Indexed OCR Text
Pages 141-160
برعوا، ولم يكن لهم قدم راسخ في الكلام؛ وطالعوا على الكبر كتب المعتزلة فاستحسنوا عباراتهم غير عالمين بما يؤدي إليه مقالاتهم من قبح القول، ولا يخفى ما في هذين الوجهين. والأحسن تنزيله على ما سنذكره في المنقول عن أبي حنيفة . وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)) ذهبت المعتزلة إلى أن العقول بمجردها تحسن وتقبح وأن كثيراً من الحسن يعلم حسنه بمجرد العقل وضرورته دون أدلته، وكذلك القبيح مثل وجوب شكر المنعم وقبح الكفر وغيره. وقال صاحب ((الكبريت الأحمر)) من الحنفية: مذهب أصحابنا وجميع المعتزلة أن أصول الواجبات والحسن والقبيح في الأفعال كلها مدركة العقل سواء ورد عليها حكم الله بالتقرير أو لم يرد. ومذهب الأشعرية أنها لا تعرف إلا بالشرع. [اختلاف العلماء في حكم دلالات العقول] وقال أبو زيد الدبوسي: اختلف العلماء في حكم دلالات العقول على المشروعات الدينية لولا الشريعة على أربعة أقوال: أحدها: أن الاشتغال به لغو، لأن الله لم يدعنا والعقول بمجردها. والثاني: أنها حسنة بالعقل لولا الشريعة. والثالث: التفصيل بين العبادات والمعاملات. فالعبادات كانت تجب لولا الشرع لازاجر عنها إلا عند عدم الإمكان، كالإيمان بالله، وإنما سقط لا لضرورة بالشرع تيسيراً. وإليه ذهب بعض الصوفية، وأما العقوبات المعجلة فما وجبت إلا شرعاً . الرابع: قال: وهو المختار عندنا أن على العبد بمجرد العقل الإيمان بالله، واعتقاد وجوب الطاعة على نفسه من أمر ونهي، لكنه تقف نفسه للبدار إلى ما يأمر به وينهاه من غير أن يقدم على شيء بالاستباحة تعظيماً لله لا لقبح هذه المشروعات قبل الأمر بل يمنع العقل معرفة حسنها. قال : وهو مذهب علمائنا؛ ولهذا كان بعث الرسل على الله حقاً واجباً ليمكنهم الإقدام على العبادة، والتوقف للطاعة ضرب عناد فإنها تمثيل العقل فكان يلزم ١٤١ ذلك بمجرد العقل مع اعتقاد أنه مخلوق للعبادة المطلقة، وأنها مجملة وأن الله يبين ذلك. والحاصل أن الحنفية يقولون: يجب اعتقاد كونه مأموراً، وأما الإقدام على الفعل والترك فلا يأتي به إلا بعد الشرع. ويظن كثير من الناس أن مذهب أبي حنيفة كمذهب المعتزلة وينصب الخلاف بينهم وبين الأشعرية، لقول أبي حنيفة: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه. وقوله: لو لم يبعث الله رسولاً لوجب على الخلق معرفته بعقولهم. لكن هذا الكلام قد فسره أبو عبد الله أحمد بن محمد الصابوني وهو العمدة عندهم. ١/١٧ قال: ليس تفسير / وجوب الإيمان بالعقل أن يستحق العقاب بالعقل والثواب بالعقل، إذ هما لا يعرفان إلا بالسمع لكن تفسيره عندنا نوع ترجيح. ا. هـ. والأحسن في معناه الطريقة الأولى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تنزيل ثالث في إيضاح آخر. وقال بعض محققي الحنفية: عندنا الحاكم بالحسن والقبح هو الله تعالى؛ ولا يقال: إن هذا مذهب الأشاعرة، لأنا نقول: الفرق هو أن الحسن والقبح عند الأشاعرة لا يعرفان إلا بعد الشرع. وعندنا قد يعرفهما العقل بخلق الله تعالى علماً ضرورياً بهما إما بلا كسب، كحسن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وقبح الكذب الضار، وإما مع كسب، كالحسن والقبح المستفاد من الأدلة، وترتيب المقدمات؛ وقد لا يعرفان إلا بالكتاب والنبي كأكثر أحكام الشرع. وحاصله: أن حسن المأمور به عندنا من مدلولات الأمر، وعند الأشعري من موجباته . واعلم أن كلام ابن برهان في موضع آخر يقتضي أن القائلين بالحسن والقبح قالوا: إن العقل موجب وحاكم، وتبعه الآمدى وغيره. ويصير مطلع الخلاف يرجع إلى أن الشرع مثبت أومقرر؟ وأما الإمام فخر الدين وأتباعه فسلكوا طريقاً لخصوا فيها محل النزاع؛ فقالوا: ١٤٢ الحسن والقبح يطلقان بمعان ثلاثة: أحدها: ما يلائم الطبع وينافره، كالحلاوة والمرارة والفرح والحزن، وليس هذا محل النزاع لاختلافه باختلاف الأغراض. الثاني: كون الشيء صفة كمال أو نقص كالعلم والجهل، وهما بهذين المعنيين عقليان. أي: يعرفان بالعقل بلا خلاف. الثالث: كون الفعل موجباً للثواب والعقاب والمدح والذم، وهذا موضع النزاع، فعندنا لا يعلم إلا بالشرع وعندهم بخلافه، فالنزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً. وقضية هذا أن الفعل لا يوجبه لتصريحه بالتعلق، ونازعه القَرَافي، فقال: النزاع في كون الفعل متعلقاً للذم أو العقاب يشعر بأن ترتب الذم والعقاب على الفعل ينازع فيه، وليس كذلك عندنا ولا عندهم؛ إذ يجوز أن يحرم الله تعالى ويوجب ولا يعجل ذماً بل يحصل الوعيد من غير ذم، ويجوز أن يكلف ولا يوجد عقاباً بل يعجله عقب الذنب. وإنما النزاع في كون الفعل متعلق بالمؤاخذة الشرعية كيف كانت ذماً أو غيره عاجلة أو آجلة هل يستقل العقل بذلك أم لا؟ قلت: وجعل المقتّرَح في شرح ((الإرشاد)) من صور محل النزاع ما يتعارف قبل الشرع من الميل إلى الفعل والنفرة عنه. قال: فالمعتزلة يدَّعون أن ذلك استحثاث العقل على الفعل، ونحن نرى أنه مما جبل عليه الحيوان من شهوة ما ينفعه وكراهة ما يضره. ا. هـ. وهذا صريح في نقل الخلاف في الحالة الثانية التي جعلها الإمام محل وفاق. ثم قال: فَرَّعت المعتزلة أن العقل مما يستحث على الفعل، لأنه على صفة في نفسه لأجلها يحث على فعله؛ ثم اضطربوا في هذه الصفة، فقال قدماؤهم صفة نفسية وقال متأخروهم: تابعة للحدوث. ثم قالوا: إنما نهى الشرع عن الفعل، لأنه على صفة في نفسه لأجلها يقبح، أو لأنه يُؤَدّي فيقبح في نفسه. قال: وأصل هذه المسألة أخذتها المعتزلة من الفلاسفة فإنهم قالوا: العلم محمود ١٤٣ لذاته، والجهل مذموم لذاته، وسائر الأفعال ليست عندهم محمودة لذاتها، ولا مذمومة لذاتها بل لعروض عرض بالنسبة إليها، فأخذ المعتزلة بهذا المذهب في العلم والجهل، وعَدّوه إلى سائر الأفعال. وعبّر بعض الناس عن مذهب القوم بأن قال: عندهم أنه يدرك الحسن والقبح عقلًا من غير أن يتوقف على إخبار على مخبر، وليس في هذا إفصاح عن أنهم يردونه إلى صفة نفسية أو صفة تابعة للحدوث أو غير ذلك. ويقال لمن قال: إنها صفة نفسية: صفة النفس ما يتبع النفس في الوجود والعدم، ويلزم منه إثبات الحسن والقبيح في القديم. ثم يلزم منه استحقاق الذم على المعدوم وذلك محال. ثم قسموا الأفعال إلى قسمين. وقالوا: منها ما يدرك بالعقل، ومنها ما لا يدرك بالعقل فيه حسناً ولا قبحاً، وإنما يعرف بالشرع؛ وذلك لخفاء وصفه عن العقول، وليس هو ثابتاً بالخطاب وإنما الشرع كاشف عن حقيقته لما قصر العقل عنه. قال في ((تعليقه على البرهان)): ولكل مذهب سيئة وحسنة؛ فمذهب الأشعرية أنهم نفوا الحسن في حق الله تعالى وفي حقنا، فحسنتهم كونهم نفوه في حق الله تعالى وسيئتهم كونهم نفوه في حقنا. ومذهب المعتزلة إثبات الحسن في حق الله وفي حقوقنا، وسيئتهم كونهم أثبتوه في حق الباري. وحسنتهم كونهم أثبتوه في حقنا. فاختار إمام الحرمين مذهباً بين مذهبين وهو الجامع لمحاسن المذاهب، فأثبته في حقنا ونفاه في حق الباري. انتهى. تنبيه: [العقل عند المعتزلة يوجب ويحرم] ظاهر النقل السابق عنهم أن العقل يوجب ويحرم على جهة الاستقلال .. واستدلالهم بالآية ﴿وما كُنّا مُعذّبينْ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء/١٥] يقتضيه. يقتضيه . والتحقيق في ذلك عن المعتزلة: أن الفعل إن اشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة اقتضى العقل أن الله تعالى طلبه؛ وإن اشتمل على مفسدة خالصة أو ١٤٤ راجحة اقتضى العقل أن الله تعالى طلب تركه. وإن تكافأت مصلحة الفعل ومفسدته أو تجرد عنهما أصلاً كان مباحاً وليس حكماً شرعياً عندهم، لثبوته قبل ورود الشرع. وأن العقل أدرك أن الله تعالى يجب له بحكمته البالغة أن لا يدع مصلحة في وقت مّا إلا أوجبها وأثاب عليها؛ ولا يدع مفسدة في وقت ما إلا حرّمها، وعاقب عليها تحقيقاً لكونه حكيماً، وإلا لفاتت الحكمة في جانب الربوبية . فعندهم إدراك العقل لما ذكرنا من قبل الواجبات للعقل لا من قبل الجائزات كما نقول. وليس مرادهم أن الأوصاف مستقلة بالأحكام، ولا أن العقل يوجب ويحرم؛ وهذا هو الحق في تقرير مذهبهم وتلخيص النزاع؛ وهو المفهوم من كلام الصيرفي السابق وحاصل كلام القرافي أيضاً. والأصوليون الناقلون لهذه المسألة قد أحالوا المعنى ونقلوا عن المعتزلة مالا ينبغي لقائل أن يقوله. إيضاح آخر : الثواب والعقاب لا يعلمان الا من جهة الشرع. قد تقرر مما سبق أن محل النزاع إنما هو في الحسن والقبح بمعنى ترتب الثواب والعقاب. فنقول: بين الحسن والقبح وبين الثواب والعقاب تلازم ما. واتفق المعتزلي مع السني على أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحهاً قبل ورود الشرع؛ وافترقا في أن المعتزلي يرى أن الثواب والعقاب ملازم لها فحكم بثبوت الثواب والعقاب قبل الشرع، لثبوت الحسن والقبح قبله؛ فإذا جاء الشرع بعد ذلك كان مؤكداً لحكم العقل. وأما السني فإنه يرى أن الثواب والعقاب لا يعلمان إلا من جهة الشرع. فنفى الحسن والقبح قبل الشرع؛ وهذا ونحوه