Indexed OCR Text
Pages 381-400
واستخبارا، فإذا ثبت هذا الأصل فقد ثبت أنه آمر للمعدوم، لأن كلامه في الأزل اتصف بكونه أمرا ونهيا، ونحن معدومون إذ ذاك لا محالة . وأما المعتزلة فصاروا إلى أن كلامه مخلوق حادث بخلقه إذا أمر أو نهى وهو عبارة عن الأصوات والحروف فلا أمر ولا نهي قبل المأمور. ونقل عن القلانسي من أصحابنا أنه قال: الباري تعالى متكلم بكلام قديم أزلي قائم بذاته أزلا وأبدا إلا أن كلامه لا يتصف بالأمر والنهي والخبر والاستخبار إلا إذا أمر ونهى ودخل المكلفون وحدث المخاطبون، وهو قول باطل . وقال المازري: من هذه المسألة قالت المعتزلة بخلق القرآن، لأنهم أحالوا وجود أمر ولا مأمور، ولم يكن مع اللّه أحد في الأزل حتى يأمره وينهاه فيستحيل حصول الأمر لاستحالة الكلام . ودهش لهذا بعض المتقدمين من أئمتنا القلانسي وغيره حتى ركب مركبا صعبا فأنكر كون كلام الله في الأزل أمراً ونهيا ووعدا ووعيدا، فخلص بهذا من إلزامهم، لأنه إذا نفى الأمر في الأزل لم تجد المعتزلة سبيلا إلى الطعن على مذهبه في قدم القرآن، لكنه استبعد أمرا وَفَرّ منه، فوقع في آخر أبعد منه، لأنه أثبت كلام الله سبحانه قديما في الإزل على غير حقائق الكلام من كونه أمرا ونهيا. وإثبات كلام ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار إلى غير ذلك من أقسام الكلام غير معقول، فكأن مثبته لم يثبت كلاماً، وإنما أثبت صفة أخرى غير الكلام. فالحاصل : صعوبة هذه المسألة، فإنه إما أن ينشأ عنها نفي قدم الكلام كالمعتزلة وإما إثبات / قدم الكلام، وفيه إثبات قدم الخلائق المأمورين أو إثبات أمر ولا ١/٤٧ مأمور، وإما إثبات كلام قديم عارَضَ حقائق الكلام، فأما شيخ المذهب الأشعري فلم يستبعد إثبات أمر في الأزل ولا مأمور لأنا نجد من أنفسنا أمر الغائب ، وإنما يتوجه عند حضوره. وأجاب إمام الحرمين بأن الذي نجده من أنفسنا تقدير أمر إذا حضر لا نفس الأمر الحقيقي، وكلام اللّه وأوامره لا يصلح فيها التقدير. ٣٨١ واستدل شيخنا بأن الفعل المعدوم يأمر به. تقول: زرني غدا، وبأن الخلق إلى يومنا لم يزالوا مأمورين بأمر النبي ﴾. ثم قال المازري: والحق في هذه المسألة إنما يصفو بعد تصور أحكام التعلقات ومتعلقاتها، وصرف التعيين إلى المتعلقات لا المتعلق، وهو من الغوامض. وأهل الحق أثبتوا هذه التعلقات أزلية، لأن نفيها عن الباري سبحانه في الأزل محال . وقال المقترح في ((تعليقه على البرهان)): التقدير ههنا ليس عائدا إلى الباري سبحانه فإن التقدير حادث ويستحيل قيام الحادث بذاته تعالى، وإنما هو عائد إلى المكلف بمعنى أنه يقدر في نفسه احتمال وجود هذا المعدوم، واحتمال أن لا يوجد، فعلى تقدير وجوده يكون مأمورا. قال: وإن صدقنا وحققنا قلنا: الأمر لم يتعلق بالمعدوم وإنما يتعلق بالموجود المتوقع كما أن العلم الأزلي يتعلق بالموجود الذي سيكون، كذلك المطلوب الأزلي متعلق بالتكليف الذي سيكون، فالأمر إذن يتعلق بالموجود، أو يتعلق الطلب بالموجود لا بالمعدوم، فإن نفي التنجيز يشعر بذلك. تنبيهان [التنبيه] الاول هذا الخلاف في أن المأمور متى يصير مأمورا؟ هل من الأزل وإن كان معدوما أو يتوقف على وجوده وشروط أخرى؟ وإن كان أنشأ الأمر متقدما يضاهيه البحث في الطلاق المعلق. الحنفية يقولون: بالتعليق ينعقد سببه، وعند الصفة تعذر إنشاؤه ويجعل كالنازل ذلك الوقت، وغيرهم من الشافعية والمالكية يقولون: إن التعليق المتقدم هو العلة فيؤثر عند وجود الصفة. هذا هو الصحيح. ويتخرج عليها أن الطبقة الثانية من الموقوف عليهم يحتمل أن يقال: هو كذلك ٣٨٢ موقوف عليهم الآن، وإنما يتأخر مصرفه، ويحتمل أن يقال: إنما يصير موقوفا عليه إذا انقرض من قبله ولعل خلاف الحنفية لا يأتي في ذلك. وإذا قلنا: إنه موقوف عليهم في حياة الطبقة الأولى فهل نقول: إنه من أهل الوقف؟ ويحتمل أن لا يقال به، وهو الأظهر، لأن أهل الشيء هو المستقر في استحقاقه. ألا ترى إلى قول النبي وَل (فأما أهل النار الذين هم أهلها)؟ فكذلك يقول: إن من شرط اسم الوقف الاستحقاق. [التنبيه] البثاني ليس بين هذه المسألة وبين مسألة ((لا حكم للأشياء قبل الشرع)) تناقض، كما قد يظن، فإنه إن فسر لا حكم بعدم العلم فظاهر وإن فسر بعدم الحكم، فكذلك، لأنا نقول: دال الحكم في الأزل وتعلقه بالمكلف موقوف على وجود بعثة الرسل عليهم السلام فمعنى لا حكم للأشياء قبل الشرع: أي لا تعلق للأمر فلا تناقض . مسألة [لا يشترط في المكلف الحرية] ولا يشترط في المكلف الحرية بل يدخل العبيد في الخطاب العام نحو ﴿يا أيها الناس﴾ [سورة البقرة / ٢١] ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ [سورة البقرة / ١٨٣] وهو كالحر إلا أن يقوم دليل على تخصيص الخطاب بالأحرار هذا هو الصحيح، وستأتي المسألة في العموم إن شاء الله تعالى. وحكم من فيه جزء من الرق حكم الرقيق. قاله القاضي أبو المعالي عزیري بن عبد الملك في کتاب «بیان البرهان» وقلّ من صرح به ٣٨٣ من الأصوليين. قال في ((الإرشاد)): وما يشترط فيه المال لا يدخلون فيه لعدم الملك. مسألة [دخول الذكور والاناث في الخطاب] لا يشترط الذكورية بل الخطاب يشمل الذكور والإناث. قال القاضي: ويتبع في ذلك وضع اللغة، فإن وردت لفظة تخص الرجال خصصنا بهم فإن وضعت شركة حملناها على الاشتراك وسيأتي في العموم، ويتناول الخنثى، لأنه لا يخرج في نفس الأمر عنهما، ولم يتعرض له الأصوليون. مسألَةً [تكليف الجن] ولا يشترط في التكليف الأنسية بل الجن مكلفون في الجملة، وقد وقع نزاع بين المتأخرين في أن الجن مكلفون بفروع الدين فقال بعض محققيهم: إنهم مكلفون بها في الجملة لكن لا على حد تكليف الإنس بها، لأنهم يخالفون الإنس بالحد والحقيقة، فبالضرورة يخالفونهم في بعض التكاليف. مثاله: أن الجن قد أعطى بعضهم قوة الطيران في الهواء فهو مخاطب بقصد البيت الحرام للحج طائراً ، والإنسان لعدم تلك القوة لا يخاطب بذلك. هذا في طرف زيادة تكليفهم على تكليف الإنس، فكل تكليف يتعلق بخصوص طبيعة الإنس ينتفي في حق الجن، لعدم تلك الخصوصية فيهم. والدليل على تكليف الجن بالفروع الإجماع على أن النبي وله أرسل بالقرآن إلى الإنس والجن، وجميع أوامره ونواهيه يتوجه إلى الجنسين، وقد تضمن ذلك أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك - كفار الجن . ٣٨٤ الركن الرابع [المكلف به] وَله شروط [شروط المكلف به] أحدها : أن يكون معدوما من حيث هو يمكن حدوثه، إذ إيجاد الموجود تحصيل الحاصل، وليس المراد العدم الأصلي، إذ يستحيل أن يكون أثراً للقدرة . ثانيها : أن يكون حاصلا بكسب المكلف، فلا يصح أمر زيد بكتابة عمرو، ولا يعترض على هذا بإلزام العاقلة دية خطأ وليّها، لأن ذلك من باب ربط الحكم بالسبب . ثالثها : أن يكون معلوماً والمخالف فيه أبو العباس بن سريج. قال الرافعي في أول كتاب الفرائض: ذهب ابن سريج إلى أنه كان يجب على المحتضر أن يوصي لكل أحد من الورثة بما في علم الله تعالى من الفرائض، وكان من يوفق لذلك مصيباً ومن تعداه مخطئا. قال الإمام: وهذا زلل لا يجوز مثله في الشرائع، فإنه تكليف على عمائه. رابعها : أن يكون بالفعل، والمكلف به في النهي الكفّ، والكفّ فعل الإنسان داخل تحت كسبه يؤجر عليه ويعاقب على تركه، وقال بعضهم: الترك نفي محض لا يدخل تحت التكليف ولا الكسب، وهو ضعيف، وفي الحديث الصحيح: (تکفُّ شرِّك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك) نعم. لا يحصل الثواب على الكفّ إلا مع النية والقصد دون الغفلة والذهول. خامسها : أن يكون مقدورا له على خلاف في هذا الشرط، وهذه مسألة تكليف ما لا يطاق، وبعضهم ترجمها بالتكليف بالمحال، ولا بد من تحقيقها. فنقول : اعلم أن المعدوم إما ممكن أو واجب أو ممتنع، فالممكن ما استوت نسبته إلى الوجود والعد فيحتاج في وجوده إلى مرجح ومخصص، والواجب ما ترجح وجوده ٣٨٥ ٤٧/ب على عدمه، والممتنع ما ترجع / عدمه على وجوده، ثم كل واحد من الواجب والممتنع إما إن یکون وجوبه أو امتناعه لذاته أو لغيره، فالواجب لا لذاته ما توقف وجوده على سبب خارج عن ذاته كسائر الموجودات حال وجودها، والممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين، والممتنع لغيره كتعلق العلم القديم أن فلانا يموت كافراً وهو المثال المشهور في هذا الباب. فإذن المحال ضربان: محال لذاته ومحال لغيره، والخلاف موجود فیھما . ويطلقه الأصوليون والمتكلمون على أربعة معان: أحدها: ما لا يعقل على حال، وهو المستحيل لذاته كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإعدام القديم، وإيجاد الموجود. الثاني : على مالا يدخل تحت مقدور البشر، وإن كان ممكنا في نفسه كخلق الجواهر والأعراض، فإنه لا يدخل تحت