Indexed OCR Text

Pages 421-440

وزعمت القدرية بأسرها : أن الفعل في حال حدوثه يستحيل أن يكون مأمورا
به . ولا يتعلق به الأمر إلا قبل وجوده. ثم طردوا مذهبهم في جملة الأحكام
الشرعية، فلم يصفوا كائناً بحظر، ولا وجوب ولا ندب، وإنما أثبتوا هذه الأحكام
قبل تحقق الحدوث، ثم حكى الخلاف الذي سبق عن القاضي عبد الوهاب، ومنه
أخذ القاضي عبد الوهاب .
واختار الرَّازي: أن الأمر إنما يكون أمراً حال الفعل، وقبله إعلام بالأمر،
وليس بأمر، وكذلك اختاره ابن عقيل من الحنابلة .
ورد عليهم بأن الفعل يجب بالأمر، فلو لم يكن ما يقدمه أمراً لاحتاج مع الفعل
إلى تجديد أمر.
وأما الحال، أي : حالة وقوع الفعل، فقال أصحابنا : يوصف بكونه مأمورا به. قال
ابن بُرْهان: وهو قول أهل السنة، ونفاه المعتزلة، وكذا حكاه القاضي أبوبكر والقاضي
عبد الوهاب وإلكِيا الطبري وغيرهم. ونقل عن المعتزلة أنه لا يتعلق الأمر بالفعل حال
حدوثه، ولا بد أن يكون متقدما على وقت الفعل، وينقطع التعلق منه حال المباشرة.
وذكر الإمام في ((البرهان)) عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أن الفعل في حال
حدوثه مأمور به ، ثم علله بما يقتضي أنه ليس مأموراً به . وهذا هو الذي يقتضيه
أصله في أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله. وأما أصله الآخر، وهو جواز تكليف ما
لا يطاق، فهو يقتضي جواز التكليف بالفعل قبل الاستطاعة، فلعله بناه على عدم
الوقوع .
ونقل ابن الحاجب عن الشيخ انقطاع التكليف حال حدوث الفعل، وليس
بجيد، فليس للشيخ في المسألة صريح كلام، وإنما تُلْقَي من قضايا مذهبه .
وقد نقل الإمام فخر الدين عنه أنه مكلف حال المباشرة، كذا قاله الهندي .
وقال الأصفهاني المتأخر في مصنفه ((المفرد)) في هذه المسألة: اعلم أن الأصوليين
من الأشعرية والمعتزلة متفقون على أن المأمور بالفعل على وجه الامتثال إنما يكون
مأمورا عند القدرة والاستطاعة، لكن للمعتزلة أصل : وهو أن الحادث لا يكون
متعلقا للقدرة حال حدوثه كالباقي المستمر الوجود ، فإنه لا يكون متعلقا للقدرة.
٤٢١

وللشيخ أصل ، وهو أن القدرة الحادثة تقارن المقدور الحادث ولا تسبقه، لأن
القدرة الحادثة عرض، والعرض استحال بقاؤه، فلو تقدمت القدرة الحادثة على
وجود الحادث، لعدمت عند وجود الحادث ضرورة استحالة بقائها، فلا يكون
الحادث متعلقا للقدرة.
فلزم على أصل الشيخ : أن المأمور إنما يصير مأمورا بالفعل حال حدوثه لا قبله.
ولزم على أصل المعتزلة: أنه إنما يكون مأمورا بالفعل قبل حدوثه لا حالة
حدوثه .
قال إمام الحرمين : لا حاصل لمتعلق حكم الأمر بالقدرة على مذهب أبي
الحسن ، فإن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام ، ولا قدرة
له على القيام فكيف يتصور تعلق الأمر بالقدرة ومن لا قدرة له مأمور عنده؟
قال: وهذا هو سبب اختلاف نقل صاحب ((المحصول)) و((الإحكام))، فكأن
الإمام فخر الدين اعتبر مذهب الأصوليين من أصحاب الشيخ، والآمدي اعتبر ما
قاله إمام الحرمين، وهو أن القاعد في حال القعود مأمور بالقيام بالاتفاق، فحصل
الخلاف بین نقلیھما . اهـ.
وأما ابن الحاجب فإنه نسب خلاف المعتزلة للشيخ أبي الحسن، وجعل إمام
الحرمين موافقا للمعتزلة، ورد ما نسبه إلى الشيخ، فقال: قال الشيخ الأشعري:
لا ينقطع التكليف بالفعل حال حدوثه، واختاره. وزيف قول الشيخ بأن قال: إن
أراد الشيخ بعدم انقطاع التكليف حال حدوث الفعل أن تعلق التكليف بالفعل
لنفس التكليف، وما يتعلق لنفسه بالشيء امتنع انقطاعه عنه. فيلزم أن لا ينقطع
التكليف بعد حدوث الفعل أيضا، وهو باطل بالإجماع. وإن أراد الشيخ أنَّ تنجيز
التكليف: أي: كون المكلف مكلفا بالإتيان بالفعل حال حدوثه لعدم صحة
الابتلاء، لأن الإبتلاء إنما يصح قبل الشروع في الفعل فينتفي فائدة التكليف، لأن
فائدة التكليف إما الامتثال أو الابتلاء وكل واحد منهما منتف. ولقائل أن يقول:
مراد الشيخ أن التكليف حال حدوث الفعل تكليف بالإتيان بالكلي المجموعي، لا
بإيجاد كل واحد من أجزاء الفعل، فلا يكون التكليف حال الحدوث تكليفا بإيجاد
٤٢٢

