Indexed OCR Text

Pages 101-120

جنس واحد.
ومنها: أن الفصل القريب لا يكون إلا واحداً، فإنه لو تعدد لزم توارد علتين
على معلول واحد بالذات: وجوز بعضهم تكثير الفصول.
والحق: أن الفصل لا تجوز زيادته على واحد، لأنه يقوم لوجود حصة النوع من
الجنس، فإن كفى الواحد في التقويم استغني عن الآخر، وإلا لم يكن فصلاً.
وحيث وجد في كلام العلماء تعدد الفصول بقولهم: فصل ثان وثالث، فلا
تحقيق في هذه العبارة. فإن المجموع فصل واحد. وكل واحد مما جعلوه فصلاً هو
جزء الفصل.
ولما ذهب الإمام إلى بطلان قاعدة العلية جوز الفروع الثلاثة. الأول: لجواز
تركيب الشيء من أمرين كل منهما أعم من الآخر من وجه كالحيوان، والأبيض.
فالماهية إذن تركبت منهما، لكون الحيوان جنساً والأبيض فصلاً لها بالنسبة إلى
الحيوان الأسود وبالعكس بالنسبة إلى الجماد الأبيض. فيكون كل منهما جنساً
وفصلاً، وهو الحكم الأول. وفصلاً يقارن جنسين له من الحيوان والجماد والأسود
والأبيض. وهو الحكم الثاني المستلزم للثالث.
وقال ابنٍ واصل: ذهب الإمام إلى أن الفصل الواحد بالنسبة إلى نوع واحد قد
يكون جنساً له، ويجوز اقترانه بجنسين، فيكون مقوّماً لنوعين، وذلك في الماهية
المركبة من قيدين كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، كالحيوان الأبيض، فإن
الحيوان يصدق على الأبيض وغيره، والأبيض يصدق على الحيوان وغيره. فإن
جعلت الحيوان جنساً لهذه الماهية كان الأبيض فصلاً لها. وإن جعلت الأبيض
جنساً لها كان الحيوان فصلاً.
قال ابن واصل: والذي نقوله: إنّا نمنع أن ماهيته في نفس الأمر تتألف عن
هذين المفهومين وإنما يتألف عنهما ماهية اعتبارية. وكلامنا إنما هو في الماهيات
الموجودة في الخارج الحقيقية؛ ولا نسلم أن شيئاً منها يتركب مما هذا شأنه.
[أقسام الحد]
وأما أقسامه: فحقيقي ورسمي، ومنهم من يقول: ثلاثة، ويزيد اللفظي،
١٠١

وعليه جرى ابن الحاجب؛ وما ذكرنا أحسن، لأن الحد نطق يفيد تصور المنطوق
بعد أن لم يكن، وهذا المعنى غير حاصل من اللفظي، لما سنذكره.
فالحقيقي هو ما اشتمل على مقوّمات الشيء المشتركة والخاصة.
والرسمي ما اشتمل على عوارضه وخواصه اللازمة.
وربما قيل: إنه اللفظ الشارح للشيء بحيث يميزه عن غيره، وهو الموجود في أکثر
التعريفات، فإن الحدّ الحقيقي يعز وجوده كما قاله الغزالي وغيره، فلذلك كان
الأكثر هو الرسمي. فإن الحقيقي يتوقف على معرفة جميع الذاتيات وغيرها وترتيبها
على الوجه الصحيح، وقد يتعذر بعض ذلك.
ومنهم من يقول: ليس الحدّ إلا واحداً، وهو الحقيقي. وأما التعريف بالرسم
واللفظ فلا يسمى حداً. فحصل ثلاثة مذاهب.
وعلى الأولين فذكر الغزالي وغيره: أن الحدّ يطلق على مسمياته بالاشتراك،
كدلالة العين على الباصرة والذهب وغيرهما.
والحق: أن دلالته عليها دلالة التواطؤ، كدلالة لفظ الحيوان على ما تحته من
الأنواع.
ثم الذي اصطلح عليه الجمهور أن التعريف إن كان بالجنس القريب والفصل
فهو الحد التام؛ وهو تعريف بجميع الأجزاء.
وإن كان ببعض الأجزاء وذلك البعض مساو للماهية فهو الحدّ الناقص،
كالتعريف بالفصل فقط، كالناطق أو بالجنس بالبعيد معه كالجسم الناطق.
وإن كان التعريف بجزء الماهية مع الخارج عنها فهو الرسم التام، كالحيوان
الضاحك، ولابد أن يكون ذلك الجزء أعم.
أما لو قلت: الناطق الضاحك فالحدّ هو الناطق، والضاحك حينئذ ليس من
أقسام التعريفات.
وإن كان التعريف بالخارج وحده فهو الرسم الناقص، کالضاحك، وإن كان
بتبديل لفظ بلفظ أجلى منه عند السامع فهو اللفظي.
١٠٢
٠

