إسحاق المنع، كذا رأيته في أول ((شرح الإرشاد)) لأبي
إسحاق بن دهاق الشهير بابن المرآة . فقال: ذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى منع
ترادف اسمين في كتاب الله تعالى على مسمى واحد، فقال في قوله: ﴿هو الله
الخالق﴾ [سورة الحشر / ٢٤] إنه بمعنى المعدل من قول الشاعر :
ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى
١٠٧
فمعناه يمضي ويقطع ما قدرت من غير توقف، وصفه بحصافة العقل وجودة .
الرأي . اهـ .
وهذا هو ظاهر كلام المبرد وغيره ممن أبدى لكل معنى، والصحيح: الوقوع،
لقوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة﴾ [سورة سورة النحل / ٣٦] وفي موضع
﴿ارسلنا﴾ [سورة الصافات/٧٢] وهو كثير .
مَسألة
فِي سَبب الترادف
وهو إما أن يكون من واضعين وهو السبب الأكثر كما قاله الإمام ويلتبس، وإما
من واضع واحد وله فوائد منها: التوسعة، لتكثير الطرق على التعبير عن المعاني
المطلوبة، ولهذا يجتنب واصل بن عطاء اللفظة التي فيها الراء للثغته حتى كأن الراء
ليست عنده من حروف المعجم ، ومنها : تيسير النظم للروي، والنثر للزنة،
والتجنيس والمطابقة .
مسألة
[الترادف خلاف الأصل]
الترادف خلاف الأصل فإذا دار اللفظ بین کونه مترادفا أو متباينا فحمله على
المتباين أولى، لأن القصد الإفهام فمتى حصل بالواحد لم يحتج إلى الأكثر، لئلا
يلزم تعريف المعرف، ولأنه يوجب المشقة في حفظ تلك الألفاظ .
واعلم أنه في ((المحصول)) حكى خلافا في أن المترادف خلاف الأصل والأصل
عدم الترادف، وذكر الحجة السابقة لكل من المقالين، وفيه إشارة لاتحادهما .
١٠٨
.. .
والحق : أنه خلاف الأصل في لغة واحدة، لأن الأصل أن يكون بإزاء معنى
واحد لفظ واحد واقتضى كلام ((المحصول)) وجود خلاف في المسألة، ولا شك أنه
أريد بالأصل الغالب فلا يفسد به الخلاف وإذا أريد به القياس فيمكن قوله في
الترادف من واضع واحد لا من واضعين .
مَسألة
اطلاق كل واحد من المترادفين على الآخر
المترادفان يصح إطلاق كل واحد منهما مكان الآخر، لأنه لازم لمعنى المترادفين،
ولا خلاف في هذا، وإنما الخلاف في حال التركيب على ما يدل عليه كلام ابن
الحاجب في ((المنتهى)) والبيضاوي أي: إذا صح النطق بأحدهما في تركيب يلزم أن
يصح النطق فيه بالآخر، اختلفوا فيه، وهو معنى قول ((المحصول)) يجب صحة
إقامته مقامه وفيه ثلاثة مذاهب:
أصحها : عند ابن الحاجب اللزوم، لأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى
دون اللفظ، فإذا صح النطق مع أحد اللفظين وجب بالضرورة أن يصح مع اللفظ
الآخر .
قال الإمام الرازي: إنه الأظهر في أول النظر، وعلله بعضهم بأن التركيب من
عوارض المعاني دون الألفاظ، فإذا صح تألف المعنى مع المعنى فلا نظر إلى التعبير
عنه بأي لفظة كانت، ومقتضى ذلك: أنه إذا لم يصح التأليف لا يجوز، كما في صلى
(ودعا ، فإن أئمة اللغة قالوا: إنهما مترادفان مع أنه لم يقم أحد المترادفين مقام
الآخر، فإنه يجوز أن يقال: صلى عليه فتركب ((صلى)) مع لفظة ((على)) في طلب
الخير للمدعو له، ولو ركبتها مع ((دعا)) فقلت: دعا عليه لم يصح، وانعكس المعنى
للشر. قاله القَرّافي وغيره.