الموجود، لأن الكلي المجموعي لم يوجد حال حدوث الفعل فلم يمتثل بالكلية.
فإن قيل: ما وجد من الفعل فقد انقطع عنه التكليف فيكون تعليق التكليف
بالباقي، لا بالمجموع من حيث هو مجموع.
قلنا : التكليف بالذات قد تعلق بالمجموع من حيث هو مجموع وبأجزائه
بالعَرَض، فما لم يحدث لم ينقطع التكليف.
وقال المازري : مذهب الأشعري أن القدرة المحدثة لا تتقدم المقدور، وعنده
أن الأمر يتقدم الفعل المأمور به ويقارنه. وألزمه الإمام كون المكلف مأمورا بالقيام
غیر مقدور له قبل شروعه فيه، ومع هذا فهو مأمور به، فقد صار المأمور به غير
مرتبط بكونه مقدورا عليه، وهذا غير لازم للشيخ، لأنه إذا استدل على صحة
/ تعلق القدرة به لم يلزم أن يقول: إن عدم تعلقها به بعدم تعلق الأمر به، لأن ٥٢/ب
هذا عكس الاستدلال، وهو غير لازم .
وقال إلْكِيا: اختلفوا في أن الحادث حال حدوثه هل يكون مأمورا به؟ فقال
أصحاب الأشعري: مأمور به في تلك الحالة. وقالت المعتزلة: مأمور به قبل
الحدوث، وإذا حدث خرج عن أن يكون مأمورا به، لأن الأمر استدعى
التحصيل، والحاصل لا يحصل .
وأصحابنا بنوا ذلك على أن الاستطاعة مع الفعل، وأن المعدوم مأمور به، وعلى
هذا فلا أمر عندهم قبل الفعل، وإنما هو إعلام على معنى تعلق الأمر الأزلي
به . انتھی .
وقال ابن برهان: الحادث حال حدوثه مأمور به خلافا للمعتزلة. اهـ. ولم
يتعرض للخلاف قبل الحدوث .
واعلم أنا إذا فسرنا حال حدوث الفعل بأنه أول زمن وجوده صح التكليف به،
وکان في الحقيقة تكليفا بإتمامه وإيجاده بما لم يوجد منه، وإن أريد بحال حدوثه زمن
وجوده من أوله إلى آخره لم يصح مطلقا، بل يصح في أول زمن وجوده وإن كلف
بإتمامه كما مَرّ، وعند آخر زمن وجوده يكون قد وجد وانقضى، فيصير من باب
إيجاد الموجود، وهو محال .
٤٢٣

وهذا المبحث ينزع إلى مسألة الحركة وأنها تقبل أم لا؟ وكأن الخلاف فيها
لفظي، لأن من أجاز التكليف عَلَّقه بأول زمن الحدوث، ومن منعه علقه بآخره .
واعلم أن للقَرَافي في المسألة طريقة أخرى ، وهي أن قول الأشعرية: الأمر.
يتعلق حال الملابسة، ليس المراد أن حصول زمان الملابسة شرط في تعلق الأمر ،
بل الأمر متعلق في الأزل، فضلا عما قبل زمن الحدوث، وإنما البحث ههنا عن
صفة ذلك التعلق المتقدم لما تعلق في الأزل كيف تعلق؟ هل تعلق بالفعل زمن
الملابسة أو قبله؟ فالتعلق سابق، والطلب متحقق، والمكلف مأمور بأن یعمر زمانا
بوجود الفعل بدلا عن عدمه، وهو زمن الملابسة، فإن لم يفعل ذلك في الزمن
الأول أمر به في الزمن الثاني كذلك إلى آخر العمر إن كان الأمر موسعا، وإن كان
على الفور فهو مأمور بأن يجعل الزمن الذي يلي زمان الأمر زمان وجود الفعل، فإن
لم يفعل فهو عاص، فزمن الملابسة ذكر لبيان صفة الفعل، لا لأنه شرط التعلق،
وإنما يلزم نفي العصيان لو كان شرطا في التعلق .
قال : وبهذا التقرير يظهر عدم ورود الاستشكال المشهور على هذا القول أنه
يؤدي إلى سلب التكاليف، إذ لو كان حصول الملابسة شرطا في تعلق الأمر لم يكن
أحد عاصيا، لأنه يقول: الملابسة شرط في كونه مأمورا، وأنا لا ألابس الفعل، فلا
يكون عاصيا، وذلك خلاف الإجماع فظهر أن التحقيق ما تقدم. اهـ.
[حاصل ما تقدم]
وحاصله: أن الأمر تعلق من الأزل بالفعل زمن الملابسة، وقيل: زمن
الملابسة، وقيل: زمان ورود الصيغة تعلق مطالبة في الزمن الذي يلي ورود
الصيغة، فإن لابس تعلق الأمر حال الملابسة، وإن أخر فإن كان الأمر مضيقا
تعلق بالتأخير التأثيم وإن كان موسعا إلى أن لا يبقى من زمن السعة إلا قدر ما
يسع الفعل تضيق، وجاء التأثيم. ولم يذكر هو إلا المضيق، ولكن يحتمله كلامه .
وأما الماضي وهو تعلق التكليف بالفعل بعد حدوثه كالحركة بعد انقضائها
بانقضاء المتحرك فممتنع اتفاقاً، لأنه تكليف بإيجاد الموجود، ولا يوصف بهذه
الأوصاف إلا مجازا باعتبار ما كان عليه، وقال المازَري : يوصف قبل وجوده بأنه
٤٢٤