من قاعدة / أنّ ما به الاتفاق قد يكون ١٧/ب موضع الخلاف، ونظيره الخلاف في النسخ والبداء. وبهذا التحرير يخرج لنا في المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: أن حسن الأشياء وقبحها والثواب والعقاب عليها شرعيان، وهو قول الأشعرية . ١٤٥ والثاني: عقليان وهو قول المعتزلة. والثالث: أن حسنها وقبحها ثابت بالعقل. والثواب والعقاب يتوقف على الشرع، فنسميه قبل الشرع حسناً وقبيحاً، ولا يترتب عليه الثواب والعقاب إلا بعد ورود الشرع. وهو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني من أصحابنا، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصاً. وهو المنصور، لقوته من حيث النظر وآيات القرآن المجيد وسلامته من التناقض وإليه إشارات محققي متأخري الأصوليين والكلاميين، فليتفطن له. فههنا أمران: أحدهما: إدراك العقل حسن الأشياء وقبحها. والثاني : أن ذلك كافٍ في الثواب والعقاب وإن لم يرد شرع، ولا تلازم بين الأمرين بدليل ﴿ذلكَ أن لم يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ أي بقبيح فعلهم ﴿وَأَهْلُها غافِلون﴾ [سورة الأنعام/ ١٣١[ أي: لم يأتهم الرسلّ، والشرائع؛ ومثلها ﴿ولَوْلا أن تصيبَهُمْ مُصيبةٌ بما قدَّمتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من القبائح ﴿فيقولوا رَبَّنَا لَوْلا أُرسلْتَ إلينا رَسُولاً﴾ [سورة القصص / ٤٧] الآية. وأما الآيات التي احتجٍ بها القائلون بأنه شرعي إنما تدل على نفي الثواب والعقاب بقوله ﴿وما كُنّا مُعَذُّبين حَتّى نَبْعَثَ رَسولاً﴾ [ سورة الإسراء / ١٥] فأخبرنا بأنه لا يعذب قبل البعة؛ وقال تعالى ﴿رُسُلَا مبشِّرين ومُنْذِرين لئلا يكونَ للناسِ على اللّهِ حجةً بعد الرُّسُل﴾ [سورة النساء /١٦٥] فلو كان له الحجة عليهم قبل البعثة لما قال: إنما أبعث الرسل لأقطع بها حجة المحتج. إذا تلخّص محلّ النزاع فله مآخذ : أحدها: أن الحسن عندهم صفة قامت به أوجبت كونه حسناً. والقبح صفة قامت به أوجبت كونه قبيحاً حملاً للأفعال على الأجسام. فإنّ الحسن صفة قائمة بها وكذلك القبح. وعندنا الحسن والقبح إنما هو صفة نسبية إضافية حاصلة بين الفعل واقتضاء الشرع إيجاده أو الكف عنه. فإذا قال الشارع: صلّ. قلنا: الصلاة حسنة. وإذا قال: لا تزن: قلنا: الزنى قبيح. وما ذكروه من أن الحسن ١٤٦ والقبح صفتان للفعل باطل، لأن الصفات أعراض والفعل عرض والعرض لا يقوم بالعرض، لأنه لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالجواهر. فكيف يقوم به غيره؟ الثاني: أن الشرع ورد عندهم مقرراً لحكم العقل ومؤكداً له. وعندنا ورد الشرع كاسمه شارعاً للأحكام ابتداء. وتحقيق ذلك: أن العقل احتيج إليه قبل الشرع لتقرير مقدماته فالتوحيد وجواز البعثة والنظر في المعجزات كالثابت للشرع في ذلك؛ فإذا قرّرها انعزل وصار مأموراً بامتثال ما يصدر عنها. ولهذا أجمع أهل الملة أن النبي الصادق إذا أخبر خبراً لا يدركه العقل وجب الإيمان به وتلقيه بالقبول. وتلك خصيصة الإيمان بالغيب التي مدح الله بها المؤمنين. والمعتزلة لما قّدوا عقولهم أنكروا عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ووزن الأعمال ووقعوا في عقال الضلال حيث عدلوا عن قول المعصوم. والحاصل: أنه إذا تعارض التأكيد والتأسيس كان التأسيس أولى، لأنه أكثر فائدة. ونظيره: إذا تعارض حديثان وأحدهما مخالف للأصل ناقل عن حكمه، والآخر موافق له مقرر لحكمه. هل يقدم المقرر، لأنهما دليلان يعضد أحدهما الآخر أو الناقل، لأنه أفاد فائدة زائدة؟ قولان. الثالث: اعتقادهم أن الحسن والقبح ملازم الثواب والعقاب، وعندنا لا تلازم بينهما . الرابع: أن فعل العبد ليس باختياره عندنا فالحسن والقبح يرجعان إلى كون الفعل مأموراً به ومنهياً عنه. تنبيه [العَقل مدرك للحكم لاحاكم] إدراك الحكم الشرعي في القياس أو دخول الفرع الخاص تحت القاعدة الكلية وإن كان بالعقل، فالمراد به أن العقل مدرك للحكم، لا أنه حاكم. وكذلك ترتب ١٤٧ النتيجة بعد المقدمتين حكم شرعي أدركه العقل. ولا يقال: أوجبه. وقد أطلق الشافعي في ((المختصر)) القول بتعصية الناجش. وهو الذي يزيد في السلعة لا لغرض بل ليخدع غيره. وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه العلم بورود النهي عنه. فقال الشارحون: السبب في ذلك أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، وإن لم يعلم فيه خبر بخصوصه، والبيع على بيع الأخ إنما عرف من الخبر الوارد فيه فلا