Indexed OCR Text

Pages 201-220

رأس المال أو من الثلث؟ ثم رأيت في تعليق القاضي الحسين في باب النذر أنه لا
يتعين خصلة بالنذر، لما فيه من تغيير إيجاب الله تعالى.
المسألة الثانية
[الشروع بخصّلة هَل يعيّنهَا؟]
لو شرع في خصلة هل تتعين بالشروع حتى لو تركها ثم أراد فعل غيرها لا يجزئه
باعتبار العارض أو لا تتعين استصحابا للثابت؟ لم أر فيها أيضاً تصريحاً.
تذنیب:
إذا أوجب الشارع واحداً من أمور متعددة متساوية وأمكن التلفيق، فهل
الواجب واحد منها مبهم أو الواجب من كل واحد جزء؟
لم أر للأصوليين فيها كلاماً، ويخرج من كلام أصحابنا في الفروع فيها وجهان.
فإن الواجب شاة في أربعين شاة.
واختلفوا هل الواجب مثلاً / جزء من كل حيوان أو حيوان مبهم؟ فيه وجهان. ٢٤/ب
وفرعوا عليه ما إذا باع الجميع، فإن قلنا بالأول خرج على تفريق الصفقة، أو
بالثاني فقال الصيدلاني: يبطل في الجميع قطعاً، لأن الواجب غير متعين.
قال ابن الرفعة: والوجه: أن يقال: إن كان النصاب مختلفاً كما إذا اشتمل على
كبار وصغار، فالحکم کما قال، وإن كان غير مختلف للتساوي في الأسنان وتقارب
الصفات فيكون في صحة البيع فيما عدا قدر الزكاة وجهان، فإن الماوردي قد ذكر
هذا التفصيل بعينه في نظيره وهو ما إذا قال: بعتك هذه الشاة.
ومن نظائر المسألة : ما لو باعه صاعاً من صبرة معلومة الصيعان، فإنه يصح،
وهل ينزل على الإبهام فيكون البيع واحداً لا بعينه حتى يبقى البيع ما بقي صاع،
أو على الإشاعة وهو الجزء الذي ذلك الصاع نسبته إلى جملة الصبرة، فيكون
المبيع، على هذا عشر الصبرة حتى لو تلف بعضها تلف منه بقدره؟ والأصح:
٢٠١

الثاني، وبه يظهر الترجيح في مسألة الزكاة.
فائدة
[مَعْظَمَ العبَادات عَلى التخيير]
قال القاضي والإمام في ((التلخيص)): معظم العبادات في الشرع على التخيير،
إلا ما شذّ وندر. ألا ترى أنه يتوضأ بأيّ ماء شاء، ويصلي في أي مكان مع أيّ
لبوس شاء؟ ومن لزمه عتق فهو مخير من أي الرقاب المجزئة؟ ومن لزمته الصدقة
فهو مخير بين أعيان الدراهم.
تنبيه
[جَوَاز الجَمِع بَين مَا وَقع فيه التخيير]
ما وقع فيه التخيير قد يجوز الجمع بينهما عقلاً وشرعاً، كخصال الكفارة، وقد
يمنع عقلاً وشرعاً، كالتأجيل والتعجيل بمنى، وقد يمكن عقلاً لا شرعاً كالتزويج
من الخاطبين، والقسم الرابع عقيم.
وقسم الصَّيْرفي الواجب المخير إلى ما يرجع لشهوة المكلف کكفارةاليمين إن
شاء أعتق وإن شاء أطعم، ولا يجب عليه مراعاة الأصلح ولا(١) للمساكين، وإلى
ما يجب فيه اختيار الأصلح والنظر للمسلمين، كتخيير الإمام في الكافر الأسير بين
القتل والمنّ والفداء والرق، وكأخذ الصدقة إذا اجتمع بنات لبون وأربع حقاق في
فرضه، فعليه أن يأخذ الأصلح للمساكين إذا كان ذلك الوسط من ماله.
(١) لعلّ لفظة ((ولا)) زائدة بدليل نظيره الذي بعده. اهـ كذا بهامش نسخة دار الكتب المصرية.
٢٠٢

تَمة
[وجوب الأشياء قديكون عَلى التخيير]
وجوب الأشياء على المكلف قد يكون على التخيير، وقد يكون على الترتيب.
أما الأول: فقد یکون الجمع بينهما حراماً كالتزويج من الكُفْءَيْن، وقد يكون
مباحاً كستر العورة بثوب بعد ثوب، وقد يكون ندباً، كخصال الكفارة، كذا قاله
في ((المحصول)) وفي الأول نظر، لأنه من باب القدر المشترك لا من المخير. نعم
نظيره: لو قال: أعتق أحد هذين العبدين. وكذا تمثيله الثاني بستر العورة، لأنه
أيضاً من القدر المشترك، وينبغي أن يتقيد بثوب زائد على الثياب المسوّمة، وأيضاً
فالمباح لبس الثاني، ثم الزائد ليس بساتر للعورة، وحكمه بالندب على الثالث
يحتاج إلى دليل؛ ولم نر من صرح به.
وقد يستدل بالاحتياط له وبالقياس على تعداد الرقاب فيمن عليه عتق رقبة،
ويستدل لهذا بأن عائشة رضي الله عنها حين كلمت ابن الزبير، وكانت نذرت ترك
كلامه أعتقت رقاباً كثيرة.
ولعل مراد الإمام أن الجمع قبل فعله غير مطلوب، بل إذا فعله بعد فعل غيره
يقع مستحباً بناء على ثواب الندب كالنافلة المطلقة؛ ويشهد له تمثيلهم للمخير
المباح بستر العورة بثوب بعد آخر، وأحسن من هذا أن يمثل له بالجمع بين الماء
والحجر في الاستنجاء.
وأما الثاني: فقد يكون الجمع حراماً كالمضطر الواحد مذكاة وميتة كذا مثله في
((المحصول))، وفيه نظر، لأن الحرام إنما هو أكل الميتة، إذ لا تدخل المذكاة في
الحرمة، وتحريم الجمع إنما يكون لعلة دائرة بين المفردين.
وقد يكون مباحاً، ومثله في ((المحصول)) بالوضوء والتيمم وغُلِّط، لأن التيمم
يختص بحال العجز. وصوّره بعضهم بما إذا خاف من استعمال الماء لمرض ولم ينته
٢٠٣

