Indexed OCR Text
Pages 1-20
مِرَاتُ الأَحْمَانُ في العبادات والمعاملات وَالاعْتقَاداتُ لِلإِمَامِ الْحَافِظ ابْ حِزْمُ الطّاهِرِيّ رَحَمَهُ اللَّه تَعَالى وَيَليْه نَقْد مَراتب الإِجْمَاع الإمام الحافظ القديمية حِمَهُ اللّه تعالى بعناية جِسَ أحمَد إسبر دار ابن حزم جميع الحقوق محفوظّة الطَّبعَة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها دار ابن حزم للطباعة وَالنشْر وَالتَّوزيْع بيروت - لبنان - صب: ١٤/٦٣٦٦ - تلفون: ٧٠١٩٧٤ مِرائبُ الأَجمام في العبادات والمعاملات وَالاعْتقَادَاتُ المقَدّمَة الحمدُ لله الذي جعلَ إجماعَ هذه الأمةِ من قواعدِ الدين، فكان لها بذلك العصمةَ والجلالة، والصلاةُ والسلامُ على خاتم الأنبياءِ والمرسلين، القائل: ((لا تجتمعُ أمتي على ضلالة)). وعلى آله وصحبهِ الذين جاهدوا في سبيل الله بصبرٍ وبسالة. أما بعد: فهذا كتابٌ ذو مرتبةٍ عاليةٍ، وفوائد غاليةٍ، وأهميةٍ بالغةٍ، خصوصاً إذا عرفنا أن موضوعه هو أحدُ قواعدِ الدين، وأركان الملة الحنيفية السمحة، وما أجمعَ عليه المسلمون فهو يقينٌ ثابتٌ، وأمرٌ مقطوعٌ به، لا يجوز مخالفته، ولأهمية الإجماع وخطورة مخالفته، كَتَبَ فيه الأئمةُ والعلماءُ كثيراً في أبحاث شتى، وجوانب عديدة؛ فمنهم من كَتَبَ عن الإجماع من الناحية الأصولية - وكُتُبُ الأصول لا يخلو واحد منها عن دراسةٍ لهذا الأصل .. ومن أهل العلم من جَمَعَ المسائل التي نُقل فيها الإجماعُ، لخطورة الشذوذ والمخالفة في مثل هذه المسائل، ولقد اشتهر من هذه الكتب: ((الإجماع)) للإمام ابن المنذر وهو أشهرها. و(«الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف)) له أيضاً، وقيل: إن الأول مختصر من هذا. وهناكَ من الكتبِ من اقتصرَ أصحابُها على إجماعِ المذاهبِ ، الأربعةِ أو غيرها كالإفصاحِ لابن هبيرة وغيره. وهذا الكتابُ الذي نقدمه للقارىء ((مراتب الإجماع)) للحافظ أبي محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - له أهميةٌ خاصة، إذ المؤلف حاول أن يستقصي فيه ما أمكن؛ ولأنهُ خالفَ فيه مذهبه الظاهري الذي لا يعتد بإجماع بعد عصرِ الصحابة - رضي الله عنهم - بل خالف ما قرَّره هو نفسه في كتابه ((الإحكام)): (٥٤٩/٤) حيث قال: ((إنما علينا طلبُ أحكامِ القرآنِ والسننِ الثابتة عن رسول الله وَل98، إذ ليس الدين في سواهما أصلاً، ولا معنى لطلبنا هل أَجْمع على ذلك الحكم أو اخْتُلِفَ فیه)) . وها نحن نجده هنا يقول: ((فإن الإجماعَ قاعدةٌ من قواعدِ الملة الحنيفية، يُرجَعُ إليه ويُفْزَعُ نحوهُ ويكفُرُ من خالَفَهُ إذا قامتْ عليه الحجة)). لقد رتَّب الإمامُ ابنُ حزم كتابه هذا على أبواب الفقه، فذكر ما أجمع عليه أهل العلم في العبادات والمعاملات والاعتقاد، ولم يتعرض لذكر الدليل، وقام الإمام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بنقده وعلق عليه كذلك الشيخ الكوثري - رحمه الله تعالى -. عملنا في الكتاب: - تعريف موجز بالإجماع وحجيته . - إعداد ترجمة موجزة للمؤلف (ابن حزم). - شرح الألفاظ التي تحتاج إلى تبيين. - تعريف لغوي وشرعي لكل باب من الأبواب المذكورة في الكتاب. - التعليق على بعض المسائل الضرورية. و - ألحقنا في آخر الكتاب ((نقد مراتب الإجماع)) للحافظ ابن تيمية - رحمه الله تعالى - مع ترجمة موجزة عنه. وحيث وضعنا هذه الإشارة * في ((مراتب الإجماع)) فيكون هناك تعليق لابن تيمية في النقد الموجود في آخر الكتاب. ٦ - إعداد فهرس خاص بموضوعات الكتاب. - تصحيح الكتاب ما أمكن من الأخطاء المطبعية وغيرها الواقعة في أصل الكتاب وهي كثيرة جداً. هذا وأسأل الله تعالى أن يمن علينا بالتوفيق، وأن