Indexed OCR Text
Pages 161-180
بقوله الكلية: ((استنزهوا عن البول)). وإذا أوصى بالخاتم الإنسان ثم بالفص منه لآخر أن
والشافعي جعله موجبا على ما يذكر، لكن لا على وجه اليقين، لقيام احتمال إرادة
الخصوص. قلنا: إن العموم فيما يرجع إلى المقصود كالخصوص ولا نقصان في عبارته فيكون
في الإفادة كالخاص وإرادة الباطن لا يصلح دليلًا، لأنا لم نكلف درك الغيب ولا تبقى له عبرة
أصلًا ولهذا جوزنا نسخ حديث العرنيين(١) في بول ما يؤكل لحمه بقوله ◌ُطلّ استنزهوا من
البول فإن عامة عذاب القبر منه(٢) وهو عام(٣).
قوله: (وإذا أوصى بالخاتم لإنسان وبالفص منه لآخر) بكلام مفصول ذكر محمد أن
الحلقه(٤) للأول والفص بينهما نصفان، وقد اجتمع في الفص وصیتان إحديهما پإيجاب عام
(١) عرنة وادٍ بحذاء عرفات تصغيرها عرينة وهي قبيلة تنسب إليها العرنيون سقطت ياء التصغير عند
النسبة كما يقال في حنيفة حنفي. وهو ما روى أن أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - حدثهم أن ناسًا
من عُكل وُرينة قدموا المدينة على النبي 3# وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع
ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول اللَّه { $ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه
فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي
النبي ◌ّ واستاقوا الذود فبلغ النبي ﴿ فبعث الطلب في أثرهم فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا
أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، قال قتادة: بلغنا أن النبي وَ ◌ّ بعد ذلك كان
يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. البخاري كتاب المغازي باب قصة عكل وعرينة ١٥٣٥/٤،
ومسلم كتاب القسامة باب حكم المحاربين والمرتدين ١٢٩٦/٣، وابن حبان ٣٢١/١٠، وأبو داود
١٣٠/٤. والنسائي ١٣٠/١، والترمذي ٢٨١/٤، وابن ماجه ٨٦١/٢، والبيهقي ٤/١٠، وأحمد
١٠٧/٣. بألفاظ مختلفة.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبى هريرة ولفظه " أكثر عذاب القبر من البول وقال: حديث
صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له عله ولم يخرجاه وله شاهد من حديث أبى يحي
القتات. المستدرك ٢٩٣/١، الدارقطنى باللفظ الذي ذكره المصنف وقال المحفوظ أنه مرسل - سنن
الدرقطني ١٢٨/١ من طريق أنس وأبي هريرة، وأخرجه الطبراني في معجمه عن ابن عباس بلفظ: (إن
عامة عذاب القبر من البول فتترهوا منه). انظر نصب الراية ١٢٨/١، وتلخيص الحبير ١٠٦/١.
(٣) أي البول عام لمأكول اللحم وغيره، فقد نسخ الخاص بهذا العام، فبول ما يؤكل لحمه وغيره كله
نجس حرام لا يحل شربه، واستعماله للتداوي وغيره عند أبى حنيفة رحمه اللّه ويحل عند أبى
يوسف - رحمه الله - في التداوي للضرورة على ما عرف. نور الأنوار ١٦٢/١.
(٤) الفص بفتح الفاء وكسرها، والحلقة بفتح الفاء وسكون العين حلقة الدرع، وحلقة الباب، وحلقة القوم
معروفة، والحلقة بفتح اللام جمع حالق كذا في ضياء الحلوم، وذكر النووي في شرح مسلم أن حلقة الخاتم
- ١٦١ -
الحلقة للأول والفص بينهما نصفان ولا يجوز تخصيص قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا
لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾،
والأخرى بإيجاب خاص، ومع ذلك سوى بينهما ولم يجعل الخاص أولى(١).
قوله: (ولا يجوز) الذي بناء على أن العام يوجب الحكم قطعًا لا يجوز تخصيص قوله:
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(٢) بالقياس على الناسي أو بخبر الواحد وهو
قوله وّ حين سئل عن متروك التسمية عامدًا: ((كلوه فإن تسمية الله في قلب(٣) كل مؤمن
أم مسلم»(٤)،
بسكون اللام على المشهور وفيها لغة شاذة حكاها الجوهري بفتحها. فتح الغفار ٩٦/١.
(١) مسألة الوصية بالخاتم تأييد لمقدمة مفهومة مما قبل وهى أن العام مساو الخاص بمسألة فقهية وهى
أنه إذا أوصى أحد بخاتمه الإنسان، ثم أوصى بكلام مفصول بعده بفص ذلك الخاتم بعينه لإنسان
آخر، فتكون الحلقة للموصى له الأول خاصة، والفص مشتركًا بين الأول والثاني على السواء،
وذلك لأن الخاتم عام أي كالعام، لأن العام المصطلح هو ما يشمل أفرادًا، والخاتم لا يصدق إلا على
فرد واحد، ولكنه كالعام يشمل الحلقة والفص كليهما، والفص خاص بمدلوله، بمدلوله فقط فإذا
ذكر الخاص بعد العام بكلام مفصول وقع التعارض بينهما في حق الفص فيكون الفصل للموصى
لھما جميعًا تسوية للعام مع الخاص، بخلاف ما إذا أوصی بالفص بکلام موصول فإنه یکون بیانًا،
لأن المراد بالخاتم فيما سبق الحلقة فقط، فتكون الحلقة للأول والفص للثاني، وعند أبى يوسف
رحمه اللَّه يكون الفص للثاني ألبتة سواء أتى بكلام موصول أو مفصول؛ لأن الوصية إنما تلزم بعد
مماته لا في حياته، فكان الموصول والمفصول سواء كما في الوصية بالرقبة لإنسان وبخدمتها لآخر
قلنا: الوصية بالرقبة لا تتناول الخدمة لأنهما جنسان مختلفان، بخلاف الخاتم، فإنه يتناول الفص لا
محالة فيكون كالقياس مع الفارق. نور الأنوار ١٦٢/١، ١٦٣، وانظر شرح ابن ملك مع حاشية
الرهاوي ٢٩١-٢٩٣.
(٢) من الآية ١٢١ من سورة الأنعام.
(٣) في (ا، ب) كل امرئ مسلم .
(٤) لم أعثر عليه بهذا اللفظ وإنما أخرج الدارقطني عن أبى هريرة قال: سأل رجل رسول اللَّهلم﴿. فقال:
يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى اللَّه فقال النبي صلَ﴿: ((اسم اللَّه على كل
مسلم)، وعن ابن عباس قال: ((إذا ذبح المسلم فلم يذكر اسم اللَّه فليأكل فإن المسلم فيه اسمًا من
أسماء الله)). سنن الدرقطنى ٢٩٥/٤، قال الزيلعي في نصب الراية في تعليقه على حديث: ((المسلم
يذبح على اسم الله - تعالى - سمى أو لم يسم)). قلت: غريب بهذا اللفظ وفي معناه أحاديث منها
ما ذكرنا وذكر حديثًا مرسلًا ذكره أبو داود عن الصلت عن النبي ﴿ قال: ((ذبيحة المسلم حلال
- ١٦٢ -
﴿وَمَنْ دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنًا﴾ بالقياس وخبر الواحد لأنهما ليسا بمخصوصين فإن لحقه
فكذا(١) لا يجوز تخصيص قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾(٢) بالقياس على ما لو
جنى(٣) بالحرم أو بخبر الواحد وهو ما روى أن أخطل(٤) تعلق بأستار الكعبة فقال ◌ُ لّ:
(اقتلوه)(٥).
قوله: (لأنهما ليسا بمخصوصين) إذ الناسي جعل ذاكرًا حكمًا؛ لقيام الملة مقام الذكر
للضرورة، وكذا قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ غير مخصوص بالذي جنى في الحرم ابتداء؛
لأن النص لم يتناوله.
ذكر اسم الله أو لم يذكر)). انظر نصب الراية ١٨٢/٤، وسنن البيهقي ٢٤٠/٩، وذكره الرافعي
في تلخيص الحبير بزيادة: ((لأنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله»، تلخيص التحبير ١٣٧/٤.