القدرة الحادثة وإلا لما أدركوا من أنفسهم عجزا عنه . الثالث: ما لا يقدر العباد عليه في العادة وإن كان من جنس مقدورهم، كالطيران في الهواء، والمشي على الماء . الرابع: على جنس المقدور في العادة، ولكن لم يخلق الله للعبد قدرة عليه، ومن هذا جميع الطاعات التي لم تقع، والمعاصي الواقعة، فإن الله تعالى لم يقدر العاصي على ترك المعصية، ولا الممتنع من الطاعة على فعلها. ومنهم من زاد قسما آخر، وهو تكليف القاعد القيام والقائم القعود بناء على أن القدرة مع الفعل، وهذا راجع إلى عدم القدرة . إذا علمت هذا فالنظر في شيئين أحدهما: الجواز العقلي، والثاني: الوقوع. [جواز تكليف المحال] أما الجواز ففيه مذاهب: أحدها: وهو مذهب الجمهور جوازه مطلقا، قال ابن برهان : وهو قول المتقدمين من أصحابنا كالقاضي أبي بكر والشيخ أبي الحسن الأشعري . ٣٨٦ وقال إمام الحرمين في ((الشامل)) الذي مال إليه أكثر أجوبة شيخنا وارتضاه المحصلون من أصحابه أن تكليف المحال جائز عقلا، وكذلك تكليف الشيء مع تقدير المنع منه استمراراً ، وفي بعض أجوبته لا يسوغ تكليف المحال كجمع الضدين والإقدام على المأمور به مع استمرار المانع منه، ومع تحقق العجز ثم لم يصر في منعه إلى التقبيح الذي ادعته المعتزلة، فإن هذا الأصل باطل عندنا. وقال في ((الإرشاد)): من صور تكليف ما لا يطاق اجتماع الضدين، وإيقاع ما يخرج عن قبيل المقدورات. والصحيح عندنا: أنه جائز عقلا غیر مستحيل. اهـ. وقد نص الشيخ أبو الحسن في كتاب ((الوجيز)) على الجواز، فإنه استدل على القائلين باستحالته بقوله تعالى ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [سورة البقرة / ٢٨٦] فقال : ولو كان ذلك محالا لما استقام الابتهال إلى الله بدفعه . اهـ. يعني لولا جوازه لما اسعادوا منه، إذ الاستعاذة من محال محال، والخصم يتأوله على ما فيه كلفة ومشقة، ثم هي معارضة بقوله تعالى في صدر الآية: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [سورة البقرة / ٢٨٦]. وحاول بعض المتأخرين نفي هذا المذهب عن الشيخ أبي الحسن، وزعم أن الذي جوزه ورود صيغة مضاهية لصيغة الأمر، والغرض منها تعجيز وتبيين حلول العقاب الذي لا محيص عنه، وليس المراد طلبا واقتضاء، ومثل بقوله تعالى: حتى يَلِجَ الْجَمَلُ في سمُّ الْخِيَاطِ﴾ [سورة الأعراف / ٤٠] فإن ظاهره تعليق الخلاص من العقاب بانسلاك الجمل في سم الخياط، وليس هو على الحقيقة تعليقا، وإنما هو إبداء اليأس من النجاة. ويدلك على ذلك صدر الآية ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [سورة البقرة / ٢٨٦] وهذا ما حكاه إمام الحرمين في ((الشامل)) عن والده الشيخ أبي محمد الجويني وارتضاه صاحب ((المحصول)) حيث قال في بعض الأجوبة في هذه المسألة : المراد بقولنا: التكليف بالمحال جائز أنه يجوز من الله تعالى الأمر بالمحال لذاته لا بمعنى أنه يتصور الطاعة منا في ذلك ، بل بمعنى أنه يجوز من الله تعالى أن يأمر بأمر نعجز عنه قطعا، وأنه متى أمرنا به حصل الإعلام بنزول العقاب ، لكن إمام الحرمين لما حكاه عن والده قال: وفيه نظر، وذلك لم يصح عقلا تسمية ٣٨٧ الطلب من المحال لزم مثله وتكليف من لا قدرة له على الفعل وإن ساغ تسمية ذلك طلبا ساغ في تكليف المحال. ويعتضد ذلك بأصل عظيم من أصولنا، وهو أن التكليف الصادر ليس من شرط ثبوته كون المكلف مريداً لوقوع المكلف به، وإنما يستحيل إرادة وقوع المحال، وأما طلبه مع انتفاء إرادة امتناعه فلا استحالة فيه. والثاني: المنع مطلقا، وهو المنقول عن المعتزلة ، قال ابن برهان في ((الأوسط)) وساعدهم أبو حامد الغزالي. قلت: والشيخ أبو حامد الأسفرايني وإمام الحرمين وابن القشيري، ونقله في ((المرشد)) عن كثير من أئمتنا ومن الأقدمين أبو بكر الصيرفي في كتاب ((الدلائل والاعلام)) وهو ظاهر نص الشافهي رضي الله عنه في ((الأم)) فإنه قال: يحتمل أن يكون قول النبي وله: (فأتوا منه ما استطعتم) أن عليكم إتيان الأمر فيما استطعتم، لأن الناس إنما كلفوا فيما استطاعوا من الفعل استطاعة شيء، لأنه شيء مكلف. وأما النهي فالترك لكل ما أراد تركه منقطع، لأنه ليس بتكليف شيء يحدث إنما هو شيء متكلف عنه. اهـ لفظه. قال ابن القشيري : وليس مأخذ المانعين من الأصحاب التقبيح العقلي كما صار إليه المعتزلة بل مأخذهم : أن الفعل والترك لا