Indexed OCR Text

Pages 361-380

يتبع ما أنزل إليه ومتى انتسخ ذلك بقوله وُ طلّ فقد ترك المتابعة ولأنه يؤدى إلى مخالفة كتاب
اللَّه - تعالى - من حيث الظاهر فيؤدي إلى فتح باب الطعن في حقه فقال بأنه لا يجوز نسخ
الكتاب بالسنة؛ سدًّا لباب الطعن وكذلك لا يجوز نسخ السنة بالكتاب؛ لأن اللَّه - تعالى.
قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾(١) ومتى قال الرسول ◌َُّ قولا ثم ورد
الكتاب بخلاف ذلك يكون ذلك تبيانا للحكم وإعلاما بأن الحكم على خلاف ما قاله
الرسول وَ﴿ وأن ما جاء به الرسول و﴿ل كان غلطا منه وهذا لا يجوز؛ لأنه أمين اللَّه - تعالى.
فقوله يكون حقا ولا يجوز أن يكون مخطئا فيما يقول؛ ولأن النص إذا ورد [بخلافه
يكون](٢) هذا أمرا بمخالفة الرسول وَلّ فيما أمره من حيث الصورة فيؤدى إلى فتح باب
الطعن وهذا لا يجوز والجواب أنا قد بينا أن النسخ في الحقيقة بيان مدة الحكم وجائز للرسول
وَظّ بيان حكم الكتاب فقد بعث مبينا وجائز أن يتولى الله - تعالى - بيان ما أجرى على لسان
رسوله و ◌َ﴿. ثم نظير نسخ الكتاب بالكتاب قوله - تعالى -: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾(٣) أنه
ينسخ(٤) بآية السيف وهو قوله - تعالى -: ﴿ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾/(٥) و:
﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾(٦) ونظير نسخ السنة بالسنة قوله
و ◌َلّ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)»(٧). ونظير نسخ السنة بالكتاب التوجه
٥٤/ز
(١) من الآية ٨٩ من سورة النحل.
(٢) في (١) بخلاف أمره يكون.
(٣) من الآية ١٣ من سورة المائدة.
(٤) في (١) و(ب) انتسخ.
(٥) من الآية ٥ من سورة التوبة.
(٦) من الآية ٢٩ من سورة التوبة.
(٧) الحديث أخرجه مسلم عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول اللَّه﴿ قال: ((نهيتكم عن زيارة القبور
فزوروها)) مسلم كتاب الجنائز باب استئذان النبي وَ لّ ربه - وَت - في زيادة قبر أمه ٦٧٢/٢ وابن
حبان ٢١٣/١٢، والحاكم في المستدرك: وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ٥٣٢/١،
وأبو داود بزيادة فإن في زيارتها تذكرة ٢١٨/٣، والنسائي ٦٥٣/١، والترمذي بلفظ: ((قد كنت
نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة)) وقال: حسن
صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم، ٣٧٠/٣ والبيهقي ٧٦/٤ وأحمد ٣٥٠/٥.
- ٣٦١ -

إلى بيت المقدس فإنه كان قد ثبت بالسنة ثم(١) نسخ بقوله - تعالى -: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(٢) ونظير نسخ الكتاب بالسنة ما قالت عائشة ما قبض رسول اللَّه ◌ُ الثّ
حتى أباح اللَّه - تعالى - من النساء ما شاء(٣) وكان هذا نسخا للكتاب وهو قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ
لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾(٤) (٥).
(١) الحديث رواه مسلم باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة عن البراء بن عازب قال: صليت معـ
النبي ﴿ إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا حتى نزلت الآية التي في البقرة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ
وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ فنزلت بعد ما صلى النبيِ وَ ◌ّ فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهم
يصلون فحدثهم فولوا وجوههم قبل البيت. صحح مسلم ٣٧٤/١.
(٢) من الآيات ١٥٠،١٤٩،١٤٤ من سورة البقرة.
(٣) الحديث أخرجه ابن حبان عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: قالت عائشة: ((ما مات رسول اللَّه
حتى حل له من النساء ما شاء)) ٢٨١/١٤ والدارمي ٢٠٥/٢ بلفظ: (ما توفي رسول اللَّه حتى
أحل اللَّه له أن يتزوج من النساء ما شاء)) والنسائي ٢٦١/٣ وانظر تخريج الحديث في تلخيص
الحبير ١٢٣/٣.
(٤) من الآية ٥٢ من سورة الأحزاب.
(٥) بعد أن بين المصنف أن القياس لا يصلح ناسخا ولا منسوخا وكذا الإجماع لم يبق ما يصلح
لذلك إلا الكتاب والسنة لانحصار دلائل الشرع في هذه الأربعة، فيجوز نسخ الكتاب والسنة
بالسنة إذا كانت الثانية أقوى من الأولى أو فوقها في القوة بلا خلاف ويجوز نسخ الكتاب والسنة
المتواترة بالكتاب عندنا وهو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وإليه ذهب
المحققون من أصحاب الشافعي ونص الشافعي رحمه اللَّه في عامة كتبه أنه لا يجوز وهو مذهب
أكثر أهل الحديث قال في البرهان: قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسنة وتردد قوله في
نسخ السنة بالكتاب، والذي اختاره المتكلمون - وهو الحق المبين - أن نسخ الكتاب بالسنة غير
ممتنع. ثم اختلفوا في ذلك فقال بعضهم لا يجوز ذلك عقلا وهو الظاهر من مذهب الشافعي وإليه
ذهب الحارث المحاسبي وعبد الله بن سعيد والقلانسي من متكلمي أهل الحديث وأحمد بن حنبل
في رواية عنه وقال بعضهم يجوز ذلك عقلا ولكن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائز وبه قال
ابن شريح في إحدى الروايتين عنه وقال بعضهم قد ورد الشرع بالمنع من ذلك وهو قول أبي حامد
الاسفرايينى وأما نسخ السنة بالكتاب فجائز عند من قال بالجواز في المسالة الأولى وعند بعضٍ من
أنكر الجواز فيها منهم عبد القاهر البغدادى وأبو المظفر السمعانى وذكر عن الشافعي رحمه الله في
كتاب الرسالة القديمة والجديدة ما يدل على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز ولوح في موضع آخر
بما يدل على جوازه فخرجه أكثر أصحابه على قولين أحدهما أنه لا يجوز وهو الأظهر من مذهبه
- ٣٦٢ -

والمنسوخ أنواع: التلاوة والحكم، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحکم، ونسخ
٥٥/أ
قوله: (والمنسوخ أنواع)، أي هو أربعة أنواع: أحدها نسخ التلاوة والحكم مثل إبراهيم
الكمليئة فإنها نسخت أصلا إما بصرفها عن القلوب أو بموت العلماء/ فكان(١) هذا جائزا في
القرآن في حياة النبي ◌َّ قال - تعالى -: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنسَىَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهَ﴾(٢) فأما
بعد وفاته فلا بقوله - تعالى -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾﴾(٣)، أي: نحفظه
منزلا لا يلحقه (٤) تبديل صيانة للدين إلى آخر الدهر والثاني نسخ الحكم دون التلاوة مثل
قوله - تعالى -: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾﴾(٥) فإن قيل: ما الفائدة في بقاء النظم بعد
انتساخ الحكم، والحكم هو المقصود؟ قلنا: للنظم أحكام والحكم هو المقصود قلنا: للنظم
أحكام جواز الصلاة والإعجاز وما هو قائم بمعنى صيغته من الوجوب، والجواز، وغير ذلك،
وجواز الصلاة حكم مقصوده بنفسه وكذا الإعجاز الثابت بنظمه حكم مقصود فبقي النص
لهذين الحكمين والثالث نسخ التلاوة دون الحكم مثل قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين:
(فصيام ثلاثة أيام متابعات)(٦)؛ لأنه لما صح عنه إلحاقه بالمصحف ولا تهمة في روايته وجب
الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه والرابع: نسخ وصف الحكم(٧) وذلك مثل الزيادة
والآخر أنه يجوز وهو الأولى بالحق كذا ذكره السمعانى في القواطع انظر: تحقيق المسألة والأدلة في
كشف الأسرار للبخاري ١٧٧/٣
وأصول السرخسي ٧٧،٧٦/٢ وشرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص ٧١٨،٧١٧ والتلويح
على التوضيح ٦٩/٢، والبرهان ٨٥١/٢، وشرح اللمع ٤٩٩/١-٥٠١، وفواتح الرحموت ٧٦٥/٢،
والمحلى على جمع الجوامع ٧٨/٢، وشرح العضد على ابن الحاجب ١٩٥/٢، والمستصفى ١/
١٢٤، والمحصول ٣٤٠/٣ وكذا ٣٤٧ والإحكام للآمدى ١٤٦/٣، وما بعدها والإحكام لابن
حزم الظاهرى ٥٠٥/٤ والمعتمد ٤٢٥/٢، وإرشاد الفحول ٩٦/٢، ومناهج العقول ومعه نهاية
السول ٢٤٨/٢، وما بعدها قواطع الأدلة ص ٤٢٨.
(١) فى (١) وكان.
(٢) الآية ٦ وجزء من الآية ٧ من سورة الأعلى .
(٣) من الآية ٩ من سورة الحجر.
(٤) فى (ب) تلحقه .
(٥) من الآية ٦ من سورة الكافرون.
(٦) سبق التخريج .
(٧) فى (١) و(ب) نسخ وصف في الحكم .
- ٣٦٣ -