(١) هذا تفريع آخر على كون العام قطعيًّا معطوف على قوله يجوز، صورة المسألة: (من ترك التسمية
عامدا حال الذبح لا يحل أكله عندنا ويحل عند الشافعي)، هو يقول هذا مخصوص من قوله
تعالى: ﴿مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾ بخبر الواحد وهو ما روى أنه ﴿ّ قال: ((المسلم يذبح على
اسم الله - تعالى - سمي أو لم يسم)، وبالقياس على الناسي فإن من نسى اسم اللَّه - تعالى - حالة
الذبح يحل أكله إجماعًا فيحل في العامد كذلك. قلنا: لا يحل أكله لأنه منهي عنه والنهي يقتضي
التحريم وكلمة (ما) عامة قطعية في مفهومها فلا يجوز تخصيصها بخبر الواحد والقياس الظنيين.
ابن ملك ٢٩٣، ٢٩٤، وكشف الأسرار للبخاري ٢٩٥/١.
(٢) من الآية ٩٧ من سورة آل عمران.
(٣) في (أ، ب) في الحرم.
(٤) في (١، ب) ابن الحنظله.
(٥) أخرجه البخاري عن أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - أن رسول اللَّه﴿ دخل عام الفتح
وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: ((اقتلوه)،
صحيح البخاري كتاب الحج أبواب الإحصار وجزاء الصيد باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام ٢/
٦٥٥.
ومسلم كتاب الحج باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٩٨٩/٢.
وابن خزيمة عن أنس ٣٥٥/٤، وابن حبان عن أنس ٤٣/٩، والدرامي عن أنس ١٠١/٢، وأبو
داود عن أنس ٦٠/٣، وانظر نصب الراية ١٥/٣، كذا ابن خطل في هذه الكتب على أنه عبد الله
بن خطل رجل من بني تيم بن غالب، وإنما أمر بقتله؛ لأنه كان مسلما فبعثه رسول اللَّه مصدقا
وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلمًا فنزل منزلاً، وأمر المولى أن
يذبح له تيسًا، ويصنع له طعامًا ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًا
- ١٦٣ -
خصوص بدليل مستقل لفظي مقارن بمعلوم أو مجهول لا يبقى قطعيًّا لكنه لا يسقط
الاحتجاج به عملا بشبه الاستثناء والنسخ
قوله: (عملا يشبه الاستثناء والنسخ) (١) الذي المخصص يشبه الناسخ بصيغته لكونه
مستقلا والاستثناء لحكمة؛ لأنه يلحق مقارنا مبنيًّا فيعمل بالشبهين ففي المجهول اعتبار الصيغة
يسقط المخصص، واعتبار الحكم يوجب الجهالة في العام فاشتبه الأمر وفى المعلوم بالنظر إلى
الصيغة يقبل التعليل، لكن مقدار ما يتعدى إليه حكم الخصوص مجهول وبالنسبة إلى الحكم
لا يقبل؛ لأن الاستثناء عدم وهو لا يعلل فاشتبه أيضًا، والعام عرف موجبا فلا يبطل العمل به
للاحتمال ويسقط به العلم (٢)، فإن قيل: دليل الخصوص لما شابه الاستثناء والناسخ وهما لا
وكانت له فينتان تغنيان بهجاء الرسول {37 فأمر بقتلهما معه. تاريخ الطبري ١٦٠/٢ وانظر حلية
الأولياء ٥٠/٩، وفتوح البلدان ٥٣/١، ذيل مولد العلماء ٤٠/١، والخطل المنطق الفاسد المضطرب
وقد خطل في كلامه من باب طرب وأخطل أفحش. مختار الصحاح (خطل) ص٧٦.
(١) لما فرغ من بحث العام قبل تخصيصه شرع في بحثه بعد لحوق التخصيص به، وهو قصر العام
على بعض ما يتناوله عند الشافعية وأما عند الحنفية فهو القصر عليه. ويلاحظ أن الشارح هنا لم
يعلق إلا على عبارة لمصنف التي قصد بها الترجيح وهى قوله عملاً بشبه الاستثناء والنسخ، مما يعنى
أن الشارح كان يعلق على جزئيات محددة من المتن يراها جديرة بالتعليق عليها، فلا يستطيع قارئ
الكتاب أن يستوعب الموضوع كاملاً إلا بقراءة شرح على المتن، أو المتن على الأقل.
(٢) قال ابن العيني: فإن لحقه خصوص وهو قصر العام عن بعض أفراده بدليل لفظي مستقل مقارن
معلوم كالمستأمن خُص من ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
أُسْتَجَارَكَ﴾ أو مجهول كالربا خص من: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، بقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرَّواْ﴾،
فالصحيح أنه لا يبقى قطعيًا فيخص بالقياس وخبر الآحاد ولكنه لا يسقط الاحتجاج به كآية
السرقة يحتج بها مع خصوص ما دون النصاب وغير المحرز بالإجماع عملًا يشبه الاستثناء والنسخ
فدليل الخصوص يشبه الاستثناء من جهة الحكم فإن الخصوص والمستثنى لم يدخل تحت الحكم
والناسخ من جهة الصيغة فإن كلًّا منها مستقل بنفسه، فإن كان الخصوص مجهولاً فالجهالة باعتبار
الحكم توجيهًا في الباقي كالاستثناء المجهول فلا يبقي حجة وباعتبار الصيغة حكم المخصوص ثابت
بصيغته فلا تتعدى جهالته فيبقى الأول على ما كان فلم تبطل بالشك وشبهة الجهالة أزالت اليقين،
وإن كان معلوما فباعتبار الصيغة يقبل التعليل فإن الأصل في النصوص التعليل وبالتعليل، لا يدري
ما يتعدى إليه حكم المخصوص مما تناوله العام فصار قدر ما تناوله العام مجهولًا وباعتبار الاستثناء لا
يقبل التعليل، فإن الاستثناء لا يقبله، لأنه كلام غير مستقل بنفسه فوقع الشك وقد كان موجبًا فلا
يبطل به ولا يبقى قطعيًا معه شرح ابن العيني ٧٧، ٧٨، وانظر حاشية الأزميري على المرآة ٣٦٠/١
- ١٦٤ -
فصار كما إذا باع عبدين بألف على أنه بالخيار في أحدهما بعينه وسمى ثمنه وقيل إنه
يسقط الاحتجاج به
يقبلان التعليل فكيف هو يقبله. قلنا: إنما امتنع التعليل فيهما لأن الاستثناء غير مستقل،
والناسخ وإن استقل / لكن التعليل فيه يفضى إلى المعارضة بين النص والعلة وهذان انعدما في
دليل الخصوص(١).
١/١٤
قوله: (فصار)(٢) الذي فصار دليل الخصوص نظير ما إذا باع من رجل عبدين بألف
وشرط الخيار في أحدهما بعينه لنفسه أو للمشترى وسمى ثمنه، فإنه جاز البيع في الآخر؛ لأن
الخيار لا يمنع الدخول في الإيجاب ويمنع الدخول في الحكم، فصار في السبب نظير دليل
النسخ وفى الحكم نظير الاستثناء بخلاف ما إذا لم يسم ثمن كل واحد، أو سمى لكن لم
يعين المشروط فيه الخيار، فإنه لم يجز البيع لجهالة الثمن أو المبيع(٣).
قوله: (وقيل إنه يسقط للاحتجاج به) معلومًا كان الخصوص أو مجهولًا وهو مذهب
الكرخي (٤)؛ لأن كل واحد في الخصوص والاستثناء، لبيان أنه لم يدخل تحت الأول، فجهالة
وما بعدها ونور الأنوار ١٦٨/١ وما بعدها.
(١) صورة الاعتراض والجواب عنه نصُّ ابن ملك بتصرف يسير في الجواب. انظر: ابن ملك ٣٠٢.
(٢) عبارة المصنف تشبه عبارة النسفي كشف الأسرار ١/ ١٧٢.
