Indexed OCR Text
Pages 301-320
السَّمْعاني وسليم الرَّازي في ((التقريب)) وأبو الوليد الباجي وغيرهم ، وفيه نظر فإن شمس الأئمة السَّرْخَسي من الحنفية إنما حكى ذلك عن أبي بكر الرازي ، ثم قال : والصحيح عندي : أن مطلق الأمر كما يثبت صفة / الجواز والحسن شرعا ١/٢٧ يثبت انتفاء صفة الكراهة . وقال المازري: إختار ابن خُوَيز مَنْداد كونه لا يتناول المكروه ، وأشار إلى أنه مذهب مالك . وقال : وهو كمسألة الخلاف المشهور في تضمن الوجوب للجواز حتى إذا نسخ هل يبقى الجواز؟ قلت : فيقال هنا : إذا نسخ الأمر هل يبقى المكروه أم لا؟ يأتي فيه الخلاف السابق . -- ٣٠١ فصل في خلاف الأولى هذا النوع أهمله الأصوليون وإنما ذكره الفقهاء وهو واسطة بين الكراهة والإباحة ، واختلفوا في أشياء كثيرة هل هو مكروه ، أو خلاف الأولى؟ كالنفض والتنشيف في الوضوء وغيرهما . قال إمام الحرمين في كتاب الشهادات من ((النهاية)): التعرض للفصل بينهما مما أحدثه المتأخرون ، وفرقوا بينهما بأن ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه : مكروه ومالا فهو خلاف الأولى ، ولا يقال : مكروه ، وقال : المراد بالنهي المقصود أن يكون مصرحا به كقوله : لا تفعلوا كذا، أو نهيتكم عن كذا، بخلاف ما إذا أمر بمستحب فإن تركه لا يكون مكروها ، وإن كان الأمر بالشيء نهياً عن ضده ، لأنا استفدْناه باللازم وليس بمقصود . وحكى الرافعي عنه في كتاب الزكاة في كراهة الصلاة على غير الأنبياء ما يبين أن المراد بالنهي المقصود تعميم النهي لا خصوصه ، إذ قال : ووجهه إمام الحرمين بأن قال : المكروه يتميز عن خلاف الأولى بأن يفرض فيه نهي مقصود ، وقد ثبت نهي مقصود عن التشبه بأهل البدع ، وإظهار شعارهم ، والصلاة على غير الأنبياء مما اشتهر بالفئة الملقبة بالرفض. اهـ . وكلام الإمام في كتاب الجمعة يقتضي أنه لا فرق بينهما ، فإنه قال : كل فعل مسنون صح الأمر به مقصوداً فتركه مكروه . ٣٠٢ وقال في موضع آخر : إنما يقال : ترك الأولى إذا كان منضبطاً كالضحى وقيام الليل ، وما لا تحديد له ولا ضابط من المندوبات لا يسمى تركه مكروها ، وإلا لكان الإنسان في كل وقت ملابسا للمكروهات الكثيرة من حيث إنه لم يقم فيصلي ركعتين ، أو يعود مريضا ونحوه. اهـ . والتحقيق : أن خلاف الأولى قسم من المكروه ، ودرجات المكروه تتفاوت كما في السنة ، ولا ينبغي أن يعد قسما آخر ، وإلا لكانت الأحكام ستة ، وهو خلاف المعروف ، أو كان خلاف الأولى خارجا عن الشريعة وليس كذلك . ٣٠٣ خطاب الوضع قد عرفت أن الخطاب كما يرد بالاقتضاء والتخيير فكذا يرد بالحكم الوضعي ، لكون الشيء سببا وشرطاً ومانعا كما سبق ، فعلى هذا لله في كل واقعة رتب الحكم فيها على وصف أو حكمة حكمان : أحدهما : نفس الحكم المرتب على الوصف . وثانيهما : سببية ذلك الوصف ، والمغايرة بينهما ظاهرة ، إذ صحة القياس في الأول متفق عليها بين القائسين ، وفي الثاني مختلف فيها . [ملك النصاب سبب وجوب الزكاة] مثاله : ملك النصاب سبب وجوب الزكاة، فالملك حكم شرعي، وهو ذات السبب وكونه سببا عبارة عن خطاب الشارع: إني جعلت الملك أمارة وجوب الزكاة، ووجوب الزكاة عند وجود الملك، والحول حكم آخر، وهو الحكم الأصلي المقصود في نفسه، وقد سبق في الكلام على الخطاب الخلاف في ثبوت خطاب الوضع، وأنه في الحقيقة لا يخرج عن خطاب التكليف. وضعفه المتأخرون