وفيه نظر، لأن كلا من صلى ودعا مشترك بين معان، والصلاة من الله ليست
١٠٩
بالدعاء بل هي المغفرة، فمعنى صلى اللّه على زيد غفر له، غير أن التعدية مختلفة،
فأتى في الصلاة بعلى مبالغة في استعلاء الفعل على المفعول .
والثاني: أنه غير لازم واختاره في ((الحاصل)) و((التحصيل))، وقال في
((المحصول)): إنه الحق، لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ أيضا،
١/٧٤ لأنه / يصح قولك: خرجت من الدار، مع أنك لو أبدلت لفظة ((من)) وحدها
بمرادفها بالفارسية لم يجز .
قال: وإذا قلنا ذلك في لغتين لم يمتنع وقوع مثله في اللغة الواحدة .
والثالث: التفصيل بين أن يكون من لغة واحدة فيصح وإلا فلا، واختاره
البيضاوي والهندي، وقال: هذا القول وإن لم يلف صريحا لكن يلفى ضمنا في
كلامهم .
وقال النقشواني: الصحيح أن اللغة الواحدة فيها تفصيل، فإنه إن لم يكن
المقصود إلا مجرد الفهم قام أحد المترادفين مقام الآخر، وإن كان المقصود قافية
القصيدة ورويّ الشعر وأنواع الجناس فلا يقوم أحدهما مقام الآخر، فإنه قد يكون
ذلك موجوداً في البُرّ دون القمح .
واعلم أنه في ((المحصول)) نصب الخلاف في وجوب إقامة كل منهما مقام
الآخر .
قال الأصفهاني: ومراده بالوجوب اللزوم، بمعنى أن من لوازم صحة انضمام
المعاني صحة انضمام الألفاظ الدالة عليها، واختار أن جواز تبديل أحدهما بالآخر
غير لازم، وعلى هذا فمن نقل عن الإمام اختيار المنع مطلقا ليس بجيد، وكلام
ابن الحاجب في ((المنتهى)) يقتضي أن الخلاف في الجواز حيث لم يتغير المعنى، فإن
تغير به فلا يجوز قطعا، ولا شك فيه، وكلامه في ((المختصر)) صريح في أن الخلاف
إنما هو في تبديل بعض الألفاظ المركبة دون البعض، ولهذا مثّل بـ ((خداي أكبر)).
قال: وأجيب، بالفرق باختلاط اللغتين، فأرشد إلى أن علة المنع قاصرة على
ترجمة بعض المركب لا كله أما تبديل ألفاظ المتكلم كلها ألفاظا من غير لغته فلا
شك في جوازه، وقد نقل ابن الحاجب فيه الإجماع في باب الأخبار فليتفطن له .
١١٠
فإن قلت: كيف يتجه جواز تبديل الجميع بالإجماع والمنع على قول: إذا بدل
البعض؟ .
قلت : لأن تبديل البعض جمع بين اللغتين في كلام واحد، فربما خلط على
السامع، فيخل بالفهم بخلاف تبديل الجميع .
وأوضح بعض المتأخرين المسألة فقال: أحد المترادفين إما أن يستعمل مفردا أو
مركبا .
الحالة الأولى: الإفراد وقد نصوا على أنه لا خلاف في قيام أحد المترادفين منهما
مقام الآخر؟ .
قلت: منهم ابن الحاجب في ((المنتهى)). اهـ .
ولا شك أن المفرد ذو الترادف له أحوال :
الأول : أن يقصد المتكلم به عند تعداد المفردات حيث لا إعراب ولا بناء
كقوله: أسد، عين، حنطة، فهو مخير في النطق بأي اللفظين شاء بلا إشكال من
ليث أو مقلة أو بُرّ .
الثاني: أن یتکلم زید بالمفرد، فیرید أن یحکیه فيقول: قال زيد: أسد، ويكون
إنما قال: ليث .