(٣) هذا تشبيه لدليل الخصوص المذكور بمسألة فقهية، أي صار دليل الخصوص على هذا المذهب
المختار نظير هذه المسألة الفقهية، وهى أن يعين الخيار في أحد العبدين المبيعين ويسمى ثمنه على
حده، وذلك لأن هذه المسألة على أربعة أوجه: أحدها أن يعين محل الخيار ويسمى ثمنه والثاني أن ◌ٍ
لا يعين ولا يسمى، والثالث: أن يعين ولا يسمى، والرابع أن يسمى ولا يعين، فالعبد الذي فيه
الخيار داخل في العقد غير داخل في الحكم فمن حيث إنه داخل في العقد يكون رد المبيع بخيار
الشرط تبديلا فیکون کالنسخ، ومن حيث إنه غير داخل في الحکم یکون رده بیان أنه لم يدخل
فيكون كالاستثناء فيكون كالمخصص الذي له شبه بالاستثناء وشبه بالنسخ فرعاية شبه النسخ
تقتضي صحة البيع في الصور الأربع، لأن كلًّا من العبدين بالنظر إلى الإيجاب مبيع يبيع واحد فلا
يكون بيعًا بالحصة ابتداء بل بقاء ورعاية شبه الاستثناء تقتضي فساد البيع في الصور الأربع لجعل ما
ليس بمبيع شرطًا لقبول المبيع، فلرعاية الشبهين قلنا: إن علم محل الخيار وثمنه وهو المذكور في المتن
صح البيع لشبه الناسخ. نور الأنوار ١٧٢/١، ١٧٣، وفتح الغفار ١٠٠/١، ١٠١.
(٤) يعنى أن العام المخصوص لا يكون موجبًا للحكم أصلًا بل يجب التوقف إلى البيان سواء كان
المخصوص معلومًا كقول الشارع: اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة، أو مجهولًا كما لو قال:
- ١٦٥ -
كالاستثناء المجهول لأن كل واحد منهما لبيان أنه لم يدخل فصار كالبيع المضاف إلى حر
وعبد بثمن واحد وقيل إنه يبقى كما كان اعتبارًا بالناسخ لأن كل واحد منهما مستقل
بنفسه بخلاف الاستثناء فصار كما إذا باع عبدين وهلك أحدهما قبل التسليم.
١٨/ب
الخصوص يوجب الجهالة / فيما بقى لجهالة(١) الاستثناء وإذا كان معلوما يكون معلومًا ظاهرًا
لكون الخصوص نصًّا قائمًا بنفسه وحينئذ لا يدرى أن حكم الخصوص إلى الذي مقدار
يتعدى، فبقى ما وراءه مجهولا أيضًا، نظيره بيع حر وعبد بثمن واحد، فإنه لا يجوز، لأن
أحدهما لم يدخل تحت العقد فبقى الآخر وحده بحصته ابتداء(٢).
قوله: (اعتبارا بالناسخ) وهذا لأن كل واحد من الخصوص والناسخ مستقل بنفسه، فإذا
كان معلوما بقى العام فيما وراءه موجبا قطعًا، وكذا إذا كان مجهولًا؛ لأن المجهول لا يعارض
المعلوم بخلاف الاستثناء فإنه بمنزلة الوصف للأول، فجهالته توجب الجهالة في المستثنى منه،
فصار كما إذا باع عبدين وهلك أحدهما قبل التسليم يبقى العقد صحيحًا في الآخر، لأنهما
دخلا تحت العقد، ثم خرج أحدهما لتعذر التسليم(٣).
اقتلوا المشركين ولا تقتلوا بعضهم هذا هو القول الثاني وهو مذهب الكرخي وعيسى بن أبان
والجرجاني. ابن ملك ٣٠٦، وفتح الغفار ١٠١/١. كشف الأسرار للبخاري ٣٠٧/١ وما بعدها
(١) في (أ، ب): كجهالة.
(٢) هذه المسألة تناسب الاستثناء في أنه يمنع دخول المستثنى في حكم الصدر وهنا لم يدخل الحر تحت
الإيجاب مع أن صدر الكلام تناوله فصار كأنه مستثنى، وحكمها بطلان البيع كبطلان العام إما
لأن أحدهما لم يدخل في البيع فصار البيع بالحصة ابتداء أو لأن ما ليس بمبيع يصير شرطًا لقبول
المبيع فيفسد بالشرط الفاسد، ولو مثل المصنف بما إذا باع عبدين إلا هكذا بحصته من الألف لكان
أظهر لأن حقيقة الاستثناء موجودة فإذا لم يدخل أحدهما في البيع لا يصح البيع في الآخر،
للوجهين المذكورين، وقد جمع بين المثالين في التنقيح. فتح الغفار ١٠٢/١، وشرح التلويح على
التوضيح ٨٦/١، ٨٧.
(٣) هذا هو المذهب الثالث فهولاء قد أفرطوا في حق العام بإبقائه قطعيًّا كما كان وشبهوه بالناسخ
فقط من حيث استقلال الصيغة ولم يلتفتوا إلى رعاية جانب الاستثناء قط، فإن كان دليل
الخصوص معلوما فظاهر أن الناسخ المعلوم لا يؤثر في تغيير ما بقى من الأفراد الغير المنسوخة، وإن
كان مجهولًا فالناسخ المجهول يسقط بنفسه ولا يؤثر جهالته في تغيير ما قبله، والمثال المذكور تشبيه
لدليل هذا المذهب بمسألة فقهية مذكورة فإنه إذا باع عبدين بثمن واحد بأن قال بعتهما بألف،
ومات أحد العبدين قبل التسليم يبقى البيع في الآخر بحصة من الألف لأنه يبيع بالحصة بقاء،
- ١٦٦ -
فصل في ألفاظ العموم(١)
والعموم إما أن يكون بالصيغة والمعنى أو بالمعنى لا غير؛ كرجال، وقوم، وما، ومَن،
يحتملان العموم والخصوص، وأصلهما العموم، ومن في ذوات من يعقل كما في ذوات
١٥/ز
قوله: (كرجال)(٢) هذا نظير العام بصيغة ومعناه؛ أما بيان عمومه صيغةً/، فلأن
الواضع وضع هذه الصیغة للجمع یقول: رجل رجلان رجال، وأما معنى، فلأنه شامل لكل ما
يتناوله عند الإطلاق ولهذا يجوز نعته بثلاث وأربعة (٣).
قوله: (وقوم) وهو نظير العام بمعناه دون صيغته؛ لأن صيغته كزيد من حيث الفردية، ومعناه
الجمع، والاعتبار في الألفاظ للمعاني لا للصور والمباني، ولهذا يقع على الثلاثة فصاعدًا (٤).
قوله: (وأصلهما للعموم)، أما (من) فقال(٥) - تعالى -: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُنَةٌ﴾(٦).
فكأنه نسخ البيع في العبد الميت بعد انعقاده وهو جائز، وههنا مذهب رابع مذكور في التوضيح
وغيره وهو أن دليل الخصوص إن كان مجهولًا يسقط الاحتجاج به على ما قاله الكرخي، وإن
كان معلومًا فكالاستثناء وهو لا يقبل التعليل، فبقى العام قطعيا على ما كان ذلك. نور الأنوار ١/
١٧٥، ١٧٦، وانظر حاشية الأزميري ٣٦٢/١ وما بعدها وكشف الأسرار للبخاري ٣٠٧/١،
والتلويح ٨٨/١، ٨٩.
(١) العنوان من الباحث.
(٢) اختلف الأصوليون في ألفاظ العموم فقال الجمهور: هي حقيقة فيه والمشهور أنها خمسة أنواع:
الأول أسماء الشرط والاستفهام والموصولات، والثاني: الجمع المنكر والمعرف والمضاف، والثالث:
الجنس المعرف المفرد كالسارق والمسافر، والرابع النكرة في سياق النفي، والخامس ألفاظ التأكيد
مثل كل وأخواته. وقال أرباب الخصوص هي حقيقة في الخصوص مجاز في غيره، وقال الأشعري
وهي مشتركة بين العموم والخصوص، وقال آخرون بالوقف وعدم الحكم عليها بحقيقة ولا مجاز،
واختلفوا في تفسير الوقف فقيل معناه لا ندري أهي موضوعة للخصوص أو للعموم أو مشتركة
بينهما، وقيل معناه أنا نعلم أنها للعموم، ولكن لا نعلم أنها حقيقة فيه أو مجاز فالجهل في تعيين
أحدهما لا في وجوده. حاشية الرهاوي ص ٣١٠.
(٣) في (ا، ب) وأربعة وغيرهما.
(٤) عبارة المصنف تشبه عبارة النسفي كشف الأسرار ١٧٨/١.
(٥) في (أ، ب) فقد قال.