أيضا ، لأن القائلين بإثباته إن أرادوا بالسببية أنها معرفة للحكم فحق لكنها ليست بحكم شرعي ، وإن أرادوا تأثير الزنى في وجوب الحد فباطل ، لأن الزنى حال حصوله سببا إن لم يصدر عن الشارع شيء فليس لهذه السببية معنى ، فإن صدر فالصادر إما الحكم أو شيء مؤثر في الحكم أو غيرهما ، فإن كان الأول فالمؤثر هو الشارع ، والثاني هو القول بالحسن والقبح وهو باطل ، والثالث اعتراف بأنه ليس بحكم وهو المطلوب ، لا يقال : فقد أجروا القياس في الأسباب ، فقالوا : نصب الزنى علة الرجم ، واللواط في معناه ، لأنا نقول : ٣٠٥ نمنعه كالحنفية ، وإن سلمناه فلا يكون حكما شرعيا ، فقد أجروا القياس في اللغات وليس ذلك حكما شرعيا . [السَبب] الأول : [تَعَريف السَبب وَاقسامه] ے وهو لغة : عبارة عما يحصل الحكّم عنده لا به، أي : لأنه ليس بمؤثر في الوجود بل وسيلة إليه ، فالحبل مثلاً يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر ، وليس المؤثر في الإخراج، وإنما المؤثر حركة المستقي للماء . وفي الشرع : قال الأكثرون : هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل السمع على كونه معرفا للحكم الشرعي، كجعل دلوك الشمس معرّفا لوجوب الصلاة . وقيل : هو الموجب لا لذاته ، ولكن بجعل الشارع إياه موجبا ، وهو اختيار الغزالي ، وحاول الإمام الرازي تزييفه . وقيل : هو الموجب لذاته ، وهو قول المعتزلة ، وإنما نصب السبب للحكم ليستدل به على الحكم عند تعذر الوقوف على خطاب الله لا سيما عند انقطاع الوحي، كالعلامة . ثم السبب ينقسم إلى ما يتكرر الحكم بتكرره كالدلوك للصلاة ، ورؤية الهلال في رمضان لوجوب الصوم ، وكالنصاب للزكاة ، وإلى ما لا يتكرر بتكرره کوجوب معرفة الله عند تكرر الأدلة الدالة على وجوده ، ووجوب الحج عند تكرر الاستطاعة عند من يجعلها سببا . وقسم ابن الحاجب السبب إلى وقتي كالزوال ، فإنه معرف لوقت الظهر ، والى معنوي كالإسكار فإنه معرف لتحريم الخمر ، والملك فإنه جعل سببا لإباحة الانتفاع . ٣٠٦ [اطلاقات السبب] ويطلق السبب في لسان حملة الشرع على أمور: أحدها : ما يقابل المباشرة ، ومنه قول الفقهاء : إذا اجتمع السبب والمباشرة غلب المباشرة كحفر البئر مع التردية . الثاني : علة العلة كالرمي يسمى سببا للقتل ، وهو أعنى الرمي علة للإصابة ، والإصابة علة لزهوق الروح الذي هو القتل ، فالرمي هو علة العلة ، وقد سموه سببا . الثالث: العلة بدون شرطها كالنصاب بدون الحول يسمى سببا لوجوب الزكاة . الرابع : العلة الشرعية وهي المجموع المركب من المقتضى والشرط وانتفاء المانع ، ووجود الأهل والمحل يسمى سببا ، ولا شك أن العلل العقلية موجبة لوجود معلولها كما عرف من الكسر للانكسار، وسائر الأفعال مع الانفعالات بخلاف الأسباب فإنه لا يلزم من وجودها وجود مسبباتها . قال الهندي : وإذا حكمنا على الوصف أو الحكمة بكونه سببا فليس المراد منه أنه كذلك في مورد النص بل المراد منه أنه / سبب في غيره ، ومن هذا يعرف أن ٣٧/ب سببية السبب وإن كانت حكما شرعيا فليست مستفادة من سبب آخر ، لأنه حينئذ يلزم إما الدور أو التسلسل، بل هي مستفادة من النص أو من المناسبة مع الاقتران . مَسألة [ للأسباب احْكام تضَاف اليها] صار جمهور الحنفية إلى أن للأحكام أسبابا تضاف إليها ، والموجب في الحقيقة والشارع لها هو الله تعالى دون الأسباب ، إذ الإيجاب إلى الشارع دون غيره . ٣٠٧ ونقلوا عن جمهور الأشعرية التفصيل بين العبادات وغيرها ، فالعبادات لا يضاف وجوبها إلا إلى اللّه وخطابه، لأنها وجبت لله على الخلوص ، فيضاف إلى إيجابه ، والعقوبات وحقوق العباد أسباب يضاف وجوبها إليها ، لأنها حاصلة بكسب العبد ، وعلى هذا جوزوا إضافة العبادات المالية إلى الأسباب أيضا . وفي المسألة قول ثالث: وهو إنكار الأسباب أصلا . وقالوا : الحكم في المنصوص عليه ثابت بظاهر النص وفي غيره بالوصف المجعول علة ، ويكون ذلك أمارة لثبوت حكم شرعي بإيجابه تعالى. قالوا : لأن الموجب للأحكام والشارع لها هو اللّه تعالى ، وفي إضافة الإيجاب إلى غيره ، وهو الأسباب قطعه عنه ، وذلك لا يجوز ، لكنه يقال : حصل ببعض الأوصاف أمارة على حكم الفرع ، فيقال لها: أسباب أو علل موجبة مجازاً ، لظهور الأحكام عندها . قيل : والتحقيق : أن الخلاف لفظي للإجماع على أن الموجب في الحقيقة هو الله تعالى لا غير، وعلى أن هذه الأسباب معرفات لحكم الله لا موجبة بذاتها ، فلم يبق الخلاف إلا في اللفظ . قلت : اتفق الأشعرية على أنه ليس السبب موجباً للحكم لذاته أو لصفة ذاتية بل المراد منه إما المعرِّف وعليه الأكثرون ، وإما الموجب لا لذاته ولا لصفة ذاتية ولكن بجعل الشرع إياه موجبا وهو اختيار الغزالي ، وصارت المعتزلة إلى القول بالتأثير . وينبني الخلاف على أنه يعقل تأثير من غير أن يكون المؤثر مؤثراً بذاته ، أو بصفة قائمة به ، أو لا يعقل ذلك؟ وعليه يبنى كون العبد موجدا لفعل نفسه بإقدار الله تعالى أو خلقه له ما يقتضي تأثيره في الفعل من غير أن یکون العبد مؤثرا بذاته أو بصفة ذاتية ، فأصحابنا ينكرون ذلك ، ويقولون: الصادر عنه فعل الله والمعتزلة لا ینکرونه . ٣٠٨ فائدة [قَد يتقدم الحكم عَلى سَببه] الأصل في أسباب الأحكام أن تتقدم على الأحكام ، وقد يتقدم الحكم على سببه ، وذلك إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من ضمان البائع ، ولهذا كانت مغارمها عليه ، لأن البيع ينفسخ بالتلف ، لتعذر اقترانه به ، ولا يصح أن يكون بعد التلف ، لأن حقيقة الفسخ انقلاب الملك بعد تلف المبيع ولا يصح انقلاب الملكين بعد التلف ، لأنه خرج عن أن يكون مملوكا بعد ذهابه بنفس انقلابه إلى ملك البائع قبل تلفه . [الشَرط] الثاني : الحكم على الوصف بأنه شرط . والشرط لغة: العلامة ، ومنه أشراط الساعة ، وهو الذي يلزم من انتفائه انتفاء المشروط ، كالإحصان الذي هو سبب وجوب رجم الزاني ينتفي الرجم .. لانتفائه ، فلا يرجم إلا محصن ، وكالحول الذي هو شرط وجوب الزكاة ينتفي وجوبها بانتفائه . [أقسام الشرط] ثم ينقسم إلى ما هو شرط السبب ، وهو کل معنی یکون عدمه مخلا بمعنى السببية كشرائط المبيع من كونه منتفعا به وغيره ، وإلى ما هو شرط الحكم، وهو كل معنى يكون عدمه مخلا بمقصود الحكم مع بقاء لمعنى السببية ، كالقبض للمبيع للملك التام . وهو على أربعة أقسام : عقلي : كالحياة للعلم فإنها شرط له ، إذ لا يعقل عالم إلا وهو حي ، ويسمى ٣٠٩ عقليا ، لأن العقل أدرك لزومه لمشروطه . ثانيها : لغوي ، كدخول الدار لوقوع الطلاق ، أو العتق المعلق عليه . ثالثها : شرعي ، كالطهارة للصلاة فإنه يلزم من انتفاء الطهارة انتفاء صحة الصلاة ، ولا يلزم من وجودها وجود صحة الصلاة لجواز انتفائها لانتفاء شرط آخر . رابعها : العادي ، كالغذاء للحيوان ، والغالب منه أنه يلزم من انتفاء الغذاء انتفاء الحياة، ومن وجوده وجودها . والشرط العادي واللغوي من قبيل الأسباب لا من قبيل الشروط صرح بذلك ابن القشيري . وقال القَرَافي وابن الحاجب : الشروط اللغوية أسباب ، لأنه يلزم من وجودها الوجود ، ومن عدمها العدم بخلاف الشروط العقلية . وقد اختلف في الحيّات في الشتاء تحت الأرض ، فقيل : تغتذي بالتراب ، وقيل : لا تغتذي مدة مكثها تحت الأرض ، فعلى هذا لم يلزم من انتفاء الغذاء في حقها انتفاء الحياة فينعكس الحال ، وتصير الحياة هي شرط الغذاء . [المانع] الثالث : الحكم على الوصف بكونه مانعاً. والمانع عكس الشرط، وهو ما يلزم من وجوده عدم وجود الحكم ، کالدين مع وجوب الزكاة، والأبوة مع القصاص . ووجه العكس فيه : أن الشرط ينتفي الحكم بانتفائه ، والمانع ينتفي الحكم لوجوده ، فوجود المانع وانتفاء الشرط سواء في استلزامها انتفاء الحكم ، وانتفاء المانع ووجود الشرط سواء في أنهما لا يلزم منهما وجود الحكم ولا عدمه . ٣١٠ [أقسام المانع] ثم ينقسم إلى مانع الحكم - وسيأتي إن شاء الله تعالى في القياس - وإلى مانع السبب ، وهو كل وصف وجودي يخل وجوده بحكمة السبب التي لأجلها يقتضي السبب المسبّب ، كحيلولة النصاب بالغصب والإباق ، فإنها تمنع من انعقاد النصاب سبباً للوجوب . ثم الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام : أحدها : ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، كالرضاع يمنع صحة النكاح ابتداء ويقطعه دواما . ثانيها : ما يمنعه ابتداء لا دواماً ، كالعدة تمنع ابتداء النكاح لغير من هي منه ، ولو طرأت على نكاح صحيح بوطء شبهة لم يقطعه ، وكذلك الردة . ثالثها : ما يمنعه دواماً لا ابتداء ، كالكفر بالنسبة لملك الرقيق المسلم لا يمنع في الابتداء لتصويره بالإرث ، وغيره من الصور التي تنتهي إلى نحو الأربعين ، ويمتنع دوامه بل ينقطع بنفسه كشراء من يعتق عليه أو بالإجبار على إزالته . تنبيه هذه الأنواع الثلاثة متفق على أنها من خطاب الوضع عند القائلين به ، وزاد الآمدي وغيره أربعة أنواع وهي الصحة والبطلان والعزيمة والرخصة وسنذكرها ، وزاد القَرَافي نوعين آخرين وهما التقديرات الشرعية والحجاج . أما الأول : فهو إعطاء الموجود حكم المعدوم كالماء في حق المريض الخائف ، وعكسه كالمقتول يورث عنه الدية ، وإنما تجب بموته ولا يورث عنه إلا إذا دخلت في ملكه ، وبعد موته لا يملك فيقدر دخوها في ملکه قبل موته حتی ینتقل لوارثه ، فقدّرنا المعدوم موجودا للضرورة . وقال ابن التلمساني : / الحكم التقديري ينقسم إلى تقدير صفة شرعية في ١/٣٨ ٣١١ المحل يظهر أثرها ، كتقدير ملك النكاح واليمين ، وإلى تقدير أعيان محسوسة كتقدير الدراهم في الذمة . قال : ومن العلماء من لا يثبت هذه التقادير ، ويقول : حكم الفرع في المحل هو نفس ما ادعى كونه أمرا. أما تقدير صفات موجبة لها ، فإثبات ما لا دليل عليه ، ومن هذا النمط قولهم: الحدث أمر مقدر في أعضاء المحدث أثره المنع من الصلاة . وأما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاة في الأحكام ، كالبنية والإقرار واليمين مع النكول ، أو مع الشاهد الواحد ، فإذا نهضت تلك الحجة عند القاضي وجب عليه الحكم ، وهذا في الحقيقة راجع إلى السبب . مسألة [الصحة والفسَاد] الصحة والفساد: من أنواع خطاب