الثالث: أن يأمرك زيد بأن تقول: ليث، فتقول: أسد، فهاتان الصورتان من
قسم المفرد، وللنزاع فيها مجال عند تعين حكاية اللفظ لا سيما إن منعنا النقل
بالمعنى، ويحتمل الجواز بمرادفه، لأن ذلك لعله خاص بحكاية كلامه وصلت، وكذلك
في صورة الأمر يحتمل الامتثال بالمرادف وإلّ قلت : قد صرح الفقهاء فيما إذا قال
القاضي له: قل: باللّه، فقال: بالرحمن أنه لا يكون نكولا، وفي المكره لو قال له:
قل أنت طالق فقال: بائن، إنه يكون اختيارا، وحينئذ فإطلاق الإجماع على المفرد
ممنوع .
١١١
[المركب]
وأما المركب فله أحوال:
أحدها: أن يقصد المتكلم النطق فينطق كيف يشاء ، وليس ذلك موضوع
المسألة .
الثاني: أن يكون حكاية ويبدل بألفاظ المتكلم كلها ألفاظاً من غير لغته فهو
جائز بالإجماع كما قاله ابن الحاجب في باب الأخبار .
الثالث: أن يبدل كلها بألفاظ مترادفة من لغتها مثل أن يقال: حضر الأسد.
فيقال: قال زيد: جاء الليث، والظاهر أن هذا ليس محل النزاع، لأن صاحب
((المحصول)) ممن اختار أنه لا يقام أحد المترادفين مقام الآخر مع جزمه بجواز
الرواية بالمعنى بغير المترادف فضلا عن المترادف .
الرابع: أن يكون في امتثال الأمر، كأن يقول زيد: قل : جاء الأسد، فيقول:
حضر الليث، أو يعبر عنه بالعجمية، فيحتمل المنع، لاحتمال أن المقصود اللفظ،
ويحتمل الجواز إلا حيث تعبدنا باللفظ، كتكبيرة الإحرام وغيرها .
الخامس: أن يبدل بعض ألفاظ المركب دون بعض كأن يقول حضر الأسد
مكان حضر الليث وكذلك ((خداي أكبر)) في غير الصلاة، فهذا موضع النزاع.
هذا كلام الأصوليين .
وأما الفقهاء فالصحيح عندهم جواز إقامة كل من المترادفين مختلفي اللغة مقام
الآخر فيما يشترط فيه الألفاظ كعقود البياعات وغيرها، وأما ما وقع النظر في أن
التعبد هل وقع بلفظه؟ فليس من هذا الباب، لأن المانع إذ ذاك من إقامة أحد
المترادفين مختلفي اللغة مقام الآخر ليس لأنه لا يصح ذلك، بل لما وقع من التعبد
بجوهر لفظه كالخلاف في أن لفظ النكاح هل ينعقد بالعجمية وأنظاره؟ وجعل إمام
الحرمين في ((النهاية)) في باب النكاح للألفاظ ست مراتب :
الأول: قراءة القرآن فلفظه متعين.
١١٢
الثاني: ما تعبدنا بلفظه وإن كان الغرض الأكبر معناه كالتكبير والتشهد .
الثالث : لفظ النكاح، ترددوا هل المرعيّ فيه التعبد وإنما تعينت ألفاظه لحاجة
الإشهاد؟ ويلزم على الثاني أن أهل قطر لو تواطئوا على لفظ في إرادة النكاح ينعقد
به .
الرابع: الطلاق.
الخامس: العقود سوى النكاح .
السادس : ما لا يحتاج إلى قبول كالإبراء والفسخ .
مَسألة
[اللغات مَا عَدا العَربيَة سَواء]
اللغات ما عدا العربية سواء على الأصح، ومن فروعها أن من لم يطاوعه لسانه
على التكبير في الصلاة ترجم. قال في ((الحاوي)): إذا لم يحسن العربية وأحسن
الفارسية والسريانية فثلاثة أوجه: أحدها : يكبر بالفارسية، لأنها أقرب اللغات إلى
العربية، والثاني : بالسريانية لشرفها بإنزال كتاب لها، والثالث : يتخير بينهما فإن
أحسن التركية والفارسية فهل تتعين الفارسية أو يتخير؟ وجهان. وإن أحسن
التركية والهندية يتخير بلا خلاف .
قال الشاشي: وهذا التخريج فاسد، فإن اللغات بعد العربية سواء، وإنما
اختصت العربية بذلك تعبدأ .