والأكثرون على أنه راجع الى اللغة، وليس من الحدود في شيء.
ومن اشترط الأجلى يعلم أن الواقع في كتب اللغة من تعريف أحد المترادفين
بالآخر مع استوائهما في الشهرة لا يسمى حداً لفظياً اصطلاحاً.
[كيفية تركيب الحد]
وأما كيفية ترکیبه فمن شیئین. وهما مادته وصورته. والمراد بهما جنسه وفصله.
وأما جنسه : فيقوم مقام مادته ذلك المعين.
وأما فصله : فيقوم مقام صورته ذلك المعين. كذا اقتصر الغزالي ومن تبعه
كالآمدي وابن الحاجب على ذكر المادة والصورة، ولم يتعرضا للفاعلية والغائية.
ولاشك أن الحدّ إنما وضع ليبين صورة الشيء، إذ الصورة إنما هي كمال وجود
الشيء، وهي أشرف ما به قوامه، فلهذا وجب أن توجد أجزاء الحدّ من جهة
الصورة لا من جهة غيرها، ولا شك أنه إذا أوجد الحدّ بجنسه وفصله صور الشي
بصورته التي هي أكمل من مادته، وأردنا كمال الحد بذكر باقي أسباب وجوده،
فلا بأس أن تذكر في الحد على جهة التبع، فيكون الحد حينئذ كاملاً قد كملت فيه
جميع أسباب الشيء الداخلة في ذاته، وهما مادته وصورته، والخارجة عن ذاته وهما
فاعله وغايته. وكذا قال العبدري في ((شرح المستصفى)).
قال: وترتيبه فيها على ترتيبها في السببية، فتؤخذ الصورة أولاً التي هي أقوى
سببي الشيء الداخلين في ذاته، ثم تتبع بالمادة، ثم بالخارجين عن ذاته فيكون هذا
الحدّ أكمل الحدود. ولو اقتصرنا على صورته لكفى لكن هذا أكمل. انتهى.
[شروط صحة الحد]
وأما شروط صحته: فمنها ما يرجع إلى اللفظ، ومنها ما يرجع إلى المعنى.
فمن المعنوية أن يكون جامعاً لسائر أفراد المحدود. وهذا هو المراد بقولهم:
الاطراد، ومانعاً عن دخول غير المحدود في الحد، وهو المراد بقولهم:
الانعكاس. قاله القَرافي.
وقال الغزالي وابن الحاجب: المطّرد هو المانع والمنعكس هو الجامع، وهذا هو
١٠٣

الصواب. والأول أوفق للاستعمال اللغوي. فإن المفهوم من قولنا: اطرد كذا أنه
وجد واستمر. فيلزم أن يكون معنى الطرد الوجود في جميع الصور؛ وإنما صوبنا
الثاني، لأن معنى وصفه بالاطراد أن تعريفه للمحدود. مطرد؛ وهذا الذي تحقق
وصفه بالحد، فالمراد اطراد التعريف.
تنبيه
هل الطرد والعكس شرط الصحة أو دليلها؟ خلاف. حكاه الأبياري في
١/١٣ شرح / ((البرهان))، فإن كان شرطاً لم يلزم من وجوده صحة الحد، ويلزم من
الانتفاء الفساد، وإن كان دليل الصحة لزم من الوجود الصحة ولم يلزم من الانتفاء
الفساد.
قال: والصحيح أنه شرط لا دليل، لأنا نجد حدوداً مطردة ومنعكسه، ولا
يحصل منها مقصود البيان، وهو المراد بالصحة، كقولنا: العلم ما علمه الله علماً.
فهذا وإن كان يطرد وينعكس فليس بصحيح.
وأما قول الأصوليين: عرفت صحته باطراده وانعكاسه فتجوز. اهـ.
وقال الأستاذ أبو منصور: أجمعوا على أن شرط الحد الاطراد والانعكاس، وما
اطرد ولم ينعكس جرى مجرى الدليل العقلي أو العلة الشرعية.
ومنها أن لا يكون أخفى من المحدود، ولا مساوياً له في الخفاء. وعبارة الأستاذ
أبي منصور البغدادي بأن تكون العبارة أوضح منه وأسبق إلى فهم السامع، وأن
يكون شائعاً في جميع أحوال المحدود، ولا يجوز تحديد الشيء بما يكون علته في
بعض الأحوال.
تنبيه
[الخفاء]
هل يعتبر الخفاء بالنسبة إلى الحاد أو إلى كل أحد؟ مثاله النفس أخفى من النار،
فلو فرض أن شخصاً عرف نفسه أجلى من النار، فهل تحد له النار بأنها جسم
كالنفس؟ مقتضى كلامهم المنع، والظاهر: الجواز.
١٠٤

