Indexed OCR Text

Pages 341-360

وهو توكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، أو الخصوص، أو بيان تفسير كبيان المجمل أو
المشترك
به ابتداء وجود الحكم في الكلام الأول ثم هو خمسة أوجه بيان تقریر وبيان تفسير، وبيان
تغییر، وبيان ضرورة وبيان تبدیل.
قوله: (وهو توكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز أو الخصوص) وذلك في الحقيقة التي
تحتمل(١) المجاز والعام المحتمل الخصوص نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾(٢)
فالطائر حقيقة هو الذي يطير بجناحيه لكن يحتمل أن يراد به المجاز، فإن البريد(٣) يسمى
طائرًا فقطع هذا الاحتمال بقوله يطير بجناحيه وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فَسَجَدَ
اُلْمَلَبِكَةُ﴾(٤)(٥) لما كان محتملا للخصوص قطعه بقوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾(٦).
قوله: (كبيان المجمل والمشترك) أما نظير بيان المجمل فقوله - تعالى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ
اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ ... إلى قوله: ﴿فِتْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،﴾(٧) (٨)، فقوله: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾
مجمل فبينه بما يعقبه ونظير بيان المشترك فقوله - تعالى -: ﴿أَحَلَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ فإن الإحلال
والرمز كلا منها دليل. انظر: كشف الأسرار، للبخاري ١٠٥/٣، ١٠٦ وكشف الأسرار للنسفي
١٠٩/٢، ١١٠، حاشية الرهاوي ص ٦٨٨.
(١) في (١) يحتمل.
(٢) من الآية ٣٨ من سورة الأنعام.
(٣) البريد أصله الدابة التي تحمل الرسائل والمسافة بين كل منزلتين من منازل الطريق وهي أميال
اختلف في عددها، وحامل الرسائل، والرسائل وفي الصحاح: قيل لدابة البريد بريد لسيره في
البريد، وهو قول الأزهري وقال غيره: البريد البغلة المرتبة في الرباط تعريب بريده دم، ثم سُمِّيَ به
الرسول المحمول عليها ثم سميت به المسافة مختار الصحاح مادة: برد ص ١٩. والمعجم الوجيز
باب الباء مادة برد ص ٤٤.
(٤) هذه الكلمة هي نهاية الصفحة اليمنى من اللوحة رقم ٥١ من النسخة (ز) وبقيتها في اللوحة رقم
٤٨ المشار إليها بهامش رقم ٣ ص ٣٣٨.
(٥) الآية ٣٠ من سورة الحجر.
(٦) الآية ٧٣ من سورة ص.
(٧) في (١) و(ب) الآية كلها كاملة هكذا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَرَّ أَلْمَأَنَّ
بِهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِتْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ.﴾.
(٨) من الآية ١١ من سورة الحج.
- ٣٤١ -

وأنهما يصحان موصولا ومفصولا، وعند بعض المتكلمين لا يصح بيان المجمل والمشترك
إلا موصولا، أو بيان تغيير كالتعليق بالشرط، والاستثناء وإنما يصح ذلك موصولا فقط.
١/٥٠
مشترك بين الإنزال والإباحة فتبين أنه بمعنى الإنزال بقرينة قوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾(١).
قوله: (وأنهما يصحان موصولا ومفصولا) معناه أن بيان التقرير والتفسير يصح أن لا يتأخر
عن الكلام بأن يرد الكلام مبينا ويصح أن يتأخر، بأن يرد الكلام أولا ثم يلحقه البيان وعند
بعض المتكلمين لا يصح بيان المجمل والمشترك إلا موصولا؛ لأن المقصود بالخطاب إفهام/
السامع للعمل به، وذا لا يحصل إلا بالبيان، فلو جاز تأخير البيان لخلا الخطاب عما هو
المقصود منه، ولأدى إلى تكليف ما ليس في الوسع، قلنا: إن الخطاب بالمجمل قبل البيان يفيد
الابتلاء باعتقاد(٢) الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به، وهذا الابتلاء أهم من
الابتلاء بالعمل به كما في المتشابه فكان حسنا، وأما تكليف ما ليس في الوسع فإنما يلزم أن لو
وجب العمل به قبل البيان ولا يجب ذلك(٣).
٦٨/ب
قوله: (أو بيان تغيير كالتعليق بالشرط والاستثناء)، وإنما سمى هذا بيان التغيير / باعتبار أثر
كل واحد من البيان والتغيير في التعليق بالشرط والاستثناء، أما التعليق فلأن الإيجاب المتعدى
عن الشرط تنجيز، وإذا دخله الشرط لم يبق كذلك فصار الشرط مغیرا له، لكنه بيان مع ذلك
لأن البيان ما يظهر به ابتداء وجود الحكم، وابتداء وجود المعلق عند الشرط يظهر بالتعليق
السابق، والإيجاب يحتمل عدم وجود الحكم في الحال كالبيع بشرط الخيار فكان (٤) التعليق
بيانا لا رفعا للحكم بعد الثبوت، وأما الاستثناء فإنه مغير للكلام وذلك ظاهر، ولكنه إذا اتصل
منع بعض التكلم، لا أن رفع بعد الوجود ليكون نسخا فكان بيانا. ثم لا خلاف بين العلماء
في هذين النوعين من البيان أنه يصح موصولا بالكلام ولا يصح مفصولا ممن لا يملك النسخ،
وإنما اختلفوا في كيفية إعمال الشرط والاستثناء(٥).
(١) من الآية ٣٥ من سورة فاطر.
(٢) في (أ) باعتبار.
(٣) انظر: أصول السرخسي ٢٩،٢٨/٢.
(٤) في (١) وكان.
(٥) هذه المسألة هي: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ وهو جائز عند عامة الفقهاء خلافا
- ٣٤٢ -

واختلف في خصوص العموم فعندنا لا يقع متراخيا وعند الشافعي يجوز ذلك وهذا
قوله: (وعند الشافعي يجوز ذلك) احتج بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ
بَقَرَةٌ﴾(١) ثم لما استوصفوها، بين لهم صفتها، وكان ذلك دليل الخصوص على وجه البيان
منفصلا عن أصل الخطاب وبقوله - تعالى -: ﴿فَأَسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
وَأَهْلَكَ﴾(٢)، وعموم [اسم](٣) الأهل يتناول ابنه ثم بين اللَّه - تعالى - له بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ
مِنْ أَهْلِكَ﴾(٤) / وبقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾(٥)،
ثم لما عارضوا بعيسى والملائكة نزل دليل الخصوص: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ
٤٨/ز
للجبائي وابنه أبي هاشم وعبد الجبار ومتابعيهم والظاهرية والحنابلة وإليه ذهب بعض أصحاب
الشافعي كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي والقاضي أبي حامد وأبي بكر القفال وأبي بكر
الدقاق، وذكر السمعاني والغزالي أن طائفة من أصحاب أبي حنيفة - رحمهم الله - ذهبوا إليه فكان
الشيخ يرد هذا القول بقوله: هذا مذهب واضح لأصحابنا؛ أي صحة بيان ما فيه خفاء متصلا
ومنفصلا مذهب ظاهر لأصحابنا بحيث لا يمكن إنكاره، وعن ابن عباس - رضي اللَّه عنهما . أنه
يصح مفصولا لما روى أنه التّ قال: ((لأغزون قريشا))، ثم قال: ((بعد سنة - إن شاء اللّه تعالى))،
وهذا النقل غير صحيح عندنا، وروي أنه قال أبو جعفر المنصور الدوانيقي الذي كان من الخلفاء
العباسيين لأبي حنيفة: لم خالفت جدي في عدم صحة الاستثناء متراخيا؟ فقال أبو حنيفة - رحمه
اللَّه -: (لو صح ذلك بارك اللَّه في بيعتك)؛ أي يقول الناس الآن: إن شاء الله، فتنتقض بيعتك،
فتحير الدوانيقي، وسكن واحتج الفقهاء بأن النبي ﴿ قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا
منها فليكفر))، الحديث عين التكفير لتخليص الحالف ولو صح الاستثناء منفصلا لقال: فليستثن
وليأت («بالذي هو خير ( منها)). انظر)) تفصيل الآراء والأدلة في: كشف الأسرار للبخاري ١٠٨/٣،
شرح ابن ملك مع حاشية الرهاوي ص ٦٩٠، ٦٩١ ونور الأنوار بهامش الكشف ١١٤/٢،
١١٥، والمحصول ١٨٨/٣، ١٨٩ والمعتمد ٣١٥/٢، وتيسير التحرير ١٧٤/٣، وشرح اللمع ١/
٤٧٣، ومناهج العقول مع نهاية السول ٢١١/٢ والعضد على ابن الحاجب ١٦٤/٢ والمحلى على
جمع الجوامع مع حاشية البناني ٦٩/٢، والإحكام للآمدى ٣٢/٣، الإحكام ٨١/١، والبرهان ١/
١٢٨.
(١) من الآية ٦٧ من سورة البقرة.
(٢) من الآية ٢٧ من سورة ((المؤمنون)).
(٣) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٤) من الآية ٤٦ من سورة هود.
(٥) من الآية ٩٨ من سورة الأنبياء.
- ٣٤٣ -