وصف في الحكم؛ وذلك مثل الزيادة على النص فإنها نسخ عندنا وعند الشافعي
على النص فإنها نسخ عندنا وعند الشافعي بيان حتى جوز ذلك بخبر الواحد والقياس،
وذلك لأن المنصوص عليه مقرر على حاله ولكنه ضم إليه شيء زائد لدليل آخر، وضم الشيء
إلى الشيء لا يوجب تغيير المضموم إليه كضم درهم إلى درهم في الحسيات وبيان هذا في
النفي مع الجلد أن الواجب بالكتاب في حد الزنا جلد مئة والكتاب لا يتعرض للزيادة فمتى
ضممنا إليه شيئا زائدا بخبر الواحد فقد قررنا المنصوص عليه ولكنا زدنا عليه وصفًا زائدا،
ولهذا قلنا: إن المنصوص عليه في كفارة اليمين تحرير رقبة والنص لا يتعرض للوصف بل هو
مسكوت عنه فضم صفة الإيمان إليه بالقياس على كفارة القتل لا يوجب تغيير الرقبة قلنا: إن
النسخ بيان مدة الحكم وابتداء حكم آخر والنص المطلق يوجب العمل بإطلاقه فإذا صار مقيدًا
صار شيئا آخر؛ لأن التقييد والإطلاق ضدان لا يجتمعان وإذا كان هذا غير الأول لم يكن بد
من القول بانتهاء الأول وابتداء الثاني وهذا لأنه متى صار مقيدًا صار المطلق بعضه وما للبعض
حكم الوجود كبعض العلة، وإذا ثبت أن الزيادة نسخ أبينا زيادة النفي على الجلد بخبر الواحد
إلى آخره(١).
(١) اختلف الأصوليون في أن الزيادة على النص أهى نسخ أم لا ؟ لا نزاع بين الجمهور في أن الزيادة
إن كانت عبادة مستقلة كزيادة صلاة سادسة مثلا أنها لا تكون نسخا وإنما النزاع في غير المستقل
ومثلوا له بزيادة جزء أو شرط أو زيادة ما يرفع مفهوم المخالفة واختلفوا فيه على ستة مذاهب: الأول
أنه نسخ معنى وإن كان بيانا صورة وعليه عامة العراقيين وأكثر المتأخريين من الحنفية . الثاني: أنه
ليس ينسخ وعليه أكثر أصحاب الشافعي وإليه ذهب أبو على الجبائي وأبو هاشم وجماعة من
المتكلمين . الثالث إن كانت الزيادة ترفع مفهوم المخالفة فنسخ إلا فلا. الرابع إن غيرت الزيادة المزيد
عليه بحيث صار وجوده كالعدم شرعا نسخ وإلا فلا وإليه ذهب الغزالى وعبد الجبار الهمداني من
المعتزلة . الخامس إن اتحدث الزيادة مع المزيد عليه بحيث يرتفع التعدد والانفصال بينهما وإلا فلا
وهو ما نقل عن الشيخ الحسن الكرخى وأبى عبد اللَّه البصرى. السادس وهو مختار بعض
الأصوليين: أن الزيادة إن رفعت حكما شرعيا بعد ثبوته بدليل شرعى فنسخ وإلا فلا. انظر: كسف
الأسرار للبخاري ١٩٢،١٩١/٣ والتلويح على التوضيح ٧١/٢، وفواتح الرحموت ٩١/٢ وميزان
الأصول ص ٧٢٦،٧٢٥ وشرح العضد على ابن الحاجب ٢٠١/٢ والإحكام للآمدى ١٧٠/٣
والمستصفى ١١٧/١ والمحلى على جمع الجوامع وحاشية البنانى عليه وشرح تنقيح الفصول ومعه
حاشية ابن حلول ص ٣٦٩ المعتمد ٤٢٦/٢ منهاج العقول ومعه نهاية السول ٢٦٢/٢، والبرهان
٨٥٤،٨٥٣/٢، والمحصول ٣٦٣/٣.
- ٣٦٤ -

تخصيص حتى أثبت زيادة النفي حدا على الجلد بخبر الواحد، وزيادة قيد الإيمان في
كفارة اليمين والظهار بالقياس.
فصل
فصل أفعال النبي الكلية سوى الزلة أربعة: مباح ومستحب وواجب وفرض
والصحيح عندنا أن ما علمنا من أفعاله التَّئا واقعا على جهة نقتدي به في إيقاعه على
صَلى الله (١)
فصل في أفعال النبي
قوله: (سوى الزلة) والزلة اسم لفعل غير مقصود في عينه لكنه اتصل الفاعل به عن فعل
مباح قصده فزل بشغله عنه إلى ما هو حرام لم يقصده أصلا ثم هو ليست من باب السنن لأن
السنة ما يطالب المرء بمتابعتها ولا متابعة في الزلة؛ لأنها لا تخلو عن إنكار ومنع إما من جهة
الفاعل أو من الله - تعالى - كما قال: ﴿وَعَصَّ ءَآدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾(٢) وقال حكاية عن موسى في
قتل القبطي: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾(٣).
قوله: (والصحيح إلى آخره) اختلف الناس في أفعاله التي لا تكون (٤) عن سهو ولا عن
نتيجة الطبع الذي جبل عليه الإنسان ما يوجب ذلك في حق أمته فقال بعضهم: يجب
الوقف(٥) فيها حتى يقوم الدليل على تعيين الموجب؛ لأن صفة الفعل إذا كانت مشكلة امتنع
الاقتداء به لأنه إذا اقتدى جاز أن يخالفه في الوصف فلم يكن مقتديا به من كل وجه فوجب
الوقف وقال بعضهم: يلزمنا اتباعه فيها إلا إذا دل الدليل على خلاف ذلك؛ لأن النص
يوجب الاتباع قال الله - تعالى -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ﴾(٦).
أي عن سمته وطريقته وقال أبو الحسن الكرخي: إن علم صفة فعله إن فعله(٧) واجبا أو
(١) لما فرغ المصنف عن تقسيم البيان شرع في بيان السنة الفعلية اقتداء بفخر الإسلام وكان ينبغى أن
يذكرها بعد السنة القولية متصلا كما فعله صاحب التوضيح ملاجيون في نور الأنوار ١٥٩/٢.
(٢) من الآية ١٢١ من سورة طه.
(٣) من الآية ١٥ من سورة القصص.
(٤) فى (١) لا يكون.
(٥) فى (١) التوقف .
(٦) من الآية ٦٣ من سورة النور.
(٧) فى (١) و(ب) إنه.
- ٣٦٥ -