خوفه إلى القطع أو الظن بالضرر المانع من جواز استعمال الماء، فإنه مباح له
التيمم، لأجل الخوف، ولا يمتنع الوضوء لعدم تحقق الضرر، فإذا توضأ بعد
التيمم جاز، ثم خدش فيه بأنه إذا توضأ بطل التيمم، لأنه طهارة ضرورة، ولا
ضرورة هنا.
قلت : وفيه نظر، فإنه لا يمتنع اجتماع ذلك، إذ المبيح قائم، ويمكن تصويره
بصور:
أحدها : إذا وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل، فإنه يباح له التيمم، فلو
تيمم، ثم قبل الدخول في الصلاة، أراد أن يتبرع بشراء الماء والوضوء به جاز.
الثانية: لو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش؛ ولو توضأ به لاحتاج إلى شرائه بأكثر
من ثمن مثله، فإنه يتخير بين أن يستعمل ما معه في الوضوء ويشتري الماء
للشرب، وبين أن يتيمم أولاً ثم يتوضأ به، وإنما قلنا بصحة التيمم في هذه الحالة؛
ولم نوجب عليه استعمال ما معه وشراء الماء للشرب، لأن الماء إذا ارتفع سعره
ينزل منزلة العدم، وحاجته إلى الشرب مقدمة على الوضوء بالماء الذي معه.
فإن قيل: إذا توضأ بطل التيمم إذ لا يصح التيمم مع وجود الماء.
قلنا: لا نسلم بطلانه بل التيمم المتقدم لا يبطله الوضوء بعده، لأنه إدخال
عبادة على أخرى وهما لا يتنافيان.
وأما قولهم: التيمم لا يصح مع وجود الماء، فالمراء به الماء الذي يجب
استعماله. أما ما يجوز استعماله معه كهذه الصور التي صورناها فلا.
ویتصور اجتماعهما أيضاً مع تأخر التيمم في صور :
إحداها: إذا وجد ماء للوضوء، ثم لم يوجد ماء يغتسل به للجمعة فإنه يتيمم
عن الغسل، ومثله مريد الإحرام. والمراد بالإباحة: جواز الفعل.
الثانية: لو توضأ وصلى وأراد التجديد فلم يجد ماء، فإنه يتيمم عوضاً عن
تجديد الوضوء، كما يتيمم للغسل عن الجمعة. هذا هو الذي يقتضيه الفقه.
الثالثة: ما ذكره ابن سُريج في كتاب ((الودائع)) في الماء المختلف في طهوريته،
٢٠٤

كالماء المستعمل والنبيذ الذي يجوز أبو حنيفة الطهارة به أنه يتوضأ به، ثم يتيمم
خروجاً من الخلاف.
الرابعة: الرائد للجمعة إذا وجد مالاً يكفيه للغسل، ويكفيه للوضوء توضأ به
وتيمم، وكذلك مريد الإحرام. كل التيمم ههنا عن الغسل.
وهذه صورة الجمع بينهما في الدوام، ولم يذكر صورة ما يجب فيه الجمع بين
التيمم والوضوء، وذلك إذا كان بعضوه جراحة فإنه يتوضأ ويتيمم عن الجريح.
واعلم أن الإمام سكت في هذا القسم عن المكروه الجمع والواجب الجمع،
فأما وجوب الجمع مع الترتيب فلا يمكن، وأما المكروه الجمع بينهما في المرتب
فكلحم الجَلالة والمذكى للمضطر.
فائدة
الفرق بين قول الفقهاء: الواجب أحد الأمرين، وبين قولهم: الواجب هذا
والآخر بدل عن هذا، كما في القتل العمد هل الواجب القود والدية بدل عنه أو
أحدهما؟ أن الثاني فيه ترتیب کالماء والتراب /، فالأول لا ترتیب فيه.
١/٢٥
فائدة ثانيَة
حكي عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إذا أمر الله بأشياء وعطف بعضها
على بعض نظرت، فإن بدأ بالأغلظ، ثم ذكر بعده الأخف كان دليلاً على الترتيب
بدليل كفارة الظهار، وإن بدأ بالأخف كان دليلاً على التخيير بدليل كفارة اليمين.
حكاه بعض شراح ((اللمع)).
وقد يورد عليه كفارة قتل الصيد، فإنه مبدوءة بالأغلظ، وهو إيجاب مثل الصيد
مع أنها للتخيير. نعم حكى أبو ثور عن الشافعي أنها على الترتيب، لأن كفارات
النفوس لا تخيير فيها، ككفارة قتل الآدمي.
وقال أبومنصور الماتريدى في ((تفسيره)): كلمة ((أو)) متى ذكرت بين الأجزية
٢٠٥