يتقبل منا عملناه هذا، وأن ينفع به إنه سميع عليم قريب مجيب الدعوات، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وكتبه حسن أحمد إسبر أبو البراء ببنين عكار ٢٤ ذو القعدة ١٤١٨ هـ الموافق ٢٥ آذار ١٩٩٨ م ٧ تعريف الإجماع الإجماع في اللغة يطلق بإطلاقين: أحدهما: العزم والتصميم على الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَحِعُواْ أَنَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]. أي اعزموا عليه، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل)). أي: يعزم عليه. وثانيهما: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه(١). وفي الاصطلاح: هو اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين، في عصر من العصور، بعد وفاة الرسول وَلّر على حكم شرعي(٢). وقيل: هو عبارة عن اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد علي، على أمر من أمور الدين بعد وفاة النبي وَلا﴾ (٣). ولكن الأفضل أن يقال: (جملة من المجتهدين) بدل (جملة أهل الحل والعقد) لأن هؤلاء قد لا يكونون من المجتهدين كما هو معروف في هذه الأيام(٤). (١) راجع: ((كشف الأسرار)) لعلاء الدين البخاري: (٤٢٣/٣) و ((الإحكام)) للآمدي: (٢٥٤/١). (٢) راجع: ((كشف الأسرار)): (٤٢٤/٣) و((الإحكام)) للآمدي: (٢٥٤/١). (٣) راجع: ((المحصول)) للرازي: (٢٠/٤) و((شرح الكوكب المنير)): (٢١١/٢) و ((إرشاد الفحول)): (ص: ٦٣). (٤) راجع: ((الميسر في أصول الفقه الإسلامي)) للسلقيني: (ص: ٩٢) نقلاً عن كتاب (الفقه الإسلامي مدخل لدراسته)) للدكتور محمد يوسف موسى (ص: ١٨٢). ٨ حكم الإجماع إجماع أمة محمد رَله حجة، خلافاً للنظام والشيعة والخوارج(١). فهو يثبت به الحكم الشرعي يقيناً، فهو حجة قطعية يجب العمل به وتحرم مخالفته. فإذا تحقق الإجماع على حكم مسألة من المسائل، وعلم ذلك الإجماع، صار الحكم الذي أجمعوا عليه حكماً شرعياً ثابتاً قاطعاً، لا تجوز مخالفته، ولا نسخه، وخرجت المسألة عن أن تكون محلّاً للاجتهاد والنزاع(٢). الأدلة على حجيته: استدل جمهور أهل العلم على حجية الإجماع بأدلة كثيرةٍ، منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌّ وَسَآَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وجه الاستدلال بهذه الآية : أنَّ الله تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، كما توعد (١) راجع: ((المحصول)) للرازي: (٣٥/٤). (٢) راجع: ((الميسر)) للسلقيني (ص: ١٠١ - ١٠٢). ٩ - على مخالفة الرسول - ريل19 - والسبيل ما يختار الإنسان لنفسه قولاً وعملاً ولو لم يكن ذلك محرماً لما توعد عليه ولما حسن الجمع بينه وبين مشاق الرسول في الوعيد، كما لا يحسن الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح في الوعيد، وإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين، وجب اتباع سبيلهم فيكون الإجماع حجة(١). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسًَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. أخبر عن كون هذه الأمة وسطاً، و ((الوسط)) من كل شيء خياره: فيكون الله عز وجل قد أخبر عن خيرية الأمة، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية، وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات: وجب أن يكون قولهم حجة(٢). الدليل الثالث - من السنة : قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة)). ورُوِيَ: ((على خطأ)). وروي: ((ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حَسَنٌ، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح)). وروي: ((عليكم بالسواد