ومنها أنه لا يكون مركباً على اختلاف وتفصيل، فعند المنطقيين لا بدّ في الحدّ
من التركيب ومنعه المتكلمون منهم إمام الحرمين ونقله عن كثير من المتكلمين.
قال: وإليه يميل شيخنا أبو الحسن.
وقال القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)): الصحيح جوازه، ومن منعه اعتبره
بالعلة، وهو فاسد.
وقال الأستاذ أبو منصور: اختلف أصحابنا في تركيب الحدّ من وصفين فأكثر.
فمنع الشيخ أبو الحسن الأشعري الجمع بين معنيين في حدّ واحد إذا أمكن إفراد
أحد المعنيين عن الآخر، ولهذا اختار في حدّ الجسم أنه الطويل العريض العميق.
واختار الباقون من أصحابنا تركيب الحدّ من وصفين وأكثر، وهو الصحيح عندنا.
وزعمت الفلاسفة أن الحد لا يكون إلا مركباً من جنس وفصل. وزعموا أن ما
اطرد بوصف واحد وانعكس فهو رسم لا حَدّ. ولهذا قالوا: إن قولنا: الانسان هو
الضاحك رسم؛ وقولهم: الإنسان حي ناطق مائت حدّ، لأنه مرکب من جنس
وفصل. انتهى.
واعلم أنه ليس المراد بمنع التركيب تكليف المسؤول أن يأتي في حد ما يسأل عنه
بعبارة واحدة، إذ المقصود اتحاد المعنى بدون اللفظ. والعبارات لا تقصد لأنفسها،
وليست هي حدوداً بل منبئة عن الحدود.
تنبيه
ظاهر كلام الأستاذ أن خلاف المتكلمين والمنطقيين في مسألة واحدة.
وقال المُقْتَرَحُ: لم يتوارد كلامهما على محل واحد. بل المرادان متغايران، فمراد
المنطقيين بالتركيب هو المركب من جنس وفصل، وهو صحيح في الحدّ والتركيب
الذي أراده الأصوليون هو تداخل الحقائق، وهو مبطل للمحدود.
مثاله: إذا حد العلم بأنه الذي يصح من المتصف به إحكام الفعل وإتقانه،
فيقال: هذا فيه تركيب، لأنه يدخل فيه القدرة والإرادة، فتكون القدرة والإرادة
علماً؛ ولأنه إن كانت القدرة والإرادة داخلتين في العلم لزم التركيب المفسد للحدّ؛
١٠٥

وإن كانتا خارجتين عن العلم، فالعلم بانفراده لا يصح به الإحكام، لأن العالم
العاجز لا يتصور منه الإحكام، لأنه غير قادر.
فَرع
[التحديد بما يَجري مُجَرى التقسيم]
قال الأستاذ: اختلفوا في التحديد بما يجري مجرى التقسيم، فالمانعون من
تركيب الحدّ منعوه، وأجازه أكثر من أجاز التركيب. نحو الخبر ما كان صدقاً أو
كذباً، وحقيقة الموجود ما كان قديماً أو محدثاً.
وحكى بعض المتأخرين ثلاثة مذاهب في أن التقسيم في الحد هل يفسده؟
أحدها: نعم لأن المسؤول عنه بصفة واحدة، والتقسيم يقتضي التعدد، لأن
حرف ((أو)) للتردد، وهو مناف للتعريف.
والثاني: لا، لأن المراد أحدهما ولا تردد فيه.
والثالث: وصححه، إن كان التقسيم من نفس الحدّ أفسده، وإن كان خارجاً
عنه المقصود البيان لم يفسده.
قال: وإنما يكون التقسيم من نفس الحد إذا كان بحيث إذا أسقط من الحد ورد
عليه ما يبطله.
ومنها قالوا: لا يجوز أن تصدر الحدود بلفظة ((كل)) هكذا أطلقوه. وكان
مقصودهم باعتبار الكلية. أي کل واحد، لأن الحد حينئذ يكون لكل فرد، فيكون
حداً واحداً لأشياء متعددة صادقاً على كل منها.
مثاله: الإنسان كل حيوان ناطق باعتبار كل واحد، فيكون الحد منطقياً على كل
فرد، فيكون حداً واحداً صادقاً على ذوات متعددة. وهو باطل؛ لأنك تكون
حکمت علی زید مثلاً بأنه كل حيوان ناطق، وغيره يشاركه في ذلك، فیکون غیر
مانع، ويجب تنزيل إطلاقهم المنع على هذا.
١٠٦