المختلفة الأسباب فهي للترتيب، كآية المحاربة، وإلا فللتخيير ككفارة اليمين.
وروى الشافعي في ((الأم)) عن عمرو بن دينار: كل شيء في القرآن فيه ((أو)) فهو
على التخيير.
قال ابن جريج: إلا قوله تعالى ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [سورة
المائدة / ٣٣] فليس بمخير فيها. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وبما قال ابن جريج
أقول. أي: أنها ليست للتخيير بل لبيان أنواع العقوبة المختلفة بحسب اختلاف
الحرمة، ومثله قوله ◌َّله في صدقة الفطر (صاعاً من تمر، أوصاعاً من شعير) فإن
أصح قولي الشافعي أنه لا يتخير في ذلك بناء على أن ((أو)) فيه للتنويع لا للتخيير
أي: صاعاً من تمر إن كان غالب قوت بلده، أو من شعير إن كان غالب قوت
بلده .
تنبيه
[ تمثيل الواجب المخيرباية الكفارة]
استشكل العبدري في شرح ((المستصفى)) تمثيل الأئمة للواجب المخير بآية
الكفارة من جهة أن النحويين نصوا على أن ((أو)) تكون في الخبر للشك، وفي الأمر
والنهي للتخيير أو للإباحة، وفرقوا بينهما، فقالوا: إذا فعل المأمور الفعلين في
التخيير كان عاصياً، وإذا فعلهما أو أحدهما في الإباحة كان مطيعاً.
قال: فالشائع في اللغة: أن تسمى الكفارة واجباً مباحة أنواعه، لا واجب مخير
في أنواعه.
وهذا السؤال أورده صاحب ((البسيط)) عن النحويين، وأجاب عنه بأنه إنما يمتنع
الجمع بينهما في المحظور، لأن أحدهما ينصرف إليه الأمر، والآخر يبقى محظوراً لا
يجوز له فعله، ولا يمتنع في خصال الكفارة، لأنه يأتي بما عدا الواجب تبرعاً، ولا
يمنع من التبرع.
والأحسن في الجواب: أن الممنوع منه في الجمع الإتيان بكل واحد على أنه
٢٠٦

الواجب أما لو أتى بالجميع لا على هذا المعنى فهو جائز قطعاً، وإن الإتيان بالمأمور
به إنما يكون في واحد منها، وجواز غيرها إنما هو بحكم الإباحة الأصلية. حتى لو
لم يكن مباحاً لم يجز، كما إذا قال: بع هذا العبد أو ذاك.
فائدة
[الابدال تقوم مقام المبدلات]
قال الشيخ عز الدين في ((القواعد)): الأبدال إنما تقوم مقام المبدلات في وجوب
الإتيان بها إلا عند تعذر مبدلاتها في براءة الذمة بالإتيان بها، والظاهر: أنهما ليسا
في الأجر سواء، وأن الأجر بحسب المصالح، وليس الصوم في الكفارة كالإعتاق
ولا الإطعام كالصيام. كما أنه ليس التيمم كالوضوء إذ لو تساوت الأبدال
والمبدلات لما شرط في الانتقال إلى الأبدال فقد المبدلات اهـ. وهو حسن.
ويرد عليه أمور منها: الجمعة بدل من الظهر على رأيٍ مع أن حكمها على
عكس ما ذكر من اشتراط تعذر المبدل، فإنه هنا أعني الجمعة لا تعدل إلى البدل
إلا عند تعذر المبدل. فمن لازمه أن يكون البدل ههنا أفضل من المبدل، فإنه إنما
يعدل من شيء إلى آخر للأفضلية غالباً.
والأولى أن يحمل كلام الشيخ على ما إذا كان سبب البدل والمبدل متحداً،
كخصال الكفارة المرتبة؛ أو على الغالب، أو على ما إذا كان البدل أخص من
المبدل كالتيمم مع الوضوء.
ثم المسح على الخف قيل: إنه بدل من غسل الرجل؛ وقال الرافعي: الواجب
على المكلف في الوضوء أحد الأمرين إما الغسل أو المسح عليهما، والحق خلافه كما
سبق في شروط التخيير.
٢٠٧

مسألة
[الفعل إِما أن يزيد عن وقته وإما أن يسَاوي]
الفعل إما أن يزيد على وقته فإن كان الغرض منه إيقاع الفعل جميعه في الزمن
الذي لا يسعه فهو تكلیف بما لا يطاق. يجوزه من يجوزه ويمنعه من يمنعه، وإن كان
الغرض أن يبتدىء في ذلك الوقت، ويتم بعده، أو أن يترتب في ذمته ويفعله كله
بعده فهو جائز وواقع، كإيجاب الظهر على من زال عذره آخر الوقت، فأدرك قدر
ركعة من آخره، وكذا تكبيرة على الأظهر بشرط السلامة قدر إمكان الطهارة
والصلاة.
وإما أن يساوي ويسمى ((بالمعيار)) كالصوم المعلق بما بين طلوع الفجر إلى
غروب الشمس، وكوقت المغرب على القول الجديد، وكما لو استأجره يوماً للعمل
فيه، وهذا لا نزاع فيه.
[الواجب الموسع]
وقسم الحنفية التساوي إلى ما يكون الوقت سبباً لوجوبه كصوم رمضان، وإلى
ما لا یکون کذلك کقضائه، وأثبتوا من الأقسام مالا يعلم زيادته ولا مساواته، وهو
الواجب المشكل كالحج، وإما ناقص عنه كالصلاة، ويسمى ((الواجب الموسع)).
وقد اختلف فيه، فمنهم من أنكره، ومنهم من اعترف به، وهم الجمهور،
والإشكال فيه وفى الواجب المخير سواء، إذ لأجله أنكره من أنكره هنا، وهو أن
الوجوب يلزمه المنع من الترك، وكل جزء من أجزاء الوقت بعينه يجوز إخلاؤه عن
الفعل، وكذلك كل فرد من أفراد الواجب المخير يجوز تركه، وذلك ينافي
الوجوب .
وحل الإشكال فيهما أن يقال: كل فرد من هذه الأفراد أعني: من أفراد الوقت
وأفراد الواجب المخير له جهة عموم، وهو كونه أحد هذه الأشياء، وجهة خصوص
٢٠٨