مأمور به ومطلوب، وأما قبل وجوده فلا يصح وصفه بالاقتضاء والترغيب، لأنه
إنما يمكن مما لم يوجد. والحاصل لا يطلب .
وهذا كقول المتكلمين: إن النظر يضاد العلم بالمنظور فيه، لأن النظر بحث عن
العلم وابتغاء له، والحاصل لا يطلب، ويصح وصفه بأنه طاعة ، وهل يصح
وصفه بأنه مأمور به حال وقوعه؟ فيه الخلاف بيننا وبين المعتزلة وهم ينفونه . وأما
بعد تقضي الفعل فيصح وصفه بما سبق على معنى أنه كان عليها . واذا قلنا: إنه
حال الإيقاع وقبله مأمور به، فهل تعلق الأمر بهاتين الحالتين يكون متعلقا
متساويا؟ على مذهبین :
أحدهما: نعم. فيتعلق الأمر بهما تعلق إيجاب وإلزام، وحكاه القاضي في ((مختصر
التقريب)) عن المحققين من أصحابنا .
والثاني : أنه حال الوقوع تعلق إلزام، وأما قبله تعلق إعلام بأنه سيصير في
زمان الحال مأموراً، ونسبه القاضي إلى بعض من ينتمي الى الحق. قال: وهو
باطل .
وادعى القَرَافي أن إمام الحرمين قال فيه: إنه لا يرتضيه لنفسه عاقل.
وقال القاضي: والذي نختاره تحقق الوجوب على الحدوث، وفي حالة
الحدوث، وإنما يفترق الحال في الترغيب والاقتضاء والدلالة، فإن ذلك يتحقق قبل
الفعل، ولا يتحقق منه، وما أبطله القاضي اختاره الإمام الرازي في ((المحصول)).
ولأجله قال البيضاوي في ((المنهاج)): التكليف يتوجه حالة المباشرة، وهو قضية نقل
إمام الحرمين عن الأصحاب .
واختار إمام الحرمين والغزالي مذهب المعتزلة، وَرَأَيَا أن الفعل حال الإيقاع لا
يتعلق الأمر به، ومدركهم فيه خلاف مدرك المعتزلة، فالمعتزلة بنوه على أصلهم :
أن القدرة تتقدم على الفعل وانقطاع تعلقها حال وجوده، وأما الإمام فكاد
يوافقهم، لأنه يقول : ما ليس بمقدور لا يؤمر به مَنْ يثبت قُدْرَةً، ويقول: الحال
غير مقدور فلزم تقدم القدرة، فصرح من أجلها بتوجه الأمر قبل الفعل وانقطاعه
معه .
٤٢٥

وأما الغزالي فإنه سلم مقارنة القدرة للمقدور، ووافق مع هذا على انتفاء الأمر
حال الوقوع، فتوافقا في الأصل، وتخالفا في الفرع، ثم اعتمد هو وإمامه على أن
حقيقة الأمر الاقتضاء والطلب ، والحاصل لا يطلب .
وجوابه : أنه غير مقتضى حال الإيقاع، ولكنه مع هذا مأمور به بمعنى أنه طاعة
وامتثال، وهذا لا ينكره أحد، لأن الطاعة موافقة الأمر، وهذا موافق .
والحاصل : أن الإمام والغزالي قد رأوا أن لا حقيقة للأمر إلا الاقتضاء، وقد
يطلب، فبطل بنفسه، وتبعهم ابن الحاجب، وليس كذلك، بل له حقيقة، وهو
كونه مأمورا به، وقد اعترض على من قال بتوجه الأمر قبل الفعل على سبيل
الإعلام والإلزام بأنه يؤدي إلى أن لا يعصي بترك المأمور به، لأنه إن أتى به فذاك،
وإلا فهو غير مكلف .
وأجيب عنه بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والتارك مباشر للترك، وهو فعل
١/٥٢ منهي عنه حرام، فإثمه من/هذه الجهة، وعلى ما سبق من طريقة القَرَافي لا
إشكال .
وقال الشيخ شمس الدين الأصفهاني المتأخر: الحق أن تعلق الأمر بالفعل حال
حدوثه لا قبله ليس بصحيح.
أما أولاً : فإنهم بنوا على الاستطاعة والقدرة، ولا حاصل لتعلق الأمر بالقدرة
على رأي الأشعري كما قاله الإمام، فإن القاعد حال قعوده مأمور بالقيام بالاتفاق،
ولا قدرة له على القيام عند الشيخ في حال القعود، فكيف يستقيم تعلق الأمر
بالقدرة؟ ومن لا قدرة له مأمور عندنا.
وأما ثانياً : فلأنه لا معنى لكون فعْل العبد مقدوراً له على أصل الشيخ، فإن
فِعْلَ العبد مخلوق الله، فلا يكون واقعا بقدرة العبد، فلا يكون مقدوراً له.
وأما ثالثاً : فلأنه لا معنى لإثبات القدرة في العبد، فإنه إذا لم يكن للوصف
الذي هو مقارن الفعل مدخل في الفعل فجميع الأوصاف المقارنة للفعل متشاركة
في كونها مقارنة للفعل، فتميز بعضها عن بعض بكونها قدرة دون غيره، يكون
تمييزا من غير مميز، وهو غير معقول.
٤٢٦