أما باعتبار الكلي المجموعي فلا يمتنع أن يؤتى بلفظ ((كل)) في الحدود، لأن
المحدود حينئذ الماهية المركبة من أجزاء متعددة مرادة بلفظ ((كل))، والحد
لمجموعها، إذ لا مانع أن تحد شيئاً واحداً مركباً من أجزاء خارجية ينفصل بعضها
عن بعض وذلك كثير.
ومن ههنا يظهر أن الكلي لا يجوز تصدير حده بلفظة ((كل))، لأن الحد فيه ليس
باعتبار الكلية، و ((كل)» موضوعها كلية.
ومن اللفظية توقي الألفاظ الغريبة الوحشية والاشتراك [و] الإجمال والتكرار
والمجاز غير الشائع من غير قرينة لبعد البيان، فإن اقترنت قرينة معرفة ففيه
خلاف .
قال الأبيارى: والصحيح: القبول، والأحسن: الترك؛ وقال في موضع آخر:
إن كان اللفظ نصاً فهو أحسن ما يستعمل في الحدود، وكذا إن كان ظاهراً
واحتماله بعيد. فإن كان مشتركاً أو ملتبساً فلا يصح استعماله مجرداً عن القرينة
بحال.
واختلفوا في صحته مع القرينة المقالية كقولنا: العلم الثقة بالمعلوم؛ فإن الثقة
مشتركة بين الأمانة والعلم: لكن ذكر المعلوم يقطع ذلك الاشتراك، ويبين مقصود
المتكلم منه .
وهل يكون اقتران القرينة الحالية بين المتخاطبين يقوم مقام القرينة اللفظية؟
هذا أيضاً مختلف فيه. اهـ.
وقال القاضي عبد الوهاب في ((الإفادة)): اختلفوا في التحديد بالمجاز، فأجازه
قوم، ومنعه آخرون. لأن الحد إنما يكون بالوصف اللازم، والمجاز غير لازم.
والصحيح: جوازه، لأن الغرض التبيين.
وقال المقترح: اختلفوا في ألفاظ الاستعارة والمجاز هل تستعمل في الحدود؟
فقيل : بالمنع مطلقاً لما فيه من اللبس عند السامع، وقيل: نعم، لأنها تدخل على
الجملة .
١٠٧

وفصّل آخرون بين المستعمل المشهور، وبين ما ليس كذلك، فإن كان مشهوراً
استعمل، وهو رأي إمام الحرمين في ((الشامل)) والغزالي في ((المستصفى)). فقال:
يجب طلب النص ما أمكن فإن أعوزك النص وافتقرت إلى الاستعارة، فاطلب من
الاستعارات ما هو أشد مناسبة للغرض. انتهى.
ويجب أن يبتدىء بالأعم ثم بالأخص في الحدود التامة، لأن الأعم منها هو
١٣/ ب الجنس، فلا يقال: مسكر معتصر من / العنب بل بالعكس، لأنه لا يمكن معرفة
الأخص مع الغفلة عن الأعم. فإذا ذكر الأخص أو لا تعذر الفهم حتى يذكر
الأعم. ثم يفهم الأخص فيتراخى الفهم عن الذاكر، وليس كذلك إذا ذكر الأعم
أولاً، ولأن بتقديم الأخص يختل الجزء الصورى من الحد، فلا يكون تاماً مشتملاً
على جميع الأجزاء، وأما غير التام فتقديم الأعرف أولى، وليس بواجب.
مسألة
[الزيادة والنقصَانِ فِي الحَد]
ولا خلاف كما قاله القاضي عبد الوهاب والأستاذ أبو منصور أن النقصان في
الحد زيادة في المحدود.
واختلفوا في الزيادة فيه، فقالت الأوائل وكثير من الأصوليين: إنه نقصان في
المحدود أيضاً.
وقال الأستاذ أبو منصور: إن كان جزءاً منه فكذلك، كحدهم الجوهر بالمتلون
بالسواد، لأن السواد جزء من اللون، ولو طرح هذه الزيادة، وقال: الجوهر هو
المتلون، لكان حده أعم وأوضح .
وقال القاضي عبد الوهاب: عندي أن الزيادة ضربان:
أحدهما: نقص من المحدود كقولنا في الحركة: إنها نقلة إلى جهة اليمين أو
١٠٨