وهو ما به يتميز عن غيره، ومتعلق الوجوب جهة العموم وتلك لا يجوز تركها
بوجه، فإنه إنما يترك في الموسع بإخلاء جميع أجزاء الوقت عن العبادة، وفي المخير
ترك كل فرد من الأفراد، وذلك ممتنع، فلم يوجد المنافي للوجوب، فهو جائز الترك
فيما جعلناه متعلق الوجوب.
أما جهة الخصوص فليست بواجبة لجواز تركها إلى غيرها واندفع الإشكال في
المسألتين جميعاً.
قال إلْكِيا الطبري: ولأجل هذا الإشكال اضطرب المحصّلون في الجواب عنه،
فقيل: إنما يعصي بتفويته ولا تفويت إلا بالموت، والزمان ظرف للوجوب،
والواجب لا ينسب إلى زمان، كما إذا لم يكن مقيداً، وقيل: يجوز تأخيره إلى بدل،
وهو العزم على فعله في الثاني، فقيل لهم: العزم نتيجة الاعتقاد ضرورة لا بمقتضى
اللفط .
وقيل: يجوز تأخيره بشرط سلامة العاقبة، ولا يتخيل ذلك مع التمكن. اهـ.
إذا عرفت هذا، فقال الجمهور: إن الموسع موجود والوقت جميعه ظرف
للوجوب على معنى في أي جزء منه أوقعه تأدى الواجب، وجوزوا التأخير عن أول
الوقت إلى أن يضيق، أو يغلب على ظن فواته بعده.
قال الأستاذ / أبو منصور : هذا قول أصحابنا، وذهب إليه من أهل الرأي ٢٥/ب
محمد بن شجاع البلخي. اهـ.
ونقله ابن برهان في ((الأوسط)) عن أبي زيد منهم أيضاً، ونقله صاحب ((المعتمد))
عن أبي شجاع، وأبى علي وأبي هاشم الجبائيين، وأصحابنا.
ووجه هذا القول: أنه لا يتعين بعض أجزاء الوقت بتعيين العبد، لأن ذلك من
وضع الشارع، وإنما للعبد الارتفاق فيه، كما في خصال الكفارة الواجب أحدها،
ولا يتعين منها شيء بتعيين المكلف نصاً ولا قصداً بأن ينويه، بل يختار أيها شاء
فيفعله، فيصير هو الواجب.
٢٠٩

[جواز ترك الواجب الموسع أول الوقت]
وهؤلاء المعترفون بالواجب الموسع اختلفوا في جواز تركه أول الوقت بلا بدل
مع اتفاقهم على أنه يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء كان، فقال جمهور الفقهاء: لا
يشترط البدل ولا يعصي حتى يخلو الوقت كله عنه.
[العزم على الفعل]
وجمهور المتكلمين على أنه لا يجوز تركه إلا ببدل، وهو العزم على الفعل في ثاني
الحال، وإذا تضيق الوقت تعين الفعل حتى يتميز بذلك الواجب عن فعل النفل،
فلومات في أثناء الوقت مع العزم لم يعص، وهذا ما صار إليه الأستاذ أبو بكر بن
فُورَك والقاضي أبو بكر، ونقله عن المحققين، ونقله صاحب ((الواضح)) عن أبي
علي وأبي هاشم وعبد الجبار المعتزليين، وحكاه صاحب ((المصادر)) عن الشريف
المرتضى، وأنكره الباقون كأبي الحسين البصري، واختاره الآمدي والبصري.
فقالوا: لا حاجة إلى العزم بل يجوز التأخير بدونه، وهما وجهان لأصحابنا. حكاهما
القاضيان الطبري والماوَرْدي وغيرهما.
والصحيح منهما كما قاله النووي: وجوب العزم، ولهذا أوجبوه على المسافر في
جمع التأخير، ونظير هذا المديون لا يجب عليه الأداء ما لم يطالب، ويجب عليه
العزم على أدائه عند المطالبة، وممن أنكر العزم على القاضي إمام الحرمين لتخييله
أمرین نسبهما إليه.
أحدهما: أنه ظن أنه أخذ العزم من الصيغة، ولا ظهور له منها، فإذا كان
يتوقف فيما لم يظهر قاطع فيه على أحد المحتملين، فكيف لا يتوقف فيما لم يظهر له
فيه احتمال؟
وثانيهما : أنه ظن أنه جعل العزم بدلاً من نفس الفعل حتى إذا وجب العزم سقط
وجوب نفس الفعل، وليس كذلك فإنما أخذ القاضي العزم من دليل العقل الذي هو
أقوى من دليل الصيغة من جهة أن مالا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب،
والعزم عنده بدل من تقديم الفعل الواجب، فإذا عزم فقد سقط وجوب التقديم لا
بدل من نفس الفعل.
٢١٠

وكذا أنكره الإمام أبو نصر بن القُشَيْرى قال: ولعله يقول: حكم العزم الأول
ينسحب على جميع الأوقات فلا يجب تذكره في كل حال، كالنية في الصلاة. قال:
وعنده أن دليل العزم لا يتلقى من اللفظ بل من دليل آخر، وهو خروج عظيم،
وأدنى ما فيه التزام أمر لم يشعر به اللفظ، قال: ومن عجيب الأمر توقف القاضي في
صيغة ((افعل)) إذا وردت على التردد، ثم التزام إثبات العزم الذي ليس في اللفظ
إشعار به، ثم إنه وجب في كل وقت الفعل أو العزم، فقد أخرج الفعل عن كونه
واجباً على التعيين. قال: وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجب على المخاطب
الاعتناء بالعزم في كل وقت إلا تيقن الامتثال فيه.
وأطنب إلْكِيا الهراسي في تزييف القول بالعزم، وقال: يجب طرحه، وقال
القاضي أبو الطيب: لم يذكره أصحابنا المتقدمون، ولا يحفظ عن الشافعى.
واختار الغزالي طريقة وسطى وهي الفرق بين الغافل عن الفعل والترك، فلا
يجب عليه العزم، وبين من خطر بباله الفعل والترك، فهذا وإن لم يعزم على الفعل
عزم على الترك ضرورة، فيجب عليه العزم على الفعل، واستحسنه القَرَافي في
((قواعده))، وهو في الحقيقة راجع لمذهب القاضي، إذ ليس لنا قائل بوجوب العزم
مع الغفلة، لأنه محال.
وقال المازري: لما كان القاضي وابن فُورَك يريان أن من مات في أثناء الوقت
قبل الفعل لا يأثم ألزموا الجمع بين إباحة الشيء والتأثيم منه، لأنا نجوز له
التأخير، فكيف نؤثمه؟ اعتذر عن هذا الإلزام بأن أثبتوا العزم على إيقاع الفعل
بدلاً من تقديم إيقاعه، ورأوا أن التأخير لم يسقط وجوبه إلا بإثبات عوض منه،
وهو العزم، فأشبه تخيير الحانث بين الإطعام والكسوة، فإن الاطعام وإن لم نؤثمه
في تركه إذا لم يفعله، وعوض عنه الكسوة لم يخرج عن حقيقة الوجوب البتة، وإنما
يسقط إلى بدل.
وأنكر إمام الحرمين إثبات العزم هنا ولم يره انفصالاً عن الإلزام.
قال المازّري: وكان دار بيني وبين الشيخ أبي الحسن اللخمي في هذا مقال فإنه
أنكر إيجاب العزم واستبعده كما استبعده الإمام، فلم يكن إلا قليلاً حتى قرأ
٢١١