وأما رابعاً : فلأنه مبني على استحالة بقاء الأعراض وهو ممنوع.
وأما خامساً : فلأنه مبني على تقدير ثبوت هذا الأصل وكون قدرة العبد ثابتة،
وكون الفعل مقدوراً للعبد باعتبار الكسب لا يلزم أن تكون القدرة عند حدوث
الفعل، بل يجوز أن تكون قبله.
وأما قولهم: لو تقدمت القدرة الحادثة على وجود الحادث لعدمت عند وجود
الحادث ضرورة استحالة بقائها، فلا يكون الحادث متعلقا للقدرة، فلا طائل له.
وذلك لأن القدرة إذا لم يكن لها مدخل في الفعل فكما جاز أن يقال: الفعل مقدور
للعبد باعتبار مقارنة القدرة للفعل فكذلك جاز أن يقال: الفعل مقدور للعبد
باعتبار تقدم القدرة على الفعل، بل لو فرضنا أن للقدرة مدخلا في الفعل لجاز أن
تكون متقدمة بالزمان على الفعل كسائر الأسباب المعدة .
والحق : أن طلب الفعل سابق على حدوثه، وكذلك القدرة على الفعل، ونعني
بالقدرة على الفعل صفة خلقها الله في العبد، وجعلها بحيث لها مدخل في الفعل،
بل كَوَّنها بحيث لها مدخل في الفعل بخلق الله تعالى، وأن جميع المحدثات بخلقه
تعالى بعضها بلا أوساط ولا أسباب، وبعضها بوسائط وأسباب، لا بأن تكون تلك
الوسائط والأسباب لذاتها اقتضت أو يكون لها مدخل في وجود المسببات، بل
خلقها الله بحيث لها مدخل . فتكون الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة لله ومقدورة
للعبد بقدرة خلقها الله فيه، والقدرة مميزة عن سائر الصفات من حيث لها مدخل
في الفعل على هذا الوجه بخلاف سائر الصفات ، فيكون المأمور مأموراً بالفعل
قبل حدوثه، لكن هل ينقطع التكليف حال حدوث الفعل أم لا؟
فنقول : الفعل المطلوب يكون آتيا قبل الآن طرف الزمان أو جزءه علم ذلك
باستقراء الأفعال المطلوبة في الشرع، بل يكون زمانيا إما على سبيل الاستمرار
كالقيام في الصلاة أو على سبيل التدريج كقراءة الفاتحة في الصلاة. وعلى
التقديرين يكون ذلك ذا أجزاء، ويكون الأمر بالذات متعلقا بذلك الفعل تعلقا
بأجزائه محال الحدوث، وإن وقع بعض أجزاء الفعل لم يقع البعض بها، والأمر
المتعلق بالفعل بالذات لا ينقطع مالم يحدث الفعل، ولا يحدث الفعل إلا بعد
٤٢٧

حدوث أجزائه، فلا ينقطع التكليف إلا بعد حدوث جميع أجزائه، وبيان أن أفعال
العباد مخلوقة لله ومقدرة للعبد على الوجه المذكور في أصول الدين.
تنبيهات
[التنبيه] الاول
إن إمام الحرمين لما حكى القول بأن الفعل حال حدوثه مأمور به، ثم ذكر مذهب
الشيخ في القدرة، ثم قال: ومذهبه مختبط في هذه المسألة.
ثم قال: لو سلم مسلم لأبي الحسن ما قاله في القدرة جدلا فلا یتحقق معه کون
الحادث مأموراً، هذا حاصله. ومذهبه في القُدْرَة مخالف لمذهب أبي الحسن، ثم
ألزم الشيخ تحصيل الحاصل. ثم قال: فقال في الحادث: هذا هو الذي أمر به
المخاطب، فأما أن يتجه القول في تعلق الأمر طلبا واقتضاء مع حصوله، فلا يرضى
هذا المذهب الذي لا يرتضيه لنفسه عاقل. اهـ.
ومراده بالمذهب الذي لا يرتضيه عاقل إيجاب تحصيل الحاصل الذي ألزم به
الشيخ، ولم يُرِد القول بأنه لا يتوجه إلا عند المباشرة، فإن ذلك هو المأثور عن
الشيخ .
وقال القاضي : إنه الحق، وإن عليه السلف من الأمة وسائر الفقهاء ، وهذا
التأويل يتعين .
وتوهم القَرَافي وغيره أن مراد الإمام بذلك القول بالوجوب عند المباشرة،
وشنعوا به على القائلين به، ومعاذ الله أن يقول الإمام ذلك، وهو مذهب شيخه .
وإنما الشأن في أن مذهب الشيخ في الوجوب حالة المباشرة هل يلزم تحصيل
الحاصل أم لا؟
والصواب : أنه لا يلزم، وقد تقدم أنه ليس للشيخ نص صريح في تخصيص
التكليف بحالة المباشرة، وأصل الوهم عليه في ذلك.
٤٢٨