مَسألة
ترادف الحد وَالمَحَدود]
قيل: الحد والمحدود مترادفان والصحيح: تغايرهما ، لأن المحدود يدل على
١١٣
الماهية من حيث هي، والحد يدل عليها باعتبار دلالته على أجزائها، فالاعتباران
٧٤/ب / مختلفان .
وقال القَرَافي: الحد غير المحدود إن أريد به اللفظ، ونفسه إن أريد به المعنى،
فلفظ الحيوان الناطق الذي وقع الحد به هو الإنسان قطعا، ومدلول هذا اللفظ هو
غير الإنسان .
والتحقيق : أن الحد والمحدود إن لم يتحدا في الذات كذب الحد ولم یکن حداً،
وإن اتحدا صدق الحد، وليس هو المحدود، لاختلاف الجهة، ونظيره قول
النحويين : يجب اتحاد الخبر بالمبتدأ وإلا لم يكن خبرا، ولا ينبغي أن يكون هو هو من
كل وجه، وإلا لم يكن كلاما البتة، فإن قولك: زيد زيد إذا لم يقدر زيد الثاني
بمعنى يزيد على الأول كان مهملا، والفائدة في الخبر مع الاتحاد تنزيل الكلي على
الجزئي ، فإن ((هذا)) اسم إشارة، فيطلق على كل مشار إليه، سواء زيد وغيره،
فلما حملناه على زيد جاءت الفائدة .
مَسألة
[الإتباع]
من كلامهم الإتباع وهو أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها أو رويها إتباعاً وتوكيداً.
قال ابن فارس: وقد شارك العجم العرب في هذا، وهو يشبه أسماء المترادف
من حيث إنهما اسمان وضعا لمسمى واحد، ويشبه أسماء التوكيد من حيث إنها تفيد
تقوية الأول غير أن التابع وحده لا يفيد، بل شرط إفادته تقدم المتبوع عليه،
وصنف فيه ابن خالويه كتابا سماه ((الاتباع والالباع)) وأبو الطيب عبد الواحد
اللغوي أيضا، وأبو الحسين بن فارس وغيرهم .
قيل إنهما مترادفان والصحيح: المنع، لأن التابع لا يدل على ما يدل عليه المتبوع
إلا بتبعية الأول، وإذا قطع عنه لا يدل على شيء أصلا بخلاف المترادف، فإن كل
١١٤
واحدا منهما يدل على ما يدل عليه الآخر وحده. قال ابن الأعرابي: قلت لأبي المكارم: ما
قولکم في جامع تابع؟ قال: إنما هو شيء نتِد(١) به کلامنا أي : نؤكد به.
قال بعض اللغويين: ولم يسمع الإتباع في أكثر من خمسة، وهي قولهم: كثير
بتير عمير برير بجير بدير، وقيل: مجير بالميم، فأما الاثنان والثلاثة فكثير. قالوا:
حسن بسن مسن، وجار بار حار .
وسمى أبو الطيب كتابه ((بالاتباع والتوكيد))، قال: وإنما قرنًا الاتباع بالتوكيد،
وإن كان كل اتباع توكيداً، وكل توكيد اتباعاً في المعنى، لأن أهل اللغة اختلفوا
فيهما، فمنهم من جعلهما واحدا، وأجاز أكثرهم الفرق، فجعلوا الاتباع ما لا
يدخل عليه الواو نحو قولهم: عطشان نطشان، وشيطان ليطان، والتوكيد ما دخل
عليه الواو نحو قولهم: هو في حل وبل، وأخذ في كل حسن وسن .
قال: ونحن نذهب بتوفيق الله إلى أن اتباع ما لا يختص بمعنی يمكن إفراده،
والتوکید ما اختص بمعنی وجاز إفراده به، ويدل لهذا قولهم: هذا جائع فائع، فهو
عندهم اتباع، ثم يقولون في الدعاء على الإنسان جوعا وبوعا، فيدخلون الواو وهو
مع ذلك اتباع، إذ كان محالا أن تكون الكلمة مرة اتباعا ومرة غير اتباع، فقد
وضح أن الاعتبار ليس بالواو. اهـ .