الشمال، وهذا يخرج كل نقلة لا إلى غير تلك الجهة عن أن تكون حركة.
والثاني: لا ينقص بل يكون وجودها وعدمها سواء كقولنا في الحركة: إنها فعل
نقلة أو عرض نقلة.
فائدة
[اعراب الصفَات في الحدود]
كان بعض الفضلاء يقول: إن الصفات المذكورة في الحدود لا يجوز أن تعرب
أخباراً ثواني، بل يتعين إعرابها صفة لما يلزم على الأول من استقلال كل خبر
بالحدّ، ومن هنا منع جماعة أن يكون حلو حامض خبرين.
وأوجب الأخفش أن يعرب حامض صفة.
والجمهور القائلون: إن كلا منهما خبر لا يلزمهم القول بمثله في نحو: الإنسان
حيوان ناطق، لأن حلو حامض ضدّان. فالعقل يصرف عن توهم أن يكونا
مقصودين بالذات وأن يكون كل منهما قصد معناه فلا تَوقع في الغلط. بخلاف
الإنسان حيوان ناطق ليس في اللفظ، ولا في العقل إذا كانا خبرين ما يصرف كلا
منهما عن الاستقلال. ولأمر آخر وهو أن الخبر الأول من حلو حامض، كالخبر
الثاني ليس له حكم بالكلية. حتى نقل عن الفارسي أنه لا يتحمل ضميراً وماشأنه
ذلك لا يدخل في الحدود، لأن كل واحد من حيوان وناطق مثلاً مقصود وَحْدَه.
ألا ترى أنك تقول: دخل بالجنس كذا، ثم خرج بالفصل الأول كذا، ثم بالفصل
الثاني كذا؟ فقد جعلت لكلّ معنىًّ مستقلاً، وليس كذلك شأن حلو حامض. فلم
يبق إلا أن يكونا خبرين مستقلين فيفسد الحدّ، أو يكون الثاني صفة، وهو
المدعى، فليتأمل ذلك.
١٠٩

القسمَة
وعند إمام الحرمين أنه يتوصل بالتقسيم إلى درك الحقيقة كالحدّ. وسبق عن
الأستاذ حكاية الخلاف فيه بناء على الخلاف في جواز التركيب في الحد، والنظر في
حدها وأنواعها وشروط صحتها.
أما حدها فتكثير الواحد تقديراً.
وهي نوعان : قسمة تمييز وقسمة ثوابت؛ والثوابت ما عاد المستدعى منها إلى
الاشتراك في مجرد اللفظ، والتمييز بعكسه: وقد بلغها القدماء إلى أنواع ثمانية :
الأول : قسمة الجنس إلى الأنواع، كقسمة الحادث إلى جوهر وعرض، وقسمة
العرض في الاصطلاحات إلى أنواعه، وكتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف،
وتقسيم الفرقة عن النكاح إلى طلاق وفسخ، وقسمة الميراث إلى فرض وتعصيب.
الثاني: قسمة النوع إلى الأشخاص، كقسمة السواد إلى سواد القار وسواد
الزنجى .
الثالث: قسمة الكل إلى الأجزاء كقسمة بدن الإنسان إلى الأعضاء الرئيسة
وإلى الرأس واليد.
الرابع: قسمة الاسم المشترك إلى معانيه المختلفة.
الخامس: قسمة الجوهر إلى الأعراض، كقولهم الجسم منه أحمر وأسود.
السادس: قسمة العرض إلى الجواهر كقولهم: الأبيض إما ثلج أو قطن.
السابع: قسمة العرض إلى أعراض كقولهم: الخلق ينقسم إلى الأحمر
والأبيض .
قالوا: وإلى هذه الجهات ينقسم كل منقسم، وفيما ذكروه ضرب من التداخل.
الثامن: قسمة الكلي إلى جزيئاته .
١١٠