(٦) من الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
- ١٦٧ -
ما لا يعقل فإذا قال من شاء من عبيدي العتق فهو حر فشاءوا عُتقوا جميعاً وإن قال لأمته
إن كان ما في بطنك غلاماً فأنت حره فولدت غلاماً وجاربة لم تعتق
وقال وُ لّ: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))(١)، وقال: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))(٢)
فإن قيل: إنما عمت لأنها اتصفت بالعموم، وهو الشهود والقتل والدخول. قلنا: هذا ضرب
اجتهاد وبعض السامعين لم يكن من أهله ومع ذلك فهموا منها العموم، فعلم أن الأصل فيهما
العموم(٣)، وأما كلمة ((ما)) فكذلك قال - تعالى -: ﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى ﴾﴾(٤) غير أن كلمة (من)) عامة فيمن يعقل، و((ما)) في ما لا يعقل،
تقول: في جواب من في الدار ؟ زيد، وفي ما في الدار ؟ فرس(٥).
(١) الحديث أخرجه الجماعة إلا النسائي عن أبي قتادة الأنصاري قال: خرجنا مع رسول الله و﴿ إلى
حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين
قال: فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل على فضمني ضمة
وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟
قال: أمر الله ثم إن الناس رحبوا، وجلس رسول الله وَ﴿ّ فقال: من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه
قال فقمت ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست ثم قال: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه، قال
فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست. ثم قال مثل ذلك الثانية فقمت فقال رسول الله { 37 مالك
يا أبا قتادة فاقتصصت عليه القصة فقال رجل من القوم صدق يا رسول الله وسلبُ ذلك القتيل
عندي فأرضه من حقه فقال أبو بكر الصديق لا والله إذاً لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن
الله وعن رسوله فيعطيك سلبه فقال رسول الله ﴿ صدق فأعطه إياه قال أبو قتادة فأعطانيه فبعت
الدرع فابتعت به مخرفاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام صحيح البخاري كتاب
الجهاد والسير أبواب الخمس باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلاً فله سلبه من غير أن
يخمس وحكم الإمام فيه. ١١٤٤/٣. وصحيح مسلم كتاب الجهاد والسير باب استحقاق القاتل
سلب القتيل، ١٣٧٠/٣، وانظر صحيح ابن حبان ١٣١/١١، والحاكم في المستدرك ١٤٢/٢،
وأبو داود ٧٠/٣، والترمذي ١٣١/٤، ونصب الراية ٤٢٨/٣، وتلخيص الحبير ١٠٥/٣. والسَّلَب
بفتح اللام المسلوب وكذا السليب، والاستلاب الاختلاس. مختار الصحاح مادة سلب ص ١٣٠.
(٢) هذا جزء من حديث طويل يحكي قصة فتح مكة، وقد أخرجه مسلم عن أبي هريرة كتاب الجهاد
والسير باب فتح مكة ١٤٠٥/٣ وأبو داود عن ابن عباس ١٦٢/٣، والدارقطني عن أبي هريرة
٦٠/٣، والبيهقي عن أبي هريرة ١١٧/٩، وانظر نصب الراية ٤٣٩/٣.
(٣) صورة الاعتراض والجواب عنه عبارة ابن ملك ص ٣١٤.
(٤) الآية رقم ٦ من سورة طه.
(٥) قال الحصكفي في إفاضة الأنوار وابن عابدين في حاشية نسمات الأسحار. و((من)) وضع لأن
- ١٦٨ -
وما يجيء بمعنى من ويدخل ما في صفات من يعقل أيضاً، وكل للإحاطة على سبيل
الإفراد وهي تصحب الأسماء فتعمها وإن دخلت على المنكر أوجبت عموم أفراده، وإن
(١) أي ومن
قوله: (وما تجيء بمعنى من)، قال - تعالى -: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا
بناها(٢).
قوله: (ويدخل في صفات من يعقل)، تقول: ما زيد؟ جوابه عاقل أو عالم.
قوله: (وهي تصحب الأسماء) قال الله - تعالى -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْثِ﴾(٣)، ولا
يلزم ﴿وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾(٤) لأن التنوين بدل عن المضاف إليه، تقديره وكل واحد(٥).
يستعمل في ذوات من يعقل ذكراً أو أنثى ولو قال من يعلم لكان أولي لأنها أطلقت على الله .
تعالى - وهو متصف بالعلم لا بالعقل كقوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ ((في قول كذا
في التحبير، فيطلق عليه - سبحانه - أنه عالم ولا يطلق عليه أنه عاقل، ووضع من في ذوات من
يعقل كوضع ما في ذوات ما لا يعقل)). قال في التلويح هذا قول بعض أئمة اللغة، والأكثر ون على
أنه يعم العقلاء وغيرهم وفي التحرير وأما ((ما)) فلغير العاقل وللمختلط أهـ أي ممن يعقل وممن لا
يعقل كقوله سبحانه ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ وقد تستعمل لمن يعلم حاشية
نسمات الأسحار ٧٦، ٧٧ وانظر فتح الغفار ١٠٥/١.
(١) الآية ٥ من سورة الشمس.
(٢) قاله القرطبي في تفسيره ٨١/٢٠، وقال ابن كثير يحتمل أن تكون ما هنا مصدرية بمعنى والسماء
وبنائها، وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون بمعنى من يعني والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد
وكلاهما متلازم. تفسير ابن كثير ٥١٦/٤، وذهب الطبري في تفسيره إلى أن ما بمعنى من فيكون
ذلك قسماً من الله جل ثناؤه بخالق الذكر والأنثى وهو ذلك الخلق وأن تجعل ما مع ما بعدها بمعنى
المصدر ويكون قسما بخلقه الذكر والأنثى تفسير الطبري ٢١٧/٣٠، وقال أبو السعود: وإيثار ما
على من لإرادة الوصفية تفخيما كأنه قيل والقادر العظيم الشأن الذي بناها. تفسير أبي السعود ٩/
١٦٣.
(٣) من الآية ١٨٥ آل عمران، والآية ٣٥ سورة الأنبياء والآية من سورة ٥٧ العنكبوت.
(٤) من الآية ٨٧ من سورة النمل.
(٥) من أقسام العام بمعناه دون صيغته كلمة ((كل)) وكأنها مأخوذة من الإكليل الذي هو محيط
بجوانب الرأس فلذلك يوجب الإحاطة ولكن على سبيل الإفراد كأنه ليس معه غيره فإذا قال
الرجلين لكما على ألف درهم يجب عليه الألف لهما، ولو قال لكل واحد منكما علي ألف درهم
يلزم عليه لكل واحد منهما ألف، وهي من الأسماء اللازمة الإضافة، ولهذا لا يدخل إلا على
الأسماء؛ إذ الإضافة من خصائص الاسم، فإن أضيفت إلى معرفة توجب إحاطة الأجزاء وإن
- ١٦٩ -
دخلت على المعرف أوجبت عموم أجزائه حتى فرقوا بين قولهم كل رمان مأكول
بالصدق والكذب.
فإذا وصلت بما أوجبت عموم الأفعال، ويثبت عموم الأسماء فيه ضمناً كعموم
الأفعال في كل، وكلمة الجميع توجب عموم الاجتماع دون الانفراد. حتى إذا قال:
جميع من دخل هذا الحصن أولاً فله من النفل كذا فدخل عشرة معاً، أن لهم نفلاً واحدًا
قوله: (بالصدق والكذب)، أي بصدق الأول وكذب الثاني؛ إذ القشر غير مأكول وهذا
لأنها وضعت للإحاطة، فلا بد من اعتبارها فيها، وقد أمكن ذلك في النكرة بانضمام أفرادها
إليها، ولم يكن(١) الانضمام في المعرف فيعتبر في الأجزاء(٢).
قوله: (وكلمة الجميع يوجب عموم الاجتماع دون الانفراد)، وهي تفارق ((كل)) و ((من))؛
إذ كل للإحاطة على سبيل الإفراد(٣) و((من)) للعموم مطلقا من غير تعرض للاجتماع
والانفراد (٤).
قوله: (أن لهم نفلا واحدًا)؛ لأن كلمة الجميع للإحاطة على سبيل الاجتماع، وهم سبقوا
بالدخول على غيرهم ممن لم يدخل فوجب لهم النفل(٥) الواحد بينهم جميعًا(٦).