تلك الجهة وما لم نعلم.
على وجه فعله. قلنا: فعله على أدنى منازل أفعاله التلئلا وهو الإباحة.
والوحي نوعان: ظاهر وباطن فالظاهر ما ثبت بلسان الملك فوقع في سمعه بعد علمه
بالمبلغ بآية قاطعة، وهو الذي أنزل عليه بلسان الروح الأمين، أو ثبت عنده العليا بإشارة
الملك من غیر بیان بالكلام،
٧٩/ب
ندبا أو مباحا فإنه يتبع تلك الصفة وإن لم يعلم فإنه يثبت فيه صفة الإباحة وهذا هو الصحيح؛
لأن الإباحة من هذه الأقسام هي الثابتة بيقين فلم يجز إثبات غيرها إلا بدليل(١) فكان أبو بكر
الجصاص/ يقول بقول الكرخي إلا أنه يقول: إذا لم يُعلم فالاتباع له ثابت حتى يقوم الدليل
على كونه مخصوصا(٢)؛ لأنه إمام يقتدى به، كما قال الله - تعالى - لإبراهيم العَيِالا: ﴿إِنِّي
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾(٣) فوجب التمسك بالأصل حتى يقوم الدليل على غيره، والفرق بين
قول الجصاص وقول الفريق الثاني أن في قول الجصاص جواز الإتباع في جميع أفعاله وفي
قول الفريق الثاني وجوب الاتباع(٤).
قوله: (من غير بيان بالكلام)، كما قال النبي ◌ُّ: ((إن روح القدس نفث في روعي أن
نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها(٥) فاتقوا الله وأجملوا في الطلب))(٦).
(١) فى (١) و(ب) وكان.
(٢) فى (١) و(ب) مخصوصا به.
(٣) من الآية ١٢٤ من سورة البقرة.
(٤) انظر: أصول السرخسي ٨٦/٢ ٩٠ وكشف الأسرار للنسفى ١٦٢/٢، ١٦٣.
(٥) فى (١) ألا فاتقوا الله.
(٦) الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود قال: قال لرسول اللَّه ◌َ﴿ أيها الناس: إنه
ليس من شيء يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار إلا قد أمرتكم به وليس شيء يقربكم من النار
ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت
حتى تستوفى رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه
بمعاصى الله فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته ٧٩/٧، والقضاعى في مسند الشهاب ١٨٥/٢،
والعجلونى في كشف الخفاء ١٥٥/١، ٢٦٨، وقال ورواه أبو نعيم والطبرانى عن أبى أمامة والبزار
عن حذيفة، وأخرجه أيضا ابن أبى الدنيا، وصححه الحاكم عن ابن مسعود، كذا في فتح البارى،
وقد رواه آخرون من طرق أخرى بألفاظ مختلفة: حلية الأولياء ١٥٨/٧، والطبراني في الأوسط
- ٣٦٦ -

أو تبدي لقلبه التمليئة وبلا شبهة بإلهام من الله - تعالى - بأن أراه بنور من عنده، والباطن ما
ينال بالاجتهاد وبالتأمل في الأحكام المنصوصة فأبى بعضهم أن يكون هذا من حظه
الكَلَيْئًا وعندنا هو مأمور بانتظار الوحي فيما لم يوح إليه ثم العمل بالرأي بعد انقضاء مدة
وقوله: (أتبدى لقلبه بلا شبهة)، أي ظهر لقلبه بلا شبهة ولا مزاحم معارض(١) بإلهام من
اللَّه - تعالى- بأن أراه بنور من عنده كما قال الله - تعالى -: ﴿لِتَحْكُمُ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَرَكَ
اللَّهُ﴾ (٢) والإلهام ما يحرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر
في حجة.
٥٦/أ
٥٥/ز
قوله: (فأبى(٣) بعضهم أن يكون هذا من خطه وَطّ)؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَىَّ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَعِىٌ يُوحَى ﴾/(٤)؛ لأن الاجتهاد محتمل للخطأ فلا يصلح لنص الشرع
٣
ابتداء لأن الشرع حق اللَّه - تعالى - فإليه نصبه بخلاف أمر الحروب؛ لأنه يرجع إلى/ العباد
برفع ضرر أو جر نفع إثباته بالرأي ولنا قوله - تعالى -: ﴿فَأَعْتَِّرُوا يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(٥) وهو
وِ ثل أحق بهذا الوصف ولأن الرسول و الثّ أسبق الناس في العلم حتى وضح له ما خفي على
غيره من المتشابه فمحال أن يخفى عليه معاني النص وإذا وضح له لزمه العمل؛ لأن الحجة
للعمل شرعت إلا أن اجتهاد غيره يحتمل الخطأ واجتهاده لا يحتمل القرار على الخطأ(٦).
٢٦٨/٣ والجامع لمعمر بن راشد ١٢٥/١١، وسنن ابن ماجة ٧٢٥/٢ والبيهقى ٢٦٤/٥، والحاكم
في المستدرك ٣٦١/٤، ومجمع الزوائد ٧١/٤، ومفتاح الجنة للسيوطى ص ١٦، والعلل للدار قطني
٢٧٣/٥.
(١) فى (1) ولا معارض.
(٢) من الآية ١٠٥ من سورة النساء.
(٣) فى (ب) فأنكر.
(٤) الآيتان ٤،٣ من سورة النجم.
(٥) من الآية ٢ من سورة الحشر.
(٦) اختلف العلماء في جواز الاجتهاد من الأنبياء عليهم السلام وكونهم متعبدين به فيما لم يوح فيه
من الأحكام فلم يجوزه بعضهم كالأشعرية وأكثر المعتزلة والمتكلمين وجوزه آخرون فقالوا: لهم
العمل بالرأي في الأحكام الشرعية التي لم يوح فيها وحي وإليه ذهب الشافعي ومالك وعامة
المحدثين والأصوليين وهو منقول عن أبي يوسف لقوله - تعالى -: ﴿فَأَعْتَبِرُوا يَأُوْلِ الْأَنْصَرِ﴾
وعندنا هو مأمور بانتظار الوحي فيما لم يوح إليه لاحتمال نزول الوحي بنا يغنى عن الرأي فإذا
- ٣٦٧ -

الانتظار إلا انه القليئ معصوم يحرك من القرار على الخطأ بخلاف ما یکون من غيره من
البيان بالرأي وهذا كالإلهام فإنه حجة قاطعة في حقه وإن لم يكن في حق غيره بهذه
الصفة.
وشرائع من قبلنا تلزمنا إذا قص اللَّه علينا ورسوله علينا من غير إنكار على أنه شريعة
فصل في شرائع من قبلنا(١)
قوله: (وشرائع من قبلنا إلى آخره) اختلف العلماء في هذا الفصل قال بعضهم: يلزمنا
شرائع من قبلنا حتى يقوم الدليل على النسخ بمنزلة شريعتنا وقال بعضهم: لا يلزمنا حتى يقوم
الدليل وقال بعضهم [بل](٢) يلزمنا على أنه شريعتنا والصحيح عندنا أن ما قص(٣) الله - تعالى
- أو رسوله من غير إنكار فإنه يلزمنا على أنه شريعتنا وجه الفريق الأول قوله - تعالى -: ﴿أُوْلَكَ
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنُهُمُ أَقْتَدِةُ﴾(٤) والهدى اسم يقع على الإيمان والشرائع، وجه الفريق
الثاني قوله - تعالى -: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾(٥) ووجه قولنا أن النبي ◌ُّ كان
أصلا في الشرائع فكانت شريعته عامة لكافة الناس، وكان وارثا لما مضى من محاسن الشرائع
ومكارم الأخلاق قال الله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾(٦)
ورأي رسول اللّه وَ له في يد عمر صحيفة فقال ما هي؟ قال التوراة فقال: ((أمتهوكون(٧) (٨)
كما تهوكت اليهود والنصارى؟! والله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي))(٩). فصار
انقطع طعمه عن الوحي بعد مدة الانتظار المقدرة بخوف فوت الغرض يعمل بالاجتهاد. انظر:
كشف الأسرار للبخاري ٢٠٥/٣ وما بعدها وشرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص
٧٣٠،٧٢٩.
(١) العنوان من الباحث.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٣) فى (١) قضى وفي (ب) نص.
(٤) من الآية ٩٠ من سورة الأنعام.
(٥) من الآية ٤٨ من سورة المائدة.
(٦) من الآية ٣٢ من سورة المائدة.
(٧) فى (ب) أتتهو كون .
(٨) فى (١) و(ب) أمتهوكون أنتم.
(٩) الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن الشعبي عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي : ((أن
- ٣٦٨ -