[التنبيه] الثاني
[بناء المسألة على الاستطاعة مَع الفعل]
إن إمام الحرمين وغيره ادعوا أن أصحابنا بنوا هذه المسألة على الاستطاعة مع
الفعل. قال أبو نصر بن القشيري : وهذه الدعوة غير سديدة، وكيف تشيّد وعند
الأصحاب يمتنع تقدم القدرة على الفعل؟
وصرحوا بجواز تقدم الأمر على الفعل، وقالوا: الفاعل قد يؤمر بالقيام بتحقق
الأمر بالقيام في حالة القعود حتى اختلفوا. فقال الأكثرون: الأمر الذي تعلق
بالفعل قبل حدوثه أمر إيجاب. وقال الأقلون: أمر إعلام، وإنما يتحقق الوجوب
عند الحدوث، فإذن ليس بناء هذه المسألة عند الأصحاب على مسألة الاستطاعة.
نعم المعتزلة يبنون ويقولون : كما أن القدرة لا تتعلق بالموجود بزعمهم، فالأمر لا
يتعلق بالموجود، ثم عَوَّل الإمام بعد التسفيه في البناء على أن الأمر طلب واقتضاء،
والحاصل لا يطلب ولا يقتضى. وهذا اعتساف، لأن القاضي قال: معنى قولنا: إن
الفعل في حال الحدوث مأمور به أنه طاعة، فتعلق الأمر قبل الحدوث يتضمن
اقتضاء وترغيبا، وفي حال الحدوث يتضمن كونه طاعة، وهذا مما لا ينكره عاقل،
فلا خلاف إذن. هذا كلام ابن القُشَيْري .
واعلم أن الخلاف في أن القدرة مع الفعل أو قبله لا يكاد يتحقق، لأنه إن
أريد بالقدرة سلامة الأعضاء والصحة فهي متقدمة على الفعل قطعا، فإذا انضمت
الداعية إليه صارت تلك القدرة مع هذه علة للفعل المعين، ثم إن ذلك الفعل
يجب وقوعه مع حصول ذلك المجموع، لأن المؤثر التام لا يتخلف عند أثره. وإن
أريد بها مجموع ما لا يتم الفعل إلا به فليست سابقة على الفعل / لفقدان الداعية ٥٣/ب
إذ ذاك .
٤٢٩

[التنبيه] الثالث
[الخلاف لفظى]
قيل : إن الخلاف في هذه المسألة لفظي، ولا يتفرع عليه حكم قطعا، فإنه لا
خلاف بين المسلمين في أن المكلف مأمور بالإتيان بالفعل المأمور به قبل أن يشرع
فيه، ولا يخرج عن عهدة الأمر إلا بالامتثال، ولا يحصل الامتثال إلا بالإتيان
بالمأمور به(.) ويلزم منه أن يكون التكليف متوجها إلى الفعل قبل المباشرة، ولا
ينقطع إلا بالفراغ عنه، لأن الأمر بالذات يتعلق بمجموع المأمور به من حيث هو
مجموع، وتعلقه بالأجزاء إنما هو بالعَرَض، فما لم يأت بمجموع المأمور به لا يكون
ممتثلا ، وما لا يكون ممتثلاً لا ينقطع عنه التكليف .
[التنبيه] الرابع
قولنا : إن الأمر إنما يصير أمرا حال الحدوث لا يناقضه قولنا: لا حكم للأشياء
قيل ورود الشرع. كما قال الأصفهاني في ((شرح المحصول))، لأنا إذا فسرنا النفي
بعدم العلم بالحكم فواضح ، وإن فسرناه بعدم الحكم فالخطاب في الأزل وتعلقه
بالمكلف موقوف على بعثة الرسل . فمعنى قولنا: لاحكم للأشياء قبل الشرع،
أي : لا يتعلق، فلا تناقض .
[التنبيه] الخَامس
سبق أيضا أن المعدوم مأمور بشرط الوجود، وهو يناقض قولنا: الأمر إنما
يتحقق حال حدوث الفعل. قال الأصفهاني: دفعه أنا إن قلنا: الأمر الأزلي إعلام
فواضح. وإن قلنا: إن خصوص كونه أمرا حادث كمذهب القلانسي فكذلك،
وإلا فنقول يعرض له نسب يختلف بها، ففي الأزل له نسبة بها صار إلزاما خاصا،
٤٣٠