:
بناء على أن العموم مثل الخصوص عندنا في إيجاب الحكم قطعا وبعد الخصوص لا يبقى
القطع فكان تغييرا من القطع إلى الاحتمال فيقيد بشرط الوصل وعنده ليس بتغيير بل هو
تقرير فيصح موصولا ومفصولا وبيان بقرة بني إسرائيل.
من قبيل تقييد المطلق فكان نسخا فيصح متراخيا والأهل لم يتناول الابن لا أنه خص
بقوله - تعالى -: ﴿إِنَُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾ وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ﴾ لم يتناول عيسى الَّ لا أنه خص بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم
مِنَّا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾﴾ والاستثناء يمنع التكلم بحكمه بقدر المستثنى
أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
((١)(٢)
قوله: (والأهل لا يتناول الابن)؛ لأن أهل الرسل من تبايعهم وتؤمن بهم(٣) وعلى هذا
لفظ الأهل كان مشتركا فيه احتمال أن يكون المراد هو الأهل من حيث النسب، فاحتمال أن
يكون المراد الأهل من حيث المتابعة في الدين فلهذا سأل اللَّه - تعالى - فبين اللَّه - تعالى - له أن
المراد الأهل من حيث المتابعة في الدين وأن ابنه الكافر(٤) ليس من أهله، وتأخير البيان في
المشترك صحيح عندنا.
قوله: (لم يتناول عيسى التَّة)؛ لأن كلمة ما لذوات غير العقلاء لكنهم كانوا متعنتين
فزاد في البيان إعراضا عن تعنتهم.
قوله: (والاستثناء يمنع التكلم بحكمه بقدر المستثنى)، أي يمنع التكلم في حق التكلم مع
بقائه صورة معناه: أن الاستثناء يمنع صدر الكلام من أن ينعقد سببا للحكم بقدر المستثنى
(١) من الآية ١٠١ من سورة الأنبياء.
(٢) لا خلاف أن العام إذا خص منه شيء بدليل مقارن يجوز تخصيصه بعد ذلك بدليل متراخ فأما
العام الذي لم يخص منه شيء فلا يجوز تخصيصه بدليل متأخر عنه عند الشيخ أبي الحسن
الكرخي وعامة المتأخرين من الحنفية وبعض أصحاب الشافعي، وعند بعض الحنفية وأكثر أصحاب
الشافعي والأشعرية وعامة المعتزلة يجوز تخصيصه متراخيا كما يجوز متصلا، انظر: كشف الأسرار
للبخاري، ١٠٩/٣، وشرح ابن ملك مع حاشية الرهاوي ص ٦٩١، وكشف الأسرار، للنسفي
ومعه نور الأنوار ١١٥/٢ وما بعدها والمحصول ١٩٢/٣، والمعتمد ٣٢٥/١ وما بعدها.
(٣) في (١) من يبايعهم ويؤمن بهم.
(٤) في (ب) كافر.
- ٣٤٤ -

فيجعل تكلما بالباقي بعده.
وعند الشافعي يمنع الحكم بطريق المعارضة؛
فيجعل تكلما بما وراء المستثنى وكان التكلم في قوله لفلان على ألف إلا مئة، لم يتلفظ بلفظ
الألف حكما، وإنما تلفظ بلفظ تسع مئة.
قوله: (يمنع الحكم بطريق المعارضة) ذكر في الميزان لا نص عن الشافعي فيه، ولكن
استدلوا بمسائل تدل على ذلك(١). ثم معنى قوله: يمنع الحكم بطريق المعارضة: أن صدر
الكلام انعقد موجبا للحكم في الكل إلا أن الاستثناء منع(٢) قدر المستثنى حكما فتعارضا فلم
يثبت الحكم فصار تقدير ما ذكرنا من الصورة إلا مئة فإنها ليست على وهذا نظير اختلافهم
في التعليق بالشرط على ما سبق أن الشرط عندنا يمنع ثبوت الحكم في المحل لانعدام العلة
الموجبة له حكما مع صورة التكلم به، وعنده يمنع الحكم مع وجود علته، وفائدة الخلاف
تظهر في بيع الحفنة بالحفنتين من الطعام فإن الاستثناء عندنا لما كان تكلما بالباقي بعد الثنيا
كان المراد بالطعام المذكور في قوله وَالتّ: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء))(٣) الكثير
الذي يجري فيه الكيل لا القليل، لأن استثناء حالة التساوي تدل على عموم صدره في
الأحوال؛ لأن استثناء الحال من العين محال، لأن المجانسة [شرط صحة] (٤) الاستثناء
والأحوال ثلاثة مساواة ومفاضلة ومجازفة/ وهى لا تتحقق إلا في الكثير فيجوز بيع الحفنة
بالحفنتين لإطلاق قوله - تعالى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾(٥) وعنده لما كان عمله بطريق المعارضة
٦٩/ب
(١) ميزان الأصول ص ٣١٧.
(٢) في (١) يمنع.
(٣) الحديث لم أعثر عليه بهذا اللفظ وإنما أخرج مسلم في صحيحه عن معمر بن عبد الله أنه أرسل
غلامه بصاع قمح، فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما
جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلا بمثل؛ فإني
كنت أسمع رسول اللَّه ﴿ يقول: ((الطعام بالطعام مثلا بمثل))، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير،
قيل له: فإنه ليس بمثله، قال: إني أخاف أن يضاع، مسلم كتاب المساقاة باب بيع الطعام مثلا بمثل
١٢١٤/٣، وابن حبان ٣٨٥/١١، والدارقطني ٢٤/٣، والبيهقي ٢٨٣/٥ وأحمد في مسنده ٦/
٤٠٠.
(٤) في (١) شرط لصحة.
(٥) من الآية ٢٧٥ من سورة البقرة.
- ٣٤٥ -