لرسولنا العليا.
وتقليد الصحابي واجب ينزل القياس به لاحتمال السماع من النبي ◌ُطّ وقال
الأصل الموافقة لكن بالشرط الذي قلنا. ومعروف لا ينكر من فعل النبي ◌ّ العمل بما وجده
صحيحًا فيما سلف من الكتب غير محرف إلا أن ينزل وحي بخلافه فثبت أن هذا هو الأصل
إلا أن التحريف من أهل الكتاب كان أمرا ظاهرا فشرطنا في هذا أن يقص اللَّه أو رسوله من
غير إنكار احتياطًا في باب الدين(١).
فصل في تقليد الصحابة(٢)
قوله: (تقليد الصحابي واجب) التقليد جغلُ ما أتى به الغير من عمل أو قول قلادة في
عنقه(٣)
عمر أتاه فقال إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم
كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا
اتباعى)) شعب الإيمان ٢٠٠/١ وأحمد في مسنده عن جابر أن عمر بن الخطاب أتى النبي كَ ث.
بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي ﴿ فغضب فقال: ((أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب
والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو
بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى التَّا كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني))، مسند
أحمد ٣٨٧/٣ والهيثمى في مجمع الزوائد ١٧٤/١ وقال فيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحي
بن سعيد وغيرهما وانظر مجمع الزوائد كذلك ٢٦٢/٨ والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق
الراوي وآداب السامع ١٦١/٢ وأورده ابن كثير في تفسيره ٤٦٨/٢.
(١) انظر: أصول السرخس ٢ / ٨٦ وما بعدها، وكشف الأسرار للبخارى ٣ / ٢١٢ والآراء الثلاثة
هي: الأول رأى الجمهور من مشايخنا والقاضى أبى زيد أن ما ثبت بكتاب الله - تعالى - وبيان
الرسول ﴿ أنه كان شريعةً من قبلنا يلزمنا العمل به على أنه شريعة لنبينا ما لم يظهر نسخه، الثاني
ذهب أكثر المتكلمين وطائفة من الحنفية وأصحاب الشافعي إلى أنه التشيئا لم يكن متعبداً بشرائع
من قبلنا وأن شريعة كل نبي تنتهى بوفاته أو بعثة نبي آخر إلا ما يحتمل التوقيت والانتساخ
كالتوحيد فعلى هذا لا يجوز العمل بها ما لم يعلم دليل على بقائها ببيان الرسول المبعوث بعده،
الثالث: ما ذهب إليه كثير من الحنفية وعامة أصحاب الشافعي وجماعة من المتكلمين إلى أنه التطبيقات
كان متعبداً بشرائع من قبلنا وأن كل شريعة ثبتت فهي باقية إلى يوم القيامة في حق من بعده إلا أن
يقوم الدليل على النسخ . حاشية الرهاوي ص٧٣٢
(٢) العنوان من الباحث.
(٣) التقليد عبارة عن اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقدا لحقيته من غير نظر وتأمل في
- ٣٦٩ -

الكرخي لا يجب تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس.
وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يقلَّد أحد منهم وقد اتفق عمل أصحابنا بالتقليد
٧٧/ب
أي حجة ملتزمة(١) قال أبو سعيد البردعي(٢): تقليد الصحابي واجب يترك به القياس
لاحتمال السماع والتوقيف، وذلك أصل فيهم فقدم على الرأي أو لاحتمال فضل إصابتهم
في نفس الرأي بمشاهدة أحوال/ التنزيل ومعرفة أسباب النزول قال وعلى هذا أدركنا
مشايخنا. وقال الكرخي: لا يجب تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس مثل تقدير الحيض والطهر
وغيرهما، وجه قوله فيما يدرك بالقياس أن القول بالرأي من أصحاب النبي وَطَّ مشهور
واحتمال الخطأ في اجتهادهم كائن لا محالة فقد كان يخالف بعضهم بعضا، وكانوا لا
يدعون الناس إلى أقوالهم حتى كان ابن مسعود يقول: إن أخطأت فمن الشيطان(٣) وإذا كان
كذلك لم يجب تقليدهم، بل وجب الاقتداء بهم في العمل بالرأي مثل ما عملوا، وذلك
معنى قوله {وَلّ: ((أصحابي كالنجوم)) (٤) الحديث.
قوله: (وقال الشافعي لا يقلد أحد منهم) وكان يقول في القديم يقدم قول الصحابي على
الدليل، فكان هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه من غير مطالبة دليل فعلي هذا لا يكون
اتباع الصحابة رأيه تقليدا حقيقة، لأنه عمل بالدليل معني كتقليدنا بالأنبياء عليهم السلام إلا أنه سمي
تقليدا باعتبار الصورة، ثم التقليد على أربعة أنواع: تقليدُ الأمة صاحب الوحي، وتقليد العالم صاحب
الرأي والنظر في الفقه لسبقه على أقرانه من الفقهاء، وتقليد العوام علماء عصرهم وتقليد الأبناء الآباء،
والثلاثة الأول صحيحة؛ لأنها ليست بتقليد محض، لأنها تقع عن ضرب استدلال، لأنا إنما عرفنا
المعجزة بالنظر والاستدلال، ثم عرفنا بالنظر أن صاحب المعجزة لا يكون إلا صادقاً، والرابع باطل لأنهم
اتبعوهم بهوى نفوسهم بلا نظر واستدلال وهو الذي ذم اللَّه - تعالى - به الكفرة يقول - تعالى -: ﴿إِنَّا
وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىّ أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَىّ ءَائِهِم مُهْتَدُونَ﴾ - انظر: كشف الأسرار للنسفى ١٧٢/٢، ١٧٣،
وحاشية الرهاوي مع شرح ابن ملك صـ ٧٣٢، ٧٣٣ وفتح الغفار ٢ / ١٥٤.
(١) فى (أ) ملزمة.
(٢) سبقت الترجمة.
(٣) عن الشعبى قال سئل عبد الله بن مسعود عن امرأة توفى عنها زوجها ولم يفرض لها فاختلف إليه
شهراً فقال ما سئلت عن شئ منذ توفى رسول اللَّه عليه وسلم أشد على منه لم ينزل فيه قرآن ناطق
ولا سنة ماضية أقضي فيها، فإن يكن صواباً فمن اللَّه وان يكن خطأ فمن الشيطان واللّه منه برئ
الإحكام لابن حزم ٢٨٠/٦ ط دار الحديث .
(٤) الحديث رواه العجلونى في كشف الخلفاء وقال رواه البيهقي وأسنده الديلمى عن ابن عباس بلفظ
- ٣٧٠ -