وهو إنه إلزام المأمور الفعل على تقدير وجوده، واستجماعه لشرائط التكليف عند
حدوث الفعل. ثم يعرض له نسب أخرى في وجود المكلف وبحدوث الفعل يصير
أمرا حينئذ، والأول كان إلزاما على تقدير، وأما إذا باشر المكلف الفعل فقد وقع
ذلك بالتقدير، فالأمر المقدر صار محققا.
وقولنا : إنما يكون أمرا عند وجود الفعل وقبله ليس بأمر كان نفياً لهذا الأمر
الخاص لا الأمر المطلق.
مسألة
[النيابة في العبادات البدنية]
مذهب الشافعي رضي الله عنه الأصل امتناع النيابة في العبادات البدنية إلا ما
خرج بدليل، فقال في ((الأم)) في باب الإطعام في الكفارة: ولو أن رجلا صام عن
رجل بأمره لم يجزه الصوم عنه، وذلك أنه لا يعمل أحد عن أحد عمل الأبدان،
لأن الأبدان تعبدت بعمل، فلا يجزيء عنها أن يعمل عنها غيرها ليس الحج
والعمرة بالخبر الذي جاء عن النبي وَلهر، وبأن فيهما نفقة، وأن الله فرضهما على
من وجد إليهما السبيل، والسبيل بالمال. اهـ.
وأغفل الأصحاب هذا ولم يحفظوا للشافعي فيه نصاً وهذا في الجواز الشرعي .
وأما العقلي: فقال ابن برهان: مذهب أصحابنا جريان النيابة في التكاليف
والعبادات البدنية عقلا، ومنعه المعتزلة وساعدهم الحنفية.
والمسألة مبنية على حرف، وهو أن الثواب معلول الطاعة والعقاب معلول
المعصية عندهم، وعندنا: الثواب فضل من الله والعقاب عدل من الله، وإنما
الطاعة أمارة عليه، وكذلك المعصية.
وذكر الآمدي نحوه وحرره الصفي الهندي ، فقال : اتفقوا على جواز دخول
النيابة في المأمور به إذا كان مالياً ، وعلى وقوعه أيضا لاتفاقهم على أنه يجوز للغير
٤٣١

صرف زكاة ماله بنفسه، وأن يوكل فيه، وكيف لا ، وصرف زكاة الأموال الظاهرة
إلى الإمام إما واجب أو مندوب؟ ومعلوم أنه لم يصرفها إلى الفقراء إلا بطريق
النيابة .
واختلفوا في جواز دخولها فيه إذا كان بدنيا، فذهب أصحابنا إلى الجواز والوقوع
معا محتجين بأنه غير ممتنع لنفسه ، إذ لا يمتنع قول السيد لعبده: أمرتك بخياطة
هذا الثوب ، فإن خطته بنفسك أو استنبت فيه أثبتك ، وإن تركت الأمرين
عاقبتك، واحتجوا بالنيابة في الحج، وفيه نظر، فإنها لا تدل على جواز النيابة في
المأمور به إذا كان بدنيا محضا، بل إنما يدل على ما هو بدني ومالي معا كالحج، ولعل
الخصم يُجَوِّز ذلك، فلا يكون دليلا عليه كذا قال الهندي. لكن الخلاف موجود
فيه عند الحنفية .
فقالت طائفة منهم : إن الحج يقع عن المباشر ، وللآمر ثواب الإنفاق ، لأن
النيابة لا تجزىء في العبادات البدنية إلا أن في الحج شائبة مالية من جهة الاحتياج
إلى الزاد والراحلة. فمن جهة المباشرة تقع عن المأمور، ومن جهة الإنفاق تقع عن
الآمر . لكن المُرَجَّح عندهم أنه يقع عن الآمر عملا بظواهر الأحاديث .
واحتج المانع بأن القصد من إيجاب العبادة البدنية امتحان المُكَلَّف ، والنيابة
تخل بذلك . وأجيب بأنه لا يخل به مطلقا فإن في النيابة امتحانا أيضا .
وزادها بعض المتأخرين تحقيقا، فقال: الأفعال المستندة إلى الفاعلين لا تخلو إما
أن تكون شرعية أو لغوية، فإن كانت شرعية فلا تخلو إما أن تكون عبادة أو
غيرها، وغير العبادة لا تخلو إما أن ينظر فيها إلى جهة الفاعلية أو إلى جهة الفعل
فقط من غير نظر إلى الفاعل. فمن الأول (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) فأناط
الشارع ذلك بالفاعل، فالعبرة فيه به، فتكون عهدة الفعل متعلقة به ولو وكيلا .
ومن الثاني : من باع عبدا وله مال، فقصد الشارع تحصيل الفعل، واجتمعا في
قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [سورة البقرة /
٢٣٠] فالتطليق المراد به تحصيل الفعل سواء كان بنفسه أو بنيابة أو بغيره كما تقرر في
الفقه وهذا من الثاني. وحتى تنكح: المراد به الإسناد الحقيقي المتعلق بالفاعل .
٤٣٢