أضيفت إلى نكرة توجب إحاطة الأفراد فيصح قول الرجل كل التفاح حامض أي جميع أجزائه
كذلك، ولا يصح كل التفاح حامض لحلاوة بعض منه. كشف الأسرار للبخاري ٨/٢.
(١) في (ا، ب) ولم یکن.
(٢) ولهذا قال في الجامع: لو قال: أنت طالق كل تطليقة يقع الثلاث، ولو قال كل التطليقة يقع
واحدة. كشف الأسرار للنسفي ١٨٣/١، وابن ملك ٣١٨.
(٣) في (ا، ب) الانفراد.
(٤) يلاحظ عبارة الرهاوي في حاشيته على ابن ملك .. وهذه بخلاف كلمة كل فإنها توجب
الإحاطة على سبيل الانفراد كما بينا وكلمة من توجب العموم مطلقا من غير تعرض للإحاطة
والاجتماع والانفراد حاشية الرهاوي ص ٣١٩.
(٥) في المغرب النفل بفتحتين ما ينفله الغازي أي يعطاه زائدًا على سهمه وهو أن يقول الإمام أو الأمير
من قتل فتيلا فله سلبه. المغرب مادة غنم ص ٣٤٧، والنفل بالتشديد ويروى النفل بفتحتين فقد
قالوا هم الذين يقولون للإمام لا نقاتل حتى تنفل لنا أي تعطينا شيئا زائدا. المغرب مادة نفل ص ٤٧٣ .
(٦) لو قال جميع من دخل هذا الحصن أولاً فله من النفل كذا فدخل عشرة معاً أن لهم نفلاً واحداً
بينهم جميعاً، فإذا دخل عشرة معاً في صورة الجمع يكون الكل مشتركاً بين ذلك النفل الموعود
عملا بحقيقته، وإن دخلوا فرادى يستحق النفل الأول خاصة عملا بمجازه وهو أن يجعل بمعنى
- ١٧٠ -
بينهم جميعاً.
وفي كلمة كل يجب لكل رجل منهم النفل، وفي كلمة من يبطل النفل والنكرة في
موضع النفي تعم.
قوله: (وفي كلمة كل) بأن قال كل من دخل هذا الحصن أولًا فله كذا فدخل عشرة معًا،
فوجب(١) لكل واحد منهم النفل تامًا لما قلنا إنها للإحاطة على سبيل الانفراد(٢)، فاعتبر كل
واحد من الداخلين بانفراده، كأن ليس معه غيره، وهو أولٌ في حق من تخلف من الناس ولم
يدخل.
قوله: (وفي كلمة ((من))) بأن قال من دخل هذا الحصن أولًا فله كذا، فدخل عشرة معًا
يبطل النفل؛ لأن(٣) ((من)) للعموم مع احتمال الخصوص، وقد قرن به الأول وهو محكم في
الفرد السابق، فحمل المحتمل على المحكم، فلم يجب إلا لواحد متقدم ولم يوجد.
قوله: (والنكرة في موضع النفي تعم) (٤)، سواء اتصل النفي بها مثل(٥) لا رجل في الدار.
كل، واعترض عليه بأنه يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز حينئذ؟ والجواب: أنه لا يستعار بمعنى كل
بعينه، لأنه لو كان كذلك كان للكل نفل تام في صورة ما دخلوا معاً، بل هو مجاز عن السابق في
الدخول واحداً كان أو جماعة، فيكون للجماعة نفل واحد كما هو للأول الواحد عملا بعموم
المجاز، والأولى أن يقال: إن الغرض من هذا الكلام هو إظهار الشجاعة والجلادة فإذا استحقه
جماعة باعتبار ظاهر معناه الحقيقي فاستحقاق الواحد له بالطريق الأولى بدلالة النص؛ لأنه فيه
إظهار كمال الشجاعة. نور الأنوار ١٨٤/١. وانظر حاشية الأميري ٣٨٦/١ وما بعدها، وشرح
ابن ملك ص ٣١٩ وما بعدها.
(١) في (أ، ب) وجب.
(٢) في ( ب) الإفراد.
(٣) في (ا، ب) لأن كلمة ((من)).
(٤) لما فرغ من بيان العام وضعا شرع في بيانه بدليل خارجي، والعموم يكون تارة على سبيل الوجوب
وذلك إذا دخل النفي عليها وتضمن من الاستغراقية نحو لا رجل في الدار فإنه لنفي الجنس، وتارة
على سبيل الجواز، وذلك إذا لم يتضمن من الاستغراقية ويكون لنفي واحد من الجنس، وهذا القسم
تارة يعم كقوله - تعالى -: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ فيمن قرأ بالرفع فإنه عام وتارة لا يعم كما في
قولك: ما رأيت رجلا بل رجلين، والدليل عليه الإجماع على أن كلمة لا إله إلا الله كلمة التوحيد
..... ابن ملك ص ٣٢٢، ٣٢٣، ٣٢٤.
(٥) في (ا، ب) كلا رجل.
- ١٧١ -
وفي الإثبات تخص لكنها مطلقة، وعند الشافعي تعم حتى قال بعموم الرقبة المذكورة
في الظهار.
أو بفعل وقع عليها، نحو ما رأيت رجلاً لئلا يلزم الكذب في الخبر، بخلاف المعرف
نحو(١) ما رأيت رجلاً عراقيًا فإنه لا تعم في غير هذا الموصوف؛ لأنه لو كان رأى رجلاً غير
موصوف بهذا الوصف، لا يكون كاذبا في هذا الخبر.
١٥/أ
١٩/ب
قوله: (وفي الإثبات تخص)؛ لأن صيغتها فرد لم(٢) تقترن بها ما يوجب التعميم(٣).
قوله: (لكنها مطلقه) فيتناول /واحدا على احتمال وصف دون وصف وعند الشافعي تعم
حتى قال في قوله تعالى /﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾(٤) إنها [عامة تتناول](٥) المؤمنة والكافرة
والصحيحة والزمنة(٦)، وقد خص منها الزمنة بالإجماع، فجاز تخصيص الكافرة منها قياسًا
على كفارة القتل، إذ هي حق اللَّه وذا يمنع صرفه إلى عدو اللَّه كالزكاة، والجواب: أنها غير
مخصوصة؛ لأن الرقبة اسم للبينة مطلقًا، فوقعت على الكامل، والكامل ما يكون موجودا
مطلقا، والزمنة هالكة من وجه فلم يتناولها اسم الرقبة(٧).
(١) في (ا، ب) مثل.
(٢) في (ا، ب) ولم تقترن.
(٣) العبارة تشبه عبارة ابن ملك ص٣٢٤.
(٤) من الآية ٩٢ من سورة النساء، ومن الآية ٣ من سورة المجادلة.
(٥) في (ا، ب) عام يتناول.
(٦) قال في المحصول: النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا لا تقتضي العموم كقولك ((جاءني رجل)) وإذا
كان أمرا فالأكثرون على أنه للعموم كقوله ((اعتق رقبة)) والدليل عليه أنه يخرج عن عهدة الأمر
بفعل أيها كان، ولو لا أنها للعموم وإلا لما كان كذلك. المحصول ٣٤٤/٢.
(٧) قال ابن ملك: ولقائل أن يقول: نقل عن الشافعي - رحمه الله - في احتمال الأمر التكرار أنه
مشتمل على المصدر، وهو نكرة في موضع الإثبات وهي توجب الخصوص على احتمال العموم،
ونقلوا عنه ههنا أنها توجب العموم فإن صح النقلان تنافيا، وإلا كذب أحدهما تمسك بقوله .
تعالى -: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ فإن الشيء مثبت شامل لجميع الأشياء لشمول قدرة الله
- تعالى - جميعها جوابه: إن ((إنما)) في قوة النفي والإثبات معناه ليس قولنا لشيء إذا أردنا إيجاده إلا
قولنا كن، وما قاله بعض الشارحين: سمي الشافعي المطلق عاما على اصطلاح المنطقيين فظن
علماؤنا أنه أراد به اصطلاح الأصوليين وشنعوا عليه فلا يخفى ضعفه. ابن ملك ٣٢٤، ٣٢٥،
وانظر توفيق الرهاوي بين النقلين في حاشيته على ابن ملك.
- ١٧٢ -
وإذا وصفت بصفة عامة تعم كقوله: والله لا أكلم أحداً إلا رجلاً كوفيا واللَّه لا
أقربكما إلا يوماً أقربكما فيه.