ومنهم من فرق بينهما بأن التابع شرطه أن يكون على زنة المتبوع بخلاف
التوكيد. قاله الآمدي، وكأنه أخذه من الاستقراء، فإنه لم ينقل إلا كذلك .
قال الآمدي: التابع قد لا يفيد معنى أصلا، ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا
حاتم عن معنى قولهم: بسن في قولهم: حسن بسن، فقال: لا أدري ما هو،
والتحقيق أن التابع يفيد التقوية، فإن العرب لم تضعه عبثا .
فإن قلت: فصار كالتأكيد، لأنه أيضا إنما يفيد التقوية .
قلت: التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز .
(١) نتد: نثبت. يقال: (وتدت) (الوتد) (أتده) (وتدا) من باب وعد أثبته بحائط أو بالأرض. المصباح
المنير .
١١٥
وقال ابن الدهان النحوي في ((الغرة)): اختلف في الاتباع، فذهب الأكثرون إلى
أنه في حكم التأكيد الأول، لأنه غير مبني لمعنى في نفسه بنفسه كأكتع وأبصع مع
أجمع، فكما لا ينطق بأكتع بغير أجمع، فكذا هذه الألفاظ مع ما قبلها، ولهذا المعنى
كررت بعض حروفها في مثل حسن بسن، كما قيل: في أكتع وأبصع مع أجمع .
وزعم قوم أن التأكيد غير الاتباع، واختلفوا في الفرق فقيل: الاتباع ما لم يحسن
فيه واو العطف كقولك: حسن بسن، والتأكيد يحسن فيه نحو حل وبل، وقيل.
الاتباع يكون للكلمة، ولا معنى لها غير التبعية، فلا يجوز على هذا أن يسمى تابع
تابعا .
قلت: وقيل: التأكيد يدل على معنى في الجملة، وهو تقوية مدلول اللفظ
السابق كيف كان، والتابع إنما يذكر بعد الاسم الأول .
وقال الآمدي: إن التابع لم يوضع لمسمى في نفسه ويشهد لما نقله ابن الدهان
عن الأكثرين عن ابن الأعرابي من قولهم: هو شيء نَتِد به كلامنا، أي : نقويه،
ولا معنى للتأكيد إلا هذا .
وقال أبو عمرو محمد بن عبد الواحد في كتاب ((فائت الجمهرة)): سمعت المبرد
وثعلباً يقولان: الإتباع لا يكون بحرف النسق، إنما الاتباع أن يقول: حل بل،
وشيطان ليطان، فأما قول العباس: لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب حل وبل، أي
حلال ومباح، لأنه ليس كل حلال مباحا لأن أكل الرطب حلال، وليس بمباح حتى
يشتريه أو يستوهبه. اهـ . وهكذا فرق غريب.
مَسألة
[التأكيد وَاقع في اللغَة]
التأكيد واقع في اللغة، وحكى الطرطوشي في ((العمد)) عن قوم إنكاره قال:
ومن أنكره فهو مكابر، إذ لولا وجوده لم يكن لتسميته تأكيدا فائدة ، فإن الاسم لا
١١٦
يوضع إلا لمسمى معلوم، وكذلك وقع في القرآن والسنة وأنكرت الملاحدة الثاني،
وظاهر كلام ((المحصول)) وغيره أن خلافهم في الأول أيضا وهو ممنوع، فإنهم
حكموا بكونه في لسان العرب لنوع من القصور عن تأدية ما في النفس، فاحتيج
إلى التأكيد، والله تعالى غني عن ذلك، وضلوا من حيث جهلوا، لأن القرآن نزل
بلغة العرب ومنوال كلامهم، وهو من محاسن الكلام .
وفيه مسائل :
[المَسَألة] الأولى
[هَل التأكيد حقيقة أم مجَاز]
إذا ثبت وقوعه لغة فهو حقيقة، وزعم قوم أنه مجاز، لأنه لا يفيد إلا ما أفاده
المذكور الأول حكاه الطرطوشي. ثم قال: ومن سمى التأكيد مجازاً فيقال له : إذا
کان التأكيد بلفظ الأول نحو عجل عجل، ونحوه فإن جاز أن يكون الثاني مجازا
كان الأول كذلك، لأنهما لفظ واحد على معنى واحد، وإذا بطل حمل الأول على
المجاز بطل حمل الثاني عليه، لأنه مثله .