الوضع لأنهما حكم من الشارع على العبادات والعقود ، وينبني عليهما أحكام شرعية . ونازع بعض المتأخرين في كون ذلك حكما شرعياً ، وقال : إذا كانت الصحة هي المطابقة والموافقة لمقتضى ما دل عليه الأمر فالمطابقة والموافقة أمر عقلي اعتباري ليس من الأحكام الشرعية في شيء ، بل نوع نسبة وإضافة إلى موافقة الأمر . قال ابن الدقيق العيد : هذا سؤال حسن لجدي العلامة أبي الحسن مظفر بن عبد الله الشافعي المعروف بالمقترح - رحمه الله - . قلت : وبه جزم ابن الحاجب في ((مختصره)) وحينئذ فلم ينفرد به إذن كما زعم بعضهم، وأشار إليه ابن التلمساني في ((تعليقه على المنتخب)) فقال : موافقة الشريعة ليست حكماً شرعياً حقيقياً ، فإنها نسبة بين الفعل الواقع والأمر مثلا ، فهي تستلزم الحكم الشرعي لا أنها نفس الحكم الشرعي ، فتسمية الموافقة والمخالفة حكما مجاز . ٣١٢ وإذا ثبت هذا فنقول : المراد بالصحة في العقود ثبوتها على موجب الشرع ليترتب آثاره كالملك المرتب على العقود، أي : يثبت به الحكم المقصود من التصرف كالحل في النكاح، والملك في البيع والهبة . وقول الفقهاء : نكاح الكفار صحيح أي محكوم عليه بالصحة ، وأثر كل شيء على حسبهِ ، فأثر البيع المكنة من التصرف كالأكل والبيع والوقف ونحوه ، وأثر الإجارة التَّمَكّن من الانتفاع ، وفي القراض عدم الضمان واستحقاق الربح ، وفي النكاح التمكن من الوطء ، فكل عقد ترتب آثاره عليه فهو الصحيح ، وإلا فهو الفاسد . وقيل: إباحة الانتفاع ولا يرد المبيع في زمن الخيار ، لأنه قد يتوقف حصولها على شرط آخر وليس التصرف والانتفاع أثر العقد ، وإنما أثره حصول الملك الذي ينشأ عنه إباحة الانتفاع بشرطه ، ومن شرطه أن لا يكون له خيار . وكذا لو أقر بحرية امرأة في يد الغير ، ثم قبل نكاحها ممن هي في يده ، وهو يدعي رقها . قال الرافعي : لم يحل له وطؤها ولصاحبها المطالبة بالمهر ، فهذا عقد صحيح لم يترتب عليه أثره ، لكن لمانع . [الصحة في العبادات] وأما الصحة في العبادات فاختلف فيها فقال الفقهاء : هي وقوع الفعل كافيا في سقوط القضاء ، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها ، فكونها لا يجب قضاؤها هو صحتها . وقال المتكلمون : هي موافقة أمر الشارع في ظن المكلف لا في نفس الأمر ، وبه قطع القاضي والإمام في ((التلخيص)) فكل من أمر بعبادة توافق الأمر بفعلها كان قد أتى بها صحيحة وإن اختل شرط من شروطها أو وجد مانع ، وهذا أعم من قول الفقهاء، لأن كل صحة هي موافقة للأمر ، وليس كل موافقة الأمر صحة عندهم . واصطلاح الفقهاء أنسب ، فان الآنية متى كانت صحيحة من جميع الجوانب إلا من جانب واحد فهي مكسورة لغة ، ولا تكون صحيحة حيث يتطرق إليها ٣١٣ الخلل من جهة من الجهات ، وهذه الصلاة يتطرق إليها الخلل من جهة ذكر الحدث ، فلا تكون صحيحة بل المستجمع لشروطه في نفس الأمر هو الصحيح. وبنوا على الخلاف صلاة من ظن أنه متطهر ثم تبين حدثه فإنها صحيحة عند المتكلمين دون الفقهاء . قال ابن دقيق العيد : وفي هذا البناء نظر ، لأن هذه الصلاة إنما وافقت الأمر بالعمل يمقتضى الظن الذي تبين فساده ، وليست موافقة الأمر الأصلي الذي توجه التكليف به ابتداء ، فعلى هذا نستفسر ، ونقول : إن أردتم بالصحيح ما وافق أمرا ما فهذا الفعل صحيح بهذا الاعتبار ، لكنه لا يقتضي أن يكون صحيحا مطلقاً لعدم موافقته الأمر الأصلي ، وإن أردتم ما وافق الأمر الأصلي فهذه غير موافقة فلا تكون صحيحة . تنيهَات [التنبيه] الاول ما حكيناه عن الفقهاء من أن الصحة إسقاط القضاء تبعنا فيه الأصوليين لكن كلام الأصحاب مصرح بخلافه ، فإنهم قالوا : في باب صلاة الجماعة في الكلام على شروط الإمامة : وإن كانت صلاته صحيحة فإما أن تكون مغنية عن القضاء أو، لا. الخ، فجعلوا الصحيح ينقسم إلى ما يغني وإلى ما لا يغني ، ولم يجعلوه ما لا يغني عن القضاء . وحكوا وجهين في صلاة فاقد الطهورين هل توصف بالصحة؟ والصحيح : نعم واستبعد إمام الحرمين مقابله ، وتابعه النووي مع أنه يجب القضاء على الجديد . قالوا : ويجرى الخلاف في كل صلاة يجب قضاؤها . وفائدة الخلاف في الأيمان وفي جواز الخروج منها ، ولهذا يقولون : من صحت ٣١٤ صلاته في نفسه صحة مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به ، وهذا كله تصریح بأن الصحة تجامع القضاء . [التنبيه] الثاني زعم الغزالي في ((المستصفى)) وتابعه القَرَافي أن النزاع لفظي، وهو أنه هل تسمى هذه صحيحة أم لا ؟ قال القَرَافي: لاتفاقهم على سائر أحكامها . فقالوا : المصلي موافق لأمر الله سبحانه وتعالى مثاب على صلاته وأنه يجب عليه القضاء إذا علم الحدث ، فلم يبق النزاع إلا في التسمية . قلت : ونفي الخلاف في القضاء مردود ، فالخلاف ثابت ، وممن حكاه ابن الحاجب في «مختصره) في مسألة: الإجزاء الامتثال، وكأن المتكلمين يقولون : إنها صحيحة ، لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال ، وهي مسقطة للقضاء لو لم يرد نص بالقضاء وإنما وجب بأمر جديد كما حكاه في ((المستصفى)) عنهم ، ووصفهم إياها بالصحة صريح في ذلك، فإن الصحة هي الغاية من العبادة. وعندنا قول مثله فيما إذا صلى بنجس لم يعلمه أو مكشوف العورة ساهياً أنها صحيحة ولا قضاء نظرا لموافقة الأمر حال التلبس . وعكس هذه المسألة من صلى خلف الخنثى المشكل ، ثم تبين أنه رجل ، وفرعنا على القول المرجوح أنه لا يجب القضاء فإنها على اصطلاح الفقهاء صحيحة. الإسقاط القضاء ، وعند المتكلمين باطلة ، لأنها ليست موافقة لأمر الشارع. وذكر الأصفهاني في ((شرح المحصول)) أن ما يتخرج على هذا الخلاف صلاة من لم يجد ماء ولا ترابا إذا صلى على حسب / حاله ، وقلنا بالراجح إنه يجب عليه الإعادة. ٣٨/ب قال : فتلك الصلاة صحيحة عند المتكلمين فاسدة عند الفقهاء . قلت : فيه وجهان نقلهما إمام الحرمين والمتولي وبنى عليهما ما لو حلف لا يصلي فصلى كذلك ، وقد سبق . ٣١٥ وفي كلام الأصفهاني نظر، إذ كيف يؤمر بعبادة هي فاسدة؟ وبنى ابن الرفعة في ((المطلب)) على الخلاف في تفسير الصحة مسألة لو تحير المجتهد في الأواني فلم يغلب على ظنه شيء ، فتيمم ، ثم إن كان قبل الصب وجب القضاء ، أو بعده فلا . وحكى الماوردي خلافا في وجوب الصب، ونسب إلى الجمهور عدم الوجوب . قال ابن الرفعة : والخلاف يلتفت على أن الصحة ما هي ؟ فإن قلنا : موافقة الأمر لم يلزم الإراقة، لأن قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [سورة النساء / ٤٣] وهذا غير واجد له ، إذ الموجود ما يقدر على استعماله ، وإن قلنا : هي ما أسقط القضاء وجب عليه الصب ، لأنه مأمور بالإتيان بالصلاة صحيحة إذا قدر عليها ، وهو قادر ههنا .