القارىء في البخاري حديث (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) الحديث، وفيه تعلیل
النبي وَّ بكون المقتول في النار، لكونه حريصاً على قتل صاحبه، فقلت: هذا
يدل للقاضي، فلم يجب بغير الاستبعاد.
وذكر الإمام عن القاضي أنه يقول بالعزم، وتردد المكلف بين العزم والفعل كل
وقت إلى آخر زمن الإمكان، ثم قال: ولا يظن بهذا الرجل العظيم يعني القاضي
أنه يوجب العزم تكريراً، وإنما يراه يجب مرة واحدة، ويستحب حالة هذه الأزمنة،
كالنية المنسحب حكمها من أول العبادة على أثنائها ، وهذا خلاف ماحكى عنه أَوّلا
. اهـ
والقائلون بالعزم اختلفوا، فقيل: هو بدل من نفس الفعل الذي هو الصلاة
وغيرها، وهو قول الجبائي، واقتصر عليه الشيخ في ((اللمع))، لأن الواجب لا يجوز
تركه، وقيل: إنما وجب ليتميز الواجب عن غيره، واختاره القاضي أبو الطيب، لأن
العزم لو كان بدلاً لسقط به الوجوب، وقيل: هو بدل من فعلها أول الوقت، لا
من فعلها، لأنه لو كان بدلاً منها لسقطت.
قالوا: ومعنى قولنا أنه بدل من فعلها في أول الوقت الأول: أنه بدل من فعل لو
وقع لبرئت ذمته، وهو غير الفعل الذي يقع من بعد. حكاه القاضي عبد الوهاب
في ((الملخص)) في الكلام على أن الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو التراخي؟ وقال
أبو الحسين في ((المعتمد)) المثبتون للبدل اختلفوا هل هو من فعل الله سبحانه أو من
فعلنا؟ فقال أبو علي وأبو هاشم: إن بدل الصلاة أول الوقت ووسطه هو العزم على
أدائها في المستقبل.
وقال بعض أصحابنا: إن لها في أول الوقت ووسطه بدلاً يفعله الله سبحانه
يقوم مقام الصلاة، وهو ضعيف لأنه يلزم عنه أن لا يحسن لتكليف الصلاة من
يعلم الله أنه يخترم في الوقت، لأنه يقوم فعل الله سبحانه مقام فعله في المصلحة
الحاصلة قبل خروج الوقت، فلو كلفه الصلاة لكان إنما كلفه بمجرد الثواب فقط.
واعلم أن أصحابنا اتفقوا في الأمر المطلق على وجوب العزم عند ورود الأمر،
١/٢٦ وكأن الفرق /: أن المقيد بوقت موسع لما كان آخر وقته معلوماً بان ذلك مع اعتقاد
٢١٢

وجوبه ينافي العزم على الفعل بخلاف الأمر المطلق، فإن العزم فيه ينوب مناب
تعجيل الفعل وتعيين الوقت. ذكره بعض شراح ((اللمع)).
[المنكرون للواجب الموسع]
وأما المنكرون الموسع، فاختلفوا على خمسة مذاهب:
أحدها: أن الوجوب يختص بأول الوقت، فإن أخر عنه فقضاء غير أنه لا يأثم،
وحكاه أبو الحسين في المعتمد عن بعض الناس، وحكاه صاحب ((المصادر)) عن
بعض الشافعية وكذا الإمام في ((المعالم)) والبيضاوي في ((المنهاج))، فلم ينفرد إذن
بنقله كما زعم بعضهم حتى قال السبكى: سألت ابن الرفعة وهو أوحد الشافعية في
زمانه، فقال: تتبعت هذا في كتب المذهب فلم أجده.
وقال ابن التلمساني: هذا لا يعرف في مذهب الشافعي، ولعل من عزاه إليهم
التبس عليه بوجه الاصطخري، وهو أن الذي يفضل فيما زاد على صلاة جبريل في
الصبح والعصر يكون قضاء. انتهى.
وهو فاسد، لأن الوقت عنده موسع، ومنهم من أخذه من تضييق وقت المغرب
على القول الجديد، وهو فاسد، لأن هذا تضييق، ومنهم من أخذه من قولهم:
تجب الصلاة بأول الوقت، فظن أن الوقت متعلق بالصلاة، وإنما أرادوا أنه يتعلق
بتجب، فوقع الالتباس في الجار والمجرور.
وقيل: بل أخذه من قول الشافعی : رضوان الله أحب إلينا من عفوه، وقيل بل
من قول الشافعي في ((الأم)) في الخامس في كتاب الحج: نقل عن بعض أهل
الكلام وبعض من يفتي: أن تأخير الصلاة عن أول وقتها يصيرها قضاء، وتأخير
الحج وما أشبهه، وهذا الأخذ فاسد، لأن قائله لا يقول: إن الوقت يخرج ويصير
قضاء بعد أوله، كما نقل الإمام، بل إنه يعصي بالتأخير، ولا يلزم من العصيان
خروج الوقت.
وظاهر كلامه: أن هذا القائل يقول بالتأثيم إذا أخره عن أول الوقت، والقاضي
أبو بكر نقل إجماع الأمة على أن المكلف لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت، ولذلك
عبر بعضهم عن هذا القول: أنه في آخر الوقت قضاء يسد مسد الأداء.
٢١٣