لإجماع أهل اللغة على أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ولأن قوله - تعالى -
لا إله إلا اللَّه (للتوحيد) ومعناه النفي والإثبات، فلو كان تكلما بالباقي لكان نفيا عن غيره
فصدر الكلام عام يوجب الحرمة في القليل والكثير، والاستثناء عارضه في الكثير يبقى ما وراء
الكثير داخلا تحت الصدر فتثبت الحرمة فيه لإطلاق الصدر.
٤٩/ز
قوله: (لإجماع أهل اللغة على أن الاستثناء من النفي إثبات)، ولا يتأتى هذا إلا إذا كان
الصدر عاما في نفي جميع ما يتناوله(١) ثم(٢) / ينتفي النفي في قدر المستثنى بعارض الاستثناء
فأما متى قلنا بأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا لا يتحقق ذلك بل يكون نصا في حق غير المستثنى
وكذلك الإثبات على هذا فأما متى قلنا بأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا يكون هذا إثبات
الحكم إلى أن ينتهي إلى / المستثنى.
١/٥١
قوله: (ومعناه النفي والإثبات)، أي نفى الألوهية عن غير الله - تعالى - وإثباتها لله - تعالى-
وهذا المعنى إنما يتحقق أن لو جعل كأنه قال لا إله إلا اللَّه فإنه هو الإله، أما إذا جعل تكلما
بالباقي كان هذا نفيا للألوهية عن غير اللَّه من غير أن يثبت لله - تعالى - فلا يكون توحيدا
وحقيقة الفقه فيه أن [الاستثناء](٣) استخراج واستخراج نفس الكلام لا يتصور بعد التلفظ
وإنما يتصور منع حكمه فعرف أنه عامل بطريق المعارضة (٤).
(١) في (١) تناوله.
(٢) هذه نهاية الصفحة اليمنى من اللوحة رقم ٤٩ من النسخة (ز)) وتكملتها في اللوحة رقم ٥٣.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (١).
(٤) الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس؛ أي من النفي إثبات عند الجمهور من الشافعية والمالكية
والحنابلة وطائفة من الحنفية المحققين ومنهم الإمام فخر الإسلام وشمس الأئمة والقاضي أبو زيد
وغيرهم من المحققين وقد ذكر البخاري في الكشف من المسائل ما يدل على الخلاف وقال: ولنا
ولهم مسائل تدل على المذهبين أو دلت على أن الاستثناء يعمل بطريق المعارضة عند الشافعي
وأصحابه جوابهم في المسائل المتعلقة بالاستثناء يعني ما ذكرنا من الأصل ليس بمنقول عن السلف
أو عن الشافعي نصًّا وإنما يستدل عليه بالمسائل. انظر: كشف الأسرار للبخاري ١٢١/٣ وما
بعدها، وفواتح الرحموت ٣٢٦/٣، ٣٢٧ وتيسير التحرير ٢٩٣/١، والمحصول ٣٩/٣، جمع
الجوامع ١٥/٢، وابن الحاجب ١٤٢/٢، ١٤٣ والإحكام للآمدي ٣٠٨/٢، وشرح الكوكب المنير
٣٢٧/٣.
- ٣٤٦ -

لا إثباتا له.
ولنا قوله - تعالى -: ﴿فَلِكَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ وسقوط الحكم بطريق
قوله: (ولنا قوله - تعالى -: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾)(١) فهذا (٢) استثناء
وقع في الأخبار فامتنع أن يجعل عاملا بطريق المعارضة؛ لأن سقوط الحكم بطريق المعارضة
إنما يستقيم في الإنشاء كدليل الخصوص، فأما في الأخبار لا يمكن ذلك؛ لأنه يوهم الكذب
والتناقض فإن من أخبر بأنه كان كذا ثم قال لم يكن ذلك، يكون كذبا وتناقضا، ولأن الألف
اسم لعدد مخصوص وهو ضعف الخمس مئة(٣) ليس فيه احتمال ما دونه من وجه وإن قل،
فينحصر حكمه في العدد المخصوص، فلو لم يجعل أصل الكلام هكذا لم يمكن (٤) تصحيح
ذكر الألف بوجه فيلزم خلو الألف عن موجبه، لأن الألف لا ينطبق على عن التكلم
[بحكمه](٥) يصير كأنه قال فلبث فيهم تسع مئة وخمسين أصلا ولو جاز لكان بطريق المجاز
وفيما قلنا عمل بالحقيقة، لأن الاستثناء لما كان مانعا عن التكلم بحكمه يصير كأنه قال:
فلبث فيهم تسع مئة وخمسين، وهذا مختصر منه والمختصر أحد لساني العرب فكان ما قلنا
أولى، ولأن ما يمنع الحكم بطريق المعارضة يستوي فيه البعض والكل كالنسخ، وهنا لا يجوز
استثناء الكل [من الكل](٦) فعلم أن حكمه ليس على طريق المعارضة(٧).
(١) من الآية ١٤ من سورة العنكبوت.
(٢) في (ب) وهذا.
(٣) في (١) و(ب) خمس مئة.
(٤) في (١) لم يكن.
(٥) في (١) ما بين القوسين ساقط.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٧) هذا احتجاج لإبطال مذهب الخصم بيانه: أن الاستثناء لو كان عملا بطريق المعارضة للزم نفي
حكم الخبر الصادق بعد ثبوته واللازم باطل أما الملازمة فلأن اللَّه - تعالى - استثنى الخمسين عن
الألف في الإخبار عن لبث نوح التَّة في قومه قبل الطوفان، فلو لم يكن تكلما بالباقي لثبت
حكم الألف بجملته، ثم عارض الاستثناء في الخمسين فيلزم كونه نفيا لحكم الخبر الصادق الذي
أثبته أولا وهو عين المحال؛ لأن الألف اسم خاص بمنزلة العام فلا يستعمل في غيره لا حقيقة ولا
مجازا لكونه علما فإطلاقها على ما دونها يكون كذبا بخلاف العام فإنه يصدق على الثلاثة فما
فوقها، فمتى نقص منه شيء يكون إطلاق اللفظ على الباقي بلا خلل لوجود العموم، انظر: أصول
- ٣٤٧ -

المعارضة في الإيجاب يكون لا في الأخبار.
ولأن أهل اللغة قالوا: الاستثناء وإخراج وتكلم بالباقي بعد الثنيا فنقول إنه تكلم
بالباقي بوضعه، ونفي وإثبات بإشارته وهو نوعان متصل وهو الأصل، ومنفصل وهو ما لا
يصح استخراجه من الصدر فجعل مبتدأ قال الله - تعالى -: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيَ إِلَّا رَبَّ
قوله: (ولأن أهل اللغة قالوا الاستثناء استخراج)، أي ظاهرا وتكلم بالباقي بعد الثنيا يعنى
حقيقة والمراد بقوله تكلم بالباقي أن موجب الاستثناء أن الكلام به يصير عبارة (١) عما وراء
المستثنى وهذا لأن قولنا إلا كذا لا يصلح أن يكون كلاما معتبرا بنفسه، فيعتبر مع الصدر
كلاما واحدا وإذا اعتبر كذلك يعتبر الحكم كما يقتضيه الجملة، ثم إذا ثبت إجماعنا
وإجماعهم وجب الجمع بينهما فنقول: إنه تكلم بالباقي باعتبار وضعه يعنى باعتبار حقيقته
في أصل الوضع ونفى وإثبات بإشارته؛ لأن الاستثناء بمنزلة الغاية للمستثنى منه لأنه إما أن
يدخل على النفي أو على الإثبات، والإثبات بالعدم ينتهي / والعدم بالوجود ينتهي وإذا كان
كذلك لم يكن بد من إثبات الغاية لتناهي الأول وهذا ثابت لغة مثل صدر الكلام إلا أن
الأول ثابت قصدا، وهذا لا، فكان إشارة(٢).
٥٣/ز
قوله: (وهو ما لا يصح استخراجه من الصدر)، ولهذا اتفق أصحابنا أن قول الرجل لفلان
على ألف درهم إلا ثوبا أن هذا استثناء منقطع؛ لأن استخراجه لا يصح فجعل نفيا مبتدأ ونفيه
لا يؤثر في [نفى](٣) الألف (٤).
السرخسي ٣٨/٢، ٣٩، وكشف الأسرار للبخاري ١٢٧/٣، وحاشية الرهاوي مع شرح ابن ملك
ص ٦٩٦، ٦٩٧.
(١) في (١) أن يصير الكلام عبارة.
(٢) قد أطنب صاحب التوضيح في تحقيق هذه المسألة فانظرها في: التلويح على التوضيح ٤١/٢ وما
بعدها.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (١) و(ب).
(٤) يسمى الاستثناء المنفصل في عرف النحاة استثناء منقطعا وإطلاق الاستثناء عليه مجازا لوجوب
حرف الاستثناء ولكنه في الحقيقة كلام مستقل وهذا معنى قوله فجعل مبتدأ قال الله - تعالى -:
﴿فَإنَهُمْ عَدُوٌّ لِيِّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ حكاية عن قول إبراهيم التّلا لقومه: فإنهم؛ أي أن هذه
الأصنام التي تعبدونها عدو لي إلا رب العالمين؛ أي لكن رب العالمين فإنه ليس بعدو لي، فإنه
- ٣٤٨ -