الأعظم)). وهذا كله يدل على أن اتباع المجمعين فيما أجمعوا عليه واجب(٣). والحديث السابق: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) فيه نفي جميع وجوه الضلالة عن مجموع الأمة، أو عن مجموع المجتهدين؛ لأن ضلالة مفردة نكرة في سياق النفي فتعم. ولفظ ((أمتي)) مفرد مضاف فيعم مجموع الأمة. وهاتان قاعدتان أصوليتان لا نزاع فيهما، فيكون معنى الحديث الشريف: جميع وجوه الضلالة منفية عن جميع الأمة (٤). (١) راجع: ((كشف الأسرار)): (٤٦٥/٣ - ٤٦٦) و((المحصول)): (٣٦/٤). (٢) راجع: ((المحصول)): (٦٦/٤). (٣) راجع: ((العدة في أصول الفقه)): (١٠٧٣/٤ - ١٠٨١). (٤) راجع: ((الميسر)) للسلقيني: (ص: ١٠٥). ١٠ واستدل النظام ومن معه الذين قالوا: إن الإجماع ليس بحجة، بما يأتي: أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِن تَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . ووجه الدلالة من الآية ظاهر، فإن الله تعالى أمر برد المتنازع فيه إلى الله ورسوله، ولم يأمر برده إلى الأمة، فكان ذلك دليلاً على أن قولها غير معتبر، فلا يكون حجة. يجاب على ذلك: بأن الآية حجة عليكم وليست حجة لكم؛ لأن حجية الإجماع من المتنازع فيها فيجب ردها إلى الله ورسوله، وبالرد إليهما يتبين أن الإجماع حجة، فنحن قد عملنا بالآية وأنتم لم تعملوا بها. ثانياً: تصويب النبي ◌َّي﴿ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن مع أنه لم يذكر الإجماع من المراجع التي يرجع إليها في الحكم وذلك مما يدل على أن الإجماع ليس حجة، وإلا لقال الرسول وَل18 لمعاذ: ((لقد تركت الإجماع فعليك بالرجوع إليه». يجاب على ذلك: بأن النبي وَل﴿ إنما صوّبه؛ لأنه أتى بالأدلة التي يمكن العمل بها في ذلك الوقت والتي تعتبر حجة في زمنه عليه الصلاة والسلام، والإجماع لا ينعقد في حياته فلا يكون حجة؛ لأن الحجية وصف له والوصف لا يتحقق بدون الموصوف. ثالثاً: إن الأمة الإسلامية أمة كغيرها من الأمم وقول غيرها لا يعتبر حجة فقولها لا يكون حجة كذلك لعدم الفارق. ويجاب على ذلك: بإبداء الفارق، وهو أن الأمم السابقة لم يوجد من الأدلة ما يوجب صدقها، بخلاف الأمة المحمدية، فإن الدليل على صدقها وعصمتها من الخطأ موجود. رابعاً: وهو خاص بالشيعة، وحاصله أن الله تعالى يجب عليه أن يبعث في كل زمان إماماً يأمر الناس بالطاعة، وينهاهم عن المعصية، ١١ ويكون هذا الإمام معصوماً عن الخطأ والكذب، فإذا أجمعت الأمة على شيء وجب قبول قولهم لوجود هذا الإمام المعصوم فيهم. ويجاب عن ذلك أولاً: بأن هذا مبني على وجوب رعاية الأصلح على الله تعالى، وهو مذهب فاسد. ثانياً: بأن الشيعة جوزوا الكذب على هذا الإمام، خوفاً أو تقية، كما جوزوا أن يكون حامل الذكر خفياً غير ظاهر للناس، ومع هذا التجويز لا يتأتى عصمته الكذب، كما لا يتحقق المقصود من بعثه، وهو الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، وما دام الأمر كذلك فلا موجب لقبول خبره(١). وبهذا يعلم أن الإجماع: ((حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ))(٢). (١) راجع: ((أصول الفقه)) للأستاذ محمد أبو زهير: (١٨٦/٣ - ١٨٧). (٢) راجع: ((العدة في أصول الفقه)): (١٠٥٨/٤). ١٢ O مراتب الإجماع إن الإجماع ينقسم في موقف العلماء منه إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: ويحوي : ١ - إجماع المسلمين. ٢ - إجماع الصحابة. ٣ - إجماع أهل العلم. وهي ذُرَى مراتب الإجماع لا يماري فيها أحدٌ. القسم الثاني: ويضم: ١ - قول أهل العلم مع ندرة المخالف. ٢ - قول صاحب لا يعرف له مخالف من الصحابة. ٣ - قول عالم لا يعرف له مخالف من