وما نقله الشافعي أثبت. لكن قال القاضي في ((التقريب)) وابن القشيري في
أصوله: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الصلاة تجب بأول الوقت، وإن أخرت كانت
قضاء قال: وهذا القائل يجوز التأخير.
قال: وقد نقل عن مالك بن أنس قريب من ذلك في الحج، وجملة العبادات
المتعلقة بالعمر، ورأى مثل ذلك في الصلاة. اهـ
قال ابن القشيرى: هكذا حكاه القاضي عنه.
والثاني: أن الوجوب يختص بآخر الوقت وأوله سبب للجواز، وهو ما مال إليه
إمام الحرمين في ((البرهان)) ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الرأي، ونقله ابن
برهان في ((الأوسط)) عن بعضهم، وهكذا قاله صاحب ((الكبريت الأحمر))، ونقله
في ((المعتمد)) عن أكثر المعتزلة، ونقله ابن السمعاني عن الكرخى والرازي وأكثر
أصحابهم من العراقيين.
وظاهر كلام أبي بكر الرازي أن عليه أكثر الحنفية، فإنه حكى القول بالتوسعة
عن محمد ابن شجاع، ثم قال: وقال غيره من أصحابنا: إن الوجوب متعلق
بآخره، وأن أول الوقت لم يجب عليه شيء، ثم قال: والذي حصلناه عن شيخنا
أبي الحسن الكَرْخي: أن الوقت جميعه وقت الأداء، والوجوب يتعين فيه بأحد
وقتين، لأنه إما أن يؤخره إلى آخر الوقت فالوجوب يتعين بالوقت المفعول فيه
للصلاة .
وقال شمس الأئمة السرخسي في ((أصوله)): نقل عن ابن شجاع أن الصلاة
تجب بأول جزء من الوقت وجوباً موسعاً وهو الصحيح، وأكثر مشايخنا العراقيين
ینکرون هذا ويقولون؛ الوجوب لا يثبت في أول الوقت، وإنما يتعلق بآخره بدلیل
ما لو حاضت في آخر الوقت لا يلزمها قضاء الصلاة إذا طهرت. اهـ.
ونص الدَّبُوسي في ((تقويم الأدلة)) على القول بالوجوب الموسع، وأبطل القول
بتعلقه بآخره.
وقال ((شارح الهداية)): القول بأن الصلاة تجب بآخر الوقت وفي أوله نافلة قول
ضعيف نقل عن بعض أصحابنا، وليس منقولاً عن أبي حنيفة، والصحيح عندنا:
٢١٤

أن الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً. اهـ.
والحاصل : أن الصحیح عند الحنفية کمذهبنا، وأن هذا القول یروی عن بعض
أصحابهم.
ثم القائلون به فيما لو فعله أول الوقت على ثلاثة مذاهب: فقيل: تقع واجبة
بكل حال، فعلى هذا تجب الصلاة إما بفعلها أو بمجيء آخر الوقت، وقيل: تقع
نافلة بكل حال إلا أنها تمنع من وجوب الصلاة عليه في آخر الوقت، كالزكاة
المعجلة عندنا، وقيل: يراعى فإن لحق آخره وهو بصفة التكليف كان فرضاً وإلا
فلا. حكى الثلاثة الشيخ أبو حامد الأسفرايني، والأخيرين أبو بكر الرازي منهم.
وقال القاضي عن الثالث: إنه الذي عول عليه الدهماء من أصحاب أبي
حنيفة.
والثالث: أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت إذا بقي منه قدر تكبيرة.
والرابع: كذلك، وآخره إذا بقي قدر صلاة فإن عجل فنفل يسقط به
الفرض، وذهب إليه بعض الحنفية.
والخامس: أنه إن كان مكلفاً آخر الوقت تبينا أنه وقع واجباً وإلا فنفل. نقل
عن الكَرْخِي، وعنده الصلاة في أول الوقت لا توصف بالنفل ولا الفرض، وهو
نظير وجه عندنا في المعادة أنه لا ينوي بها فرضاً ولا نفلاً.
والسادس: أنه إن كان مكلفاً آخر الوقت كان ما فعله مسقطاً للفرض تعجيلاً
نقله أبو الحسين عن أبي عبد الله البصري.
والسابع: أنه إذا اختار وقتاً تعين إلى أن يتضيق، فيتعين بالتضييق، وهو
مذهب أبي بكر الرازي، ومنهم من عبر عنه أن يكون الوجوب مختصاً بالجزء الذي
يتصل الأداء به وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل، ولا يفضل عنه، وحكاه أبو
بكر الجصاص عن الکّرْخِي.
وادعى الصفي الهندي أنه المشهور عند الحنفية، وهو لأن سبب الوجوب
عندهم كل جزء من الوقت على البدل إن اتصل به الأداء وإلا فآخره، إذ يستحيل
٢١٥