الْعَلَمِينَ ﴾. والاستثناء متى تعقب كلمات معطوفة بعضها على بعض ينصرف إلى
الجميع كالشرط عند الشافعي وعندنا إلى ما يليه بخلاف الشرط لأنه مبدل.
٧٠/ب
قوله: (والاستثناء متى/ يعقب(١) إلى آخره) معناه أن الجمل المعطوفة بعضها على بعض
بحرف الواو فكل جملة كلام تام وألحق الاستثناء بآخره بأن قال: لزيد على ألف درهم،
ولعبد(٢) على ألف درهم، ولمحمد على ألف درهم إلا خمس مئة حكمها أن ينصرف إلى
الجميع عند الشافعي؛ لأنه معارض مانع بمنزلة الشرط والشرط ينصرف إلى جميع ما سبق
حتى يتعلق الكل به مثل قوله عبده حر وامرأته طالق وعليه الحج إلى بيت اللَّه - تعالى - إن
دخلت هذه الدار فكذلك الاستثناء وعندنا ينصرف إلى الجملة الأخيرة؛ لأن الاستثناء تغيير
وتصرف في الكلام فيقتصر على ما يليه خاصة وذلك لوجهين أحدهما: أن إعمال الاستثناء
باعتبار أن الكل في حكم كلام واحد وذلك لا يتحقق في الكلمات [الثلاثة](٣) المعطوفة
بعضها على بعض والثاني: أن أصل الكلام عامل باعتبار أصل الوضع وإنما انعدم هذا الوصف
منه بطريق الضرورة فيقتصر على ما تحقق فيه الضرورة وهذه الضرورة يرتفع(٤) بصرفه إلى ما
يليه بخلاف الشرط فإنه مبدل ولا يحرج به أصل الكلام من أن يكون عاملا إنما يتبدل به
الحكم ومطلق العطف يقتضي الاشتراك فلهذا أثبتنا التبديل بالتعليق بالشرط في جميع ما
سبق ذكره(٥).
- تعالى - ليس داخلا في الأصنام فيكون كلاما مبتدأ ويحتمل أن يكون القوم عبدوا الله - تعالى .
مع الأصنام، والمعنى: فإن كل ما عبد تموه عدو لي إلا رب العالمين فيكون متصلا، هكذا قيل. نور
الأنوار ١٢٧/٢-١٢٩ ومعه كشف الأسرار للنسفي، وانظر: التلويح ٥٦/٢ وما بعدها.
(١) في (١) و(ب) تعقب.
(٢) في (أ) و(ب) ولعمرو.
(٣) في (أ) و(ب) ما بين القوسين ساقط.
(٤) في (أ) و(ب) ترتفع.
(٥) عبارة السرخسي في أصوله ٤٤/٢، ٤٥ وهذه المسألة ورود الاستثناء عقيب جمل معطوفة بعضها
على بعض فمذهب الأئمة الثلاثة وأكثر أصحابهم وهو اختيار ابن فورك وفرع عليه إمام الحرمين
وعند أبي حنيفة وأصحابه والمجد يرجع إلى الجملة الأخيرة والرازي اختار هذا القول في المعالم لكنه
توقف في المحصول، ونقله أبو الحسين البصري في المعتمد عن الظاهرية وقيل بالتوقف وهو بعض
الشيعة والأشعرية منهم الباقلاني والغزالي وقال المرتضى من الشيعة بالاشتراك اللفظي وقيل: إن تبين
- ٣٤٩ -

أو بيان ضرورة وهو نوع بيان يقع بما لم يوضع له وهو إما أن يكون في حكم المنطوق؛
كقوله - تعالى -: ﴿وَوَرِثَّهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ اَلتُلُثُ﴾
وقوله: (أو بيان ضرورة) أي بيانا ثبت بطريق الضرورة؛ لأن هذا البيان إنما يحصل
بالشيء الذي هو غير موضوع للبيان لضرورةٍ ألجأتنا إلى أن نجعها بيانا وهو أربعة أوجه؛ لأنه
إما أن يكون في حكم المنطوق أو ثبت(١) بدلالة حال المتكلم أو ثبت(٢) ضرورة دفع الغرور أو
ثبت(٣) ضرورة الكلام نظير الأول قوله - تعالى -: ﴿وَوَرِنَّهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٤) فإنه لما
ذكر في صدر الكلام أن الميراث للأبوين بقوله - تعالى -: ﴿وَوَرِثَهُ: أَبَوَاهُ﴾ ثم بين نصيب الأم
بقوله - تعالى -: ﴿فَلِأُمِّهِ اُلُّلُثُ﴾ يكون هذا بيانا ضروريا لنصيب الأب أنه الثلثان ولكن بغير
ما وضع للبيان؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿وَوَرِثَّهُ: أَبَوَهُ﴾ غير موضوع لبيان نصيب الأب وكذا
قوله - تعالى -: ﴿فَلِأَمِّهِ الثَّلُثُ﴾ لكن هذا البيان لم يحصل بترك التنصيص على نصيب الأب
إضراب عن الأولى فالأخيرة وإلا فللجميع وهو قول جماعة من المعتزلة منهم عبد الجبار وأبو
الحسين البصري واختاره القاضى أبو يعلى والآمدي قال: إن ظهر أن الواو للابتداء رجع للجملة
الأخيرة وإن ظهر أنها عاطفة رجع للجميع وإن أمكنا فالوقف. ورجح الشوكاني أنه إن كان تعلق
رجع إلى الجميع وإلا فللأخيرة وثمرة الخلاف بيننا وبين الشافعي قوله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ ثَُّ لَزْ يَأْتُوْ بِأَرْبَعَةِ ثُهَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ وأن الاستثناء وقع بعد ثلاث جمل في الأولى منهن: الأمر بالجلد وفي الثانية
النهي عن قبول الشهادة وفي الثالثة الخبر بالفسق فعند الشافعي: تقبل شهادة القاذف بعد التوبة
وعندنا لا تقبل مع الاتفاق منا ومنهم في أن الاستثناء لا يرجع إلى الجملة التي فيها الأمر بالجلد
لكونه حق الآدمي فلا يسقط بالتوبة. انظر: المسألة وأدلتها في التلويح على التوضيح ٥٩/٢ وشرح
ابن ملك مع حاشية الرهاوي ص ٧٠٢،٧٠١، وفواتح الرحموت ٣٣٢/١، وكشف الأسرار
للبخاري ١٣٣/٣ والأحكام للآمدي ٣٠٠/٢ والمستصفى ١٧٤/٢ والبرهان ٢٦٣/١، والمحصول
٤٣/٣، وجمع الجوامع وشرح المحلى مع حاشية البناني عليه ١٧/٢، والإحكام لابن حزم ٤/
٤٣٠، وشرح اللمع ٤٠٧/١ والمعتمد ٢٤٥/١، ومناهج العقول ومعه نهاية السول ١٤٣/٢
وإرشاد الفحول ٥٣٩/١ وشرح العضد على ابن الحاجب وحواشيه ١٣٩/٢ وشرح الكوكب المنير
٣١٢/٣
(١) في (١) ثبتت.
(٢) في (١) ثبتت.
(٣) في (١) ثبتت .
(٤) من الآية ١١ من سورة النساء.
- ٣٥٠ -