القياس وهو قول مالك وفي الحديث(١) كان يقول: يقدم القياس في العمل به على قول
الواحد والاثنين من الصحابة كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي، وهذا لأن الصحابي إما أن
يقول هذا القول من حديث عنده أو عن اجتهاد، فإن كان قوله عن حديث فقد انعدم التقليد
وإن كان قوله عن اجتهاد وهو راجع إلى أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وذلك
موجود في حق التابعين ومن بعدهم فيجب عليهم النظر والتأمل في ذلك الأصل ليتبين لهم أن
هذا الحكم فرع ذلك الأصل فيتبعونه، أو فرع أصل آخر فيخالفونه. فأما التقليد بلا اجتهاد
ونظر فلا، لأن الله - تعالى - أمر بالاعتبار دون التقليد(٢).
أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم ١٤٧/١، وقال ابن الملقن في خلاصة البدر
المنير ٢ / ٤٣١. رواه عبد بن حميد من رواية ابن عمر وغيره من رواية عمر وأبى هريرة وأسايندها
كلها ضعيفة قال البزار لا يصح هذا الكلام عن رسول اللَّه {﴿. وقال ابن حزم خبر مكذوب
موضوع، وقال ابن حجر في لسان الميزان : أخرجه الدارقطنى في غرائب مالك والخطيب في الرواة
عن مالك من طريق الحسن بن مهدى بن عبدة المروزى عن محمد بن أحمد والسكونى عن بكر
بن عيسى المروزى أبى يحيى عن جميل . قال الدارقطنى لا يثبت عن مالك ورواته مجهولون .
لسان الميزان ٢ / ١٣٧، وقال في تخليص الحبير رواه عبد بن حميد في مسنده من طريق حمزة
النصيبى عن نافع عن ابن عمر وحمزة ضعيف جداً، وقال : هذا الحديث يؤدى صحة التشبيه
الصحابة بالنجوم خاصة أما في الاقتداء فلا يظهر . تخليص الحبير ١٩٠/٤ وما بعدها .
(١) في (١) و(ب) الجديد.
(٢) لا خلاف بين الجمهور أن مذهب الصحابي إماما كان أو حاكماً أو مفتياً ليس بحجة على
صحابي آخر، إنما الخلاف في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين، وقال أبو سعيد
البردعى وأبو بكر الرزاى في بعض الروايات وجماعة من أصحابنا أنه حجة وتقليده واجب يترك به
القياس مطلقاً وهو مختار شمس الأئمة وفخر الإسلام وأبو اليسر وهو مذهب مالك وأحمد ابن
حنبل في إحدى الروايتين عنه والشافعي في قوله القديم، وقال أبو الحسن وجماعة من أصحابنا لا
يجوز تقليده إلا فيما يدرك بالقياس وإليه مال القاضي أبو زيد، وقال الشافعي فى قوله الجديد لا
يقلد أحد منهم وإن كان فيما لا يدرك بالقياس وإليه ذهب الأشاعرة والمعتزلة واتفق عمل الحنفية
من التقليد فيما لا يدرك بالقياس واختلف عملهم في غيره انظر: كشف الأسرار للبخاري ٣/
٢١٧، وأصول السرخسى ١٠٥/٢، ونور الأنوار لملاجيون ١٧٤/٢، وشرح ابن ملك ومعه حاشية
الرهاوي صـ ٧٣٣ وفواتح الرحموت ٢/ ١٨٥، والإحكام للآمدى ١٤٩/٤، المختصر على ابن
الحاجب ٢٨٧/٢، وجمع الجوامع والمحلى عليه ٢/ ٣٥٤، والمستصفى ٢٧١/١، وشرح الكوكب
المنير ٤ /٤٢٢ .
- ٣٧١ -

فيما لا يعقل بالقياس كما في أقل مدة الحيض وشراء ما باع بأقل مما باع، واختلف عملهم
في غيره كما في إعلام قدر رأس المال، والأجير المشترك، وهذا الاختلاف في كل ما ثبت
عنهم من غیر خلاف بينهم ومن غیر أن يثبت أن ذلك بلغ غير قائله فسكت مسلمًا له.
قوله: (فيما لا يعقل بالقياس كما في أقل الحيض) فقد قالوا: إنه ثلاثة وأكثره عشرة ورووا
ذلك عن أنس وعثمان بن أبي العاص الثقفي(١) وأفسدوا شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد
الثمن، عملاً بقول عائشة في قصة زيد بن أرقم(٢).
قوله: (كما في إعلام قدر رأس المال)، فقال أبو يوسف ومحمد في الأجير المشترك انه
ضامن وروياه ذلك عن على ته وخالف أبو حنيفة - رحمه الله - في ذلك بالرأي [وهذا](٣).
قوله: (وهذا الاختلاف) أي الاختلاف فيه أن الصحابي هل يقلد أم لا؟ فيما إذا قال
واحد من الصحابة قولا(٤) ولم ينقل عن غيره بخلافه فالحكم فيه أن الحق لا يعدو أقوالهم
حتى لا يجوز لأحد أن يقول قولا خارجا عن أقوالهم وقول، البعض لا يسقط بقول البعض
الآخر بالتعارض، لأنهم لما اختلفوا ولم تجر(٥) المحاجة بينهم بالحديث المرفوع سقط احتمال
التوقيف وتعين وجه الرأي فصار ذلك كتعارض القياسين، ومن شأن التعارض بين القياسين
العمل بأحدهما.
وكذا إذا/ نقل قول بعض الصحابة في حكم وقد بلغ ذلك القول إلى البعض الآخر
فسكتوا مسلمين له في ذلك، فإنه يؤخذ بقول الصحابي في هذه الصورة، لأنه إجماع منهم
فتبين بهذا أن موضع الخلاف: ما إذا نقل قول بعض الصحابة عن غير اختلاف ومن غير أن
ثبت انه بلغ غير قائله فسكت مسلِّما له.
١/٥٧
(١) عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان أبو عبدالله الثقفي، أسلم في وفد ثقيف، سكن
البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية سنة خمسين . الإصابة ٤٥١/٤، ومشاهير علماء
الأمصار ٣٨/١، وتهذيب الكمال ٤٠٨/١٩.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٤) في (١) و(ب) فأما إذا نقل بخلافه فالحكم.
(٥) في (ب) ولم تجز بالزاى.
- ٣٧٢ -

وأما التابعي فإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة - رضي اللّه تعالى - عنه كشريح كان
قوله: (وأما التابعي فإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة)(١) كشريح(٢) والحسن
البصري(٣) ومسروق (٤) كان مثلهم عند بعض مشايخنا، وقال بعضهم بل لا يصح تقليده
وهو دونهم لعدم احتمال التوقيف [والسماع](٥) وانتفاء مشاهدة أحوال التنزيل في حقه وقد
روينا عن أبي حنيفة ظلُّه أنه كان يقول ما جاءنا عن التابعين زاحمناهم(٦) وجه القول الأول
(١) التابعي: قال الخطيب البغدادي: التابعي من صحب الصحابي وفي كلام الحاكم ما يقتضي إطلاق
التابعي على من لقى الصحابي وروى عنه وإن لم يصحبه. (قلت) لم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي
كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه التلّة. والفرق عظمة وشرف رؤيته التّالا.
الباعث الحثيث ص ١٦٢.
(٢) هو أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي تابعي أدرك النبي {﴿ ولم يره
على المشهور استقضاه عمر بن الخطاب له على الكوفة فأقام قاضيا خمسا وسبعين سنة لم يتعطل
فيها إلا ثلاث سنين امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير عاش ١٢٠ سنة ومات سنة ٧٨ هـ
روى عن النبي ◌ُ ◌ّ وعن عمر، وعلى وابن مسعود وغيرهم. انظر: الإصابة ٣٣٤/٣ وما بعدها
وفيات الأعيان ٤٦٠/٢، صفة الصفوة ٣٨/٣ وسير أعلام النبلاء ١٠٠/٤.
(٣) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد مولى زيد بن ثابت وقيل جابر بن عبد الله وقيل
أبو اليسر ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر قال أبو بردة أدركت الصحابة فما رأيت أحدا أشبه بهم
من الحسن مات في رجب سنة عشر ومئة. طبقات الحفاظ ص ٣٥ وصفة الصفوة ٢٣٣/٣.
(٤) هو مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد اللَّه الهمدانى ثم الوداعى أبو عائشة قال الشعبي
ما رأيت أطلب للعلم منه وقال عبد الملك بن أبجر عن الشعبي كان أعلم بالفتوى من شريح وكان
شريح أبصر بالقضاء منه وقال شعبة عن أبي إسحاق: حج مسروق فلم ينم إلا ساجدا قال مسروق
قال لي عمر ما اسمك قلت مسروق ابن الأجدع قال الأجدع شيطان أنت ابن عبد الرحمن مات
سنة ٦٢ الإصابة ٢٩١/٦ وصفة الصفوة ٢٤/٣ والمنتظم ١٩/٦ وطبقات الفقهاء ٨٠/١ وسير
أعلام النبلاء ٦٣/٤.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (١) و(ب).
(٦) رواه أبو حمزة السكري قال سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث صحيح الإسناد عن رسول
الله ◌َ أخذناه وإذا جاء عن أصحابه تخيرنا ولم نخرج من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم
قال خالد ابن صبيح سمعت أبا حمزة السكري يقول غير مرة هذا الذي سمعت من أبى حنيفة
أحب إلى من مئة ألف طبقات الحنفية ص ٢٥٠، وفي المسودة القول المذكور يحكيه أبو يوسف
عن أبي حنيفة. المسودة ص ٣٠٢، وقال ابن المبارك سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي وَ *
فعلى الرأس وإذا جاء عن أصحابه نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم. مختصر المؤمل
- ٣٧٣ -