العلماء. ٤ - نفي العلم بالخلاف. ٥ - إجماع أهل الحرمين: مكة والمدينة. ٦ - إجماع أهل المدينة. ٧ - إجماع الخلفاء الراشدين. ٨ - إجماع أهل البيت. ١٣ ------ وللعلماء في هذا القسم خلاف، ولكل وجهة نظر، فمنهم من اعتبر ذلك من باب الإجماع، ومنهم من لم يعتبر(١). وتفصيل البحث في هذا كتب أصول الفقه. (١) راجع: ((موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي)) لأبي جيب: (٣٧/١). ١٤ ترجمة الحافظ ابن حزم هو الإمام العلامة الفقيه، الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف الفارسيُّ الأصلِ، الأموي اليزيدي القرطبي الأندلسي الظاهري. ولد بقرطبة سنة ٣٨٤ هـ. وتوفي سنة ٤٥٦ هـ. وقال الإمام أبو محمد عبدالله بن محمد بن العربي: توفي ابن حزم بقريته وهي على خليج البحر الأعظم في جمادى الأولى سنة سبع وخمس وأربعمائة (١). كان ابنُ حزم رحمه الله تعالى في بداية أمره شافعياً، ثم تحوَّل إلى مذهب داودَ الظاهريٍّ(٢). فكان مُجَدِّدَ هذا المذهبِ وإِمَامه ونفى القولَ بالقياس، وتمسك بالعموم والبراءة الأصلية. ويقول الإمام أبو زهرة: ((إن ابن حزم فقيه ظاهري، أحيا فقه داود الأصبهانيّ، وسلك به مسلكاً اتسم بسمته فوسع رحابه، وأيَّدَ فروعه بالأدلة، وناقض مخالفيه في أقوال صارمة، وجدلٍ غلب فيه الإفحام والإلزام، وصال وجال، وعاضد أقوال الظاهرية بأقوال بعض الأئمة إن وجدوا فيها نصيراً، وأجاد في شرح فقه الصحابة والتابعين، وأخرج من (١) راجع: ((تذكرة الحفاظ للذهبي)): (١١٤٦/٣ - ١١٥٤). (٢) راجع: ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي ص: (٤٣٥). ١٥ ذلك كنوزاً نافعة، وكشف عن معين لا ينضب ماؤه، ولا ينقطع وراده، واستخرج من ذلك الخِضَمِّ الزخَّارِ من الآثار السلفية نفائسَ، انفرد باستخراجها وكشفها (١). سَبَبُ تعلُّمِهِ الفِقْهَ قال أبو محمد عبدُ الله بن محمد بن العربيِّ: أخبرني ابنُ حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازةً فدخل المسجد فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قُمْ فصلٌ تحية المسجد - وكان ابنَ ستٍ وعشرين سنةً - قال: فقمت وركعت، فلما رجعنا من الجنازة جئت المسجد فبادرت بالتحية، فقال لي: اجلِسْ ليس ذا وقتَ صلاةٍ - يعني بعد العصر - فانصرفت حزيناً وقلت للأستاذ الذي ربَّاني: دلَّني على دار الفقيه أبي عبدالله بن دحون، فقصدته وأعلمته بما جرى عليَّ، فدلني على الموطأ، فبدأت عليه قراءة، ثم تتابعت قراءتي عليه وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة(٢). شيوخُه أخذ ابن حزم العلمَ عن علماءَ أكابرَ فسمع منهم الحديثَ حتى أصبح من حفاظه الأثباتِ، فمن هؤلاء: أبي عمر أحمد بن الجسور، ويحيى بن مسعود وجه الجنة، ويوسفَ بنِ عبدالله القاضي، وحُمام بن أحمد القاضي، ومحمد بن سعيد بن نبات، وعبدالله بن ربيع التميمي، وعبدالله بن محمد بن عثمان، وأبي عمر الطَّلَمَنْكي، وعبدالرحمن بن عبدالله بن خالد، وعبدالله بن يوسف بن نامي، وخلقٍ سواهم، وأخذ المنطق عن محمد بن الحسن المذحجي وأمعن فيه (٣). (١) راجع: ((ابن حزم حياته وعصره - آراؤه الفقهية)) لأبي زهرة ص: (٤). (٢) راجع: ((التذكرة)» (١١٥٠/٣ - ١١٥١). (٣) راجع: ((التذكرة)) (١١٤٦/٣). ١٦ تلاميذه لقد تتلمذ لابن حزم علماءُ فحولٌ وحفاظً جهابذةٌ، فقد روى عنه أبو عبدالله الحميدي فأكثِرَ، وابنُه أبو رافع، وطائفة، وآخرُ من روى عنه بالإجازة أبو الحسن شريحُ بنُ محمد، وأولُ سماعِه كان في سنة أربعمائة (١). (١) راجع: ((التذكرة)): (١١٤٦/٣) و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي ص: (٤٣٦). ١٧ مِحْنَةُ ابنِ حَزْمٍ وسَبَبُها