Indexed OCR Text
Pages 161-180
فإن ما لم يوجد فيه حكم شرعي كان على حكم العقول من الإباحة في رأي أو على الحظر في رأي وإن كان من العلماء من لا يُجُوِّز خلو واقعة عن حكم لله متلقى من الشرع كالصيرفي؛ وهو اختيار إمام الحرمين. وهو الحق عندنا. فعلى هذا الشافعي يبني على الإباحة تلقياً من الأئمة. وأبو حنيفة يبنى على الحظر تلقياً من الشرع، فلا مخرج عن الشرع. اهـ . وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ: أنه قال: لم يخل العقل قط من السمع، ولا نازلة إلا وفيها سمع أولها تعلق به. أولها حال يستصحب. قال: فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف. وقال الأستاذ أبو منصور: فائدة هذه المسألة اليوم مع قولنا إنه لم يخل زمان العقلاء عن شرع وتكليف من الله يظهر في حادثة تقع ليس فيها نص ولا إجماع ولا قياس: فيكون الحكم فيها عند جمهور أصحابنا الوقف مع نفي المدح والذم عمن اعتقد فيها حظراً أو إباحة أو وقفاً. ويكون حكمها الحظر عند القائل به قبله . قال القاضي أبو الطيب الطبري وتبعه صاحب ((القواطع)): فائدة هذه المسألة في الفقه أن من حرّم شيئاً أو أباحه، فقال : طلبت دليل الشرع فلم أجده فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ذلك أم لا؟ وهل هذا دليل يلزم خصمه أم لا؟ وهذا أمر يحتاج الفقيه إلى معرفته والوقوف على حقيقته. قال القاضي أبو الطيب: سمعت ابن داود يحتج على إباحة استعمال أواني الذهب والفضة في غير الشرب. فقال: الأصل في الأشياء الإباحة، وقد ورد الشرع بتحريم الشرب فوجب أن يبقى ما عداه على التحليل. فقال بعض أهل العلم، لهذا المحتج: مذهب داود أن هذه الأشياء موقوفة على ما يرد به الشرع. وحينئذ فلا يجوز إثبات إباحتها بهذا الطريق، ولا تكون إباحتها بعدم دليل شرعي أولى من حظرها، وبطل بهذا حجة المحتج. اهـ. ومما يتخرج على هذا ما لو لم يجد العامي في هذه المسألة، ولا غيرها حكم واقعة ١٦١ وقعت له، ولا ناقل حكمها. قال ابن الصلاح: فهذه مسألة فترة الشريعة وحملها كما قبل ورود الشرع. والصحيح منه: لا تكليف حكاه عنه في الروضة وأقره؛ وخرج في ((شرح المهذب)) عليه النبات المجهول سَمِّيَّتْهُ، واللبن المجهول كونه لبن مأكول أو غيره. ورجح الإباحة. وهذا ضعيف لأن اللبن قد علم حكم الشرع فيه وما يباح منه وما يحرم. فالموجود فيه حكم ولكنه متردد بين تحريم وإباحة فلا يحسن تخريجه على هذا الأصل. وأما النبات فلا يبعد تخريجه فيه كحيوان لم يرد فيه نص بحل ولا حرمة . وقد ذكر الرافعي في الأطعمة: أن الماوَرْدي خرجه على هذا الأصل، وكذلك خرجٍ عليه الماوَرْدي الشعر المشكوك في طهارته ونجاسته، والنهر المشكوك في كونه مملوكاً أو مباحاً: وهو تخريج ضعيف، لما بينا في اللبن المجهول. ولو وقع رجل على طفل من الأطفال إن أقام على أحدهم قتله، وإن انتقل إلى آخر من جيرانه قتله. قال الشيخ عز الدين في ((قواعده)): قد قيل: ليس في المسألة حكم شرعي، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها. ولم نر للشريعة التخيير بين هاتين المفسدتين. فلو كان بعضهم مسلماً، وبعضهم كافراً فهل يلزمه الانتقال إلى الكافر، لأن قتله أخف مفسدة من قتل الطفل المحكوم بإسلامه؟ الأظهر عندي : أنه يلزم ذلك لأنا نجوز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم حيث لا يجوز ذلك في أطفال المسلمين. وبنى في موضع آخر على هذا الأصل ما إذا لم يكن في الفعل مصلحة ما، ولا مفسدة ما كتحريك الأصبع في الهواء لغير دفع ولا نفع. قال: فالذي أراه أنه مقرر على ما كان قبل ورود الشرع، إذ ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أنه مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك ولا مأذون فيه بل يكون كفعل المجانين والصبيان ومن لم تبلغه الدعوة. وبنى الماوَرْدي والرُّويانى في كتاب القضاء على هذا الخلاف أيضاً تقرير النبي ١٦٢ صلى الله عليه وسلم غيره على فعل من الأفعال هل يدل على الجواز من جهة الشرع، أو من جهة البراءة الأصلية. وكون الأصل هو الإباحة؟ فإن قلنا: أصل الأشياء على التحريم دلّ التقرير على الجواز شرعاً، وإن قلنا: أصلها الإباحة فلا. وسيأتي في كتاب السنة إن شاء الله تعالى. والتحقيق: أن تخريج هذه الفروع كلها لا يستقيم لأمرين: أحدهما : أن الأصل المخرج عليه ممنوع في الشرع؛ وإنما ذكره الأئمة على نقدير التنزيل لبيان إبطال أصل التحسين والتقبيح العقليين بالأدلة السمعية. فإن الشرع عندهم كاشف لا يمكن وروده بخلاف العقل؛ ومن أطلق من الأصحاب الخلاف ينبغي حمله على أنه هل يجوز الهجوم عليه ابتداء أم يجب التوقف إلى البحث عن الأدلة الخاصة؟ فإن لم نجد ما يدل على تحريمه، فهو حلال بعد الشرع بلا خلاف. وإنما ينبغي أن يكون مأخذ الخلاف أن الحلال هل هو ما لم يدل دليل على تحريمه أو ما دل دليل على إباحته؟ الثاني : أن الكلام فيما قبل الشرع، وهذه حوادث بعد الشرع؛ وكأنهم رأوا أن ما أشكل أمره يشبه الحادثة قبل الشرع، لكن الفرق بينهما قيام الدليل بعد الشرع فيما أشكل أمره أنه على العفو. [التنبيه] الثالث [تصحيح الوَقف هَل يستقيم؟] قيل: كيف يستقيم تصحيح الوقف في هذه المسألة مع ما سيأتي في الأدلة المختلفة فيها أن الأصل في المنافع هو الإباحة على الصحيح؟ قلت : الخلاف هنا فيما قبل الشرع، وهناك فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، ولهذا. عبروا ثَمَّ بالإباحة التي هي حكم شرعي. ١٦٣ مسألة جَوَاز فتور الشَّرَيعَة أجمعوا كما قال الغزالي في آخر ((المنخول)) على جواز فتور الشريعة بالنسبة إلى من قبلنا خلافاً للكعبي، لأجل قوله بالمصالح . وأما بالنسبة إلى شريعتنا فمنهم من منعه. وفرق بأن هذه الشريعة خاتمة ١/٢٠ الشرائع /، ولو فترت بقيت إلى يوم القيامة. قال: والمختار أنها كشرع من قبلنا في ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله. وفي الحديث (يأتي عليكم زمان يختلف رجلان في فريضة فلا يجدان من يقسم بينهما) وأما قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [سورة الحجر / ٩] فيمكن تخصيصه بالقرآن دون سائر أحكام الشرع. هذا كله في الجواز العقلي. أما الوقوع ففيه تفصيل يغلب على الظن: وهو أن القيامة إن قامت على قرب فلا تفتر الشريعة، ولو امتدت إلى خمسمائة سنة مثلاً. لأن الدواعي متوفرة على نقلها في الحال فلا تضعف إلا على التدريج، وإن تطاول الزمن فالغالب فتوره، إذ الهمم مصيرها إلى التراجع ثم إذا فترت ارتفع التكليف وهي كالأحكام قبل ورود الشرع. وزعم الأستاذ أبو إسحاق أنهم يكلفون الرجوع إلى محاسن العقول. قال: وهذا لا يليق بمذهبنا فإنا لا نقول بالتحسين والتقبيح العقليين. اهـ. وهذه ترجع إلى المسألة الآتية في الاجتهاد في خلو العصر عن المجتهد. مسألة [تقدير خلو واقعَه عَن حكم الله] في تقدير خلو واقعة عن حكم الله تعالى مع بقاء الشريعة على نظامها. ١٦٤ قال الغزالي: قد جوزه القاضي حتى كاد يوجبه. وقال: المآخذ محصورة والوقائع لا ضبط لها فلا تستوفيها مسالك محصورة. قال: والمختار عندنا: إحالة ذلك وقوعاً في الشرع لا جوازاً في العقل، لعلمنا بأن الصحابة على طول الأعصار ما انحجزوا عن واقعة، وما اعتقدوا خلوها عن حكم الله تعالى، بل كانوا يهجمون عليها هجوم من لا يرى لها حصراً. ورأيت في كتاب ((إثبات القياس)) لابن سُرَيج ليس شيء إلا ولله عز وجل فيه حكم، لأنه تعالى يقول: ﴿إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾ [سورة النساء / ٨٦] ﴿وكان الله على كل شيء مقيتا﴾ [سورة النساء / ٨٥] وليس في الدينا شيء يخلو من إطلاق أو حظر أو إيجاب، لأن جميع ما على الأرض من مطعم أو مشرب أو ملبس أو منكح أو حكم بين متشاجرين أو غيره لا يخلو من حكم ويستحيل في العقول غير ذلك، وهذا مما لا خلاف فيه أعلمه، وإنما الخلاف كيف دلائل حلاله وحرامه؟ مسألة [أحكام الشرع ثابتة الى يَوم القيامَة] كل حكم ثبت لنا بقول الله أو بقول رسوله أو بإجماع أو قياسٍ فهو دائم إلى يوم القيامة؛ وأما قول النبي وَله: (ينزل عيسى بن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية) فقيل: يضعها عليهم بعد أن يرفعها، فلا يقبل منهم إلا الإسلام. واستشكل بأنه نزل مقرراً لشريعة نبينا ومن شريعته إقرارهم بالجزية؛ وقيل: بل من شريعته في ذلك الوقت عدم التقرير، لا يصح، لأن شريعته ما أتى بها وهو قبل شرع الجزية. وقضيته بقاؤه إلى يوم القيامة لما سلف. وفي الباب حديث رواه أبو القاسم الطبراني في معجمه: حدثنا يحيى بن عثمان ١٦٥ ابن صالح البصري حدثنا نعيم بن حماد المروذي حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: (أنتم في زمان من ترك عشر ما أمر به هلك، وسيأتي عليكم زمان من عمل بعشر ما أمر به نجا) وهذا الحديث تفرد به عن سفيان نعيم بن حماد المَرْوذى، وكان يقول: هذا الحديث ينكرونه علي، وإنما كنت مع سفيان فمر يمشي فأنكره، ثم حدثني به. وحكى العباس بن مصعب أن نعيماً هذا ناقض محمد بن الحسن ووضع ثلاثة عشر كتاباً في الرد على الجهمية. وخرج إلى مصر وأقام بها نيفاً وأربعين سنة، ثم حمل إلى العراق مع البويطي في امتحان القرآن مقيدين فمات نعيم في الحبس بسُرٍّ مَنْ رَأى سنة تسع وعشرين ومائتين. ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال: يحدث للناس في كل زمان من الأحكام ما يناسبهم؛ وقد يتأيد هذا بما في البخاري عن عائشة أنها قالت: لو علم النبي ◌ّ﴾ ما أحدثته النساء بعده لمنعهنّ من المساجد. وقول عمر بن عبد العزيز يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور. أي يجددون أسباباً يقضي الشرع فيها أموراً لم تكن قبل ذلك، لأجل عدمه منها قبل ذلك، لا لأنها شرع مجدد. فلا نقول: إن الأحكام تتغير بتغير الزمان بل باختلاف الصورة الحادثة. وقال الشيخ نجم الدين البالسيٍ: وكنت أنفر من هذا القول وأعلل فساده بأن صاحب الشرع شرع شرعاً مستمراً إلى قيام الساعة مع علمه بفساد الأمر فيهم. ثم رأيت في ((النهاية)) قد قرر ما في نفسي، فقال قدس الله روحه: لو كانت قضايا الشرع تختلف باختلاف الناس وتناسخ العصور لانحلّ رباط الشرع. قال: ولما ذكر صاحب ((التقريب)) مقالات الأصحاب في التعزير روى الحديث في نفي الزيادة على عشرة أسواط، ثم قال: ولو بلغ الشافعي لقال به. انتهى. وقد أكثر الرُّوياني في ((الحلية)) من اختيارات خلاف مذهب الشافعي، ويقول: في هذا الزمان. ١٦٦ وقال العبادي في ((فتاويه)): الصدقة أفضل من حج التطوع في قول أبي حنيفة، وهي تحتمل في هذا الزمان. وأفتى الشيخ عز الدين بالقيام للناس. وقال: لو قيل بوجوبه في هذه الأزمنة لما كان بعيداً، وكل ذلك فإنما هو استنباط من قواعد الشرع لا أنه خارج عن الأحكام المشروعة. فاعلم ذلك فإنه عجيب. مسألة [مجَرد السكوت لايدل عَلى مَا عدا المذكور] ذكرها ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) ذيل هذه، فقال: مجرد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور كما يدل عند من يذهب إلى أن أصل الأشياء على الإباحة، وإنما هو بحسب الحال وقيام الدليل. وذلك على ضروب. أما سكوت النبي وَله عن الشيء يفعل بحضرته ولا ينكره فدليل الجواز. وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب السنة. وأما الشيء إذا كان له أصل في الوجوب أو السقوط فإن السكوت عنه في بعض الأحوال استغناء بما تقدم من البيان فيه، وليس تكرير البيان واجباً في كل حال. ومراتب الاستدلال بالسكوت تختلف فأقوى ما يكون منه إذا كان صاحب الواقعة جاهلاً بأصل الحكم في الشيء ولم يكن من أهل الاستدلال. كالأعرابي