مثلهم عند البعض وهو الصحيح.
باب الإجماع
ركن الإجماع نوعان عزيمة وهو التكلم منهم بما يوجب الاتفاق أو شروعهم في
٧٨/ب
أن شريحا/ خالف عليا تظبه في رد شهادة الحسن وكان رأي على مظلته أن شهادة الحسن تقبل
له(١) وخالف مسروق ابن عباس - رضي الله عنهما - في النذر بذبح الولد، وقد كان رأي ابن
عباس انه يجب مئة / من الإبل ورأى مسروق أنه يجب شاة ثم رجع ابن عباس إلى فتواه(٢)
ولأن الصحابة لما سوغوا له الاجتهاد والرأي والمراجعة معهم في الفتوى والحكم بخلاف
رأيهم فقد صار هو كواحد منهم وأما إذا لم يبلغ درجة الفتوى في زمن الصحابة ولم
يزاحمهم في الرأي كان أسوة سائر أئمة الفتوى من السلف لا يصح تقليده(٣) والله أعلم.
٥٦/ز
باب الإجماع
تفسيره لغة: العزم التام من غير تردد قال الله - تعالى -: ﴿فَأَحْعُواْ أَمْرَكُمْ﴾(٤): أي أبرموا
ص ٦٣ ومثله في إعلام الموقعين ١٢٣/٤ وإرشاد النقاد للصنعاني ص ١٤٢
(١) رد شريح شهادة الحسن ◌ُبه حين شهد مع قنبر لعلى ظه فقال على أما سمعت أنه وح لتّ قال
الحسن والحسين هما سيدا شباب أهل الجنة قال نعم صدق رسول الله / ولكن ائت بشاهد آخر
فقيل عزله ثم أعاده وزاد في رزقه فقيل رجع على ربه إلى قوله شرح فتح القدير ٤٠٥/٧، والمبسوط
٠١٨/١١
(٢) المبسوط السرخسي ١٨/١١ والمحصول للزارى ٢٥٢/٤ ط جامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية .
(٣) فى تقليد التابعي خلاف فظاهر الرواية عن أبي حنيفة انه لا يصح تقليده، لأنه دون الصحابي لعدم
احتمال التوقيف، فإن قول الصحابي إنما جعل حجة لاحتمال السماع، وتفضل إصابتهم في الرأي
ببركة الصحبة ومشاهدة أحوال التنزيل وذلك مفقود في حق التابعي وإن زاحمهم في الفتوى .
وقال شمس الأئمة السرخسي لا خلاف أن قول التابعي ليس بحجة يترك به القياس فقد روى عن
أبى حنيفة أنه كان يفتى بخلاف رأيهم، وإنما الخلاف في أن قوله هل يعتد به في إجماع الصحابة
حتى لا يتم إجماعهم منع خلافه فعندنا يعتد به وعند الشافعي لا يعتد به وكان شمس الأئمة لم
٠
يعتبر رواية النوادر وفخر الإسلام قد اعتبرها وتبعه النسفى فتح الغفار ١٥٥/٢ وانظر أصول
السرخسي ١١٤/٢، وشرح ابن ملك صـ ٧٣٦ .
(٤) من الآية ٧١ من سورة يونس.
- ٣٧٤ -

الفعل إن كان من بابه، ورخصة وهو أن يتكلم أو يفعل البعض دون البعض وفيه خلاف
الشافعي - رحمه الله.
وأحكموا، والجماعة إذا قطعوا عزمهم على إمضاء أمر يقال: أجمعوا(١) وهو شرعا
اجتماع(٢) رأى جميع أهل الإجماع على حكم من أمور الدين وقت نزول الحادثة(٣).
وركنه نوعان: عزيمة وهو التكلم منهم بما يوجب الاتفاق منهم أو شروعهم في الفعل إن كان
من بابه، ورخصة وهو أن يتكلم البعض فيما كان من باب القول ويسكت الباقون بعد
بلوغهم وبعد مضى مدة التأمل والنظر في الحادثة أو يفعله البعض أن كان من بابه من بابه ولم
ينكر عليهم الباقون بعد بلوغهم ومضى مدة التأمل والنظر في الحادثة، وقال بعض الناس لابد
من النص ويحكى عن الشافعي أنه كان يقول إن ظهر القول من أكثر العلماء والساكتون نفر
يسير يثبت به الإجماع وإن انتشر القول من واحد أو اثنين والساكتون أكثر علماء العصر لا
يثبت كذا ذكره شمس الأئمة السرخسي(٤) وجه قولهم ما روى أن عمر شاور الصحابة في
مال فضل عنده، فأشاروا عليه بتأخير القسمة والإمساك إلى وقت الحاجة وعلي رق بته ساكت
فقال له: ما يقول(٥) يا أبا الحسن فروى له حديثا في قسمة الفضل(٦) فهو لم يجعل سكوته
(١) ويأتى الإجماع في اللغة بمعنى آخر وهو الاتفاق وهو ما أراده الشارح بقوله يقال أجمعوا، والفرق
بين المعنيين أن الإجماع بالمعنى الأول يتصور من واحد وبالمعنى الثانى لا يتصور إلا من اثنين فما
فوقهما ولا يخفى مناسبة المعنى الثانى للمصطلح انظر: حاشية الرهاوي صـ ٧٣٧، وحاشية الفنرى
مع التلويح ح٣٢٦/٢.
(٢) في (أ)، (ب) آراء.
(٣) تبع الشارح في هذا التعريف البخاري في الكشف فقد ذكر هذا التعريف ثم قال: وقيل وهو
الأصح أنه عبارة عن اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر من الأمور فقيد الأمة يخرج
الأمم السابق، وقيد في عصر لنفى توهم جميع الأعصار وقوله على أمر يتناول القول والفعل، وهذا
التعريف إنما يصح على قول من لم يعتبر موافقة العوام، وأما من اعتبراها فيما لا يحتاج فيه إلى
الرأي فقال هو اتفاق أهل عصر من هذه الأمة على أمر، وقد عرف بتعريفات أخري . انظر:
كشف الأسرار للبخاري ٢٢٦/٣، ٢٢٧، وشرح ابن ملك صـ ٧٣٧ وفتح الغفار ٣/٣.
(٤) انظر: أصول السرخسي ٣٠٣/١.
(٥) فى أ، ب ما تقول .
(٦) عن طلحة بن عبيد الله قال: ((أتى عمر بمال فقسمه بين المسلمين ففضلت منه فضلة فاستشار فيها
فقالوا: لو تركته لنائبه إن كانت. قال: وعلي ساكت لا يتكلم، فقال: مالك يا أبا الحسن لا تتكلم؟
- ٣٧٥ -