يصحان من العاجز فبطل تقدير الوجوب. وعلى هذا إنما كلف أبو لهب بأن يصدِّق بأنّ لا يصدِّق، بل كلف أن يصدِّق، ولو صدَّق لكان ممن لا يصدِّق، لقوله: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾ [سورة المسد / ٣] أي إن لم يؤمن، وخلاف المعلوم مقدور، فلا يمكن تكليف العاجز . والثالث: التفصيل بين أن يكون ممتنعا لذاته فلا يجوز، أو لغيره فيجوز، ونقل عن معتزلة بغداد واختاره الآمدي، ونقله عن ميل الغزالي. وقد رأيت في ((الإحياء)) له التصريح بالجواز، وقال خلافا للمعتزلة وحينئذ فقد وجد له الأقوال الثلاثة. ولذلك قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في ((شرح العنوان)) المختار امتناع التكليف بالمحال، والذي يمنعه المحال بنفسه، وإيمان أبي لهب يمكن في نفسه مستحيل لتعلق العلم بعدمه فلا يكون داخلا في حيز ما منعناه، هذا كلامه، ٣٨٨ وغلط من نقل عنه المنع مطلقا . وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه يجوز أن يرد التكليف بالمحال، فإن ورد لا نسميه تكليفا بل علامة نصبها اللّه على عذاب من كلفه بذلك . قال ابن برهان: والخلاف على هذا لفظي، وعلى قول المعتزلة معنوي، وقال في ((الوجيز)): إذا قلنا بالجواز فاختلفوا، فمنهم من منع تسميته تكليفا وإليه مال الأستاذ، والأكثرون من أصحابنا على تسميته تكليفا . [وقوع التكليف بالمحال] وأما الوقوع السمعي، فاختلفوا فيه، والجمهور على عدم وقوعه، وقيل: إن الأستاذ حكى فيه الإجماع. قال الإمام في ((الشامل)): وإليه صار الدهماء من الأئمة، وعليه جل الفقهاء قاطبة، وصار كثير / من المتكلمين إلى وقوعه. وفصل ٦/٤٨ بعضهم بين الممتنع لذاته كقلب الحقائق مع بقاء الحقيقة الأولى ، فيمتنع. وأما الممتنع لغيره فيجوز وهو ظاهر اختيار الإمام في ((الشامل)). وقيل: وقع في حق الكفار دون المسلمين، حكاه ابن القشيري عن القاضي أبي جعفر بن السمعاني . واضطرب الناقلون عن الأشعرية فمنهم من نقل عنه أنه واقع ، وهو ما نقله في الإرشاد، وأنه احتج للوقوع الشرعي بأن الله تعالى أمر أبا جهل أن يصدقه، ويؤمن به في جميع ما يخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فقد أمره بأن يصدقه بأنه لا يصدقه، وذلك جمع بين النقيضين اهـ. وكذلك نقله الآمدي في ((الإحكام)) ومنهم من نقل الوقف وهو ما ذكره في ((الشامل))، ومنهم من نقل عنه أنه لم يقع. قال إمام الحرمين وأتباعه كابن القشيري والغزالي وابن برهان: وهو غلط عليه بل التكاليف بأسرها عنده لغير الممكن لوجهين: أحدهما : أن فعل العبد لا يقع عنده إلا بقدرة الله تعالى ، فالعبد إذن مخاطب بما ليس إليه إيقاعه . ثم قال: ولا معنى للتمويه بالكسب، ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير تكليف ما لا يطاق . وثانيهما: أن الاستطاعة عنده مع الفعل والتكليف به يتوجه قبل وقوعه، وهو إذ ٣٨٩ ذاك غير مستطيع. ولا يخفى أن التكليف بالفعل حال عدم القدرة تكليف ما لا يطاق. ثم اعترض على هذا الوجه وقال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو متلبس به حال الخطاب . وأجاب بأنا لا نسلم بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولئن سلمناه لكن القدرة لم تقارن الفعل، وإن قارنت الضد . قال الصفي الهندي: وهما ضعيفان. أما الأول : فلأن الكلام إنما هو على رأي الشيخ لا على رأيه، وهو يرى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. وأما الثاني: فلأن فيه تسليم أن بعض التكاليف تكليف بالمحال لا كله وهو مقصود المسائل ونقيض مقصوده ، بل الجواب عنه أن ما هو متلبس به عند ورود الخطاب ليس ضدا له ، وهذا لأن ضده الوجودي المنهي عنه، وهو يستلزم التلبس به تركه في الزمان الذي أمر بإيقاع الفعل فيه، وهو في زمان ورود الخطاب لم يتلبس به، لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إن كان الأمر للفور. سلمنا أن ذلك ضده المنهي عنه لكنه حاصل عند ورود الخطاب، والأمر بترك الحاصل محال. اللهم إلا أن يقال: إنه مأمور بترك ما هو متلبس به في المستقبل، وذلك إنما يكون بإقدامه على المأمور به، وحينئذ يعود المحذور المذكور . ثم قال : واعلم أن الوجه الثاني غير لازم على الشيخ، لأن الاستطاعة وإن كانت مع الفعل لكن الأمر بالفعل ليس قبله عنده على ما أشعر به نقل الإمام، فإن صح هذا من مذهبه