الذي سأل النبي ◌َّ وقد أحرم وعليه الجبة فقال: (انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة) وسكت عن الكفارة فدل على سقوطها عن الجاهل والساهي ولو كانت واجبة لذكرها، إذ لم يكن يجوز إهمال ذكرها تعويلاً على معرفة الله بالحكم. ودون هذا في المرتبة خبر الأعرابي المجامع في شهر رمضان فکان قوله: (افعل كذا) دليلا على أنه يجزىء عنه وعن زوجته. وإنما كان هذا أضعف من دلالة الخبر الأول، لأن السائل في هذا الخبر قد أنبأ عن علته، فإنه ارتكب معصية، لقوله: ((هلكت ١٦٧ وأهلكت))، وإذا كان المبتلى بالحادثة من أهل الاستدلال كان دليل السكوت فيه ٢٠/ب أوهى / وأضعف. وأما قول الشافعي فيما خرج عن السبيلين ذكر الله الأحداث في كتابه، ولم يذكر هذا ﴿وما كان رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [سورة مريم / ٦٤] فإن قوماً من أصحابنا تعلقوا به أنه إنما رده إلى سقوط التكليف إلا بدليل؛ وليس الأمر كذلك عند عامة الأصحاب، وإنما وجهه ومعناه أن المتطهر على طهارته، ولا ينتقض وضوؤه إلا بحدث ومالم تقم دلالة على الحدث فأصل الطهر كاف فيه؛ وقد قال عليه السلام: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً) ومن احتج بقوله: (وما سكت عنه فهو عفو) فليس بجيد، لأنه لا يمكن إجراؤه على عمومه. فائدة ادعى الشافعي الإجماع على أن المكلف لا يجوز له الإقدام على فعل شيء حتى يعلم حكم الله فيه، وكذلك حكاه الغزالي في ((المستصفى)) واستشكله بعضهم بتصريحهم بالبراءة الأصلية، وأنه لا حرج في الإقدام إذ ذاك، إذ لا حكم. وقال بعض المتأخرين: الإجماع محمول على ما إذا أقدم بلا سبب، ومحل عدم الحرج ما إذا أقدم مستنداً إلى البراءة الأصلية، وقيل: بل المنفي في كلامهم هو الجواز الشرعي؛ وهو حق، إذ الغرض أن لاحكم فلا جواز لكنه إذا أقدم فلا يعاقب إذ لا حكم. مسألة [تعريف الحسن والقبح] كان من حقها أن تذكر صدر الأصل السابق وهو تعريف الحسن والقبح. قد أطلق الأصوليون القول بمقابلة الحسن بالقبيح، وإنما يقابل الحسن بالسيء ١٦٨ والقبيح بالجميل، كما قال الله تعالى: ﴿إِن أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأنْفُسِكُم وإن أسأتم فلها﴾ [سورة الإسراء / ٧] وقال: ﴿ولا تستوي الحَسَنَةُ ولا السَيِّئَةُ﴾ [سورة فصلت / ٣٤] ومن حكم التقابل مقابلة الأعم بالأعم والأخص بالأخص، والقبيح أخص من السيء كما أن الجميل أخص من الحسن وأبلغ من المدح معه؛ ولذلك يقال: حسن جميل، ولا يقال: جميل حسن، لأنه لا ينزل من الأعلى إلى الأدنى بخلاف العكس. وأما حقيقتهما في الاصطلاح فيؤول إلى تعلق الخطاب بالشيء على صفة، وليسا راجعين إلى الذوات كما سبق خلافاً للمعتزلة والكرامية والروافض، حيث قالوا: إلى نفس الذوات الحسنة والقبيحة؛ ويرون ذلك من صفات نفوسها. هذا قول القدماء منهم. وذهب بعضهم إلى اختصاص هذا المعنى بالقبيح فرأوه راجعاً إلى الذات بخلاف الحسن. وعكس بعضهم فرأى الحسن يرجع إلى الذات بخلاف القبيح. وأنكر إمام الحرمين هذه المذاهب الثلاثة، وزعم أنهم إنما يريدون بما أطلقوه من صرف الحسن والقبح إلى أعين الذات أن ذلك يستدرك فيها بالعقول من غير حاجة إلى بعث الرسول. انتهى. وقال قوم من المعتزلة: العقل يقتضي لذاته صفة وتلك الصفة توجب الحسن أو القبح، كالصوم المشتمل على كسر الشهوة المقتضي عدم المفسدة. وكالزنى المشتمل على اختلاط الأنساب المقتضي ترك تعهد الأولاد. قال الجبائي وأتباعه بوجوه واعتبارات بمعنى أن لكلّ صفةً لكن هي غير حقيقية . وفي كلام ((الإحكام)) ما يظهر منه أن مذهب الجبائي الذي قبل هذا. وقد اضطرب أصحابنا في الفصل بينهما، فقيل: الحسن ما طلبه الشرع وأثنى عليه فيتناول الواجب والمندوب، والقبيح ما طلب تركه وذم فاعله فيتناول الحرام والمكروه. قاله ابن القُشَيْرى وابن السَّمْعاني في ((القواطع)). ونقله ابن برهان عن أصحابنا وأورد المباح وأجيب بإثبات الواسطة، وأنه لا حسن ولا قبيح، ١٦٩ كقول بعض المعتزلة. وجزم به إمام الحرمين في ((التلخيص)) في الباب المفرق بين الإباحة والأمر، وجرى عليه ابن القشيري. وقال ابن برهان: بل أذن الشارع في إطلاق الثناء على فاعله فهو داخل في الحسن . اهـ. وهذا إنما يتحقق على رأي الكعبي في قوله: إن في كل مباح ترك حرام. ولهذا الإشكال قال الأستاذ أبو إسحاق: الحسن هو المأذون فيه شرعاً فدخل المباح، ونوقش بأن المباح يقتضي وصفاً زائداً على الماهية، ومجرد الإذن لا يدل على ذلك. وقال الإمام في ((التلخيص)) الحسن كل فعل لنا الثناء شرعاً على فاعله به، والقبيح كل فعل لنا الذم شرعاً لفاعله به. قال: والقاضي يقول: ما أمر بمدح فاعله وفيها شيء. لأن المباح حسن ولا يمدح فاعله . والذي ارتضيناه أسدّ وقد سبق عنه التصريح في موضع آخر من ((التلخيص)) أنه لا حسن ولا قبيح. وقال الإمام في ((المحصول)) القبيح: ما نهى عنه شرعاً، والحسن: مالا يكون منهياً عنه شرعاً ويندرج فيه أفعال الله تعالى، وأفعال المكلفين من الواجب والمندوب والمباح، وأفعال الساهي والنائم والهائم. قال: وهو أولى من قول من قال: الحسن ما كان مأذوناً فيه شرعاً، لأنه يلزم عليه أن لا يكون أفعال الله حسنة. وخص ابن السَّمْعاني التقسيم بأفعال المكلفين، وقال: أما مالا صفة زائدة على وجوده كبعض أفعال الساهي والنائم فلا يوصف بحسن ولا قبيح إذا لم يكن فيه مضرة ولا منفعة؛ فإن كان، فقد قيل: يوصف بهما. وقيل: لا يوصف بشيء منهما وهو الأولى؛ لأن الحسن والقبيح يتبع التكليف، فمن ليس بمكلف لا يوصف فعله بشيء منهما. قال: وهكذا كل فعل يصدر ممن لا تكليف عليه. قلت : هذا أحسن من جعل الإمام والبيضاوي له من قسم الحسن، ولم يجعل ١٧٠ ٠ الآمدي هذا خلافاً بين الأصحاب بل إطلاقات الأصحاب باعتبارات. فقال: في ((الأبكار)): مذهب أهل الحق من الأشاعرة وغيرهم أن الحسن والقبيح ليس وصفاً ذاتياً بل لإطلاق لفظ الحسن والقبيح عندهم باعتبارات غير حقيقية بل إضافية يمكن تغيرها وتبدلها، وهي ثلاثة: الأول : أن الأفعال تنقسم إلى ما وافق الغرض فيسمى حسناً، وإلى ما خالف الغرض فيسمى قبيحاً، وإلى ما لا يوافق ولا يخالف فيسمى عبثاً. الثاني : إطلاق الحسن على ما أمر الشرع بالثناء على فاعله. ويدخل فيه الواجب والمندوب وفعل الله، ويخرج منه المباح. ولو قيل: ما يجوز الثناء على فاعله لدخل المباح، وإطلاق القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله ويدخل الحرام ويخرج المكروه والمباح. لكن المكروه إن لم يكن قبيحاً بهذا الاعتبار فليس حسناً باعتبار أن لفاعله أن يفعله أو أنه موافق للغرض. الثالث : إطلاق الحسن على ما لفاعله أن يفعله ويدخل فيه مع فعل الله الواجب والمندوب والمباح. قال: واتفقوا على أن فعل الله حسن بكل حال وأنه موصوف بذلك أبداً سرمداً وافق الغرض أو خالف. وأن ذلك مما لا يتغير ولا يتبدل بنفسه ولا إضافة لكن إن كان بعد ورود الشرع ففعله موصوف بكونه حسناً بالاعتبارين الأخيرين؛ وإن كان قبل الشرع فموصوف بكونه حسناً بالاعتبار الأخير فيهما. اهـ. وأما المعتزلة فاختلفوا أيضاً. فقال بعضهم: القبيح ما ليس للمتمكن منه أن يفعله، والحسن ما يقابله، فعلى /- هذا المباح حسن. ونازع المازَرى في دخول الواجب فيه. لأنه عليه أن يفعله ولا يقال: إن له أن يفعله وهو قريب. ١/٢١ وقال جماعة منهم أبو الحسين في ((المعتمد)): الواقع على صفة توجب المدح حسن وعلى صفة توجب الذم قبيح. وما لا يشتمل على أحدهما كالمكروه والمباح فليس بحسن ولا قبيح . ١٧١ وأصل هذا التفسير منهم مبني على أن العقل له التحسين والتقبيح. والمراد من الذم كما قاله الآمدى الإخبار المنبىء عن نقص حال المخبر عنه مع القصد لذلك، ولولا القصد لما كان ذماً. قال: وقد زيد في القبيح ما يستحق فاعله الذم مالم يمنع منه مانع، وقيدوه بذلك، لأن من أصلهم أن الصغائر قبيحة غير أنها لا تستحق على فعلها الذم إذا صدرت ممن يجتنب الكبائر. وأصل هذا الاختلاف منهم يرجع إلى تفسير الحسن والقبح هل يختص بصفة موجبة لتحسينه وتقبيحه. وهو مذهب الجبائي أو لا؟ فمن قال: يختص فسره بالأول، ومن قال: لا يختص فسره بالثاني. اهـ. والمختار : أن حسن الشيء شرعاً لا يرجع إلى وصف تضمنه من الحسن، ولكن معناه إذْنُ الشرع فيه ودفع العقاب عنه. [أقسام الحسن] وقسمه إلْكِيا الطبري إلى أقسام : أحدها: ما حسنه الشرع لمعنى في عينه، كالإيمان، والصلاة، وضده من القبيح الزنى والقتل، فكل منهما لا يتغير عن وصفه بتقدير. الثاني: ما حسن لمعنى في غيره كالزكاة فإنها تمليك لمال الغير، وحسنها من حاجة الفقير؛ وكذا الصوم فإنه ترك الأكل ولكن حسن بواسطة قهر النفس الأمارة بالسوء وضده من القبيح كلمة الردة، فإنها قبحت، لدلالتها على سوء الاعتقاد. وهذا النوع قد يُزايله وصف القبح بالإكراه؛ وكتناول الميتة فإنه حرام نظراً إلى التناول، وقد يحل عند الضرورة. الثالث: ما حسن لمعنى في غيره وذلك المعنى لا يتم إلا بفعل مقصود من العبد كالسعي إلى الجمعة والوضوء على رأي، فلا جرم انحط عن القسمين للتوسط حتى اختلف في كونه عبادة أم لا، ويأتي ضده في القبيح. ١٧٢ فائدة [الأفعَال خَمسَة اقْسَام] تلخص مما سبق أن الأفعال خمسة أقسام: الأول : حسن بلا خلاف، وهو الواجب والمندوب، وكذلك أفعال الله تعالى، وسبق نقل الآمدي فيه الإجماع. الثاني: حسن على الأصح وهو المباح. الثالث: قبيح بلا خلاف وهو الحرام. الرابع: قبيح على الأصح؛ وهو المكروه كراهة تنزيه إن فسرنا القبيح بما نهي عنه شرعاً، وإن فسرناه بما يذم فلا يوصف به؛ وكذا لا يوصف بالحسن، إذ لا يثنى على فاعله، وهو ما جزم به إمام الحرمين وأثبت به الواسطة بين الحسن والقبح . الخامس: مالا يوصف بواحد منها على الأصح، وهو فعل غير المكلف وفاقاً لابن السَّمْعاني، والخلاف فيه عند المعتزلة أيضاً. حكاه الآمدى في ((الأبكار)). مسألة [الأمر لا يقتضي حسن المأموربه] الأمر لايقتضي حسن المأمور به، لأن الحسن لا يرجع إلى وصف الفعل بل إلى الأمر بالثناء على فاعله. وعن المعتزلة أنه يقتضيه. قال القاضي: وحكايته هكذا غلط عليهم، وإنما مذهبهم أن الأمر يقتضي كون ١٧٣ المأمور به مراداً للآمر؛ ثم قالوا: لما تعلقت إرادتنا بالحسن والقبح لم يدل تعلق أمرنا بالمأمور على حسنه، والرب تعالى لا يريد إلا الحسن، وتعلّق أمره بالمأمور يقتضي كونه مراداً له؛ ثم حيث عرفنا أنه لا يريد القبيح فيتوصل إلى كون المأمور به قبيحاً. وأما نحن فلا نقول: إن الأمر بالفعل يقتضي حسنه، ولكن إن ورد الأمر بالثناء على فاعله فنحكم بحسنه للأمر الثاني. ١٧٤ فصل [خطاب التكليف] إذا ثبت بطلان التحسين والتقبيح العقليين وتقرر أنه لا حاكم إلا الشرع، فلنشرع في تبيين خطاب التكليف، ثم خطاب الوضع فنقول: الخطاب إن اقتضى الفعل اقتضاء جازماً فإيجاب، أو غير جازم فندب. وإن اقتضى الترك جازما فتحريم أو غير جازم فكراهة؛ وإن اقتضى التخيير فإباحة. فالأحكام إذن خمسة هذا هو المشهور. ورأيت في ((تعليق)) الشيخ أبي حامد في أول كتاب النكاح أنها ثلاثة: واجب ومحظور، ومباح. ولعله أراد بالواجب الطلب وبالمحظور الممنوع. وقيل: اثنان: حرام ومباح؛ وفسرت الإباحة بنفي الحرج عن الإقدام على الفعل، فيندرج الواجب والمندوب والمباح. وبقي شيئان: أحدهما: خلاف الأولى وهو قسم من أقسام المكروه، لكن فرقوا بينهما بأن المكروه ما ورد فيه نهى مقصود وخلاف الأولى بخلافه؛ فترك صلاة الضحى خلاف الأولى، ولا يقال: مكروه؛ والتقبيل للصائم مكروه. والصحيح: أن صوم عرفة للحاج خلاف الأولى لا مكروه وكذا الحجامة إن لم نقل تفطر، وكذا تفصيل أعضاء العقبقة قال