[شروط صحة القسمة]
وأما شروط صحتها فعدم التداخل والزيادة والنقصان والتنافر.
فالتداخل كقولك: الجوهر لا يخلو من أن يقوم به لون أو سواد.
والتنافر قد يكون في المعنى فهو كالزيادة كقولك: الكون لا يخلو إما أن يكون
حركة أو سكوناً أو سواداً، فإنك أدخلت في جنس الكون نوعاً من أنواع اللون
فتنافر جنسه من حيث لم يكن نوعاً له؛ ويرجع إلى الزيادة.
وقد يكون في نظم الكلام وصفته كقولك: لا يخلو اللون القائم بالجوهر من أن
يكون سكوناً أو كون الجوهر متحركاً.
مسألة
[توقف المطلوب التصديقي عَلى مقَدمتين]
يتوقف المطلوب التصديقي على مقدمتين لا يمكن الزيادة عليهما ولا النقصان
عنهما، وهذا قول أكثر العقلاء.
قالوا: وهما كالشاهدين عند الحاكم.
قالوا: والمقدمة الواحدة لا تنتج كما لا ينتج ذكر دون أنثى، ولا عكسه، وإنما
تكون النتيجة بازدواج مقدمتين.
وعن إمام الحرمين: أنه يصح انتاج المقدمة الواحدة، وقد استنكر عليه إلا أن
يكون مراده أنه لا يلزم ذكر المقدمة الثانية إذا كانت مشهورة ويكون حذفها إذ ذاك
من الدليل اختصاراً لا اقتصاراً. وهذا لا خلاف فيه.
وهذا كما لو استدللنا على وجوب الزكاة بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [سورة ..
البقرة / ٤٣] فإنه متوقف على مقدمة أخرى، وهي أنه مأمور به، وکل مأمور به فهو
١١١

واجب، فحذفت هذه اختصاراً، ولهذا يسمى بالمضمر.
قالوا: وإنما تحذف لأحد ثلاثة أمور: إما الاختصار، وإما أنه لو صرح بها لمنعها
الخصم، كقولنا: النبيذ مسكر فهو حرام، فلو صرح بالكبرى وهي كل مسكر
حرام لمنعها الخصم. وإما لأنها كاذبة فتضمر لئلا يظهر كذبها فيكون إخفاؤها أروج
للمغالطة. هذا إذا كان المحذوف الكبرى.
فإن حذفت الصغرى سمى قياس الرمي. ومنه قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهةٌ
إلا اللّهُ لفَسَدتَا﴾ [سورة الأنبياء/٢٢] فحذفت المقدمة الاستثنائية الناطقة برفع الثاني،
وهي ((لكنهما لم تفسدا)). ﴿إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً﴾ [سورة الإسراء]
فحذف منه، ومعلوم أنهم لم يبتغوا.
٦
مسألة
[الموضوع والمحمول]
وكل من المقدمتين ينقسم إلى موضوع ومحمول. أي: محكوم عليه ومحكوم به.
قالوا: والنحاة يسمونهما المبتدأ والخبر.
قال المنطقيون: ولابد من نسبة توسط بين المحمول والموضوع، وإلا لم تكن
قضية. واللفظ الدال على هذه النسبة يسمى رابطة، فإن صرح بها كقولنا: زيد هو
كاتب سميت ثلاثية. وإن أسقطت اعتماداً على فهم المعنى نحو زید کاتب سميت
ثنائية .
وهي : الرابطة من جملة الأدوات في غير لغة العرب.
أما لغة العرب، فمنهم من يجعلها أداة، ومنهم من يجعلها اسماً على ما عرف من
الخلاف بين النحويين في ضمير الفصل.
وقد رد السهيلي في ((نتائج الفكر)) قول المناطقة في هذا بإجماع النحويين على أن
١١٢

الخبر إذا كان اسما مفرداً جامداً لم يحتج إلى رابطة تربطه بالأول، لأن المخاطب
يعرف أنه مسند إليه من حيث كان لا يقوم بنفسه، كما زعم المنطقيون أن الرابط
بينهما لابد منه مظهراً أو مضمراً.
قال: وكيف يكون مضمراً ويدل على ارتباط أو غيره والمخاطب لا يستدل إلا
بلفظ يسمعه لا بشيء يضمره في نفسه؟ ولو احتجنا إلى ((هو)) مضمرة أو مظهرة،
لاحتجنا إلى ((هو)) أخرى يربط الخبر بها، وذلك يتسلسل.
مسألة
[النتيجَة تنبع المُقَدمَات]
والمقدمات إن كانت قطعية أو ظنية فالنتيجة كذلك، وإن كان بعضها قطعياً
وبعضها ظنياً فهي ظنية.
والنتيجة أبداً تتبع أخس المقدمتين في الكم والكيف جميعاً.
وقد قيل:
إن الزمانَ لتابعٌ للأنذل
تبع النتيجة للأخسِّ الأرذل
١١٣