قال الحافظُ الذهبيُّ: وقد امتُحِنَ هذا الرجل وشُدِد عليه، وشرِّد عن وطنه وجرت له أمور، وقام عليه الفقهاء؛ لطول لسانه واستخفافه بالكِبَار، ووقوعه في أئمة الاجتهاد، بأفجِّ عبارة وأفظُ محاورة وأبشع رد، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرةٌ ومنافرة. قال أبو العباس ابن العريف: كان لسانُ ابن حزم وسيفُ الحجّاج شقيقين(١). وإنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة(٢). كان كثيرَ الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلَمُ أحدٌ من لسانه، فَتَفَرَتْ عنه القلوب، واسْتُهْدِفَ لفقهاء وقته، وحذَّروا سلاطينهم منه، ونَهَوْا عوامهم عن الدنوُ إليه والأخذِ عنه، فأقصَتْه الملوك وشردته عن بلاده(٣). (١) راجع: ((التذكرة)) (١١٥٣/٣ - ١١٥٤). (٢) راجع: ((التاج المكلل)) ص: (٨٩). (٣) راجع: ((التذكرة)) (١١٥١/٣). ١٨ O أقوال العلماء فيه قال الإمام أبو حامد الغزّاليُّ: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً ألَّفه أبو محمد ابنُ حزم، يدل على عظم حِفْظه وَسَيَلان ذِهْنِهِ. قال صاعد بنُ أحمد: كان ابن حزم أجمعَ أهل الأندلس قاطبة العلوم الإسلام، وأوسَعهم معرفةً مع توسعة في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر، ومعرفة السُّنن والآثار والأخبار. قال الحميدي: كان أبو محمد حافظاً للحديث، مُستنِطاً للأحكام من الكتاب والسنة، متفنناً في علوم جَمَّةٍ عاملاً بعلمه، ما رأينا مثلَه فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين، وكان له في الأدب والشعر نفَسٌ واسع وباعٌ طويل، ما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرعَ منه. وقال الحافظ الذهبي: ابنُ حزم رجلٌ من العلماء الكبار، فيه أدوات الاجتهاد كاملة، تقع له المسائل المحررة والمسائلُ الواهية كما يقع لغيره، وكلُّ واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله وَالية(١). تصانيفُه: صنَّف الإمام ابنُ حزم - رحمه الله تعالى - التصانيفَ الكثيرةَ النافعةَ في مختلَفِ العلوم والفنون. (١) راجع: ((تذكرة الحفاظ)) (١١٥٣/٣ - ١١٥٤). ١٩ قال الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى -: وكان لأبي محمد كُتُبٌ عظيمةٌ، لا سيما كتبَ الحديثِ والفقهِ. وقال صاعد بن أحمد: أخبرني ولده الفضلُ أنه اجتمع عنده بخطّ أبيه من تواليفه أربعُ مئةِ مجلدٍ، تحتوي على نحوٍ من ثمانينَ ألفَ وَرَقةٍ(١) . وقال في ((هدية العارفين)) (٦٩٠/٥) نقلاً عن ياقوت في ((معجم الأدباء)): ((مبلغ تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والتاريخ والنَّسَبِ والأدب والرد على المخالفين نَحْوٌّ من أربعِمائة مجلد. ومن جملته: ١ - ((الإيصال إلى فهم كتاب الخصال)) خمسة عشر ألف ورقة. ٢ - ((الخصال الحافظ لجمل شرائع الإسلام)) مجلدان. ٣ - ((المجلّى)) في الفقه مجلد. ٤ - ((المحلى في شرح المجلّى بالحجج والآثار)) ثماني مجلدات. ٥ - ((حجة الوداع)) مئة وعشرون ورقة. ٦ - ((الآثار التي ظاهرها التعارض ونفي التناقض عنها)) يكون عشرة الآف ورقة، ولكن لم يتمَّه. ٧ - ((الفِصَل في المِلَل والنِّحَلِ)) مجلدان كبيران. ٨ - ((مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات)) وهو الذي بين أيدينا. وغيرها من الكتب الكثيرة التي صنفها، حيث قد أَثْرِيَتْ قرطبةُ في العهد الأندلسي - أيامه - بذخائرَ مدوناتِهِ، غيرَ أن سلاطةَ لسانِ ابن حزم وشدته المعهودة قلبت الناسَ عليه أمراءَ وخفراءَ وعامةً، فقاموا بحرق كتبه في مشهدٍ حزنٍ مروع، لولا أن حفظ الله تعالى لنا ما بقي من مؤلفاته. (١) راجع: ((التذكرة)) (١١٤٧/٣). ٢٠