في ((شرح المهذب)): والأصح: أنه غير مكروه، لأنه لم يثبت فيه نهي مقصود . الثاني: أن من الأحكام ما لا يوصف بحل ولا حرمة، كوطء الشبهة على أصح الوجوه الثلاثة مع أن لله فيها حكماً. ١٧٥ فصل [في الوَاجب] الوجوب لغة: اللزوم، ومنه وجب البيع إذا لزم، والسقوط. ومنه ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [سورة الحج / ٣٦] والثبوت ومنه (اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك). وفي الاصطلاح: لنا إيجاب ووجوب وواجب. فالإيجاب : الطلب القائم بالنفس وليس للعقل منه صفة، فإن القول ليس لمتعلقه منه صفة لتعلقه بالمعدوم. والوجوب : تعلقه بأفعال المكلفين. فالواجب : نفس فعل المكلف، وهو المقصود ههنا بالتحديد. وقد ذكروا فيه حدوداً فقالت القدماء: ما يعاقب تاركه. واعترض بجواز العفو. وأجيب: إنما يرد لو أريد إيجاب العقاب؛ وأما إذا أريد أنه أمارة أو سبب للعقاب فلا يجوز أن يتخلف لمانع، وهو العفو. ومنهم من اعتذر بأن الخلف في الوعيد كرم وهو فاسد، لأن كلام الله تعالى يستحيل الخلف فيه لذاته. وأجاب ابن دقيق العيد بحمل العقاب على ترك جنس ذلك الفعل، وحينئذ لا يبطل باحتمال العفو إلا إذا وقع العفو عن كل فرد من أفراد التارك، وهذا بالنسبة إلى كل الأفراد من الواجبات لا يصح لدلالة الدليل الشرعي على عقاب بعض العصاة . وأجاب العبدرى في شرح ((المستصفى)) بأنه ليس في الشريعة توعد بالعقاب مطلق بل مقيد بشرط أن لا يتوب المكلف ولا يعفى عنه. ١٧٦ وقد قال القاضي رحمه الله: لو أوجب الله علينا شيئاً لوجب وإن لم يتوعد بالعقاب على تركه، فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالتوعد لكن هذا مردود، إذ لا یعقل وجوب بدون توعد. وحكى الأستاذ أبو إسحاق عن الفقهاء أنهم عرفوه بما يستحق اللوم / على ٢١/ب ترکه. وحكى القاضي الحسين في كتاب الإيمان من ((تعليقه)) عن أصحابنا أنهم حدّوا الواجب بما يخشى العقاب على تركه. قال: ولا يلزم عليه القصر في السفر، لأنه تركه إلى بدل. انتهى. وزيفه إمام الحرمين بما يظن وجوبه، وليس بواجب، فإنه يخاف العقاب على تركه مع انتفاء الوجوب. وقيل: هو المطلوب جزماً، ثم العقاب، أو اللوم، أو الذم يكون من أشارة تعرف بدليل آخر، ولا يجوز تحديد الشيء بآثاره. وأما المتأخرون فالمختار عندهم ما قاله القاضي أبو بكر: أنه الذي يذم تاركه شرعاً بوجه مّا. فالمراد بالذم ما ينبىء عن اتضاح حال الغير، وتارك الواجب وإن عفى عنه، فالذم من الشارع لا ينفك عنه وأقله أنه يسميه عاصياً، وهو ذم قطعاً، ولا يكرمه مثل إكرام الآتي به، وإن عفى عنه، إذ يسلبه منصب العدالة. وقيل: شرعاً ليوافق مذهبنا، وبوجه مّا ليدخل الواجب الموسع والمخير والفرض على الكفاية. لأنه وإن كان لا يذم تارك الصلاة في أول الوقت مع اتصافها بالوجوب فيه لو وقعت، لكن لو تركها في جميع الوقت أو في أوله ولم يعزم على فعله فيما بعده لاستحق الذم وإن كان لا يستحق الذم على رأي الجاعل للعزم بدلاً عنه وكذا القول في الواجب المخير، وأنه لو ترك كل الخصال استحق الذم، وإن كان لا يستحق ذلك على ترك بعضها وفعل البعض الآخر؛ وكذا القول في فرض الكفاية، فإنه لو تركه البعض وقام به البعض لا يذم تاركه. أما لو تركه الجميع حرجوا جميعاً ولا يرد عليه النائم والناسي وصوم المسافر كما قاله ابن الحاجب، إذ لا وجوب في حقهم على قول المتكلمين. والقاضي منهم. ١٧٧ أما على رأي بعض الفقهاء فقد أجيب بأنهم لا يذمون على بعض الوجوه، فإنه لو انتبه أو تذكر ذم. فإن قلت: الذامّ إما أن يكون صاحب الشرع أو أهل الشرع. أما الأول فباطل، لأن الشارع ما نص على ذم كل تارك بعينه، وأما أهل الشرع فإنما يذمون من علموا أنه ترك واجباً، فذمهم موقوف على معرفتهم بالواجب، فلو عرف به لدار. والجواب: ما قاله السهروردي: نختار أن الذام هو الشارع بصيغ العموم ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ [سورة البقرة / ٢٢٩] ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ [سورة آل عمران / ٨٢] ولأن التارك عاص، وكل عاص مذموم العامة. سلمنا. ولا دور، لأن تصور الواجب موقوف على تصور الذم، وتصور الذم من أهل الشرع ليس موقوفاً على تصور الواجب، فلا دور. وأورد في ((المحصول)) السُّنّة فإن الفقهاء قالوا: إن أهل محلة لو اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار فإنهم يحاربون بالسلاح، وهذا لم يقولوه بالنسبة إلى سنة الفجر بل بالأذان والجماعة ونحوها من الشعائر الظاهرة. ومع ذلك فالصحيح: أنا إذا قلنا بسنيتها لا يقاتلون على تركها خلافاً لأبي إسحاق المَرْوَزى، وإن جرينا على هذا القول فالمقاتلة على ما يدل عليه الترك من الاستهانة بالدين لا على خصوصية ترك السنة من حيث هي. تنبيهان [التنبيه] الاول قد يطلق الفقهاء الفرض على مالابدّ منه دون ما يلحق الإثم بتركه، كقولهم : . وضوء الصبي فرض. ولهذا حكموا على ماء يتوضأ به بالاستعمال كوضوء البالغ للنفل، وقد يطلقونه على ما قصد به مشاكلة الفرض، لتحصيل فضيلة أو مصلحة ١٧٨ لم تتحقق بالأول، وإن لم يأثم بتركه كالصلاة المعادة. ولهذا ينوي بها الفرض في الأصح، وصلاة الطائفة الثانية على الميت تقع فرضاً وإن سقط الطلب بالأولى وغير ذلك. [التنبيه] الثاني [أقسَام الوَاجب] الوجوب يطلق تارة بمعنى الثبوت في الذمة وهو شائع في إطلاق الفقهاء، وتارة بمعنى وجوب الأداء، وهو اصطلاح المتكلمين. فالواجب أقسام : أحدها: ما يثبت في الذمة، ويطالب بأدائه كالدين على الموسر ونحوه. وثانيها: ما يثبت في الذمة، ولا يطالب بأدائه، كالزكاة بعد الحول وقبل التمكن . الثالث: مالا يثبت في الذمة، ولكن يجب أداؤه كقول أصحابنا: إن الدعوى بالدية المأخودة من العاقلة لا تتوجه عليهم بل على الجاني نفسه. ثم هم يدفعونها بعد ثبوها كذا قاله ابن القاص في كتاب ((أدب القضاء)) في باب صفة اليمين على البَتْ. وفي كلام الرافعى ما يؤيده؛ وكقول أبي إسحاق في اللقطة: إذا تلفت لا يضمن حتى يطالب بها المالك. وقد يجيء خلافه في القسم الثاني أعني هل يثبت الوجوب مع عسر الأداء أو يشترط له إمكان الأداء؟ من الخلاف في زكاة الثمر أنها تجب ببدو الصلاح مع أن الأداء إنما يكون عند الجفاف. وحكى صاحب ((التقريب)) قولاً للشافعي أنها لا تجب إلا بالجفاف؛ وزعم أن وجوب الزكاة في وقت وجوب تأديتها، ولا يتقدم على الأمر بالأداء، وهو يشبه ١٧٩ القول بأن الإمكان من شرائط الوجوب والمذهب: الأول، فإنه لا ينكر بثبوت الوجوب مع عسر الأداء، كما في الديون المؤجلة. وجزم الأصحاب بأن إمكان الأداء شرط في وجوب الصلاة والصوم والحج . وأما في الزكاة ففيها قولان: أحدهما: كذلك. وأصحهما: أنه ليس من شرائط الوجوب بل الضمان. قال في ((البسيط)): ووجوب الحق في الذمة يتميز عن أدائه، وإخراجه، فوجوب الأداء، متوقف على الإمكان أما ثبوت الوجوب في الذمة فينبني على السبب، وقد جری. مسألة [الفرق بين الوجوب ووجوب الاداء] لا فرق عندنا بین الوجوب، ووجوب الأداء، ولا معنی للوجوب بدون وجوب الأداء، فإن معناه الإتيان بالفعل المتناول للأداء والقضاء والإعادة. وأما الحنفية فذهب بعضهم إلى أنه لا فرق بينهما في العبادات البدنية؛ وذهب جمهورهم إلى التفرقة. وقالوا: الوجوب شغل الذمة بالملزوم، وأنه يتوقف على الأهلية ووجود السبب؛ ووجوب الأداء لزوم تفريغ الذمة عن الواجب بواسطة الأداء، وأنه يتوقف على الأهلية والسبب والخطاب واستطاعة سلامة الأسباب مع توهم الاستطاعة الحقيقية. وأنها مقارنة للفعل عند أهل السنة خلافاً. للمعتزلة . تنبيه قال القَرَافى: ليس كل واجب يثاب على فعله، ولا كل محرم يثاب على تركه. أما الأول: فكنفقة الزوجات والأقارب ورد المغصوب والودائع فكلها واجبة، ١٨٠