3.91
1
1
0
1
2

فصَل فى الأحكام
قال الله تعالى: ﴿ومَنْ أُحسَنُ من اللهِ حُكْماً لقوم يوقنون﴾ [سورة المائدة/ ٥٠] وقد
بينا أن أصول الفقه: العلم بالأحكام فلا بد من تعريف الحكم.
فنقول : هو لغة المنع والصرف، ومنه الحكمة للحديدة التي في اللجام. وبمعنى
الإحكام، ومنه الحكيم في صفاته سبحانه.
وفي الاصطلاح: خطاب الشرع المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير.
فيخرج المتعلق بذات المكلف، نحو ﴿والله خلقكم وما تعلمون﴾ [سورة
الصنافات / ٩٦] والمراد بالفعل جميع أعمال الجوارح، وإن كان قد تقابل الأفعال
بالأقوال في الإطلاق العرفي.
وقولنا: ((بفعل المكلف)) فيه تجوز، فإنه لا يتعلق التكليف إلا بمعدوم يمكن
حدوثه؛ والمعدوم ليس بفعل حقيقة. ولو احترز عنه لقيل: المتعلق بما يصح أن
يكون فعلاً.
وأشير بالتعلق إلى أن حاصلَ الحكم مجرد التعلق من غير أن يكون له تأثير في
ذات الحاكم أو المحكوم عليه أو فيه.
ونعني بالاقتضاء ما يفهم من خطاب التكليف من استدعاء الفعل أو الترك،
وبالتخيير التسوية بين الفعل والترك.
والمراد «بأو» أن ما یتعلق على أحد الوجوه المذكورة کان حكماً وإلا فلا يرد سؤال
الترديد في الحدّ. هذا إن قلنا: إن الإباحة حكم شرعي، ومن لم ير ذلك استغنى
عن ذكر التخيير.
١١٧

١/١٤ أما تعلق الضمان بفعل الصبي ونحوه. فالمراد به تكليف / الوليّ بأدائه من مال
الصبي .
ومنهم من قال: خطاب الله المتعلق بأفعال العباد، ليدخل الصبي؛ وهذا نشأ
من الخلاف في أن الصبي مأمور بأمر الولي أو بأمر الشارع؟
وزاد بعضهم في الحدّ التام العقل ليختص بالمميز. والخطاب يمكن معه،
لفهمه؛ وإنما يمتنع في حقه التكليف. وعبّر ابن برهان: بأفعال المكلفين. وانفصل
عن سؤال الأحكام الثابتة بخطاب الوضع في حق غير الإنسان من البهائم.
قال: لأن ذلك ينسب إلى تفريط المالك في حفظها حتى لو قصد التفريط لم يكن
لفعلها حكم.
وهذا لا يفيده، بل السؤال باق، لأن فعلها معتبر في التضمين إما بكونه شرطاً
وإما سبباً. والشرطية والسببية حكم شرعي ولولا فعلها إما مضافاً وإما مستقلاً لم
يجب الضمان.
أو نقول: هو علة بدليل دوران الحكم معه وجوداً وعدماً.
لا يقال: الخطاب قديم فكيف يعرف الحكم الحادث؟ لأنا نمنع كون الحكم
حادثاً .
وقول الرازي هنا: إن الحادث هو التعلق فيه نظر، لأن التعلق أمر نسبي
يتوقف على وجود المنتسبين، فيلزم حدوث الحكم.
وأجيب بأن ذلك في الذهن لا في الخارج فلا يلزمُ حدوثه، ولأن النسبة أمر
اعتباريّ لا يوصف بحدوث ولا عدم.
وصرح الغزالي في الوسيط في كتاب الطلاق بأن التعلق قديم. وبه جزم الرازي
في كتاب ((القياس)) في ((المحصول))، فحصل في المتعلق ثلاثة أقوال: قديم.
حادث. لا يوصف بواحد منهما.
والتحقيق أن للتعليق اعتبارين :
أحدهما: قيام الطلب النفسي بالذات وهو قديم.
١١٨