[المسألة] الثانية
[التأكيد على خلاف الأصل]
أنه على خلاف الأصل فلا يحمل اللفظ عليه إلا عند تعذر حمله على فائدة
مجددة، وهو معنى قولهم: إذا دار اللفظ بين حمله على التأسيس أو التأكيد
فالتأسيس أولى ، لأنه أكثر فائدة .
١١٧
[المسألة] الثالثة
أنه يكتفي في تلك الفائدة بأي معنى كان، وشرط الطرطوشي كونها من مقتضى
١/٧٥ اللسان فحذا بها حذو اللفظ. قال: ولا يجوز حمله على فائدة / يخرجها الفقهاء
ليست من مقتضى لسان العرب، لأن ذلك وضع لغة عليهم، وما قاله ضعيف،
لأن المفهوم من دلالة اللفظ ليس من باب اللفظ حتى يلتزم فيه أحكام اللفظ .
[المسألة] الرابعة
[أقسام التأكيد]
ينقسم إلى لفظي ومعنوي ، فاللفظي يجيء لخوف النسيان أو لعدم الإصغاء،
أو للاعتناء، وهو تارة بإعادة اللفظ، وتارة يقوى بمرادفه، ويكون في المفردات
والمركبات .
وزعم الرافعي في الطلاق أنه أعلى درجات التأكيد، قال إمام الحرمين: وينبغي
فيه شيئان :
أحدهما: الاحتياط بإيصال الكلام إلى فهم السامع إن فرض ذهول أو غفلة .
والثاني: إيضاح القصد إلى الكلام والإشعار بأن لسانه لم يسبق إليه ، ويمثله
النحويون بقوله تعالى: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا، وجاء ربك والملك صفا
صفا﴾ [سورة الفجر / ٢١و٢٢] وجعلهم صفا صفا تأكيداً لفظياً مردود، فإنه ليس
بتأكيد قطعا بل هو تأسيس، والمراد صفا بعد صف، ودكا بعد دك، وكذلك
ألفاظه إذا كررت فكل منها بناء على حدته، والعجب منهم كيف خفي عليهم.
والمعنوي، وهو إما أن يختص بالمفرد كالنفس والعين وجمعاء وكتعاء ، أو
بالاثنين ككلا وكلتا، أو بالجمع ككل وأجمعين، وجمع وكتع. وكل وما في معناه
للتجزي، والنفس والعين للمتشخص غير المتجزي، وإما أن يختص بالجمل ككأن
١١٨
وإن وما في معناهما، وفائدته: تمكين المعنى في نفس السامع ورفع التجوزات
المتوهمة، فإن التجوز يقع في اللغة كثيرا فيطلق الشيء على أسبابه ومقدماته، فإنه
يقال: ورد البرد إذا وردت أسبابه، ويطلق اسم الكل على البعض نحو ﴿الحج
أشهر معلومات﴾ [سورة البقرة / ١٩٧] ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين
كاملين﴾ [سورة البقرة/ ٢٣٣] قيد بالكمال ليخرج احتمال توهم بعض الحول الثاني،
والتوكيد يحقق أن اللفظ حقيقة، فإن قيل: إذا كان رافعا لاحتمال التخصيص في
نحو: قام القوم كلهم وللمجاز في نحو، جاء زيد نفسه، فهذه فائدة جديدة،
فكيف أطبقوا على أن المقصود منه التقوية؟
قلت : إن الاحتمال المرفوع تارة يكون اللفظ مترددا فيه وفي غيره على السواء،
وتارة يكون احتمالا مرجوحا، ورفع الاحتمال الأول فائدة زائدة ، لأن تردد اللفظ
بينه وبين غيره ليس فيه دلالة على أحدهما، كما أن الأعم لا يدل على الأخص،
فدفع ذلك الاحتمال تأسيس. أما الاحتمال المرجوح فهو مرفوع بظاهر اللفظ،
لأن اللفظ ينصرف إلى الحقيقة عند الإطلاق والتأكيد يقوي ذلك الظاهر .