وأما العبادات: فلا تخلو إما أن تكون وسيلة أو تقصد، فإن كانت وسيلة فلا تخلو
إما أن تكون وسيلة تبعد عن العبادة جداً أو تقرب منها جدا ، فإن كانت تبعد
جدا ، كتحصيل التراب والماء في الوضوء والتيمم ، والصب عليه فالإجماع على
جواز دخول النيابة فيها، وإن كانت تقرب منها جدا، فإما أن يعتبر فيها القصد أو
لا يعتبر. فإن لم يعتبر كتوضئة الغير له أو تغسيله ، فالإجماع على جواز الدخول .
وأما القصد فلا يخلو إما أن یکون بدنيا محضا أو مترددا بينهما . فإن كان الأول
امتنعت النيابة، كالصلاة والصوم إلا في صورة واحدة ، وهي ركعتا الطواف تبعا
للحج ، وكذا الصوم عن الميت على أصح القولين. وإن كان ماليا محضا كالزكاة
دخلت النيابة في تفريقه ، لأنه يشبه الوسيلة، إذ المال هو المقصود ، وإن كان
مترددا بينهما كالحج جاز عند اليأس والموت على ما تقرر في الفقه .
وأما اللغويات: فان حقيقتها عند الإطلاق مصروفة إلى / ما استند إليه الفعل ٦/٥٤
حيث لم يبق ما يعم المجاز ، ولا تعتبر العادة على المشهور، لأنها لا تصلح رافعة
للحقيقة لتأدية ذلك إلى النسخ، ويمكن أن تجعل مخصصة على طريقة، والقدر
المشترك لا يصح، لأنه إنما يكون إذا كان معنا حقيقتان دار الأمر بين أن يجعلهما
مشتركين اشتراكا لفظيا ، أو يأخذ بينهما قدرا مشتركا، فهنا يقال : القدر المشترك
أولى، وأما في حقيقة ومجاز فلا .
٤٣٣

فصل
في الاعذار المسقطة للتكليف
[السفر]
فمنها : السفر مسقط لشطر الصلاة الرباعية ومسوغ لإخراجها عن وقتها ، إذ
جوز له الشرع التأخير بنسبة الجمع ترخيصا ، ثم منه ما ثبت لمطلق السفر وإن
قصر. وعَدَّها الغزالي أربعة: النفل لغير القبلة، وترك الجمعة، والتيمم، وأكل
الميتة ، وقد ينازع في هذين فإنهما لا يختصان بالسفر .
ومنه ما يختص بالطويل. وهي أربعة: القصر، والفطر، والجمع، والمسح على
الخف ثلاثة أيام.
[الاضطرار]
ومنها : الاضطرار لاستبقاء المهجة رخص له الشرع بتناول الميتة بل أوجبه،
لأنها إنما حرمت لأن تناولها يخل بمكارم الأخلاق، وذلك لا يقاوم استبقاء المهجة .
[الجهل]
ومنها : الجهل، ولهذا لم يجب الحد على من جهل تحريم الزنى والخمر إذا كان
ممن يخفى عليه ، ولا تبطل الصلاة بجهله تحريم الكلام، ولا تبطل فورية الخيار
بجهله ثبوته، ولا يكفر منكر حكم الإجماع الخفي كتوريث بنت الابن مع البنت
السدس .
٤٣٤

وفي ((تعليق)) القاضي الحسين في الكلام على خيط الخياط كل مسألة تدق
وتغمض معرفتها هل يعذر فيها العامي؟ على وجهين . وشرط الشافعي في تعصية
البيع على بيع أخيه العلم بالنهي وعذره بالجهل ، وكذا في النجش كما نقله
البيهقي . خلافا للرافعي في قوله : إنه لم يشترطه .
والصواب : أن ذلك شرط في جميع المناهي ، وقد روى النسائي (آكل الربا
وموكله وكاتبه إذا علموا بذلك ملعونون على لسان محمد يوم القيامة)
[الخطأ]
ومنها : الخطأ بأن يصدر منه الفعل بغير قصد ، ولهذا لا يجب فيه القصاص
لكن حكى الشيخ أبو حامد الإجماع على أنه حرام ، وأن لا إثم فيه . حكاه عنه
صاحب ((البيان)) في كفارة القتل. وينبغي أن يكون على الخلاف في وطء الشبهة
ونحوه حتى لا يوصف لا بحل ولا حرمة على الأصح .
[الحيض]
ومنها : الحيض مسقط للصلاة وكذا الصوم على الأصح المنصوص ، وإنما
وجب قضاؤه بأمر جدید .
[المرض]
ومنها : المرض مسقط للقيام في الفرض ومسوغ لإخراج الصوم عن وقته،
ويلتحق به دائم الحدث كالمستحاضة ، والسلس مسقط لحكم الطهارتين في
الصلاة .
[الرق]
ومنها : الرق يسقط الجمعة، وكذلك الجماعة فلا تجب عليه قطعا .
[الإكراه]
ومنها : الإكراه المبيح له التلفظ بكلمة الكفر، ولا خلاف في وجوب
الاستسلام عند الإكراه على القتل والزنى .
٤٣٥