اهـ . وهذا يعطي أن الخلاف في تفسير الصحة ثابت عند الفقهاء أيضا . وقال الآمدي : ولا بأس بتفسير الصحة في العبادات بما ذكروه في المعاملات من ترتب أحكامها المقصودة منها يعني لأمر مقصود العبادة إقامة رسم التعبد ، وبراءة ذمة العبد منها . فإذا أفادت ذلك كان هو معنى قولنا : إنها كافية في سقوط التعبد ، فتكون صحيحة . [التنبيه] الثالث قال أبو العباس بن تيميه : لم يرد في لفظ الكتاب والسنة الصحة والفساد بل الحق والباطل ، وإنما الصحة اصطلاح الفقهاء قلت : وورد لفظ الإجزاء كثيرا ، وهو قريب من الصحة . ثم إن الجمهور لم يسمحوا بإطلاق الفاسد ، وإنما قالوا : هي صلاة صحيحة أو شبيهة بها ، كإمساك رمضان . وقال إمام الحرمين في (التلخيص)): إنما صار الفقهاء إلى هذا في أصل ، وهو أن ٣١٦ الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة عندهم ، وهي واقعة على خلاف مقتضى الشريعة ، فدل على أن الصحيح : ما لا يجب قضاؤه ، وإن لم يوافق مقتضى الشرع . وذكر غيره التفات الخلاف على أصل ، وهو أن القضاء هل يجب بالأمر الأول أو لابد من أمر جديد؟ والثاني: قول الفقهاء حكاه عنهم في ((المنخول)). مسألة الحقائق الشرعية المتعلقة بالماهيات من عبادة وعقد هل يقع على الفاسد منها أو يختص بالصحيح ؟ فيه ثلاثة مذاهب حكاها الأصفهاني في ((شرح المحصول)) في بيان المجمل: أحدها : لا يسمى الفاسد منها بيعا ولا نكاحا . والثاني: يسمى وإن فسد شرعا . والثالث: ما كان من أسماء الأفعال والأعيان لا يسلبهما الاسم عند انتفاء شروط شرعت فيه ، وذلك كالغسل والوطء ، وأما ما كان من أسماء الأحكام كتسمية الغسل طهارة فيصح أن يقال: إن الغسل مع عدم النية ليس بطهارة. اهـ. والقولان وجهان للأصحاب في العقود ، وأصحهما: اختصاصه بالصحيح ، ولهذا لو حلف لا يبيع لا يحنث بالفاسد على الأصح . وأما العبادات ، فقال الرافعي في كتاب الأيمان : سيأتي خلاف في أنها هل تحمل على الصحيح، كما إذا حلف لا يصوم ولا يصلي ؟ وقد استنكر ذلك منه ، فإنه لا خلاف عندنا في اختصاصها بالصحيح ، وإنما الخلاف في العقود . نعم قالوا : لو حلف لا يحج حنث بالفاسد ، ويحتمل في كل ما فرق فيه بين الفاسد والباطل وقد يمنع ، والفرق مخالفة الحج غيره من العبادات فلا يقاس عليه غيره . ٣١٧ مسألة [الصحَة لا تستلزم الثواب] الصحة لا تستلزم الثواب بل يكون الفعل صحيحا ولا ثواب فيه ، ولهذا قال الشافعي : الردة بعد الحج تحبط الثواب ولا تجب الإعادة ، ومنه الصلاة في الدار المغصوبة ، وكذا صوم المغتاب عند القفال والماوردي . وحكاه الإمام في باب الاعتكاف عن الصيدلاني ، ثم قال : وليس الكلام في الأجر والفضيلة من شأن الفقهاء ، والثواب غيب لا نطلع عليه ، وإن ورد خبر في أن الغيبة تحبط الأجر فهو تهديد مؤول ، وقد يرد مثله في الترغيب . قلت : وكذا قال الصَّيْمَري في ((شرح الكفاية)) في الصلاة في الدار المغصوبة تصح وأما الثواب فإلى الله . مسألة [ثواب الصَلاة الفَاسدة] إذا صلى صلاة فاسدة هل يثاب عليها قال الشيخ عز الدين ، يثاب على الأفعال التي لا تفتقر إلى وجود الشرط من الطهارة وغيرها كالقراءة والأذكار . وقال الرُّوياني في ((البحر)): لو نوى نية صحيحة وغسل بعض أعضائه ، ثم أبطل الوضوء في أثنائه بحدث أو غيره هل له ثواب المفعول منه؟ قال : يحتمل أن يكون له ثوابه كالصلاة إذا بطلت في أثنائها ، ويحتمل أن يقال : إذا بطلت بغير اختياره فله ثوابه وإلا فلا . ومن أصحابنا من قال : لا ثواب له بحال لأنه يراد لغيره بخلاف الصلاة . ٣١٨ مسألة [الإجزاء هوَ الاكتفاء بالفعل في سقوط الأمر] الإجزاء هو الاكتفاء بالفعل في سقوط الأمر ، ومعناه أن الخطاب متعلق بفعله على وجه مخصوص ، فإذا أتى المكلف به على ذلك الوجه انقطع عنه تعلق الخطاب ، وهذا هو على مذهب المتكلمين في تفسير الصحة بموافقة الأمر . وقيل : إسقاط القضاء ، وهو مذهب الفقهاء في الصحة ، ولا يصح تفسيره بالأداء ، لأنا نعلل الإجزاء بأداء الفعل على الوجه المأمور به ، فنقول : أدّى ما أمر به كما أمر . وعسر على بعضهم الفرق بين الإجزاء والصحة ، وليس كذلك فإن الإجزاء أعم ، ويختص الإجزاء بالعبادات فلا معنى له في المعاملات ، ويختص بالعبادة التي وقوعها بحيث يترتب عليه أثرها ، أو لا يترتب كالصلاة والصيام ، فأما ما يقع على وجه واحد فلا يوصف به ، كمعرفة الله ، ورد الوديعة ، ويختص أيضا بالمطلوب أعم من الواجب والمندوب . وقيل : يختص بالواجب. لا يقال في المندوب : إنه مجزىء أو غير مجزىء ، ونصره الأصفهاني في ((شرح المحصول))، والمختار الأول بدليل قوله وضعليه: (أربع لا تجزىء في الضحايا) مع أن الأضحية سنة، وكذا قوله وصله في عناق أبي بردة: (يجزئك ولن يجزىء عن أحد بعدك) وإن كانت الأضحية ليست بواجبة . مسألة [الجائز مَا وافق الشريعَة] الجائز ما وافق الشريعة ، فإذا قلنا صوم جائز وبيع جائز ، فإنما نريد أنه موافق للشريعة ، وقد يقول الفقهاء : الوكالة عقد جائز ، ويريدون به أنه ليس بلازم . وضابط ذلك: أن كل عقد للعاقد فسخه بكل حال ، أو لا يؤول إلى اللزوم ، ٣١٩ ولا يدخل على ذلك المبيع بشرط الخيار ، فإنه يؤول إلى اللزوم ، وكذا إذا كان في المبيع عيب. قاله القاضي أبو الطيب في ((شرح جدله)). وقال الأستاذ أبو إسحاق في ((شرح الترتيب)): الجائز ما أذن في فعله فيشمل ١/٣٩/ الواجب ويخرج الحرام ، وقيل: ما لا يأثم بفعله ولا تركه . قال: والحد الأول هو الصحيح لأنه من وصف واحد. قال : وكل صحيح جائز من حيث كونه مأذونا في فعله ، وليس كل جائز صحيحا ككثير من المباحات . قال : وحد الجائز عند أهل الشريعة قريب مما قاله أهل المعقول . مسألة [يقابل الصحَة البطلان] ويقابل الصحة البطلان فيأتي في تفسيره الخلاف السابق ، فمن قال : الصحة وقوع الفعل كافياً في إسقاط القضاء قال : البطلان هو وقوعه غير كاف لإسقاط القضاء ، ومن قال الصحة موافقة الأمر . قال : البطلان مخالفته . فعلى هذا لو صلى المتطهر يظن أنه محدث وجب القضاء على القولين ، لكن عند المتكلمين لكونها باطلة بالمخالفة وعند الفقهاء لفوات الشرط ، وهو العلم بوجود الطهارة . والفاسد والباطل عندنا مترادفان ، فكل فاسد باطل وعكسه . وعند الحنفية يفترقان فرق الأعم والأخص ، کالحيوان والإنسان ، إذ كل باطل فاسد وليس كل فاسد باطلا . فقالوا : الباطل ما لا ينعقد بأصله كبيع الحر ، والفاسد ما لا ينعقد دون أصله كعقد الربا فإنه مشروع من حيث إنه بيع وممنوع من حيث إنه عقد ربا . والبيع الفاسد عندهم يشارك الصحيح في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض فجعلوا الفاسد رتبة متوسطة بين الصحيح والباطل ، وهو نظير مذهب الجاحظ . وعندنا لا فرق بين الباطل والفاسد بل هو سواء في المعنى والحكم ، وبه قال أحمد وأصحابه . وما ذهب إليه الحنفية فساده ظاهر من جهة النقل ، فإن مقتضاه أن يكون ٣٢٠