وههنا أمور:
أحدها : أثبت ابن مالك قسما ثالثا، وهو ما له شبه بالمعنوي وشبه باللفظي،
وإلحاقه به أولى، كقولك: أنت بالخير حقيق قمين. ونوزع في هذا المثال، ولا نزاع
الإجماع النحويين على أن من التوكيد مررت بكُمْ أنتم .
الثاني: هل أنه يوجب رفع احتمال المجاز أو يرجحه؟ يخرج من كلام النحويين
فيه قولان، ففي ((التسهيل)) أنه رافع، وكلام ابن عصفور وغيره يخالفه وهو الحق،
وكلام إمام الحرمين يقتضيه، فإنه قال في ((البرهان)): ومما زل فيه الناقلون عن
الأشعري ويقتضيه أن صيغة العموم مع القرائن تبقى مترددة، وهذا - وإن صح -
يحمل على توابع العموم كالصيغ المؤكدة. اهـ .
فقد صرح بأن التأكيد لا يرفع احتمال الخصوص، ويؤيده ما في الحديث
(فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم) فدخله التخصيص مع تأكيده، وكذا قوله :
﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [سورة الحجر / ٣٠] إن كان الاستثناء متصلا، وهل
١١٩
يجرى ذلك في التوكيد اللفظي؟ ظاهر كلام ((الإيضاح البياني)) نعم، والذي صرح
به النحاة أنه لا يقتضي ذلك، وأن القائل إذا قال: قام زيد زيد، فإنما يفيد تقرير
الكلام في ذهن السامع، لا رفع التجوز .
وحكى الرماني في ((شرح أصول ابن السراج))، الأمرين فقال في قوله تعالى:
﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها﴾ [سورة هود / ١٠٨]: مخرجة مخرج
التمكين، وقد يكون لرفع المجاز، إذ لا يمنع أن يقال: هم في الجنة خالدين في
غيرها، فأزيل هذا بالتأكيد، ودل على أنهم في الجنة التي يدخلونها مخلدون فيها،
ولا ينقلون عنها إلى جنة أخرى .
الثالث: أن التوكيد اللفظي أكثر ما يقع مرتين كقوله: ألا حبذا حبذا حبذا،
وأما المعنوي فذكروا أن تلك الألفاظ كلها تجتمع، والفرق أن هذا أثقل لاتحاد
اللفظ .
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: اتفق الأدباء على أن التأكيد إذا وقع
بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات يعني بالأصل، وإلا ففي الحقيقة التأكيد مرتین،
وأما قوله تعالى في المرسلات: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [سورة المرسلات / ١٥] أي
بهذا، فلا يجتمعان على معنى واحد، فلا تأكيد، وكذلك ﴿فبأي آلاء ربكما
تكذبان﴾ [سورة الرحمن / ١٣] ونحوه، وكذلك قال السبكي في ((شرح الكافية))، لم
تتجاوز العرب في تأكيد الأفعال ثلاثا كما فعلوا في تأكيد الأسماء. قال تعالى:
﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾ [سورة الطارق/ ١٧] فلم يزد على ثلاثة: مهل
وأمهل ورويد، وكلها لمعنى واحد. قال: ومما يدل على صحة هذا أن العرب لا
تكاد يكررون الفعل مع تأكيده بالنون خفيفة ولا شديدة، لأن تكريره مع الخفيفة
مرتين كالتلفظ به أربع مرات، ومع الشديدة كالتلفظ به ست مرات. اهـ . لكن
فيما قاله نظر لما سبق في الاتباع أنه سمع في خمسة مع أنه تأكيد في المعنى، وقال
الزمخشري في تفسير سورة الرحمن: كانت عادة النبي ◌َّ ر أن يكرر عليهم ما كان
يعظ به، وينصح ثلاث مرات وسبعاً، ليركزه في قلوبهم ويغرزه في صدورهم، وفي
الحديث الصحيح: (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)،، فما زال يكررها حتى قلنا:
١٢٠