تسليما؛ ولأن السكوت قد يكون للمهابة كما قيل لابن عباس حين بين حجته في مسألة
العول للصحابة ما منعك أن تخبر عمر بقولك؟ فقال: درته(١). وقلنا: إن اشتراط النطق من
الكل يؤدى إلى أن لا ينعقد الإجماع أبدا، لأن اجتماع أهل العصر على قول يسمع منهم
متعذر وهو (٢) غير معتاد بل المعتاد أن يتولى الكبار الفتوى ويسلم سائرهم والمتعذر كالممتنع
وتعليق الشيء بشرط هو ممتنع يكون نفيا لأصله فكذا تعليقه بشرط هو متعذر، ولأن
السكوت إنما جعل تسليما بعد العرض أو بعد الاشتهار وذلك موضع وجوب الفتوى، وحرمة
السكوت لو كان مخالفا فإذا لم يجعل تسليما كان فسقا وإنما سكت على عظ ته؛ لأن ما
أشاروا به على عمر كان حسنا.
ولكن القسمة كانت أحسن عند على ظ نه اللّه عنه لكونها أقرب إلى أداء الأمانة وفي
مثل هذا لا يجب الإظهار وأما حديث الدِّرة(٣) فقد قيل إنه لا يكاد يصح لأن عمر كان ألين
قال: قد أخبر القوم. فقال عمر : لتكلمني، فقال: إن الله قد فرغ من قسمة هذا المال، وذكر
مال البحرين حين جاء إلى النبي ◌َ ﴿3، وحال بينه وبين أن يقسمه الليل، فصلى الصلوات في
المسجد، فلقد رأيت ذلك في وجه رسول الله﴿ حتى فرغ منه، فقال: لا جرم لتقسمنه فقسمه
عليَّ فأصابني منه ثمان مئة دراهم)) رواه البزار وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس مسند البزار ٢/
١٠١ ومجمع الزوائد باب في الاتفاق والامساك ٢٣٨/١٠ وما بعدها
(١) هذا المسألة تسمى مسألة المباهلة وهي أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر ◌ُبه فجمع الصحابة
للمشورة فيها فقال العباس: أرى أن تقسم المال بينهم على قدر سهامهم فأخذ به عمر ظُه واتبعه
الناس على ذلك حتى خالفهم ابن عباس فروى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال لقيت
زفر ابن أوس البصرى فقال نمضي إلى عبد الله بن عباس نتحدث عنده، فأتيناه فتحدثنا عنده
بحديث طويل إلى أن قال: فقال زفر من أول من أعال الفرائض؟ قال : عمر بن الخطاب فقلت: ألا
أشرت عليه فقال هبته وكان أمرا مهيبا وفي رواية منعتني درته وقال ابن عباس في عمر في موضع
آخر: كانت درته أهيب عند الناس من سيف غيره. انظر: المغنى ١٧٥/٦، فيض القدير ١٠/٤
والمبدع ١٥٦/٦ والفروع ١٣/٥ والإنصاف للمرداوى ٣١٦/٧ والوسيط ٤/٣٧٧، والمبسوط
٧٩/١٦.
(٢) فى (أ)، (ب) هو ساقطة.
(٣) الدرة بالكسر التي يضرب بها والدرة أيضا كثرة اللبن وسيلانه والجمع درر وسماء مدرار تدر
بالمطر. مختار الصحاح درر ص ٨٥.
- ٣٧٦ -

وأهل الإجماع من كان مجتهدا إلا فيما يستغني فيه عن الاجتهاد وليس فيه هوی ولا
فسق.
لاستماع الحق من غيره وكان يقول: (رحم الله امرءا أهدى إلى عمر عيوبه) (١)، ولئن صح
فمن الجائز أنه لم يظهر، لأنه علم أن عمر كان أفقه منه فلا يظهر رأيه في مقابلة رأيه(٢). ثم
الكلام بعد هذا ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول في أهلية من ينعقد به الإجماع، والثاني في
شروطه، والثالث في حكمه، والرابع في سببه، والقسم الأول في أهلية من ينعقد به الإجماع.
٧٩/ب
قوله: (وأهل الإجماع من كان مجتهدا ليس فيه هوی ولا فسق) أما صفة الاجتهاد/ فلأن
الإجماع إنما يحتاج إليه في موضع لا نص فيه فلابد من أهلية الاجتهاد وليمكنه التمييز بين
وصف هو عليَّة(٣) الحكم في المنصوص عليه وبين غيره وهذا فيما يختص بالرأي والاستنباط،
(١) رواه الدارمى تعليقا من غير إسناد إلى عمر من حديث طويل: ((رحم اللَّه من أهدى إلى عيوبي))
الدارمى في السنن ١٦٩/١ وفي طبقات ابن سعد ((أحب الناس إلىّ من رفع إلى عيوبى)) الطبقات
الکبری ٢٩٣/٣.
(٢) في حجية الإجماع السكوتي أقوال كثيرة نذكر منها: الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة
وإجماع وهو موجود في كتب العراقيين كذا قال الفتوحى نقلا عن النووى في شرح الوسيط قال
ابن السبكى والصحيح أنه حجة وفي كونه إجماعا تردد وحكى كذلك عن الشافعي أنه لا يكون
إجماعا ولا حجة وقيل إن الشافعي نص في موضع أن الصحابي إذا انتشر ولم يخالف فهو حجة
وروى عنه قوله : من نسب إلى ساكت قولا فقد افترى عليه فعرفنا أنه حجة عنده وليس بإجماع
وإليه ذهب أبو هاشم وجماعة من المعتزلة وإلى أن الإجماع السكوتى ليس بإجماع ولا حجة
ذهب عيسى بن أبان والقاضى الباقلانى من الأشعرية وداود الظاهرى وبعض المعتزلة منهم أبو عبد
اللَّه البصرى ونقل عن الجبائى أنه إجماع وحجة بشرط انقراض العصر وقال أبو إسحاق المروزى إن
كان حكما يكون إجماعا وإن كان فتوى لا يكون إجماعا انظر: الآراء والأدلة في أصول
السرخسي ٣٠٣/١ وما بعدها كشف الأسرار للبخاري ٢٢٩/٣ وشرح ابن ملك ومعه حاشية
الرهاوي ص ٧٣٩،٧٣٨ وتيسير التحرير ٢٤٦/٣ وفواتح الرحموت ٢٣٢/٢ الإحكام للآمدى
٣٥٢/١ والإحكام لابن حزم ٥٩٨/٤ ومختصر ابن الحاجب وشرح العضد بحواشيه ٣٧/٢
والمحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني وتقريرات الشربيني عليه ١٨٧/٢ وما بعدها
والمستصفى ١٩١/١ وشرح اللمع ٦٩١/٢ والمعتمد ٧١/٢ ومناهج العقول ومعه نهاية السول ٢٪
٤٢٠ وما بعدها والمحصول ١٥٣/٤.
(٣) فى (١) و(ب) علة.
- ٣٧٧ -