أو يثبت بدلالة حال المتكلم وكسكوت صاحب الشرع عند أمر يعانيه عن التغيير. أو
يثبت ضرورة دفع الغرور کسکوت المولی حین رأی عبده يبيع ويشتري.
بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه.
قوله: (كسكوت صاحب الشرع) عند أمر يعانيه / عن التغيير فإن ذلك السكوت منه
تقرير لذلك الأمر وبيان لحقيته بدلالة حاله إذ لو كان الحكم عنده بخلافه لَبيَّنه(١).
١/٥٢
لأنه واجب عليه عند الحاجة إليه، وسكوت الصحابة عن تقويم منفعة البدن وفى ولد
المغرور جعل بيانا لهذا وصورته: رجل اشترى جارية واستولدها ثم استحقت فإن الولد يجعل
حرا بالقيمة؛ لأنه إنما أقدم على وطئها لزعمه أنها ملكه إذ الإنسان يحترز عن إرقاق جزئه فلو
لم يجعل الولد حرّا يتضرر هو ولو لم يجب القيمة عليه يتضرر المستحق فجعل(٢) حرا بالقيمة
نظرا للجانبين، ثم إن الصحابة سكتوا عن بيان منافع الولد أنها مضمونة أم لا؟ أي هل يأخذ
المستحق من الأب بمقابلة ما استخدمه الأب أو أجره فأخذ أجرته قبل الاستحقاق أم لا مع أن
صاحب الحادثة كان يبطل حكم الحادثة وما كان عالما بما له من الحق، فسكوتهم في هذا
الموضع دليل النفي إذ لا يظن بهم ترك الواجب(٣).
قوله: ( کسکوت المولی عن النھی حین رأی عبده یبیع ويشترى) أن ذلك يجعل إذنا له في
التجارة لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد؛ لأن الناس لا يتمكنون من استطلاع رأي
المولى في كل معاملة يعاملونها مع العبد وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه،
ويستدلون بسكوته على رضاه، فجعل(٤) سكوته كالتصريح بالإذن لضرورة دفع/
٧١/ب
(١) هذه نهاية الصفحة اليمنى من اللوحة رقم ٥٤ وتكملتها في اللوحة رقم ٥١ من النسخة ((ز) وهذا
الخطأ وما شابهه يبدو أنه جاء من اختلاط أوراق المخطوط عند نقله على الميكروفيلم.
(٢) في (١) و(ب) فجعلناه .
(٣) قال ابن ملك: وذلك مشروط بشرطين: القدرة على الإنكار، وكون الفاعل مسلما؛ لأنه لو كان
غير مسلم كالسكوت عند مضي اليهود إلى الكنيسة، لا يكون بيانا لشرعيته مثاله ما روي أنه
أبقت أمه وأتت بعض القبائل فتزوجها رجل من بني عذرة فولدت أولادا، ثم جاء مولاها فرفع
ذلك إلى عمر فقضى بها لمولاها وقضى على الأب أن يفدى الأولاد وكان ذلك بمحضر من
الصحابة فسكتوا وكانت هذه الحادثة أول حادثة وقعت بعد رسول اللَّه لَ ﴿ مما لم يسمعوا فيها نصا
شرح ابن ملك وبهامشه حاشية الرهاوي ص ٧٠٥، ٧٠٦.
(٤) في (١) و(ب) فجعلنا .
- ٣٥١ -

أو يثبت ضرورة طول الكلام كقوله: (له علي مئة درهم) بخلاف قوله: (له على مئة
وثوب).
أو بيان تبديل وهذا النسخ وهو بيان لمدة الحكم المطلق الذي كان معلوما عند اللَّه .
الغرور(١).
قوله: ([أو يثبت ](٢) ضرورة الكلام)، أي ضرورة طول الكلام كقوله علىّ مئة ودرهم أن
العطف جعل بيانا للمئة عندنا وقال الشافعي: القول قول المقر في المئة؛ لأنها مجملة فإليه
بيانها والعطف لا يصلح بيانا؛ لأنه لم يوضع له كما إذا قال مئة وثوب لكنا نقول إن هذا جعل
بيانا عادة؛ إذ الناس اعتادوا حذف معدود المعطوف عليه ضرورة كثرة العدد وطول الكلام
وذلك فيما يثبت(٣) في الذمة في عامة المعاملات كالمكيل والموزون أما الثوب فلا ضرورة فيه
لأنه لم يجب في الذمة إلا في السلم أو فيما هو في معنى السلم كالبيع بالثوب الموصوف
مؤجلا(٤).
قوله: (أو بيان تبدیل وهو النسخ)، وقيل: التبديل هو رفع الحکم الأول ببدل والنسخ قد
(١) وقال الشافعي لا يكون إذنا؛ لأن سكوته يحتمل أن يكون للرضا وأن يكون لفرط الغيظ وعدم
الالتفات إليه وقلة الموالاة فيصرفه لعلمه أنه محجور عن ذلك شرعا، والمحتمل لا يكون حجة ووافق
الشافعي في ذلك زفر من الحنفية، قلنا نعم ولكن الغالب في العرف ترجح جانب الرضا لنشر العادة
فيما بين الناس بذلك. انظر: نور الأنوار ١٣٦/٢١، وشرح ابن ملك مع حاشية الرهاوي ص
٧٠٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (١) و(ب).
(٣) في (١) و(ب) ثبت .
(٤) والخلاف ليس في هذا الأصل فإن الشافعي - رحمه اللَّه ـ يوافقنا في أن السكوت يجعل بيانا
الصيرورة الكلام، كما في عطف الجملة الناقصة على الكاملة وكما في عطف العدد المفسر على
المبهم إنما الخلاف في هذه المسألة فعندنا هي مبينة على هذا الأصل وعنده ليست بمبنية عليه، وجه
قول الشافعي - رحمه الله - وهو القياس أنه أبهم الإقرار بالمئة وقوله ودرهم ليس بتفسير له؛ لأنه
عطف عليه بحرف الواو والعطف لم يوضع للتفسير لغة ألا ترى أن من شرط صحة العطف،
المغايرة حتى لم يجز عطف الشيء على نفسه، ومن شروط صحة التفسير أن يكون عين المفسر،
فإن الدراهم في قوله: عشرة دراهم عين العشرة لا غيرها فكيف يصلح العطف مفسرا، انظر:
كشف الأسرار للبخاري ١٥٢/٣ وما بعدها، وانظر: أصول السرخسي ٥٢/٢.
- ٣٥٢ -