ولهذا قال: إذا قال: أي عبيدي ضربك فهو حر فضربوه أنهم يعتقون عليه وكذا إذا
دخلت لام المعرفة فيما لا يحتمل التعريف بمعنى العهد أوجبت العموم.
قوله: (وإذا وصفت)، أي النكرة إذا وصفت في موضع الإثبات بصفة عامة تعم كقوله:
واللَّه لا أكلم أحدًا إلا رجلًا كوفيًّا، [أن الاستثناء يعم](١) جميع رجال الكوفة لاتصافه بالعام
وهو الكوفي، وكذا(٢) إلا يومًا [أقربكما صفة](٣) لليوم، وكونه مقروبًا فيه وصف عام،
فكل (٤) يوم قام بهذا الوصف يكون مستثنى، فإذا قربها في يوم لا يصير موليا بعده، لأنه
يحتمل أن يقرب في يوم آخر هو مستثنى(٥).
قوله: (ولهذا) أي ولأجل أن النكرة الموصوفة في الإثبات تعم قلنا: في قول الرجل لغيره:
أي عبيدي ضرّبَك فهو حر فضربوه إنهم يعتقون، لأن كلمة ((أي)) نكرة يراد بها جزء ما
يضاف إليه. قال - تعالى -: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا﴾(٦)، ولم يقل يأتوني فعلم أنها كلمة فرد،
وقد اتصفت هنا بصفة عامة وهو الضرب فعمت، كسائر النكرات في موضع الإثبات(٧).
قوله: (فيما لا يحتمل التعريف بمعنى العهد)، بأن لم يكن في جنس تلك النكرة معهود
نحو قولك: فلان يحب الدينار أي جنسه وهذا لأن لام المعرفة للعهد/ في الأصل، وهو أن
١٦/ز
(١) في (ا، ب) أن المستثنى عم.
(٢) في (ا، ب) و كذلك.
(٣) في (ا، ب) أقربكما فيه لأن أقربكما صفة.
(٤) في (ا، ب) فبكل،
(٥) قال ابن ملك: اعلم أن هذا الأصل - كون النكرة في موضع الإثبات تخص، وإذا وصفه بصفة
عامة تعم أكثري الوقوع بحسب اقتضاء المقام، وإلا فالنكرة قد تعم بدون الصفة كما في قولنا تمرة
خير من كثيرة وقد تختص بالصفة كما إذا قال والله لأتزوجن امرأة كوفية بتزوج امرأة واحدة
ومثله قولك لقيت رجلاً عالماً قيل هذا الحكم مختص بالاستثناء من النفي وبكلمة أي دون ما
عداها وجه عمومها بعموم وصفها أن النكرة إذا كانت موصوفة فالاستثناء يكون بصفة النوع، وإذا
كانت غير موصوفة فالاستثناء يكون باسمه فيتناول واحداً شرح ابن ملك ص ٣٢٩.
(٦) من الآية ٣٨ من سورة النمل.
(٧) انظر ابن ملك ص ٣٢٩ وما بعدها، ونور الأنوار ١٨٩/١. وفتح الغفار ١١٣/١، ١١٤.
- ١٧٣ -
حتى يسقط اعتبار الجمعية إذا دخلت على الجمع عملًا بالدليلين، فيحنث بتزوج
امرأة واحدة إذا حلف لا يتزوج النساء، والنكرة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين
الأولى، وإذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى
تذكر شيئًا ثم يعاوده(١) وإذا تعذر معنى العهد حمل على الجنس ليكون تعريفًا له(٢).
قوله: (عملًا بالدليلين)، أي بلام المعرفة والجمعية، إذ الأصل في المتعارضين طلب المخلص
ثم الجمع ثم الترجيح ثم التهاتر، وهنا (٣) وإن تعذر السبيل إلى المخلص فقد أمكن الجمع بين
الدليلين فوجب العمل بهما؛ بيانه: أنا إذا أبقيناها جمعًا لغا حرف العهد أصلاً، وإذا جعلناها
جنسًا كان حرف العهد معتبرًا، لأنه تعرف(٤) هذا الجنس المذكور، والجنس يتناول الأفراد
فيكون معنى الجمع فيه مراعى أيضًا، فجعلناه عبارة عن الجنس مجازًا.
قوله: (كانت الثانية عين للأول)، قال الله - تعالى -: ﴿رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾(٥)
أي هذا الذي ذكرناه، ولهذا قال علماؤنا فيمن [أقر ثم أقر به](٦) كذلك أن الثاني هو للأول.
قوله: (وإذا أعيدت نكرة كانت الثانية غیر الأولى)(٧)؛
(١) في (أ، ب) تعاوده.
(٢) يعني كما أن النكرة إذا وصفت بصفة عامة تعم، كذلك: إذا دخلت لام المعرفة في صورة لا
يستقيم التعريف العهدي أوجبت العموم، سواء كان العموم للجنس كما ذهب إليه فخر الإسلام
وتابعوه، أو للاستغراق كما ذهب إليه أهل العربية وجمهور الأصوليين، وفيه تنبيه على أن العهد هو
الأصل في اللازم فما دام يستقيم العهد لا يصار إلى معنى آخر سواء كان عهداً خارجياً أو ذهنيا
كما ذهب إليه البعض، وقيل عهداً خارجياً فقط فإنه الأصل في التعريف، والمعهود الذهني في
المعنى كالنكرة فإن لم يستقم العهد بأن لم يكن ثمة أفراد معهودة أو لم يجز ذكره فيما سبق حمل
على الجنس فيحتمل الأدنى والكل على حسب قابلية المقام أو على الاستغراق فيستوعب الكل
يقيناً كما في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
وقوله ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿الزَِّيَّةُ وَالزِّ﴾ وأمثاله. نور الأنوار ١٩١/١، وانظر ابن ملك ومعه
حاشية الرهاوي ٣٣١-٣٣٤.
(٣) في (١) وإذا.
(٤) في (ا، ب) يعرف بالمثناة التحتية
(٥) من الآيتين ١٥، ١٦ من سورة المزمل.
(٦) في (ا، ب) زيادة أقر بألف مقيدا ثم أقر به، وهو الصواب.
(٧) في (١) الأولى وهو الموافق لما في المتن .
- ١٧٤ -
والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، وإذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير
الأولى.
وما ينتهي إليه الخصوص نوعان: الواحد فيما هو فرد بصيغته أو ملحق به كالمرأة
والنساء، والثلاثة فيما كان جمعا صيغة ومعنى؛ لأن أدنى الجمع ثلاثة بإجماع أهل اللغة
لأن اسم النكرة يتناول أفرادًا (١) غير عين(٢) وفي صرف الثاني إلى ما يتناوله الأول نوع تعيين
فلا يكون نكرة مطلقًا(٣).
قوله: (وما ينتهي إليه الخصوص نوعان)، أي القدر الذي ينتهي إليه التخصيص(٤) ولم
يجز التجاوز عنه نوعان: أحدهما: الواحد وذلك فيما هو فرد بصيغته كالمرأة أو ملحقا به
كالنساء، فإنه باعتبار صيغته عام، وإنما ألحق بالفرد لعارض(٥) حرف التعريف، والآخر
الثلاثة، وذلك فيما كان عاما صيغةً ومعنّى كنساء، وإنما جاز التخصيص إليه لبقاء موضوع
اللفظ بعده؛ إذ الواحد في الجنس والثلاثة في الجمع حقيقة ولم يجز التجاوز عنه لئلا تبطل(٦)
ذلك (٧).
قوله: (لأن أدنى الجمع ثلاثة)، نص محمد في السير الكبير، وقوله حجة في اللغة، وهذا
التعليل يدل على أن اسم الجماعة كالرهط، والقوم ينتهي خصوصه إلى الثلاثة، وإن لم يكن
(١) في (ا، ب) فرداً
(٢) في (١) معين.
(٣) قال ابن ملك: اعلم أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرائن. وإلا فقد تعاد النكرة
نكرة مع عدم المغايرة كقوله - تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ وقد تعاد
النكرة معرفة مع المغايرة كقوله - تعالى -: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ إلى قوله ﴿أَن تَقُولُواْ إِنَّمَاً
أُنزِلَ اُلْكِنَبُ عَلَى طَآَيِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾، وقد تعاد المعرفة مع المغايرة كقوله - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ
اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ﴾ وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة
كقوله - تعالى -: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَيِّدٌ﴾ شرح ابن ملك ص ٣٣٦.