وكونه من الصحابة أو من العترة يه لا يشترط وكذا أهل المدينة.
وأما في أصول الدين الممهدة مثل نقل القرآن وأمهات الشرائع كأعداد الصلوات وركعاتها
ومقادير الزكوات فعامة المسلمين داخلون مع الفقهاء في ذلك الإجماع وأما الهوى فلأنّ
صاحبه يدعو الناس إليه فسقطت عدالته بالتعصب الباطل وبالسفه وشرط في الميزان(١) أن
يكون من أهل السنة والجماعة، وأن لا يكون من أهل البدعة؛ لأن الإجماع إنما صارت حجة
كرامة لهم وصاحب البدعة ليس من أهل الكرامة وأما الفسق فيورث التهمة ويسقط العدالة
وبأهلية أداء الشهادة وصفة الأمر بالمعروف ثبت هذا الحكم(٢) ].
٥٨/أ
قوله: (وكونه من الصحابة لا يشترط)، وقال بعضهم: لا إجماع إلا للصحابة لأنهم هم
الأصول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلنا المعاني التي بها ثبت(٣) هذا الحكم من
صفة الوساطة والشهادة والأمر بالمعروف لا يختص (٤) بقوم دون قوم وكذا لا يشترط كونه
من أهل المدينة وقيل يشترط؛ لأنه أهل حضرة النبي و ﴿، قلنا: هذه أمور زائدة على الأهلية
وما ثبت به الإجماع حجة لا يوجب الاختصاص بشيء(٥) من هذا [وإنما هذا](٦) كرامة
لهذه الأمة ولا اختصاص للأمة بشيء من هذا(٧).
(١) ميزان الأصول ص ٤٩٢.
(٢) انظر أصول السرخسي ٣١٠/١ وما بعدها وكشف الأسرار للنسفى ١٨٣/٢.
(٣) فى (١) يثبت.
(٤) فى (١) و(ب) تختص.
(٥) في (١) من شيء.
(٦) في (١) وإنما ثبت هذا.
(٧) ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه أنه لا إجماع إلا
للصحابة . انظر: أصول السرخسي ٣١٣/١ وكشف الأسرار للبخاري ٢٤٠/٣ والمحصول ٤/
١٩٩ وما بعدها والمعتمد ٢٧/٢ والإحكام لابن حزم ٥٣٩/٤ والإحكام للآمدى ٢٣٠/١.
- ٣٧٨ -

وانقراض العصر وقيل: يشترط للإجماع اللاحق عدم الاختلاف السابق عند أبي
حنيفة - رحمه الله -،
القسم الثاني في شروط الإجماع
قوله: (وانقراض العصر)، قال أصحابنا: انقراض العصر ليس بشرط [لصحة
الإجماع](١) وقال الشافعي: الشرط أن يموتوا على ذلك، لاحتمال رجوع بعضهم. قلنا: لما
انعقد باعتبار ما ذكرنا من المعاني كان الثابت به كالثابت بالنص، وكما أن الثابت بالنص لا
يختص بوقت دون وقت فكذلك الثابت بالإجماع، ولو شرطنا انقراض العصر لم يثبت
الإجماع أبدا؛ لأن بعض التابعين في عصر الصحابة کان یزاحمهم في الفتوى فيتوهم أن يبدو
له رأي بعد أن لم يبق أحد من الصحابة، وهكذا في القرن الثاني والثالث فیؤدی إلی سد باب
[حكم](٢) الإجماع وهذا باطل(٣).
قوله: (وقيل: يشترط للإجماع اللاحق عدم الاختلاف السابق عند أبى حنيفة په) خلافا
لمحمد فقد روى الكرخي عن أبى حنيفة ظله أن قضاء القاضي ببيع أمهات الأولاد لا ينقض
فقال(٤) بعض مشايخنا هذا دليل على أن أبا حنيفة ظ ◌ُه جعل الاختلاف الأول مانعا من
(١) في (ا، ب) لصحة الإجماع حجة .
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٣) اختلفوا في انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد الإجماع أم لا ؟
قال عامة العلماء إنه ليس بشرط لانعقاد الإجماع وإليه ذهب أكثر أصحاب الشافعي وأبى حنيفة
والأشاعرة والمعتزلة، وذهب أحمد بن حنبل وأبو بكر بن فورك وسليم الرازي والأشعرى وابن
برهان من المعتزلة إلى اعتباره شرطا وقيل: يعتبر انقراض العصر في الإجماع السكوتي لضعفه دون
غيره، وهو اختيار الآمدي وغيره ونقل عن الأستاذ أبى منصور البغدادي وقال إنه قول الحذَّاق من
أصحاب الشافعي، وقال القاضي أبو الطيب هو قول أكثر الأصحاب، ونقله أبو المعالي عن الأستاذ
أبى إسحاق واختاره البندنيجي، وقيل يعتبر في إجماع الصحابة دون غيره، وفي المسألة أقوال
أخرى انظر: أصول السرخسي ٣١٥/١، وكشف الأسرار للبخاري ٢٤٣/٣، وتيسير التحرير ٣/
٢٣٠، وفواتح الرحموت ٢٢٤/٢، والمستصفي ١٩٢/١، والمحصول ١٤٧/٤ الإحكام للآمدي
٢٥٦/١، ومختصر ابن الحاجب ٣٨/٢، وجمع الجوامع مع حاشية البنانى وتقديرات الشرينى ٢/
١٨١، والمعتمد ٤١/٢ وغاية الوصول للأنصاري صـ١٠٧، وشرح الكوكب المنير ٢٤٦/٢.
(٤) في (ب) قال .
- ٣٧٩ -

وليس كذلك في الصحيح.
٥٧/ز
الإجماع المتأخر وذلك لأن هذه المسألة كانت مختلفة بين الصحابة فعند على وجابر
وغيرهما يجوز بيع أمهات الأولاد وعند عمر وبعض الصحابة لا يجوز، ثم اتفق العصر الثاني
على أنه لا يجوز(١) فقال: لا يُنقض لأنه قضى في فصل/ مختلف فيه؛ لأن إجماع العصر
الثاني غير صحيح فيبقى المسألة مجتهدا فيها وقضاء القاضي إذا لاقى محلا مجتهدًا لا ينفد
ولا ينقض وهذا لأن المخالف الأول لو كان حيا لما انعقد الإجماع دونه وهو من الأمة بعد موته
ألا يرى أن الخلاف اعتبر لدليله لا(٢) بعينه ودليله باق بعد موته وعند محمد ينقض؛ لأن
الإجماع رفع ذلك خلافه عنده فيكون القضاء خلاف الإجماع فلا يصح.
قوله: (وليس كذلك في الصحيح)؛ لأن الدلائل التي عرفناها كون الإجماع(٣) حجة
مطلقة لا يوجب الفصل بين إجماع سبقه الخلاف وبین إجماع لم يسبقه الخلاف ومن ادعى
القيد فعليه الدليل/، وأما تأويل قول أبي حنيفة رضيُته أن إجماع العصر الثاني مجتهد فيه فلأن
عند بعض العلماء هذا الإجماع غير صحيح فيكون قضاؤه ملا قيا محلًا مجتهدا فيه فلا
ينقض (٤).
٨٠/ب
(١) روى عن علي ◌ُّه أنه سئل عن بيع أمهات الأولاد فقال: كان رأيي ورأي عمر أن لا بيعن ثم
رأيت بيعهن فقال له عبيدة السلماني رأيك مع الجماعة أحب إلى من رأيك وحدك وفي رواية
أخرى عن على ◌ُه اجتمع رأبي ورأي عمر في ناس من أصحاب رسول اللَّه ◌َ﴿ على عتق أمهات
الأولاد ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن في الدين فقال عبيدة رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلى
من رأيك في الفرقة فقول عبيدة في الجماعة إشارة إلى سبق الإجماع من الصحابة عليه ثم بدا
لعلي ◌ُّه فيحمل خلافه على أنه كان لا يرى استقرار الإجماع ما لم ينقرض العصر، ومنهم من
قال إذا كانت المسألة مختلفة بين الصحابة ﴿ فكان علي وجابر رضي اللَّه عنهما يريان بيع أم
الولد لكن التابعين أجمعوا على أنه لا يجوز، والإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عند أصحابنا .
بدائع الصنائع ١٣٠/٤٤، وانظر المبسوط ١٤٩/٧، ومنار السبيل ١١٨/٢، والمحصول ١٩/٤/ ط
الإمام محمد، وأصول السرخسى ١٣٣٠/٢
(٢) في (أ، ب) لا لعينه .
(٣) في (ا، ب) التي عرفنا بها .
(٤) اختلف القائلون في حجة إجماع من بعد الصحابة في أنه هل يشترط عدم الاختلاف السابق
للإجماع اللاحق أم لا؟ وصورته إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين واستقر خلافهم
فذلك هل يمنع انعقاد الإجماع في العصر الذي بعده على أحد القولين في تلك المسألة وهل يكون
- ٣٨٠ -