تعالى - إلا أنه أطلقه فصار ظاهرة البقاء في حق البشر فكان تبديلا في حقنا بيانا محضا
في حق صاحب الشرع.
وهو جائز عندنا بالنص
يكون رفعا للحكم الأول ببدل وقد يكون بلا بدل(١)، والنسخ في اللغة استعمَلَ المعنيين(٢)
أحدهما الإزالة والرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته ورفعته فإن الظل لا يبقى في
ذلك المكان بعد وجود الشمس فيه ويقال نسخت الريح آثار الأقدام إذا رفعتها وأبطلتها
حسا، والثاني يستعمل في النقل يقال: نسخت الكتاب أي نقلت مثل ذلك المكتوب إلى
محل آخر وهو في الشرع بيان لمدة الحكم إلى آخره والمراد بالحكم المحكوم؛ لأن الحكم
الحقيقي صفة أزلية لله - تعالى - وهو غير قابل للنسخ فصار ظاهره البقاء لأن الظاهر في علمنا
بقاء كل موجود واستمراره بيانا محضا في حق صاحب الشرع؛ لأنه يعلم أن ذلك يبقى إلى
تلك المدة لكن أطلق الأمر ولم / يبينه(٣).
٥١/ز
قوله: (وهو جائز عندنا)، وقال بعض من لا يعتد بقوله من المسلمين: إنه لا يجوز النسخ
لكن لا يتصور هذا القول ممن يعتقد الإسلام، فإن شريعة محمد - صلى اللَّه عليه وسلم -
ناسخة لما قبلها من الشرائع، فكيف يتحقق هذا القول منه مع اعتقاده لهذه الشريعة والحجة
عليهم النص القاطع وهو قوله - تعالى -: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ
(١) قيل في الفرق بين التبديل والنسخ أن الأول رفع الحكم ببدل والثاني تارة يكون بلا بدل كتحريم
نكاح الأخت وحرمة الخمر، وتارة يكون بيدل كانتساخ التوجه لبيت المقدس وعلى هذا لا يصح
تفسير التبديل بالنسخ؛ لأن الأخص لا يفسر بالأعم، وما قاله ابن ملك من التساوي هو الحق، ولا
نسلم أن تحريم الأخت وحرمة الخمر بلا بدل؛ لأنها كانت أولا حلالا ثم بدل الحرمة فهي بدل عن
الحل وكذا نكاح الأخت كان أولاً حلالا ثم نُسخ بالحرمة فهي بدل عن الحل؛ إذ بدل عن الحل إذ
بدل الشيء غيره يؤيده قوله - تعالى -: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ الآية. شرح ابن ملك وبهامشه حاشية
الرهاوي ص٧٠٧، ٧٠٨.
(٢) في (١) لمعنيين وفي (ب) على معنيين.
(٣) هذا التعريف هو ما اختاره فخر الإسلام وقيل في تعريفه: هو رفع حكم شرعي بنص متأخر وعليه
اعتراضات، انظر: أصول السرخسي ٦٦/٢، وأصول البزدوي بهامش كشف الأسرار ١٥٦/٣،
وحاشية الرهاوي ص٧٠٨، ٧٠٩.
- ٣٥٣ -

خلافا لليهود لعنهم اللَّه.
مِثْلِهَا﴾(١) وقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٌ﴾(٢) وانتساخ التوجّه إلى
بيت المقدس(٣) بفرضية التوجّه إلى الكعبة لا ينكره عاقل.
قوله: (خلافا لليهود لعنهم الله) وهم في ذلك فريقان: فريق أحاله عقلا وفريق أحاله
سمعا(٤) وجه الفريق الأول قالوا إن الأمر إذا وجد مطلقا تناول الأزمان كلها فأمره - تعالى.
ونهيه يكون باقيا إلى قيام الساعة، ونسخ الأمر حال وجود الأمر لا يجوز؛ لأنه يكون بداء
والبداء على اللّه - تعالى - لا يجوز، ولأن الأمر يدل على حسن المأمور به والنهى على قبح
المنهي عنه النسخ يدل على ضده والشيء الواحد لا يجوز أن يكون حسنا وقبيحا فالقول
بجواز النسخ قول بجواز البداء أو الجهل؛ لأن العلم بالعاقبة إن كان حاصلا في الأصل يلزم
البداء، وإن لم يكن حاصلا يلزم الجهل - تعالى . اللَّه عن ذلك ووجه الفريق الثاني قالوا: ثبت
بطريق التواتر من موسى الكمية أنه قال: تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض وقالوا
(١) من الآية ١٠٦ من سورة البقرة.
(٢) من الآية ١٠١ من سورة النحل.
(٣) حيث كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول اللَّه ﴿. بمكة قبل الهجرة وبعدما هاجر رسول
اللَّه ﴿ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجهه الله - تعالى - نحو الكعبة البيت الحرام.
انظر: الناسخ والمنسوخ لقتادة ص ٣٢ وتفسير الطبري ٤٨٠/١، والقرطبي ١٥٩/٢، ونواسخ
القرآن ص ٥٠ والناسخ والمنسوخ للمقري ص ٣٥.
(٤) اختلف المسلمون وأهل الكتاب في جواز النسخ فأجازه عامة المسلمين سوى قوم لا اعتبار
بخلافهم وفرق النصارى كلها واليهود افترقت ثلاث فرق: فرقة منهم وهم العيسوية إلى جوازه
عقلا وسمعا وهم الذين يعترفون برسالة محمد رسول اللَّه ﴿ لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم
كافة، وذهبت فرقة أخرى إلى امتناعه عقلا وسمعا وهم الشمعونية نسبة إلى شمعون بن يعقوب
وذهبت فرقة إلى جوازه عقلا وامتناعه سمعا وهم العنانية وزاد عبد القاهر البغدادي فرقة أخرى
فقال: وزعمت فرقة أخرى من اليهود أنه يجوز نسخ الشيء بما هو أشد منه وأثقل على جهة
العقوبة للمكلفين إذا كانوا لذلك مستحقين، واضطربت النقول عن أبي مسلم الأصفهاني بين منعه
بين الشرائع وبين منعه في القرآن وذكر السبكي في رفع الحاجب قول الإنصاف: إن الخلاف بين
أبي مسلم والجماعة لفظي، انظر: كشف الأسرار للبخاري ٥٧/٣، وما بعدها، وميزان الأصول
ص٧٠٢، ٧٠٣ جمع الجوامع ٨٨/٢ وشرح الكوكب المنير ٥٣٣/٣، ٥٣٤، وانظر: تعليق
المحققين بالهامش.
- ٣٥٤ -

ذلك مكتوب في التوراة(١) وكذا قالوا: روى عن موسى التَّيْئا بطريق التواتر أنه قال: إن
شريعتي لا تنسخ(٢) (٣) وجه قولنا مع الفريق الأول أن تحريم الأخوات والجمع بين الأختين
وتحريم الجزء ثابت في شريعة موسى التّئ والإباحة ثابتة قبلها وليس تفسير النسخ إلا هذا
ولأن اليهود يقرون بأن يعقوب الكلّيْئا، حرم شيئا من المطعومات على نفسه وأن ذلك صار
حراما عليهم كما أخبرنا اللَّه - تعالى - بقوله: ﴿كُلُّ الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾(٤) /
الآية والنسخ ليس إلا تحريم المباح أو إباحة الحرام، ولأن العمل في السبت كان مباحا قبل زمن
موسى التَّئا فإنهم يوافقوننا على أن حرمة العمل في السبت/ من شريعة موسى الكلية ولأن
النسخ بيان مدة الحكم وذلك غيب عنا، لو بين لنا في وقت الأمر كان حسنا لا يشوبه من
معنى القبح فكذا إذا بينه بعد ذلك بالنسخ وذلك لأن النسخ إنما يكون في حياة النبي - صلى
اللَّه عليه وسلم - والأمر المطلق في حياته - صلى الله عليه وسلم - للإيجاب لا للبقاء، إذ الأمر
[ لا يتناول](٥) البقاء لغة فلا يكون البقاء [بدليل يوجبه](٦) بمنزلة الإحياء والإيجاد فإن حكمه
الحياة والوجود لا البقاء بل البقاء لعدم (٧) أسباب الفناء أو هو بإبقاء هو غير الإيجاد وله أجل
معلوم عند اللَّه - تعالى - فكان الإفناء والإماتة بيانا محضا فهذا مثله فلا يكون نسخا للأمر
حال قيامه؛ ولأن النسخ يجري عندنا فيما يحتمل أن يكون مشروعا ويحتمل ألا يكون
مشروعا والقول بجواز النسخ في مثل هذا لا يؤدى إلى البداء والجهل بيانه: أن الأفعال على
نوعين نوع يكون حسنا في ذاته كالإيمان بالله - تعالى - والعدل ويكون قبيحا في ذاته كالكفر
والظلم، ونوع يكون حسنا لغيره أو قبيحا لغيره والأول والثاني لا يجوز نسخه البتة، وإنما
١/٧٢
١/٥٣
(١) منهاج السنة النبوية ٢٩٣/٤، وبيان تلبيس الجهمية ٢٥٠/٢، وأعلام النبوة ص٩٣: ((تمسكوا
بالسبت أبدا سنة الدهر))، والمواقف ٤١٣/٣ إيثار الحق على الخلق ص ٧٢، ١٠٢.
(٢) في (١) ينسخ.
(٣) بيان تلبيس الجهمية ٢٥٠/٢، روح المعاني ٢٢/٦، ٩٩ وشرح النووي على صحيح مسلم ١٨/
٧٥.
(٤) من الآية ٩٣ من سورة آل عمران.
(٥) في (١) و(ب) لم يتناول.
(٦) في (١) و(ب) إلا بدليل يوجبه.
(٧) في (١) و(ب) بعدم.
- ٣٥٥ -