يعرفه من لا يعرف الخبر. وذكر بعضهم أن تحريم الخداع يعرف بالعقل وإن لم يرد شرع. قال الرافعى في ((شرح الوجيز)): وهذا ليس من معتقدنا. انتهى. وإذا فهمته على أن العقل يدرك تحريم الخداع من غير استقلال في ذلك لم يبق اعتراض. ومن فروع هذا الأصل عدم صحة إسلام الصبي عندنا، لأن صحته فرع تقدّم الإلزام به، ولا إلزام مع الصبي شرعاً. وقال أبو حنيفة: يصح بناء، على أن العقل يوجب على الصبي والبالغ. ثم المعتمد في إبطال الحسن والقبح عدم وجوب رعاية المصالح والمفاسد بأن يقال: خلق العالم إما أن يكون لمصلحة، أو لا، فإن كان، فقد أجرى الله تعالى فعل المصالح دهوراً لا نهاية لها، وإن لم يكن كان خلقه عرياً عن المصالح فإن الله تعالى لا يجب أن يكون تصرفه ملزوماً للمصالح، أو لا تكون رعايتها واجبة. وإذا تقرر عدم وجوبها فلا يجب في العقل أن الله يربط أحكامه فيها بل يجوز ذلك ويقتضيه، فبطل قاعدة التحسين والتقبيح، لأن وجوب ربط الأحكام بالمصالح والمفاسد عقلاً هو عين الحسن والقبح العقليين. وقد فرع الأصحاب على هذا الأصل مسألتين: ١٤٨ [المسألة] الأولى [شكر المنعم] شكر المنعم: وهو الثناء عليه بذكر آلائه وإحسانه حسن قطعاً بضرورة العقل. وأما وجوبه فإنما يكون بالشرع ولا يجب عقلًا عندنا؛ وعندهم أنه يجب عقلًا لكنه وجوب استدلال لا ضروري. ووافقهم على ذلك جماعة من أصحابنا الأقدمين منهم أبو العباس بن القاص وأبو بكر القفال الشاشي وأبو عبد الله الزبيري وأبو الحسين بن القطان وأبو بكر الصيرفي. فقال الزبيري: العبادات من قبل السمع لا ترد إلا على ثلاثة أوجه: ضرب يرد بإيجاب ما تقدم في العقل وجوبه، كالإيمان بالله وشكر المنعم. والثاني: يرد بحظر ما تقدم في العقل وجوبه كالكفر بالله. والثالث: يرد لما في العقل جواز مجيئه، كالصلوات والزكوات والحج والصوم. وقال ابن القاص في كتاب ((أدب الجدل)) /: الأشياء في العقل على ثلاثة ١/١٨ أضرب: فضرب أوجبه العقل، وضرب نفاه، وضرب أجازه وأجاز خلافه؛ فما أوجبه العقل فهو واجب كشكر المنعم ومعرفة الصانع. قال: فأما الضربان الأولان فحجة الله فيهما قائمة على كل ذي لب قبل مجيء الشرع وبعده؛ ولا يجيء سمع إلا مطابقاً. اهـ. وقال أبو الحسن بن القَطَّان: لا خلاف أن ما كان للعقل فيه حكم أنه ما كان عليه مثل شكر المنعم ونحوه. اهـ. وقال القفال في ((محاسن الشريعة)) في كتاب الصلاة والعقول تدل على وجوب شكر المنعم. ونقله الأستاذ أبو إسحاق في ((شرح كتاب الترتيب)) عن القفال، وابن أبي هريرة منا. قال: وكان ذلك مذهب الصيرفي ورجع عنه. قال: ولم يخالفوا أصولنا في غير هذا الموضع، ووافقونا في باقي المسائل. ١٤٩ ٠ وقال في موضع آخر: القول بوجوبه باطل في قول أكثر أصحابنا من المتكلمين والفقهاء . وجماعة من أصحابنا الفقهاء لما نظروا إلى أسئلة المعتزلة وإيجاب الشكر بمجرد العقل اعتقدوا أن شكر المنعم ومعرفة حدوث العالم، وأن له محدثاً وأن له منعماً أنعم عليه كلها واجب بالعقل قبل الشرع. وهم أبو بكر الصيرفي وأبو علي بن أبي هريرة وأبو بكر القفال. قال: وأبو علي السقطي يعني الطبري ویعرف بابن القطّان کان صاحب ابن أبي هريرة وكان يدق عليه في هذا الفصل. قال: وحكى أبو سهل الصعلوكي أن أبا علي بن أبي هريرة وقع إلى أبي الحسن يعني الأشعري، وأبو الحسن كلمه في هذا الفصل، ولم ينجع منه. فقال أبو الحسن لأبي علي أنت تشنأني: أي تبغضني. قال: فوقعت بينه وبين الشيخ أبي الحسن. قال أبو سهل: وكنا نتعصب للشيخ أبي الحسن فمضينا وقعدنا على رأس القنطرة التي كانت على طريق ابن أبي هريرة، وهي قنطرة ببغداد يقال لها: الصراة وكنا ننتظره لننتفع به. وأما أبو بكر الصيرفى، فقد وقع إلى الشيخ أبي الحسن ولحّ معه في هذه المسألة. فقال له أبو الحسن: أبجدّ تقول: إن الكائنات كلّها بإرادة الله تعالى خيرها وشرها؟ قال: نعم. فقال أبو الحسن إذا كانت العلة في إيجاب شكر المنعم أنه لا يأمن أن يكون المنعم الذي خلقه قد أراد منه الشكر، فقد يجوز أن يريد منه أن لا يشكره، لأنه مستغن عن شكره. فإما أن يعتقد أنه لا يريد ما ليس بحسن كما قالت المعتزلة. وإما أن لا تأمن أنه قد أراد منك ترك شكر المنعم. وإذا شكرته عاقبك فلا يجب عليك شكر المنعم لهذا الجواز. فترك أبو بكر الصيرفي هذا المذهب ورجع عنه. وأما أبو علي وأبو بكر القفال فلم يثبت عنهم الرجوع عن هذه المقالة. قلت: قال الطرطوشي في ((العمد)): هذا مذهب أهل السنة قاطبة إلا ثلاثة رجال تلعثموا في هذا الأصل في أول أمرهم ثم رجعوا عنه إلى الحق، وهم: أبو ١٥٠ بكر الصيرفي وأبو العباس القلانسي وأبو بكر القفال. ثم قال الأستاذ: كانت المعتزلة والأوائل منهم على أن وجوب شكر المنعم معلوم بالنظر، كما قال بعض الفقهاء من أصحابنا، فصاروا كلهم في آخرهم إلى أنه معلوم ضرورة، وإلزامات وردت عليهم. انتهى كلامه، وقد تضمن فوائد جليلة. وقال في موضع آخر: قصد الأوائل من أصحابنا بقولهم: إنا لا نعرف القبح والعدل والظلم إلا بالشرع فقط مخالفة المعتزلة في قولهم: ما قبحه العقول لا يرد الشرع بتحسينه، لا أنا لا نعرف معاني هذه الألفاظ قبل الشرع من اللغة، بل نعرفها قبل الشرع ونعلم تواطأهم على التقبيح والتحسين في أشياء نعرفها واختلافهم في أشياء أخرى. وأن عقلاءهم حكموا كذلك. قال: ومن قال: إنا لا نعرف مقاصدهم بهذه الألفاظ قبل الشريعة لم يتمكن من الكلام فيها والمناظرة مع الخصوم. فإنه متى جرى في كلامه أن الشرع يقبحه أو يحسنه منعه منه. فقال: أي شيء تعني بالتحسین والتقبيح وأنت لا تعرفه حتى يرد الشرع؟ فيتعذر الكلام عليه. قال: وأول ما ورد أبو عمرو البسطامى بنيسابور حضر بعض مجالس الكلام لبعض العلوية، فسئل عن هذه المسألة. فقال: لا أعرف الحسن والقبح قبل الشريعة. فأورد عليه هذا السؤال فالتبك فيه وتخبط، ولم يمكنه الخروج منه. ثم قال: يكون الفرق بيننا في قولنا: إنا نعرف معاني هذه الألفاظ وبين قول المعتزلة إنا نقول ما قضى العقل بقبحه جاز أن ترد الشريعة باستحسانه. ا. هـ. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب ((التحصيل)): وكان أبو العباس القلانسي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا يقولان بوجوب شكر المنعم ووجوب الاستدلال على معرفته ومعرفة صفاته من جهة العقل قبل ورود الشرع؛ ثم إن الصير في ناظر الأشعري في ذلك، واستدل على وجوب شكر المنعم بالعقل بوجوب الاحتراز مما يخاف منه الضرر. قال: فإذا خطر ببال العاقل أنه لا يأمن أن يكون له صانع قد أنعم عليه وأراد منه الشكر على نعمه والاستدلال على معرفته لزمه الشكر والمعرفة. فقال له ١٥١ الأشعري: هذا الاستدلال ينافي أصلك، لأنك استدللت على وجوب شكر المنعم بإمكان أن يكون المنعم قد أراد ذلك وإرادة الله لا تدل على وجوبه، لأنه سبحانه قد أراد حدوث كل ما علم حدوثه من خير وشر وطاعة ومعصية، ولا يجوز أن يقال بوجوب المعاصي وإن أراد الله عز وجل حدوثها. فعلم الصير في منافاة استدلاله على مذهبه ورجع إلى القول بالوقف قبل الشرع. اهـ. زاد الطرطوشي أنه صنف كتاباً سماه ((الاستدراك)) رجع فيه عن قوله الأول. وقيل: إنه ألحق بحاشية الكتاب: نحن وإن كنا نقول بشكر المنعم فإنما نقوله عند ورود الشرع. قال: وكذا القلانسي كان يقول به، ثم لما تحقق له ما فيه من التهافت رجع عنه . [المسألة] الثانية [حكم أفعَال العقلاء قبَل ورود الشَّرَع] إن أفعال العقلاء لا حكم لها قبل ورود الشرع عندنا بناء على أن الأحكام هي الشرائع وعندهم الأحكام هي صفات الأفعال؛ فقالوا : الأفعال الاختيارية إما حسن بالعقل كإسداء الخيرات، أو قبيح بالعقل كالجور والظلم. وهذان لا خلاف فيهما عندهم كما قاله ابن برهان وغيره؛ وإنما الخلاف فيها لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح كفضول الحاجات والتنعمات؛ والأول واجب أو مندوب أو مباح. والثاني حرام أو مكروه. والثالث فيه خلاف هل هو واجب أو مباح أو على الوقف؟ ثلاثة مذاهب. أما الأفعال الاضطرارية كالتنفس ونخوه فحسنة قولاً واحداً. وهكذا حرر الآمدي وغيره محل الوفاق من الخلاف. وأما الإمام الرازي فإنه عمم الخلاف في جميع الأفعال وهو مناف لقواعد ١٥٢ الاعتزال من جهة أن القول بالحظر مطلقاً يقتضى تحريم إنقاذ الغرقى وإطعام الجوعان وكسوة العريان. والقول / بالإباحة مطلقاً يقتضي إباحة العقل والفساد في ١٨ /ب الأرض. والخلاف ظاهر فيما لم يطلع العقل على مفسدته ولا مصلحته. وحينئذ فلا تنافي الأصول قواعد القوم. قال القَرَافي: لكن طريقة الإمام يساعدها النقل، فإن أبا الحسين البصري في كتاب ((المعتمد)) حكى عن شيعته المعتزلة الخلاف مطلقاً من غير تقييد كما حكى الإمام، ووافقه القَرَافي أخيراً لهذا. قلت : لكن ابن برهان وابن القشيرى وغيرهما من الأئمة إنما حكوا الخلاف عنهم فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح. وقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني في كتابه في أصول الفقه: قال جمهور المعتزلة: الشكر وما في معناه واجب. واختلفوا فيما وراءه هل هو حرام أو مباح؟. وقال أبو الحسين بن القَطّان ممن يوافق المعتزلة: لا خلاف أن ما كان للعقل فيه حكم أنه على ما كان عليه قبل ورود الشرع مثل شكر المنعم وكفره. واختلفوا فيما سواه ثم حكى الخلاف. وقال سليم الرازي إن التنفس في الهواء والانتقال من مكان إلى مكان آخر ليس من محل الخلاف لكن صاحب ((المصادر)) من الشيعة حكى الخلاف عن المعتزلة هل هو في الحالتين أو في الاختيارية؟ قولان. وقال سليم أيضاً في ذيل المسألة: ثم الخلاف إنما هو فيما يجوز أن يرد الشرع بإباحته وحظره كالمآكل والملابس والمناكح أما مالا يجوز عنه الحظر كمعرفة الله ومالا يجوز عليه الإباحة كالكفر بالله ونسبة الظلم إليه فلا خلاف فيه. وكذلك جعل القاضي عبد الوهاب الخلاف في مجوزات العقول. قال: وهي كل ما جاز أن يرد السمع بتحليله أو تحريمه. وقال صاحب ((المصادر)) من الشيعة: لا خلاف بين المعتزلة أن الأفعال المضرة على الحظر، وإنما الخلاف في الأفعال التي يصح الانتفاع بها ولا ضرر فيها مما لا ١٥٣ يعلم وجوبه ولا ندبه، على ثلاثة أقوال، فذكرها. وقال بعض المحققين من المتأخرين. فروع التحسين والتقبيح حكم الأشياء قبل ورود الشرع هم يثبتونه مطلقاً في كل مسألة من الأصول والفروع غير أن فيها ما يدرك بضرورة العقل. ومنها ما يدرك بنظره. ومنها ما لا يدرك بهما. فتجىء الرسل منبهة عليه في الأولين مقررة، وفي الثالث كاشفة، وعندنا لا يعرف وجوب ولا تحريم في شيء من ذلك بالعقل، ولا يثبت إلا بالشرع بعد البعثة إنشاء جديداً، وقيل: بطريق التبيين وكنا قبله متوقفين في الجميع. قال: وهذا الذي قلناه هو معتقد أهل السنة وإجماع الأئمة الأربعة وأصحابهم، وقال صاحب ((روضة الناظر وجنة المناظر)) من الحنابلة: الأفعال قبل ورود الشرع هل هي على الإباحة أو الخطر؟ قال القاضي: فيه قولان. يومىء إليهما في كلام أحمد. وقال ابن عقيل: هما روايتان. قال: وهذا النقل يشكل مع استقرار مذهب أحمد أن لا مجال للعقل في التحسين والتقبيح . [حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع]: إذا ثبت هذا فنقول: في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع مذاهب: أحدها: أنها على الإباحة، وبه قال معتزلة البصرة، وأهل الرأي وأهل الظاهر كما قال الأستاذ أبو منصور. وقال أبو زيد الدَّبُوسي في ((تقويم الأدلة)): إنه قول علماء الحنفية. وقال ابن برهان: إنه الصحيح عند المعتزلة. وحكاه ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) عن القاضي أبي حامد الَّرْوَرُوذي وعن أبي إسحاق المرْوَزي من أصحابنا. قال: وحكي عن ابن سريج أيضاً. وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وأكثر المعتزلة وحكاه أبو عبد الله الزبيري من قدماء أصحابنا في كتابه عن كثير من أصحابنا منهم أبو الطيب بن الخلال وغيره. وحكاه القاضي أبو الطيب الطبري عن القاضي أبي حامد وحكاه سليم الرَّازي عن ١٥٤ أبي إسحاق المَرْوَزى وابن سُريج وأكثر الحنفية وأهل الظاهر. وحكاه عبد الوهاب والباجي عن أبي الفرج المالكي. وقال صاحب ((المصادر)) اختاره الشريف المُرْتَضَى. وهو الصحيح. وقال صاحب ((الواضح)) من المعتزلة: إنه قول عامة الفقهاء والمسلمين، وبه قال أبو علي وابنه أبو هاشم الجبائيان وأبو عبد الله البصري ونصره عبد الجبار. والثاني: أنها على الحظر، وبه قال معتزلة بغداد. وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: إنه الحق. وبه قال أبو علي بن أبي هريرة، وعلى بن أبان الطبري وأبو الحسين بن القَطّان: وممن حكاه عن ابن أبي هريرة القاضي أبو الطيب وسليم الرَّازي. وحكاه أيضاً عن بعض الحنفية. قال: إلا أنهم خصوا التنفس بالهواء والانتقال من مكان إلى مكان فقالوا: هو على الإباحة؛ وحكي عن المالكية، وفهم من مذهب عبد الملك في ((الموازيّة))، وقد سئل عن الطفل هل هو حلال؟ فقال: لا: إن الله لم يحله. وقال صاحب ((المصادر)): اختلف القائلون بالحظر، فمنهم من قال كلّ ما لا يقوم البدن إلا به ولا يتم العيش إلا معه على الإباحة، وما عداه على الحظر، ومنهم من سوى بين الكل في الحظر. انتهى. وهو كما قال من وجود الخلاف. فقد قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراينى في ((شرح الترتيب)): كان أوائل القدرية يطلق أن البغداديين أنها على الحظر والبصريين على الإباحة. وفصله أبو هاشم، وكان موفقاً في تحقيق المذاهب، فقال الأشياء قبل الشرع عند البغداديين كالكعبي وأتباعه على الحظر، في ماعدا ما للإنسان منه فكاك ولا يضطر إليه، فأما ما يكون مضطراً كالتنفس والكون فلا. قال الأستاذ: وكان الدقاق ممن ينسب إلى أصحاب الشافعي يذهب مذهب الكعبي ويقول: إنها على الحظر، وكان أبو حامد من أجلاء أصحاب الحديث يذهب مذهب البصريين ويقول: إنها على الإباحة؛ وإنما بينا مذهبهما على أصول الاعتزال، فنظر إلى أقاويلهما من لا معرفة له بالأصول، فظنهما من أصحابنا لانتسابهما في الفروع إلى الشافعي وهو أبو علي الطبري. ١٥٥ [أفعال العقلاء قبل الشرع] قال: واختلف أصحابنا في أفعال العقلاء قبل الشرع فمنهم من قال: إنها على الحظر، ومنهم من قال: على الإباحة .اهـ. وحكى الباجي القول بالحظر عن الأبهري؛ وحكى عبد الوهاب عنه الوقف. الثالث: إنها على الوقف لا نقول: إنها مباحة ولا محظورة. وقال ابن السَّمْعانى في ((القواطع)): وهو قول كثير من أصحابنا منهم أبو بكر الصيرفي والفارسي وأبو علي الطبري. وبه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري وأتباعه وكذا حكاه القاضي أبو الطيب الطبري. وبه قال بعض المعتزلة وحكاه ابن حزم عن أهل الظاهر. وقال: إنه الحق الذي لا يجوز غيره إلا أن طريق الوقف مختلف، فعندنا لعدم دليل الثبوت وهو الخبر عن الله، لأن الحكم عبارة عن الخطاب فحيث لا خطاب لا حكم. وقيل: لأنه ليس لله هناك حكم أصلاً. ١/١٩ والحقّ أنه لابد لهذه الأفعال من حكم / عند الله، وقد تعذر الوقوف عليه لخفائه، فيوقف في الجواب إلى الشرع . [سبب الوقف عند القائلين به] والقائلون بالوقف اختلفوا في سببه: فقالت الأشاعرة: لأن الوجوب وغيره من الأحكام أمور شرعية ولا شرع فتنتفي هذه الأحكام. وقال بعض المعتزلة: لعدم الدلالة على أحدها مع تجويز أن يكون العقل دليلاً بالوقف لأجل عدم الدليل. حكاه صاحب ((المصادر)) وقواه ونقله عن المفيد من الشيعة. وقال الباجي: إنه قول أكثر أصحابهم، ونقله عبد الوهاب في ((الملخص)) عن ابن عتاب. قال. وكان يحكيه عن القاضي إسماعيل. وبه قال أبو بكر الأبهرى والصيرفي، وهو مذهب أصحابنا المتكلمين. ١٥٦ وقال الأستاذ أبو إسحاق: معنى الوقف عندنا أنا إذا سبرنا أدلة العقول دلتنا على أنه لا واجب على أحد قبل الشرع في الترك والفعل. ثم الفرق بين قولهم وقول أصحاب أهل الإباحة: أن القائلين بالوقف عندهم كل من اعتقد فيه نوعاً من الاعتقاد لم يتوجه عليه الذم، والقائلون بالإباحة لا يجوزون اعتقاد الحظر في الإباحة؛ ومن قاله واعتقده فقد أخطأ وتوجه عليه الذم. انتھی . فظن سليم الرازي اتحاد المذهبين، فقال: إن القائلين بالوقف قالوا: إن من تأول شيئاً أو فعل فعلًا لا يوصف بأنه أثم حتى يدل دليل الشرع عليه، فكأنهم وافقوا في الحكم وخالفوا في الاسم. وسيأتي مثله عن القاضي عبد الوهاب. وقال الأستاذ في موضع آخر: ذهب أهل الحق إلى أن في العقل بمجرده دليلاً على أن لا واجب على الإنسان قبل بعثة الرسل، وأن لله أن يوجب علينا ما شاء مما أمكن برسول بعثه. قالوا: ولو استدلّ مستدلّ من غير وجوب عليه أمكنه الوصول إلى جميع ما ذكرناه بما نصبه عليه من الأدلة، ويستحيل قلبها عما هي عليها. قال: وهذا معنى قولهم: إن أفعال العباد على الوقف قبل الشرع. وتفسيره: أن كل من فعل شيئاً قبل ورود الرسل عليهم الصلاة والسلام فلا يقطع له بثواب ولا عقاب. قلت : وممن صرح بأن المراد بالوقف انتفاء الحكم لا التردد في أن الأمر ما هو؟ أبو نصر بن القشيري وأبو الفتح بن برهان. فقال: القائلون بالوقف لم يريدوا به أن الوقف حكم ثابت ولكن عنوا به عدم الحكم. وقال ابن السَّمْعاني في ((القواطع)) ليس معنى الوقف أنه يحكم به، لأن الوقف حكم نقل الحظر والإباحة، والمانع من القول بالحظر والإباحة مانع من القول بالوقف. وإنما معنى الوقف أنه لا يحكم للشيء بحظر ولا إباحة لكن يتوقف في الحكم لشيء ما إلى أن يرد به الشرع. ١٥٧ قال: وهذه المسألة مبنية على أن العقل بمجرده لا يدل على حسن ولا قبح وإنما ذلك موكول إلى الشرع. فنقول : المباح ما أباحه الشرع والمحظور ما حظره، فإذا لم يرد الشرع بواحد منهما لم يبق إلا الوقف إلى أن يرد السمع بحكم فيه. اهـ. وقال القاضي عبد الوهاب في ((الملخص)): تأويل قول أصحابنا الوقف لا يرجع إلى إثبات صفة هي عليها في العقل ولكن إلى أن التصرف فيها غير محكوم بأنه مباح أو محظور خلافاً لمن اعتقد أنه محكوم له بأحد الأمرين .. فعبرنا عن نفي الحكم بأنهما على الوقف. ولا معنى لقول من قال: إذا كان هذا من حكمها ثابتاً عندكم في العقل فقد جعلتم لها حكماً ثالثاً في العقل، وأن ذلك نقض لقولكم: لا حكم لها في العقل. لأن غرضنا من ذلك ما ذكرنا من أنه لا حكم لها بحظر ولا إباحة وهذا خلاف في عبارة. انتهى. واعلم أن أبا الحسين بن القَطَّان حكى في المسألة أربعة مذاهب: الإباحة والحظر والثالث: الوقف على الأدلة، فما قام عليه الدليل ونفى النافي على ما كان عليها. قال: وهو قول من قال: إنها ليست محظورة ولا مباحة. والرابع: أن الإباحة تحتاج إلى مبيح والحظر يحتاج إلى حاظر فينظر بما يوجب حكمه فيهما. انتھی . وهذا الخلاف إنما هو في تفسير الوقف كما سبق. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: إن تحريك اليد ونحوه قد حصل الإذن فيه بالعقل، لأن الجوارح لا تنفك من حركة. ثم نقل عن أبي بكر الصيرفي أنه كان يذهب إلى بطلان العقل، وأن التحريم والتحليل إنما يتعقل بالشرع. قال: وهذا لا ينازعه فيه أحد، وإنما نقول له: هل للعقل في هذا لو انفرد؟ وهل يجب أن يصار إليه؟ فإن قال: لا. قلنا: ليس كلامنا فيه. وإن أراد الجواز أقمنا الأدلة على أن للعقل دخلاً في الجواز. انتهى. وقال المازري: الراجح عندنا الوقف. ونعني به القطع على أن لا حكم لله ١٥٨ سبحانه في حقنا. قال: وأشار إمام الحرمين إلى أن الخلاف بين القائل بالاباحة والقائل بالوقف لفظي وظنّ أنهم يريدون بالإباحة ههنا استواء الفعل وتركه في باب الذم وغيره. لكن غيره من أئمتنا الناقلين لهذا المذهب عن المعتزلة لم يحمله على ذلك. واعلم أن من قال من أصحابنا بالحظر أو الإباحة ليس موافقاً للمعتزلة على أصولهم بل لمدرك شرعي. أما التحريم فلقوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ سورة المائدة / ٤] ومفهومه أن المتقدم قبل الحل التحريم. فدل على أن حكم الأشياء كلها على الحظر. وأما الإباحة، فقوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ سورة البقرة / ٢٩] فهذه مدارك شرعية دالة على الحال قبل ورود الشرع فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء: لا علم لنا بتحريم، ولا إباحة. بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون: المدرك عندنا العقل ولا يضرنا عدم ورود الشرع. تنبيهات [التنبيه] الاول [تفريع مسألة شكر المنعم على التحسين والتقبيح] ان الأصحاب جعلوا مسألة شكر المنعم والأفعال مفرعة على التحسين والتقبيح ولیس بجید. أما الأول: فلأن الشكر هو اجتناب القبيح وارتكاب الحسن، وهو عين مسألة التحسين والتقبيح. فكيف يقال: إنها فرعها؟ وإلى ذلك أشار ابن برهان في ((الأوسط)) فقال: هذه المسألة عين مسألة التحسين والتقبيح، ولا نقول: هي فرعها. إذ لابد وأن يتخيل بين الفرع والأصل نوع مناسبة، وهي هي. ١٥٩ بيانه: أنا نقول معاشر المعتزلة: إن عنيتم بالشكر قول القائل الحمد لله والشكر لله، فقد ارتكبتم محالاً، إذ العقل لا يهتدي الإيجاب كلمة. وإن عنيتم بالشكر معرفة الله فباطل أيضاً، لأن الشكر يستدعي تقديم معرفة، ولهذا قيل: أعرف الله أشكر(١). فإن قالوا: عنينا بوجوبه عقلًا ما عنيتم أنتم بوجوبه سمعاً. قلنا: نحن نعني بوجوب شكر المنعم سمعاً امتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه . قالوا: فنحن أيضاً نريد بذلك الإتيان بمستحسنات العقول والامتناع عن مستقبحاتها. فقد تبين بهذا التفسير أن هذه هي عين مسألة التحسين والتقبيح حذو القذة بالقذة. فبطلان مذهبهم هنا معلوم من تلك إلا أن العلماء أفردوا هذه من ١٩/ب تلك الجملة، لعبارات رشيقة تختص بها ومعان موفقة / نذكرها يظهر منها سقوط کلامهم فيها. وأما الثاني: فلأن ما لا يقضي العقل فيها بشيء لا يتجه تفريعه على الأصل السابق؛ فإن الأصل إنما هو حيث يقضي العقل هل يتبع حكمه؟ وإنما الأصحاب قالوا: هب أن ذلك الأصل صحيح فلم قضيتم حيث لا قضاء للعقل؟ وليس هذا تفريعاً على هذا الأصل. [التنبيه] الثاني: [فائدة هذه المسألة] قال بعض المتكلمين: لا معنى للكلام في هذه المسألة الثانية من حيث إنه ما خلا زمان من سمع، لكن لا يمنع الكلام فيما يقتضيه العقل لو لم يكن سمع. حكاه سليم الرازي وإلْكيا الهراسي. ثم قال: وهو بعيد، فإنه يمكن تقدير المسألة فيمن خلق في جزيرة، ولم يبلغ أهلها دعوة الملك فهل يعلم أهلها إباحة هذه الأجناس أم لا؟ وإن حاول محاول ترتيب فائدة شرعية على هذه المسألة لم يعدمها. (١) هكذا في سائر النسخ، والمعنى أن زيادة المعرفة بالله توجد زيادة الشكر له سبحانه، فمن كان أعرف بالله من غيره كان أكثر شكراً له. ١٦٠