والثاني: تعلق تنجيزي، وهو الحادث، وحينئذ فلا يبقى خلاف.
والقول بحدوث التعلق يلائم قول من يقول: إن الله ليس آمراً في الأزل، وهو
القلانسي. وأبو الحسن الأشعري يأباه.
تنبيه
[تعَلق الاحكام]
علم من تعريف الحكم بالتعلق بفعل المكلف أن الأحكام لا تتعلق بالأعيان،
وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب المجمل أنّ نحو ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾
[سورة النساء / ٢٣] أنه من باب الحذف بقرينة دلالة العقل أنّ الأحكام إنما تتعلق
بالأفعال دون الأعيان. ولكن هذا ليس متفقاً عليه، فقد ذهب جمع من الحنفية إلى
أنّ الحكم يتعلق بالعين كما يتعلق بالفعل. ومعنى حرمة العين خروجها من أن
تكون محلاً للفعل شرعاً كما أن حرمة الفعل خروج من الأعيان شرعاً.
وذكر صاحب ((الميزان)) من الحنفية: أن الحل والحرمة إذا أضيفا إلى الأعيان
فهي أوصاف لها كما تكون أوصافاً للأفعال في قول الحنفية خلافاً للمعتزلة.
قال: وإنما أنكرت المعتزلة إضافة التحريم إلى الأعيان لئلا يلزمهم نسبة خلق
القبيح إلى الله تعالى بناء على أن كل محرم قبيح.
وذكر صاحب ((الأسرار)) منهم أن الحل والحرمة معاً إذا كانا لمعنى في العين
أضيف إليها، لأنها نسبة كما يقال: جرى الميزاب.
وقال: حرمت الميتة، لأن تحريمها لمعنى فيها، ولا يقال: حرمت، لأن حرمتها
احترام المالك فحصل في تعليق الأحكام بالأعيان ثلاثة مذاهب. وذكر هذه المسألة
هنا من الغرائب.
وذكر القاضي في ((التقريب)» أن الشيء قد يوصف بما يعود إلى نفس الذات أو
١١٩

صفة نفسية، أو معنوية قائمة بالذات، أو صفة تعلق لا يرجع منها شيء الى
الذات .
وقد اختلف في الأحكام هل يكتسب بها الذوات صفة أم لا؟
الجمهور على أنها من صفات التعلق فإذا قيل: هذا نجس فليس النجاسة ولا
كونه نجساً راجعاً إلى نفسه، ولا إلى صفة نفسية أو معنوية للذات، بل هي حال
الطهارة والنجاسة على حد سواء لم يفد هذا الحكم صفة زائدة قائمة بها لأجل
الحكم.
ومعنى النجاسة تعلق قول الله تعالى إنها مجتنبة في الصلاة ونحوه؛ وكذا قولنا:
شرب الخمر حرام ليس المراد تجرعها وحركات الشارب، وإنما التحريم راجع إلى
تعلق قول الله في النهي عن شربها.
وقد تحقق في علم الكلام أن صفات التعلق لا تقتضى إفادة وصف عائد إلى
الذات، وهذا كمن علم أن زيداً قاعد بين يديه فإنَّ عِلْمَه وإن تعلق بزيد لم يغير
من صفات زيد شيئاً، ولا حدثت لزيد صفة. لأجل تعلق العلم به.
وذهب بعضهم إلى استفادة الذوات من الأحكام فائدة، ورأوا أن التحريم
والوجوب يرجع إلى ذات الفعل المحرم والواجب، وقدروه وصفاً ذاتياً.
قال القاضي: واعتلوا لذلك بضرب من الجهل، وهو أنه لو توهم عدم
الفعل لعدمت أحكامه بأسرها فوجب أن يكون أحكامه هي هو.
قال: وهذا باطل، لأنه يوجب أن يكون جميع صفات الأجسام وأحكامها
وأقوالها وأفعالها هي هي، لأنه لو تصور عدم الجسم لعدمت أحواله وألوانه وجميع
تصرفاته، فيجب أن يكون عبارة عن أفعاله ولا يقوله عاقل.
ونسب غيره هذا إلى المعتزلة، فقال: الأحكام ترجع إلى تعلق الخطاب وهي
صفة إضافية، وقالت المعتزلة: إلى صفات الأفعال وهي نفسية.
وقال الغزالي: وقولنا: الخمر محرمة تجوّز. فإنه جماد لا يتعلق به خطاب، وإنما
المحرم تناولها.
١٢٠