يجوز في الثالث والرابع؛ لأن ما كان حسنا لغيره جاز أن يصير قبيحا في بعض الأزمان وكذا
ما كان قبيحا لغيره جاز(١) أن يصير حسنا وما كان كذلك يجوز أن يكون في بعض الأوقات
دون البعض كالمخلوقات، لأن في مثل هذا يجوز أن يكون المصلحة في بعض الأزمنة دون
البعض وهذا كما عرف أن شرب الدواء البارد للمحموم الذي هو حاد المزاج مصلحة ثم جاز
أن يصير ذلك مفسدة لتغير مزاجه من الحرارة إلى البردة فجاز أن يقول الطبيب للمريض الذي
هو حاد المزاج أشرب كل يوم شربة باردة وعند تغير المزاج يمنعه عن ذلك وعلى هذا لا يدل
الأمر على دوام الحسن في الواجب بالأمر وكذا النهى لا يدل على دوام القبح في الحكم
الثابت به وحينئذ لا يلزم البداء والجهل وأما الكلام مع الفريق الثاني فقد ثبت(٢) رسالة رسل
بعد موسى العليا بالآيات المعجزة والدلائل القاطعة فلا يكاد يصح ما ادعوا ودعواهم أن
ذلك في التوراة غير مسموع(٣) منهم لأنه ثبت عندنا تحريف كتابهم فلم يبق حجة ثم ولئن
سلم ذلك فلا يمكن إجراء ما رووا عن موسى الكَلِيْئًا: (تمسكوا بالسبت(٤) ما دامت
السماوات والأرض)(٥) على ظاهرة، لأن التكليف بالسبب ينقطع بانقراض الدنيا
والسماوات ولكن هو(٦) كتابة عن الأبد في عرف أهل اللغة كأنه قال تمسكوا أبدا، ثم يزاد
عليه أي أبدا ما لم يبعث محمد لطّ حتى يكون عملا بالدلائل وأما قولهم رواية عن
موسى التَّيْئا: (لا نسخ(٧) لشريعتي)(٨) إن كان بطريق التواتر فهو كلام حذف بعضه
أي لا لشريعتي (٩) إلى مبعث محمد وَ ﴾؛ لأنه ثبت رسالة محمد ◌ُّثه بما ثبت به رسالة
(١) في (١) و(ب) يجوز.
(٢) في (١) ثبتت.
(٣) في (١) و(ب) غير مسموعة.
(٤) في (أ) و(ب) بالسبت.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) في (ب) هذا.
(٧) في (١) لا ينسخ شريعتي ((وفي (ب) لا نسخ بشريعتي)).
(٨) سبق تخريجه.
(٩) في (١): ((لا ينسخ شريعتي)) وفي (ب): ((لا نسخ لشريعتي)).
- ٣٥٦ -

ومحله حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه لم يلتحق به ما ينافي النسخ من توقيت
أو تأبيد ثبت نصا أو دلالة.
موسى التَّيْئا، وثبت به نسخ شريعته فوجب القول بالحذف عملا بالدليلين(١).
قوله: (ومحله حكم يحتمل الوجود والعدم)، اعلم أن ما يحتمل النسخ وما لا يحتمله لا
يخلو عن أربعة أحدها: ما لا يحتمل العدم أصلا كصفات الباري وأسمائه وهذا قسم لا
مدخل للنسخ فيه؛ لأن القديم بصفاته وأسمائه لا يحتمل الزوال والعدم فلا يحتمل شيء من
أسمائه وصفاته النسخ، والثاني: ما لا يحتمل الوجود أصلا كشريك الباري وهذا أيضا/مم
استحال نسخه [إذ النسخ](٢) إنما يجرى في الموجود، والثالث: ما يحتمل الوجود والعدم
لكن اقترن به ما يمنع الزوال من تأييد أو تأقيت وهذا أيضا مما لا يجوز نسخه لأن بعد ثبوتهما
لا يكون النسخ إلا/ على وجه البداء والغلط - تعالى - اللَّه عن ذلك والرابع: ما يحتمل الوجود
والعدم ولم يقترن به ما يمنع الزوال وهو الذي أراده وأنه محل النسخ.
٧٣/ب
٥٢/ز
قوله: (من توقيت أو تأبيد ثبت نصا أو دلالة) نظير التوقيت ما إذا قال الرجل لآخر أذنت
لك في أن تفعل كذا إلى مئة سنة فإن النهى عنه قبل مضى تلك المدة يكون بداء ونظير التأبيد
صريحا قوله - تعالى -: ﴿خَلِينَ فِهَاَ أَبَدًا﴾(٣) ونظير التأبيد دلالة الشرائع التي قبض عليها
رسول اللَّه صَلّ فإنها مؤبدة [لا تحتمل](٤) النسخ؛ لأن النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل
عليه الوحي، وقد ثبت بدليل مقطوع به أن محمدا ﴿ خاتم النبيين [وأنه لا نسخ
لشريعته](6) فلا يبقي احتمال النسخ بعد هذه الدلالة فيما كان شريعة له حين قبض.
(١) انظر: أصول السرخسي ٥٤/٢ - ٥٨.
(٢) في (١) لأن النسخ.
(٣) من الآية ٥٧ من سورة النساء ٢٢، ١٦٩ من نفس السورة ومن الآية ١١٩، من سورة المائدة
و٢٢ من سورة التوبة و١٠٠ من نفس السورة، ومن الآية ٦٥ من سورة الأحزاب، ومن الآية ٩
من سورة التغابن ومن الآية ١١ من سورة التغابن، ومن الآية ٢٣ من سورة الجن، ومن الآية ٨ من
سورة البينة.
(٤) في (١) و(ب) لا يحتمل.
(٥) في (١) وأنه لا ينسخ شريعته.
- ٣٥٧ -

وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل خلافا للمعتزلة لما أن
حكمه بيان المدة لعمل القلب عندنا أصلا ولعمل البدن تبعا وعندهم هو بيان مدة العمل
١/٥٤
قوله: (وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل)، وعلى قول المعتزلة
التمكن من الفعل شرط بناء على أن الإرادة لازمه للأمر عندهم فكل ما أمر الله - تعالى - فقد
أراد وجوده فيكون الفعل هو الأصل عندهم وعندنا الأمر بما لا يريد الله - تعالى - وجوده جائز
الفائدة الوجوب فالحاصل أن حكم النسخ بيان المدة لعمل القلب أصلا ولعمل البدن تبعا فإن
اللَّه - تعالى - ابتلانا بما هو متشابه ولا يلزمنا فيه إلا اعتقاد الحقية فيه وعندهم هو بيان مدة
العمل بالبدن قالوا: لأن العمل بالبدن هو المقصود بكل أمر وبكل نهى وإذا وقع النسخ/ قبل
الفعل صار بمعنى البداء والغلط وحجتنا في ذلك: الحديث المشهور وهو أنه مرَّ الثّ: (أمر
بخمسين صلاة ليلة المعراج ثم نسخ ما زاد على الخمس)(١) فكان ذلك بعد العقد في حق
الكل؛ لأن النبي ◌َّ أصل هذه الأمة فكان عقده كعقد الكل ولم يكن ثمة التمكن من
الفعل، فإن قيل: إنهم ينكرون المعراج فكيف يكون ذلك دليلا عليهم. قلنا: إنهم ينكرون
الصعود إلى السماء فأما لا ينكرون الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وكان
الإسراء هو المعراج(٢).
(١) الحديث أخرجه البخاري ومسلم ولفظ مسلم عن أنس بن مالك في قصة طويلة وفيها: ((فأوحى
اللَّه إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى الكلية فقال: ما
فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا
يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب،
خَفِّف على أمتي، فَحَطّ عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك
لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فأساله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي - تبارك وتعالى .
وبین موسی اللیئا حتى قال: یا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك
خمسون صلاة، ((مسلم كتاب الإيمان باب بدء الوحي ١٤٥/١، وصحيح البخاري كتاب بدء
الخلق باب ذكر الملائكة ١١٧٣/٣، وذلك عن مالك بن صعصعة.
(٢) هذه هي مسألة النسخ قبل دخول وقت الفعل وهو جائز عند الشافعية والأشعرية والحنابلة وذكره
الآمدي قول أكثر الفقهاء، ومنعه أكثر الحنفية والمعتزلة والصيرفي وابن برهان وبعض أصحاب
أحمد بن حنبل قال في المحصول: وعلى هذا كثير من الفقهاء ولكل دليله ومعنى التمكن من الفعل
أن يمضي بعدما وصل الأمر إلى المكلف زمان يسع الفعل المأمور به وصورة المسألة على وجهين:
- ٣٥٨ -

بالبدن. والقیاس لا يصلح ناسخا.
قوله: (والقياس لا يصلح ناسخا) وكان ابن شريح(١) من أصحاب الشافعي يجوز ذلك
والأنماطي(٢) من أصحابه كان يقول: لا يجوز ذلك بقياس الشبه ويجوز بقياس هو مستخرج
من الأصول فكل قياس مستخرج من الكتاب يجوز نسخ الكتاب به وكل قياس هو
مستخرج من السنة يجوز نسخ السنة به؛ لأن هذا في الحقيقة نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ
السنة بالسنة. قلنا: هذا باطل باتفاق الصحابة فقد كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب
والسنة حتى قال على نظُه: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من
ظاهر)(٣)، ولكني رأيت رسول اللَّه ◌ُلّ يمسح على ظاهر الخف دون باطنه ولأن القياس
أحدهما: أن يراد الناسخ بعد التمكن من الاعتقاد وقبل دخول وقت الواجب كما إذا قيل: صوموا
غدا ثم قيل قبل الفجر: لا تصوموا، والثاني: أن يراد الناسخ بعد دخول وقت الواجب قبل انقضاء
زمن يسع الواجب كما إذا قيل: صوموا غدا ثم شرع في الصوم ثم قيل له قبل انقضاء اليوم الذي
شرع في صومه: لا تصم. انظر: كشف الأسرار للبخاري ١٦٩/٣، والتلويح على التوضيح ٢/
٦٦، وميزان الأصول ٧١٢، ٧١٣، وشرح ابن ملك وبهامشه حاشية الرهاوي ٧١٣، ٧١٤،
والمحصول ٣١١/٣، وشرح اللمع ٤٨٥/١ والمعتمد ٣٧٥/١، والمستصفى ١١٢/١، والمحلى على
جمع الجوامع ٧٧/٢، والعضد على ابن الحاجب ١٩٠/٢، وشرح الكوكب المنير ٥٣١/٣،
والإحكام للآمدي ١٢٦/٣.
(١) في (١) ابن سريج بالسين المهملة وهو الصواب وهو الإمام شيخ الإسلام فقيه العراقيين أبو العباس
أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي صاحب المصنفات ولد سنة بضع وأربعين ومئتين، به
انتشر مذهب الشافعي ببغداد وتخرج به الأصحاب. انظر طبقات الفقهاء ١١٨/١، وسير أعلام
النبلاء ٢٠١/١٤.
(٢) عثمان بن سعيد بشار أبو القاسم الأنماطي البغدادي الأحول أحد أئمة الشافعية في عصره أخذ
الفقه عن المزني، والربيع، وأخذ عنه أبو العباس بن شريح. مات في شوال سنة ثمان وثمانين
ومئتين. طبقات الشافعية ٨٠/٢، ٨١، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١١٤، وسير أعلام النبلاء
٣٩٥/١٨.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه عن علي قال: ((لو كان الدين بالرأي كان باطن القدمين أولى أحق
بالمسح من ظاهرهما، ولكني رأيت النبي ﴿ مسح ظاهرهما)) مصنف ابن أبي شيبة ١٦٥/١،
والبيهقي في سننه بلفظ: ((لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من أعلاه، ولقد
رأيت رسول اللّه و﴿ يمسح هكذا بأصابعه))، سنن البيهقي ٢٩٢/١، وانظر: الدراية في تخريج
أحاديث الهداية ٨٠/١.
- ٣٥٩ -

و کذا الإجماع عند الجمهور.
وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقا ومختلفا خلافا للشافعي في المختلف.
كيفما كان لا يوجب العلم فكيف ينسخ به ما هو موجب للعلم قطعا، ولأن النسخ بيان مدة
بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت(١) ولا مجال للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن
وما(٢) ادعیاه من أن هذا الحکم یکون ثابتا بالكتاب فكلام ضعيف؛ فإن الوصف الذي به يرد
الفرع إلى الأصل المنصوص عليه في الكتاب والسنة غير مقطوع بأنه المعنى في الحكم الثابت
بالنص وأحد من القائسين لا يقول(٣) بان حكم الربا فيما عدا الأشياء الستة يكون ثابتا بالنص
الذي فيه ذكر الأشياء الستة (٤).
قوله: (و كذا الإجماع عند الجمهور) أي عند أعيان الناس وجوز بعض مشايخنا بطريق أن
الإجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن ثبت النسخ به والصحيح أنه لا يجوز ذلك؛
لأن النسخ لا يكون إلا في حياة النبي ◌ُ ◌ّ والإجماع ليس بحجة في حياته؛ لأنه لا إجماع
دون رأيه وإذا وجد منه البيان فالموجب للعلم قطعا هو البيان المسموع منه وإنما يكون الإجماع
موجبا للعلم بعده ولا نسخ بعده، فعرفنا أن النسخ بدليل الإجماع لا يجوز(٥).
قوله: (وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقا) وهو نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة
بالسنة ومختلفا وهو نسخ السنة بالكتاب ونسخ الكتاب بالسنة وذلك أربعة أقسام: وهذا
كله جائز عندنا وقال الشافعي لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب احتج
بقوله - تعالى .: ﴿وَأَشَِّعْ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾(٦) فاللَّه - تعالى - أمر الرسول أن
(١) هذه هي آخر كلمة في الصفحة اليمنى من اللوحة رقم ٥٣ من النسخة ((ز)) وبقيتها في اللوحة رقم
٥٤ بالجهة اليسرى.
(٢) في (١) فأما وفي (ب) وأما ما.
(٣) في (١) نقول.
(٤) انظر: كشف الأسرار للبخاري ١٧٤/٣، وشرح اللمع ٥١٢/١، والمستصفى ١٢٦/١، والعضد
على ابن الحاجب ١٩٩/٢، وشرح الكوكب المنير ٥٦٩/٣.
(٥) لاحظ عبارة السرخسي في أصوله ٦٦/٢، ٦٧، وانظر: كشف الأسرار للبخاري ١٧٥/٣،
وشرح الكوكب المنير ٥٧٠/٣، والعضد على ابن الحاجب ١٩٩/٢، والآمدي ١٦٧/٣.
(٦) من الآية ١٠٩ من سورة يونس.
- ٣٦٠ -