كان التكليف بما لا يطاق غير لازم عليه من هذا الوجه . وقال غيره: تكليفه قبل وقوع الفعل لا يدل على وقوع تكليف ما لا يطاق، لأن تلك الحالة يتمكن من إيجاد الفعل، والاستدلال على فساد سبقها الفعل، فإنها عرض، فلو بقيت لزم بقاء الأعراض، وهو ممنوع. ثم الشرع يدل على سبق الاستطاعة الفعل بأنا لا نحكم بها قبل الشروع في الفعل كما في الصلاة والحج وغيرهما . وقال المازري: لم يغلط القوم في نقل مذهب الرجل ، لأنهم أرادوا بقولهم : إن ٣٩٠ الأشعري أجاز تكليف ما لا يطاق أي : في الحال لا في الاستقبال وما يكون إيقاعه من قبيل المحال ، ولو قيد إطلاقه بهذا لم يتعقب عليهم نقلهم . واعلم أن أخذ مذهب الأشعري من ذلك ليس بلازم، لأن لازم المذهب ليس بمذهب على الصحيح، وكلام الأشعري مصرح بوقوع الممتنع لغيره والاضطراب في النقل عنه إنما هو في الممتنع لذاته . وقد صرح الشيخ في كتاب ((الإيجاز)) بأن تكليف العاجز الذي لا يقدر على شيء أصلا، وتكليف المحال الذي لا يقدر عليه المكلف صحيح وجائز. ثم قال: وقد وجد تكليف الله العباد بما هو محال لا يصح وجوده خلافا لبعض أصحابنا، ثم استدل بقضية أبي لهب وبإجماع الأمة على أن الكافر مكلف بالإيمان. واحتج غيره بالوقوع بقوله تعالى ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ [سورة النساء / ١٢٩] مع الإجماع على أن العدل بينهن واجب . ووجه الدليل أن الله تعالى نفى القدرة عن الاستطاعة، ومقتضى هذا الخبر الصادق أنه غير قادر على ذلك مع تكليفه بما لا قدرة له عليه، نقله الإمام في تفسيره . وقصارى ما تمسك به المجوزون ظواهر لا تفضي إلى القطع ، وليس الامتناع فيها من حيث العقل بل من حيث العلم . وقد ذهب قوم منهم الغزالي في ((المنخول)) إلى أن الممتنع لتعلق العلم بعدم وقوعه لا يسمى مستحيلا. لأنه في ذاته جائز الوقوع . فوائد الأولى [التكليف بمَا علم الله انه لايقع] نقل الآمدي وابن الحاجب الإجماع على صحة التكليف عقلا بما علم الله أنه لا يقع، وهو ممنوع، فإن ابن برهان قال: إن جماعة من أصحابنا صاروا إلى أن ذلك لا يسمى تكليفا ، فإن الله تعالى كلف الكفار بالإيمان، ولا قدرة لهم على الإيمان، ٣٩١ لأن القدرة عند أصحابنا مع الفعل، وأيضا فإن الخلاف السابق في التكليف بفعل مشروط علم الآمر انتفاء وقوعه يجري هنا كما صرح به أبو الحسين في ((المعتمد)). فقال: قال قاضي القضاة يعني عبد الجبار: لم يختلفوا في أنه لا يجوز أن يفرد الله سبحانه المكلف الواحد بالأمر بالفعل، وهو يعلم أنه يمتنع منه، قال: ولم يختلفوا في أنه لا يجوز أن يأمر من يعلم أنه يموت أو يعجز بشرط أن يبقى ويقدر. انتهى. وأيضا فقد حكى الأبياري وغيره خلافا في أن خلاف المعلوم هل هو مستحيل لذاته أو لغيره؟ فعلى الثاني يصح التكليف به، وعلى الأول يجيء فيه الخلاف المشهور في التكليف به . وقال المازري : من علم الله سبحانه أنه لا يؤمن فقد صار إيمانه كالممتنع إيقاعه، لأنه لو وقع لخالف علم الله تعالى ومخالفة علمه لا تصح، ولكن هذا الامتناع ليس راجعاً إلى عدم الإمكان من ناحية الفعل بل هو ممكن في نفسه، وعلم اللّه لا يُصيِّر الممكن غير ممكن، فبقي على إمكانه، وإن تعلق العلم به، ألا ترى أنه لا يصير الإيمان في حقهم كالمعجوز عنه المستحيل لأجل تعلق علم اللّه بأنه لا يقع ، لما تقرر في علم الكلام أن خلاف المعلوم مقدور على الصحيح من القولين . قلت : ويدل له قوله تعالى ﴿بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾ [سورة القيامة / ٤] فوصف نفسه بأنه قادر على ما علم أنه لا يكون، وكذا قوله ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ [سورة يس / ٨١] لأن القدرة عند أصحابنا مع الفعل . الثانيَة [كيف يطلب الله من عباده ما يخالف علمه؟] استشكل الشيخ عز الدين توجيه الجواز ، فقال: إذا علم الله أن بعض الخلق أو أكثرهم لا يطيعون ولا يمتثلون فكيف يطلب منهم ما يخالف علمه؟ فعلى هذا ٣٩٢ فقد كلفهم بما لا يطيقون، لأن ما علم أنه لا يكون فواجب / لازم أن لا يكون، ٤٨/ب وما علم أنه يكون فواجب أن يكون. وأجاب: بأن أحسن ما قيل فيه أن توجيه الخطاب إلى الأشقياء الذين لا يمتثلون ما أمروا به، ولا يجتنبون ما نهوا عنه ليس طلبا على الحقيقة، وإنما هو علامة وضعت على شقاوتهم، وأمارة نصبت على تعذيبهم، إذ لا يبعد في كلام العرب أن يعبر بصيغة الأمر والنهي عن الخبر . قلت : وهذه المقالة حكاها إمام الحرمين عن والده وزَيِّفُها، وابن برهان عن الأستاذ كما سبق، واستأنس لها ابن عطية بتكليف المصور يوم القيامة أن يعقد شعيرة .. الحديث . الثالثة [استحالة ورود الأمر بالكفر] قال الإمام في ((الرسالة النظامية)) يستحيل ورود الأمر بالكفر بالله تعالى ، وكيف يتصور مع العلم بالله الأمر بالجهل به؟ فهو من قبيل جمع الضدين . الرابعة [التكليف بالممكن المشروط بشرط مستحيل] اختلفوا في أنه هل يجوز أن يكون التكليف بالممكن مشروط بشرط مستحيل أم لا؟ . أما القائلون بعدم جواز تكليف ما لا يطاق فاتفقوا على المنع ههنا ، وأما المجوزون فاختلفوا فمنهم من جوزه كما يجوز تعلق الأمر بنفس المستحيل ، ومنهم من منعه لتهافت الصيغة ، وأنه إذا قيل : إن تحرك زيد في حال سكونه فقم، فإنه يؤول إلى أن ذلك لا يكون، فلا يقم فسلب من صيغة الأمر معنى الاقتضاء . ٣٩٣ الخامسَة [تأقيت العبادة بوَقت لا يَسَعها] لا يجوز تأقيت العبادة بوقت لا يسعها إن منعنا تكليف المستحيل، وأما قول الفقهاء من أدرك من أصحاب الضرورات قدر ركعة من آخر وقت العصر لزمته ، فلم يريدوا به وجوب الأداء بل القضاء. قاله الإمام في التلخيص . السَادسة [الفَرق بين تكليف المحَال والتكليف بالمحال] فرق بين تكليف المحال والتكليف بالمحال، فتكليف المحال : أن يرجع الخلل إلى المأمور به ، وهو موضع الخلاف، وأما التكليف بالمحال فهو أن يرجع الخلل إلى المأمور نفسه ، كتكليف الميت والجماد والبهائم فلا يصح التكليف بالإجماع قاله القاضي أبو بكر وإمام الحرمين في ((التلخيص)) عند الكلام على ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب . السَابعَة تكرر في كلامهم في هذه المسألة التمسك بقضية أبي لهب وأبي جهل. وقال المازري إنما خص الأصوليون ذكر أبي لهب بذلك مع أن سائر الكفار ممن لم يؤمن كذلك، لأنه اجتمع فيه أمران، علم الله أنه لا يؤمن وخبره بذلك، فلهذا أكثر استدلالهم بذلك . وأما غيره من الكفار كأبي جهل وغيره ممن علم اللّه أنه لا يؤمن، فقد صار إيمانه كالممتنع إيقاعه ، لأنه لو وقع لخالف علم اللّه تعالى. وناقش القرافي في التمثيل بأبي لهب، وقال إنما يتوهم أن اللّه أخبر بعدم إيمانه من قوله تعالى ٣٩٤ ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ [سورة المسد / ١] ولا دليل فيه، لأن التب هو الخسران، وقد يخسر الإنسان، ويدخل النار وهو مؤمن لمعاصيه، وأما قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [سورة البقرة / ٦] فمخصوصة . ولذلك أنكر ابن المنير في تفسيره صحتها وقال : هذا لا يثبت ولا يوجد في الكتاب العزيز، ولا في الخبر أن الله تعالى أخبر أن أبا جهل لا يؤمن وكلفه بالإيمان بأن لا يؤمن ، وقال : إنما ينبغي التمثيل بقضية ثعلبة فإنه عاهد اللّه إن وسع عليه ليتصدق، فلما أعطاه الله وجاءه مُصَدِّق رسوله وَل يطلب منه الزكاة امتنع، وقال: (ما هذه إلا والجزية سواء)، فرجع المصدق إلى رسول الله واله وأخبره ، فأنزل الله ﴿ومنهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصدقن ولتكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ [سورة التوبة / ٧٥ - ٧٧] . قال : فهذا الذي نبغي أن يمثل بها التكليف، بخلاف المعلوم مع انكشاف العاقبة لثبوتها في الكتاب العزيز. قال: وقد علمت اختلاف الأصوليين هل يستمر التكليف مع كشف العاقبة نظرا إلى أن الإيمان من جنس الممكن أو لا يستمر نظرا إلى ما يخلص من الجمع بين الضدین؟ أو نقول ، كما قال الإمام : إن الله كلف هؤلاء بالإيمان على الإطلاق ولم يكلفهم الإيمان بعدم الإيمان ، وهو مخلص ضعيف، فإنه إذا كلفهم على العموم أن يصدقوا بكل خبر، ومن جملة هذا العموم الخبر بأنهم لا يصدقون عاد الإشكال . والتحقيق: التزام رفع التكليف عن هؤلاء ويقدر أحدهم عند إخبار الله عنه بأن لا يؤمن أبدا في عدد الأموات الذين يئس منهم، وانقطع التكليف في حقهم نقمة. عليهم لا رحمة بهم. اهـ. وهو قول عجيب، وأقرب منه ما سبق عن الأستاذ والجويني وابن عبد السلام. وقوله: إنها نزلت في ثعلبة قد أنكره ابن عبد البر، فقال في كتابه ((المغازي)): وقد عد ثعلبة بن حاطب فيمن شهد بدراً قال: ويعارضه قوله تعالى ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم﴾ ٣٩٥ الآية، ثم قال: ولعل قول من قال في ثعلبة: إنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحیح(١). مسألة [ثبوت الوجوب في الذمَة لا يشترط فيه الامكان] سبق في الكلام على الوجوب أن الوجوب المتوقف على الإمكان هو وجوب الأداء أما ثبوت الوجوب في الذمة فلا يشترط فيه الإمكان بل يبنى على السبب، فإذا وجد سببه ثبت حكمه، وترجم بعضهم هنا التمكن من الفعل هل هو شرط في إلزام الأمر؟ قال ابن العربي في ((المحصول)): ذهب أحمد بن حنبل إلى أن المأمور به ثبت في ذمة المكلف قبل التمكن من الفعل ، وقد فاوضت في ذلك علماءه، فقال لي شيخا مذهبه في ذلك الوقت أبو الوفا بن عقيل وأبو سعيد البرجاني : إن المسألة صحيحة في مذهبنا في إلزام المغمى عليه قضاء ما فاته من الصلاة في حال إغمائه . قال : وهذا كله في الأمر، أما النهي فإن كان عن ترك ، فكذلك يشترط التمكن ، وإن كان عن فعل لم يكن لاشتراط التمكن معنى ، لأن الترك لا يفتقر إلى التمكن. وإلى هذا المعنى أشار النبي وَله بقوله: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاحذروه) فشرط الاستطاعة في الأمر ، وأطلق القول في النهي تنبيها على هذا المعنى . (١) اتفقوا على أن من شهد بدراً هو ثعلبة بن حاطب، وأما من نزلت فيه الآية فهو ثعلبة بن أبي حاطب . انظر الإصابة ١ / ١٩٨ . ٣٩٦ مسألة [خطاب الكفار بفروع الشريعَة] سبق أن حصول الشرط العقلي من التمكن والفهم ونحوهما شرط في صحة التكليف أما حصول الشرط الشرعي فلا يشترط في صحة التكليف بالمشروط خلافاً لأصحاب الرأي ، وهي مفروضة في تكليف الكفار بالفروع ، وإن كانت أعم منه . ومنهم من عبر عنها بأنه هل يشترط التكليف في الإمكان في الجملة وهو قولنا ، أو الإمكان ناجزا وهو قول الحنفية؟ ثم اعلم أن المأمور به إما أن يكون مرتبا على ما قبله أولا ، فإن كان غير مرتب وهي أصول الشريعة فهم مكلفون بها إجماعا ، ويلتحق بذلك كما قاله القاضي تصديق الرسل وعدم تكذيبهم، والكف عن قتلهم وقتالهم اهـ . مع أن الكف عن قتالهم من الفروع . وحكى المازري عن قوم من المبتدعة أن الكفار غير مخاطبين بهذه المعارف . قال : واختلفوا فمنهم من رآها ضرورية، فلهذا لم /يؤمروا بها ، ومنهم من رآها ١/٤٩ كسبية ، ولكنه منع الخطاب لما يذكر في غير هذا الفن. اهـ . وتردد بعض المتأخرين في كلمتي الشهادة هل هي من الفروع؟ حتى لا يكلفوا بها على قول، لأن الإيمان هو التصديق والشهادة شرط لصحته، وفيه نظر . ومقدمات الإيمان، كالنظر هل هي ملحقة بالإيمان حتى تكون واجبة عليه أو يأتي فيه الخلاف في مقدمة الواجب؟ فيه نظر، وإن كان مرتبا على ما قبله، وهي فروع الشريعة، فالكلام في الجواز والوقوع. [جواز خطاب الكفار بالفروع عقلاً] أما الجواز عقلا فمحل وفاق كما قاله إلكيا الطبري ، ومراده وفاق أصحابنا، وإلا فقد نقل عن ابن برهان في ((الأوسط)) عن عبد الجبار وغيره أنه لا يجوز أن ٣٩٧ يخاطبوا عقلا بالفروع، وحكاه صاحب ((كفاية الفحول في علم الأصول)) من الحنفية فقال: أجازه عقلا قوم ومنعه آخرون. [جواز خطاب الكفار بالفروع شرعاً] وأما شرعاً ففيه مذاهب: أحدها : أنهم مخاطبون بها مطلقا في الأوامر والنواهي بشرط تقدم الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر﴾ [سورة المدثر / ٤٢] الآيات ، ولأنه تعالى ذم قوم شعيب بالكفر ونقص المكيال ، وقوم لوط بالكفر وإتيان الذكور، وذم عاداً قوم هود بالكفر وشدة البطش بقوله تعالى: ﴿وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ [سورة الشعراء/ ١٣٠] ونص عليه الشافعي في مواضع: منها: تحريم ثمن الخمر عليهم، وقال في ((الأم)) في باب حج الصبي يبلغ، والمملوك يعتق، والذمي يسلم، فيما إذا أهل كافر بحج، ثم جامع، ثم أسلم قبل عرفة فجدد إحراما وأراق دما لترك الميقات أجزأته عن حجة الإسلام، لأنه لا يكون مفسدا في حال الشرك، لأن كان غير محرم . قال: فإن قال قائل : فإذا زعمت أنه كان في إحرامه غير محرم، أفكان الفرض عنه موضوعا؟ قيل: لا بل كان عليه وعلى كل واحد أن يؤمن بالله عز وجل ورسوله، ويؤدي الفرائض التي أنزلها الله تبارك وتعالى على نبيه، غير أن السنة تدل ، وما لم أعلم [المسلمين](١) اختلفوا فيه أن كل كافر أسلم انتنف الفرائض من يوم أسلم ، ولم يؤمر بإعادة ما فرط فيه في الشرك منها، وأن الاسلام يهدم ما قبله إذا أسلم ثم استقام . هذا لفظه . وهو قول أكثر أصحابنا كما حكاه القاضيان الطبري والماوردي وسليم الرازي في ((التقريب)) والشيخ أبو إسحاق والحليمي. وقال في ((المنهاج)): إنه مفرع على قولنا: إن الطاعات من الإيمان. قال : وقد ورد في الحديث: أن رجلا قال: يا رسول الله أيؤاخذ الله أحداً بما عمل في الجاهلية؟ (١) الزيادة من الأم ٢ / ١٣١ ط دار المعرفة. ٣٩٨ قال: (من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر) . قال: وهذا يدل على المؤاخذة بالنواهي إذا لم يحسن في الإسلام، لانتفاء ما يحبطها بخلاف من أسلم وأحسن فإن إسلامه يحبط كفره، وحسناته تحبط سيئاته ومجرد الإسلام لا ينافي المعاصي لجواز صدورها من المسلم فلا يكون محبطا لها. اهـ. وقال القاضي عبد الوهاب وأبو الوليد الباجي : إنه ظاهر مذهب مالك وكذلك نقلوه عن أحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه ، وهو محكي عن الكرخي والجصاص من الحنفية أيضا،، وقال أبو زيد الدبوسي: إنه قول أهل الكلام ، ومذهب عامة مشائخ أهل العراق من الحنفية، لأن الكفر رأس المعاصي فلا يستفيد به سقوط الخطاب . والقول الثاني: أنهم غير مكلفين بالفروع وهو قول جمهور الحنفية، وبه قال عبد الجبار من المعتزلة والشيخ أبو حامد الأسفريني من أصحابنا كما رأيته في كتابه. عبارته: إنه هو الصحیح عندي، ووقع في ((المنتخب» نسبته لأبي إسحاق الأسفرایني، وهو غلط، فإن أبا إسحاق یقول بتکلیفهم کما نقله الرافعي عنه في أول كتاب الجراح، وهو كذلك موجود في كتابه في الأصول: ظاهر كلام الشافعي يدل عليه، قال: والصحيح من مذهبه: ما بدأنا به. اهـ. وقال الأبياري: إنه ظاهر مذهب مالك . قلت : اختاره ابن خويز منداد المالكي ، وقال في كتابه المسمى ((بالجامع)) إنه الذي يأتي عليه مسائل مالك أنه لا ينفذ طلاقهم، ولا أيمانهم ولا يجرى عليهم حكم من الأحكام. وزاد حتى قال: إنهم إنما يقطعون في السرقة، ويقتلون في الحرابة من باب الدفع، فهو تعزير لا حد، لأن الحدود كفارات لأهلها وليست هذه كفارات. وزاد، فقال: إن المحدث غير مخاطب بالصلاة إلا بعد فعل الطهارة، واستدل على ذلك من كلام مالك رضي الله عنه بقوله في الحائض : إنها تنتظر ما بقي من الوقت بعد غسلها وفراغها من الأمر اللازم . ٣٩٩ وقال أبو زيد الدبوسي: ليس عن أصحابنا المتقدمين في هذه المسألة نص، وإنما تؤخذ من فروعهم، وقد ذكر محمد بن الحسن أن من نذر الصوم، ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه قضاؤه ، لأن الشرك أبطل كل عبادة، وإنما أراد وجوبها، لأنه لم يؤده بعد . قال: ولم أر لهذا المذهب حجة يعتمد عليها، وقد تفكرت في ذلك فلم أجد إلا أن الكافر ليس بأهل للعبادة، لأنه لا يثاب كما لم يجعل العبد أهلا لملك المال فلما لم يكن من أهل الملك لم يكن من أهل الخطاب . وقال العالم من الحنفية: لم ينقل عن ثقة من أصحابنا نص في المسألة، لكن المتأخرين منهم خرجوا على تفريعاتهم، فإن محمدا قال: إن الكافر إذا دخل مكة فأسلم وأحرم لم يكن عليه دم لترك الميقات، لأنه لم يكن عليه ، ولو كان للكافر عبد مسلم لا تجب عليه صدقة فطره ، ويحل للمسلم وطء زوجته النصرانية إذا خرجت من الحيض لعادتها دون العشرة قبل أن تغتسل ، ويمضي عليها وقت صلاة، لأنه ليس عليهم . وقال السَّرْخَسي ، لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات في الدنيا والآخرة، وأما في العبادات بالنسبة إلى الآخرة كذلك . أما في حق وجوب الأداء في الدنيا فهو موضع الخلاف، فذهب العراقيون من مشائخنا إلى أنهم مكلفون، لأنه لو لم تجب لم يؤاخذوا على تركها. قال: وهذه المسألة لم ينص عليها أصحابنا، لكن بعض المتأخرين استدلوا من مسائلهم على هذا، وعلى الخلاف بينهم وبين الشافعي ، فإن المرتد إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات الردة خلافا للشافعي فدل على أن المرتد غير مخاطب بالصلاة عندنا، ثم ضعف الاستدلال. قال : ومنهم من جعل هذه المسألة فرعا لأصل معروف بيننا وبينهم : أن الشرائع عنده من نفس الإيمان ، وهم مخاطبون بالإيمان، فيخاطبون بالشرائع، وعندنا ليست من نفس الإيمان فلا يخاطبون بأدائها ما لم يؤمنوا، وهذا ضعيف، فإنهم مخاطبون بالعقوبات والمعاملات وليس ذلك من الإيمان . قال ابن القشيري: والقائلون بأنهم غير مخاطبين انقسموا فمنهم من صار إلى ٤٠٠