(٤) في (ا، ب) الخصوص.
(٥) في (ا، ب) بعارض.
(٦) في (ا، ب) ويبطل بالمثناة التحتية.
(٧) قال ملاجيون ثم بعد ذلك ذكر المصنف - رحمه الله - أقصى ما ينتهى إليه التخصيص في العام،
وكان ينبغي أن يذكره في مباحث التخصيص، لكن لما كان موقوفاً على بيان ألفاظه أخره عنها نور
الأنوار ١٩٥/١.
- ١٧٥ -
وقوله التَّا ((الاثنان فما فوقهما جماعة)) محمول على المواريث، والوصايا أو على سنة
تقدم الإمام.
علما صيغة، بخلاف الطائفة، فإنها اسم للواحد فصاعدًا(١).
قوله: (الاثنان فما فوقهما إلى آخره) جواب عما قال بعض أصحاب الشافعي: إن أدنى
الجمع اثنان(٢)، محتجًا بالحديث(٣) فقال: إن ذلك محمول على المواريث والوصايا لا على
بيان اللغة؛ لأنه وُ لّ بعث لبيان الأحكام لا لبيان اللغة ألا يرى أنه لم يكن كذلك في عموم
الأحكام، ولو كان ذلك من باب الوضع لثبت في جميع الأحكام والمواريث، والوصايا
للاثنين حكم الجماعة فحمل على ذلك أو على سنة تقدم الإمام، فإنه يتقدم(٤) على الاثنين
كما يتقدم على الثلاثة(٥).
(١) قال في التقرير والتحبير بعد حكاية هذه الأقوال وترجيح القول بأن أقل الجمع ثلاثة: واعلم أن
حكاية هذه الأقوال على هذا الوجه ذكرها ابن الحاجب وفيها تأمل فإن كون أقل الجمع ثلاثة معزو
إلى أكثر الصحابة والفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك في رواية والشافعي، وأئمة اللغة وكون أقله اثنين
معزو إلى عمر وزيد ابن ثابت ومالك في رواية، وداود والقاضي، والأستاذ والغزالي، والخليل،
وسيبويه، والظاهر أن الأولين لا يمنعون إطلاقه على اثنين مجازاً وإنهم والآخرين لا يمنعون إطلاقه
على الواحد مجازاً أيضاً من إطلاق الكل وإرادة الجزء بشرطه، ويلزم الآخرين كونه حقيقة في ثلاثة
فصاعداً أيضاً فلا ينبغي أن يعد إطلاقه على الواحد مجازاً قولاً آخر مقاسما لهما. التقرير والتحبير
١٩٠/١.
(٢) ذهب إلى القول بأن أقل الجمع اثنان أبو إسحاق الإسفرايني، والباقلاني، والغزالي، وابن
الماجشون، والبلخي، وابن داود، وعلي بن عيسى النحوي ونفطويه وحكى عن عمر وزيد بن ثابت
رضي الله عنهما، وعامة الأشعرية وممن قال أن أقل الجمع ثلاثة أبو حنيفة والشافعي وهو مذهب
عبد الله بن عباس وعثمان وأكثر الصحابة وعامة الفقهاء والمتكلمين، وأهل اللغة. كشف الأسرار
للبخاري ٢٨/٢، تيسير التحرير ٢٠٧/١، والمحصول ٣٧٠/٢، وشرح العضد على ابن الحاجب
١٠٥/٢، وشرح الكوكب المنير ١٤٤/٣، ١٤٥.
(٣) قوله ﴿ ((الاثنان وما فوقهما جماعة)) أخرج البخاري تحت عنوان ((باب اثنان فما فوقهما جماعة))
عن مالك بن الحويرث عن النبي ﴿ قال: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبر كما
((صحيح البخاري)) ٢٣٤/١ وأخرج ابن ماجة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله حَ﴾:
((اثنان فما فوقهما جماعة)) سنن ابن ماجة ٣١٢/١.
(٤) في (أ، ب) مقدم.
(٥) أي إذا كان المقتدي اثنين يتقدمهما الإمام كما يتقدم على الثلاثة خلافا لأبي يوسف - رحمه الله .
- ١٧٦ -
فصل في المشترك
وأما المشترك فما يتناول أفرادًا مختلفة الحدود على سبيل البدل كالقرء للحيض
والطهر وحكمه التوقف فيه بشرط التأمل ليترجح بعض وجوهه للعمل به، ولا عموم له.
قوله: (وأما المشترك فما يتناول أفرادًا مختلفة الحدود)، قيد بالاختلاف ليخرج العام وعلى
سبيل البدل احتراز عما قيل: إنه يتناول أفرادًا مختلفة الحدود على سبيل الشمول.
٢٠/ب
قوله: (ولا عموم له) وهو/ اختيار أبي الحسن الكرخي، وهو مذهب المتأخرين من
المعتزلة(١)، وقال عامة أصحاب الحديث: إن له عمومًا، وهو قول قدماء المعتزلة، لأن قوله .
تعالى -: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ﴾(٢) يتناول الموطوءة والمنكوحة جميعًا، ولأن
المشترك ما وضعه قبيلة لمعنى والأخرى(٣) لآخر واشتهر بينهم، ورضا كل قبيلة بوضع القبيلة
الأخرى، فصار بمنزلة ما لو وضعوا الاسم جملة في الابتداء لمعنيين، ولو كان كذلك لعم
فكذا هذا.
فإنه يتوسطهما عنده؛ وذلك لأن الإمام محسوب في الجماعة كلها إلا في الجمعة فإن فيها تشترط
ثلاثة رجال سوى الإمام خلافا لأبي يوسف - رحمه الله - إذ عنده يكفي اثنان سوى الإمام ولم
يذكر المصنف الجواب الثالث الذي ذكره غيره، وهو أنه محمول على المسافرة بعد قوة الإسلام؛
فإنه الكَيقار نهى أولاً عن مسافرة الواحد والاثنين لضعف الإسلام وغلبة الكفار فقال: الواحد
شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب ((أي جماعة كافية))، ثم لما قوي الإسلام رخص للاثنين
وبقي الواحد على حاله فقال التلّة ((الاثنان فما فوقهما جماعه)) نور الأنوار مع كشف الأسرار
للنسفي ١٩٧/١ وما بعدها؛ وانظر كشف الأسرار للبخاري ٢٨/٢-٣٢، وشرح ابن ملك
٣٣٦-٣٣٩
(١) في هذه المسألة أقوال ثمانية أشهرها ما ذكره المصنف رحمه الله، والذين قالوا إنه لا عموم
للمشترك هم: معظم الحنفية، منهم الكرخي وأبو الخطاب وابن القيم، وأبو عبد الله البصري من
المعتزلة، والإمام الفخر الرازي والغزالي وإمام الحرمين ونقله القرافي عن مالك والذين قالوا له عموم
هم: الشافعي والقاضي أبو بكر والجبائي، والقاضي عبد الجبار. انظر المحصول ٢٦٨/١، ٢٦٩،
المعتمد ٣٠٠/١، وشرح الكوكب المنير ٠١٨٩/٣ ١٩٢، والعضد على وابن الحاجب ١١١/٢، ابن
ملك ٣٤٣، وميزان الأصول للسمرقندي ٣٤٣، ٣٤٤. والإحكام للآمدي ٢٤٥/٢، والبرهان ١/
٢٣٥ وفتح الغفار ١٢١/١.
(٢) من الآية ٢٢ من سورة النساء.
(٣) في (ا، ب) ثم أخرى.
- ١٧٧ -
وأما المؤول فما يترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي.
١٦/أ
وجه القول الأول: أن أهل اللغة وضعوا القرء والعين والجارية لمعنى واحد(١)، فمن قال
بأنه يراد الكل في حالة واحدة، فقد خالف وضع أرباب اللغة/والنص غير متناول للموطوءة
والمنكوحة صيغة، بل الثابت بالصيغة إحديهما، وأما الأخرى فبدليل آخر أو بالأول لكن
بجهة أخرى(٢).