وفي ((المبسوط)) للحنفية الإكراه أثره عند الشافعي في إلغاء عبارته كتأثير الصبا
والجنون.، وعندنا تأثيره في سلب الرضا، لا في إهدار عبارته، حتى كأن متصرفاته
منعقدة ، ولكن ما يعتمد لزومه الرضا كالبيع والشراء ونحوهما لا يلزم ، وما لا
يعتمد الرضى يلزم كالنكاح والطلاق والعتاق .
قال السرخسي : قد استكثر محمد - رحمه الله - الاستدلال بالآثار في أول كتاب
الإكراه ، وهذا لا يزيل الخطاب حتى يتنوع أفعاله إلى مباح وواجب وحرام.
فالواجب شرب الخمر وأكل الميتة وتارة قتل النفس والزنى ، وذلك لا يكون إلا
باعتبار الخطاب .
قال إلْكِيا الطبري: وجملة حقوق الله تعالى على الإنسان النظر أولاً، ثم المعرفة
ثانياً ، ثم العبادات. فالشافعي يقول : العبادات البدنية ساقطة عن الصبي دون
العبادات المالية ، والعبادات المالية إذا أخذت من ماله، فلا نقول : يستحق بها
ثواب من يمتحن بتنقيص الملك ، ومراغم الشيطان الذي يعد الفقر، ولكن يؤخذ
من ماله نظرا للفقراء لا نظراً للصبي المؤدي. وهذا معنى قولنا : إنها تؤخذ منه
باعتبار المواساة لا باعتبار العبادة . فعلى هذا ليس على الصبي عبادة مالية ولا
بدنية ، وإنما المأخوذ من ماله نفقة أخوة الدين .
ثم لا يلزم قضاء العبادات بعد البلوغ ، لعلم الشرع بأن ذلك يجر حرجا عظيما
من حيث إن الصبي عام في أصل الفطرة ، وقد صح قطعا مدة مديدة . والجنون
عند الشافعي يسقط القضاء مع أنه لا يقطع بدوامه ، ولا أنه عام فليس ملتحقا
بالصبي مع الفرق القاطع. ولكن لأن أصله مسقط للقضاء ومقاديره ملحقة
بأصله .. وأبو حنيفة يلحق تفاصيله بأصل آخر : وهو الإغماء، ونظر الشافعي
أولى .. ويتصل بذلك أن عقله وتمييزه يقتضي تصحيح عبارته إلا أن الشافعي
يقول : فسدت عبارته فيما صار بولي عليه فيها، وأما ما لم يصر مولى عليه فيها
ففاسد فيما يضره صحيح فيما ينفعه ، حتى لو قال: أنا جائع يسمع منه ويطعم.
وأبو حنيفة فَصَّل فقال : والأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ تسعة : جنون
ونوم وإغماء ونسيان وخطأ وإكراه وجهل بأسباب الوجوب وحيض ورق .
٤٣٦

فالجنون رآه أبو حنيفة شبيها بالصبي في عدم العقل بالجنون من أصله ،
والصبي في كماله ، وألحقه به من وجه دون وجه ، والصبا يمنع وجوب حقوق الله
كلها ماليّها وبدنيّها ، وعندنا لا يمنع وجوب الحقوق المالية .
والسفه لا يؤثر في العبادات إجماعا وفي الطلاق والإقرار بالدم، ويؤثر في
التصرفات عند الشافعي خلافا لأبي حنيفة .
والنوم والإغماء يمنعان استكمال العقل ، فلم نعتبر النوم لشيء من الأعذار
المسقطة للعبادة ، وفي العبادة كلام .
والسكر وإن شابه الإغماء في الصورة ولكنه لما كان مقصودا للعقلاء صار
السكران كالصاحي وما يقتضي النسيان والإكراه والرق عذر يستقصى في الفقه .
والكفر ليس مسقطا للخطاب عندنا ولكن الشرع رخص مع وجود سبب
الوجوب بإسقاط القضاء بعد الإسلام ورخص بإسقاط ضمان المتلفات ، ورخص
تصحيح أنكحتهم ومعاملتهم كثيرا مما يخالف وضع الشرع ترغيباً لهم في الإسلام.
وكل ذلك مستقصى في الفقه . فهذا مجموع الأعذار المسقطة مع وجود السبب
الموجب إلا أن الشرع رجح سببا على سبب من غير أن يظهر عند تفاوت مراتب
الأدلة في بعضها .
[الصبا]
واعلم أن الصبا ، إنما ينتصب عذرا في العبادات التي تقرر وجوبها بالشرع ،
ومن قال : إن وجوب الإسلام بالعقل فلا يتصور أن يقدر الصِّبا عذرا أصلا ،
ويقول : يجب على الله أن يعاقبه / وهو قول باطل، وبنى عليه الحنفية صحة ٥٤/ب
إسلامه على معنى تعلق الأحكام به لترتبها على الإسلام المرفوع، وأبطله
الشافعي ، لأنه لم يظهر انطواء ضميره ، أو يقول : لا يحتمل الإسلام إلا فرضا،
ولا يمكن تقديره فرضا فخرج لذلك عن كونه مشروعا(١).
(١) إلى هنا تمت المقدمات ولقد أوسع ووضح حتى ظهر ما بين الأصوليين من الخلاف . وبهذه المقدمة
عند التأمل تتضح مقدمات جمع الجوامع . اهـ. ناسخ نسخة دار الكتب المصرية .
٤٣٧

مباحث الكتَّابْ