أن يكون جميع الوقت سبباً، وإلا لزم الوجوب بعده، وقال: وإنما عددت هذه
الفرقة من المنكرين للواجب الموسع مع قولهم: إن الصلاة مهما أديت في الوقت
كانت واجبة وأداء، لأنهم لم يجوزوا أن يكون الوقت فاضلاً عن الفعل بخلاف
القائلين به، فإنهم يجوزون ذلك.
والثامن: أن الوجوب متعلق بجزء من الوقت غير معين كما تعلق في الكفارات
بواحد غير معين، وتأدي الوجوب فيهما بالغير. حكاه المجد بن تيمية عن بعض
٢٦/ ب المتكلمين قال: وهو أصح عندي / وأشبه بأصولنا في الكفارات، فيجب أن يجعل
مراد أصحابنا عليه.
والتاسع: حكاه الرُّوياني في ((البحر)) عن بعض أصحابنا أن كل جزء من الوقت
له حظ في الوجوب، ولا نقول: وجب بأول الوقت حتى لو أدرك جميع الوقت
نقول: وجب بجميع الوقت، وهذا كالقيام يجب بقدر الفاتحة فلو أطال القيام
بقراءة السورة فالكل واجب. قال: وهذا خلاف المذهب.
تتمَات
الأولى: [هل يستقر الوجوب بمجرد دخول الوقت؟]
حيث قلنا بالواجب الموسع، فهل يستقر الوجوب فيه بمجرد دخول الوقت أو
لا يستقر إلا بإمكان الأداء فيه؟ مذهبان. الأول : هو أصح الروايتين عند الحنابلة،
والثاني: قول أصحابنا كما قاله، الرُّوياني في ((البحر)) وحكي نحوه عن أبي حنيفة.
وقال الشيخ أبو حامد الأسفراينى: مذهبنا أنها تجب بأول الوقت، ويستقر
وجوبها بإمكان الأداء، ويجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، وكذا قال الدارمي في
((الاستذكار)): تجب عندنا بأول الوقت، ويستقر وجوبها بقدر فعلها، وكذا قال
غيرهما من الأصحاب، وحكوا معه وجهين :
أحدهما: أنه يستقر الوجوب قبل إمكان الأداء إلحاقاً لأول الوقت بآخره، وهو
قول أبي يحيى البلخي من أصحابنا، وخَطُّوه بإمكان القضاء في آخر الوقت دون
أوله .
٢١٦

والثاني: لا يستقر حتى يدرك مع الوقت أداء جزء، وهو قول ابن سريج.
قالوا: لأنه لو استقر فرضها في أول الوقت بإمكان الأداء لم يجز أن يقصرها إذا سافر
في آخر وقتها، لاستقرار فرضها، فلما جاز له القصر دل على أنه إنما استقر بآخر
الوقت.
قال الأصحاب: وليس جواز القصر آخر الوقت دليلاً على أن الفرض لم
يستقر، لأن القصر من صفات الأداء. قالوا: وهذا من ابن سريج رجوع إلى
مذهب أبي حنيفة في وجوبها بآخر الوقت.
الثانية: [فائدة الخلاف]
حكى بعضهم أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، لأن القائلين بآخر الوقت
يجوزون فعله أوله، وإنما الخلاف في تسميته واجباً.
وقال القاضي أبو الطيب: تظهر فائدة الخلاف في حكمين مقصودين :
أحدهما: لا يجوز تأخيره عن أول الوقت إلى آخره إلا بشرط العزم على
الصحيح .
والثاني: أن الفعل إذا كان مما يجب قضاؤه، فإذا مضى من أول حال الإمكان
مقدار زمن الإمكان، ثم زال التكليف بجنون أو حيض أو غيره حتى فات وقته
وجب قضاؤه على قولنا، ولا يجب قضاؤه على قولهم.
الثالثة: [الواجب الموسع قد يكون محدوداً وقد يكون وقته العمر]
إذا أثبتنا الواجب الموسع فقد يكون محدوداً بغاية معلومة، كالصلاة، وقد يكون
وقته العمر، كالحج وقضاء الفائت من الصلاة بعذر، فإنه على التراخي على
الصحيح، وسموه الحنفية المشكك، لأنه أخذ شبهاً من الصلاة باعتبار أنه
لا يستغرق الوقت، ومن الصوم(١) باعتبار أن السنة الواحدة لا يقع فيها إلا حَجَّة
واحدة .
والحق: أن الحج لا يسمى موسعاً بالحقيقة، لأنه ليس له وقت منصوص عليه،
(١) كذا في جميع النسخ. والظاهر أنه خطأ، وصوابه: الحج.
٢١٧

والتوسيع والتضييق إنما يكونان في الوقت، ولكن جرينا في هذا التقسيم على عبارة
الجمهور.
أما الأول : فيتضيق بطريقين :
أحدهما: بالانتهاء إلى آخر الوقت بحيث لا يفضل زمانه عنه.
وثانيهما: بغلبة الظن، لعدم البقاء إلى آخر الوقت فإنه مهما غلب ذلك على ظنه
يجب عليه الفعل قبله.
فالحاصل أنه يعصي فيه بشيئين:
أحدهما: بخروج وقته.
والثاني: بتأخيره عن وقت يظن فوته بعده، كالموسع بالعمر.
ونقل ابن الحاجب في ((مختصره)) الاتفاق على عصيانه في هذه الحالة سواء بقي
بعد أم لا، ولو مات في أثناء الوقت لم يعص على الأصح، وقيل: يعصي.
قال في ((المستصفى)): وهو خلاف إجماع السلف. قال: بل محال أن يعصي،
وقد جاز له التأخير، فإن قال: جاز بشرط سلامة العاقبة. قلنا: محال لأن العاقبة
مستورة عنه.
وأما الثاني : وهو في الموسع في العمر فيعصي فيه بشيئين:
أحدهما: بالتأخير عن وقت يظن فوته بعده.
والثاني: بالموت على الصحيح سواء غلب على ظنه قبل ذلك البقاء أم لا، لأن
التأخير له مشروط بسلامة العاقبة، وهو مشكل، لأن العاقبة عنه مستورة،
والثاني: لا يموت عاصياً وهو أشكل مما قبله، لعدم تحقق معنى الوجوب،
والثالث: الفرق فيه بين الشيخ فيعصي، والشاب فلا، وهو اختيار الغزالي،
والصحيح: الأول، ورفع الإشكال عنه سنذكره.
وهذا القسم يخالف ما قبله، فإن الموت في أثناء الوقت لا يعصي به على
الأصح، والفرق بأن بالموت خرج وقت الحج، وبالموت في أثناء وقت الصلاة لم
٢١٨