قوله: وأما الأول إلى آخره(٣) وكونه من المشترك وقع اتفاقًا وليس بلازم؛ إذا المشكل أو
الخفي إذا علم بالرأي كان مؤولاً أيضًا فالحاصل أن ما يرجح بغالب الرأي فهو مؤول وليس
كل مؤول ما يرجح من المشترك بغالب الرأي، وإنما خصه بغالب الرأي؛ لأنه لو ترجح بالنص
كان مفسرًا لا مؤولاً(٤) فإن قيل المؤول مفعول فعل المؤول، فإنما يتبين المراد منه بالرأي فكيف
يدخل في أقسام النظم. قلنا: أثر الرأي في إظهار المراد بالمشترك، وبعد ذلك الحكم يضاف إلى
النص لا إلى الرأي كالمجمل إذا لحقه البيان بخبر الواحد يضاف الحكم إلى النص المفسر حتى
أوجب الحكم قطعًا لا إلى الخبر(٥) ونظيره قوله - تعالى -: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾(٦)
(١) في (ا، ب) واحد معين.
(٢) وتحرير محل النزاع أنه هل يجوز أن يراد بلفظ واحد في زمان واحد كل من المعنيين على أن يكون
مراداً ومناطاً للحكم أم لا ؟ فعندنا لا يجوز ذلك، لأن الواضع خصص اللفظ للمعنى بحيث لا
يراد به غيره، فاعتبار وضعه لهذا المعنى يوجب إرادته خاصة، وباعتبار وضعه لذلك المعنى يوجب
إرادته خاصة، فيلزم أن يكون كل منهما مراداً أو غير مراد، فلا يكون ذلك إلا بأن يراد أحد المعنيين
على أنه نفس الموضوع له ولآخر على أنه يناسبه، فيكون جمعا بين الحقيقة والمجاز وهو باطل،
وعنده الشافعي - يجوز ذلك بشرط أن لا يكون بينهما مضادة، فإذا كان بينهما مضادة كالحيض
والطهر لا يجوز بالإجماع، وكذا لا تجوز إرادة المجموع من حيث هو مجموع بالاتفاق. نور الأنوار
٢٠٣/١، ٢٠٤.
(٣) في (ا، ب) وأما المؤول فما ترجح من المشترك بعض وجوهه.
(٤) وأجيب عنه بأن المراد من المشترك المشترك اللغوي، وهو ما فيه خفاء، ومن قوله بغالب الرأي ما
يوجب الظن أعم من أن يكون رأيا أو خبر الواحد فحينئذ يدخل جميع أقسامه فيه. شرح ابن ملك
٣٤٦، وانظر كشف الأسرار للنسفي ٢٠٤/١، ٢٠٥، وشرح ابن العيني ٩٦، وميزان الأصول
٣٤٨.
(٥) الاعتراض وجوابه ذكره ابن ملك ص ٣٤٧.
(٦) من الآية ٩٥ من سورة المائدة.
- ١٧٨ -
وحكمه العمل به على احتمال الغلط.
القسم الثاني في وجوه البيان بذلك النظم
وأما الظاهر فاسم لكلام ظهر المراد به للسامع بصيغته، وحکمه العمل بالذي ظهر
منه. وأما النص فما ازداد وضوحاً على الظاهر لمعنى من المتكلم لا في نفس الصيغة،
فالمثل مشترك بين المثل صورة وبين المثل معنى وهو المالية، فرجح محمد والشافعي المثل
صورة؛ لأنه بعد(١) عن المخالفة التي هي ضد المماثلة، وأبو حنيفة، وأبو يوسف رجحا المثل
معنى؛ لأنه مراد فيما لا مثل له صورة بالإجماع، فلو أريد المثل صورة يلزم تعميم المشترك، أو
لأن الحمل على الصورة يستلزم تخصيص النص، وعلى المعنى يوجب تعميمه، وحمل النص
على محمل / يوجب التعميم أولى من حمله على ما يوجب التخصيص.
١٧/ز
قوله: (وحكمه العمل به على احتمال الغلط)، أي العمل به واجب كالعمل بالخاص، غير
أن وجوب العمل بالخاص قطعي، ووجوب العمل بالمؤول ثابت مع احتمال الغلط، بمنزلة
العمل بخبر الواحد بيانه: فيمن وجد ماءً فغلب على ظنه أنه طاهر يلزمه التوضئ به على
احتمال الغلط، حتى إذا تبين أن الماء نجس يلزمه إعادة الوضوء والصلاة، ثم بيان الانحصار:
أن هذا اللفظ إما أن يوضع لمعنى واحد أو أكثر فإن كان الأول، فهو الخاص، وإن كان الثاني
فتتناوله الأفراد إن كان بحسب الشمول فهو العام، وإن كان بحسب البدل فإن لم يترجح
بالرأي معنى من المعاني فهو المشترك، وإن ترجح فهو المؤول(٢).
قوله: (أما الظاهر فاسم لكلام) فهذا يدل على أن هذا القسم يتعلق بالمركبات؛ إذ الكلام
ما يشتمل على كلمتين فصاعدًا.
قوله: (ظهر المراد به للسامع)، أي اتضح معناه اللغوي للسامع الذي هو من أهل اللسان
بمجرد السماع من غير تأمل.
(١) في (ا، ب) أبعد.
(٢) انظر شرح ابن ملك ص ٣٤٨، ٣٤٩، وحاشية نسمات الأسحار ص ٨٧، ونور الأنوار ٢٠٥/١،
وفتح الغفار ١٢٣/١.
- ١٧٩ -
وحكمه وجوب العمل بما وضح على احتمال تأويل هو في حيز المجاز.
وأما المفسر فما ازداد وضوحًا على النص على وجه لا يبقى معه احتمال
والتخصيص، وحكمه وجوب العمل به على احتمال النسخ
قوله: (ووجوب العمل به) أي قطعًا سواء كان عامًا أو خاصًّا(١).
قوله: (وأما النص إلى آخره) أي فشيء ازداد وضوحًا بقرينة يقترن باللفظ من المتكلم لا
في الصيغة(٢).
قوله: (على احتمال تأويل هو في حيز المجاز)، أي النص يحتمل(٣) المجاز كما تقول:
جاءني زيد وقولك زيد يحتمل خبره وكتابه ورسوله بطريق المجاز، ولم يقل في الظاهر إنه في
حيز المجاز لما أن ذلك استفيد بالنص؛ لأن النص لما احتمل ذلك وهو أوضح من الظاهر فلأن
يحتمله الظاهر أولى (٤).
قوله: (وأما المفسر فما ازداد وضوحًا على النص)، مطلقًا سواءً كان لمعنى في النص بأن
كان مجملا فلحقه بيان قاطع حتى انسد به باب التأويل(٥) أو بغيره بأن كان عامًا فلحقه ما
(١) اختلف العلماء في حكم الظاهر فذهب الشيخ أبو منصور ومن تابعه من مشايخ ما وراء النهر
وعامة الأصوليين إلى وجوب العمل بما ظهر منه على سبيل الظن لاحتماله المجاز؛ لأن كل حقيقة
تحتمل المجاز، وذهب العراقيون والقاضي أبو زيد ومن تابعه إلى وجوب العمل به قطعاً لعدم اعتبار
مالا ينشأ عن دليل من الاحتمال. حاشية الرهاوي ص ٣٥٠.
(٢) مثاله قوله - تعالى -: ﴿فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ فهم منه معنى إباحة
النكاح وبيان العدد، والكلام سيق للمعنى الثاني يدل عليه سياق الآية وهو قوله - تعالى -: ﴿فَإِنّ
خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً﴾ فالآية ظاهرة في الإباحة نص في العدد.
شرح ابن ملك وحاشية الرهاوي ص ٣٥١، ٣٥٢، وانظر كشف الأسرار للنسفي ٢٠٧/١،
٢٠٨.
(٣) في (أ، ب) يحمل التأويل لكن بطريق المجاز.
(٤) قال ابن ملك: وإنما قال في حيز المجاز إشارة إلى عدم الانحصار في المجاز، بل قد يكون بطريق
التخصيص وغيره، وإلى أن هذا الاحتمال لا يخرج النص عن كونه قطعياً، كما أن احتمال الحقيقة
المجاز لا يخرجها عن كونها قطعية، وإنما ذكر الاحتمال المذكور في النص دون الظاهر؛ لأن النص
لما احتمل ذلك وهو أوضح من الظاهر، فلأن يحتمل الظاهر أولى. ابن ملك ص ٣٥٣.
(٥) وهو المسمى ببيان التفسير.
- ١٨٠ -