يخرج وقتها، ونظير الحج: أن يموت آخر وقت الصلاة، فإنه يعصي بخروج
الوقت.
وإذا قلنا : يعصي فله شرطان :
أحدهما: أن لا يعزم على الفعل فإن عزم عليه ومات في أثنائه فلا يعصي
بالإجماع نقله صاحب ((المستصفى)) والآمدي.
قال الغزالي: فإنا نعلم أنهم كانوا لا يؤثمون من مات فجأة بعد انقضاء مقدار
أربع ركعات من وقت الزوال، وكانوا لا ينسبونه إلى تقصير لا سيما إذا اشتغل
بالوضوء، ونهض إلى المسجد، فمات في الطريق، بل محال أن يعصي وقد جوز له
التأخير في فعل ما يجوز، فكيف يمكن تعصيته؟ انتهى.
والثاني: أن يموت بعد أداء إمكان الصلاة، فإن مات قبل الإمكان لم يعص بلا
خلاف. نعمٍ حكوا عن أبي يحيى البلخي من أصحابنا أن الصلاة تجب بأول
الوقت وجوباً مستقراً، وليس إمكان الأداء معتبراً، ولعله يقرب من التكليف
بالمحال.
وقد استصعب إمام الحرمين وصف الصلاة بالوجوب في أول الوقت مع القول
بأن من مات في أثناء الوقت لا يعصي فإنه يؤدي إلى عدم الوجوب، وقال: لا معنى
له إلا على تأويل، وهو أنها لو أقيمت لوقعت على مرتبة الواجبات.
ورده ابن السَّمْعاني في ((القواطع))، وقال: التأخير على هذا الوجه ليس فيه
تفويت المأمور به، فإذا مات بغتة فهو غير مفوت له، لأنه إنما أخر من وقت إلى
مثله، وهذا لا يعد تفويتاً، لأنه فعل ما كان مطيقاً له إلا أنه صار فائتاً بمعنى من
قبل الله تعالى، لا من قبل العبد، فلم يجز وصفه بالعصيان، وهذا كالأمر المضيق
إذا لم تساعده الحياة في ذمته.
وزعم الإمام في ((المحصول)): أن الموسع بالعمر إنما يتضيق بطريق واحد، وهو
التأخير عن وقت يظن فوته فيه. قال: ولو لم نقل به فإما أن يقال بجواز التأخير
أبداً، وهو باطل، لأنه يرفع حقيقة الوجوب، وإما إلى زمن غير معين، وهو باطل،
٢١٩

لأنه تكليف ما لا يطاق، فلم يبق إلا أن نقول: يجوز له التأخير بشرط أن يغلب
على ظنه أنه يبقى سواء بقي أم لا، وإذا غلب على ظنه أنه لا يبقى عصى بالتأخير
سواء مات أم لا .
وهذا الذي قاله قول، والصحيح: أنه يعصي بالموت سواء غلب على ظنه البقاء
أم لا، ولا يلزمه تكليف ما لا يطاق، لأنه كان يمكنه المبادرة، فالتمكين موجود،
١/٢٧ وجواز التأخير بشرط سلامة العاقبة، وتبين خلافه، فتبين عدم الجواز، والوجوب/
محقق مع التمكن فيعصي، ويكون التأخير له ظاهراً وباطناً على رأي الإمام، وظاهراً
فقط على رأي الفقهاء، والباطن مجهول الحال.
وإذا قلنا بالعصيان فهل يتبين ذلك من أول سني الإمكان أو من آخرها أو لا
يضاف إلى سنة بعينها؟ ثلاثة أوجه، أصحها: الثاني.
وغلط المُقْتَرَحُ في ((تعليقه)) على ((البرهان)) حيث قال: وتوهم الإمام أن من مات
ولم يحج انبسطت المعصية على جميع سني الإمكان. وأنه عاص في كل زمن ولم يقل
به أحد، وإنما يعصي بترك الفعل المطلوب. انتهى.
بقي الإشكال في قولهم: جواز التأخير بشرط سلامة العاقبة وأن ذلك ربط
للتكليف بمجهول. قال ابن القشيرى: هذا هوس، لأن الممتنع جهالة تمنع فهم
الخطاب، أو إمكان الامتثال، فأما تكليف المرء شيئاً مع تقدير عمره مدة طويلة
وتنبيهه أنه إذا امتثله خرج عن العهدة، وإن أخلى العمر منه تعرض للمعصية فلا
استحالة فيه.
ورده بعضهم بأن سلامة العاقبة متعلق الجواز، والجواز ليس بتكليف بل مباح،
ولا يلزم من ترك المباح تكليف مالا يطاق، بل غايته أنه يلزمه الشك في الإباحة.
وقال ابن حزم في كتاب ((الاحكام)): سأل أبو بكر محمد بن داود من أجاز تأخير
الحج ، فقال: متى صار المؤخر للحج إلى أن مات عاصياً؟ أفي حياته؟ هذا غير
قولكم، أو بعد موته؟ فالموت لا يثبت على أحد معصية لم تكن لازمة في حیاته.
فأجابه أبو الحسين بن القَطَّان الشافعي، فقال: إنما كان له التأخير بشرط أن
يفعل قبل أن يموت، فلما مات قبل أن يفعل علمنا أنه لم يكن مباحاً له التأخير.
٢٢٠
٠