Indexed OCR Text
Pages 101-120
والكناية، والرابع: في معرفة وجوه الوقوف على المراد والمعاني، وهي - أيضا - أربعة:
الاستدلال بعبارة النص، وبإشارته، وبدلالته، وباقتضائه.
وبعد معرفة هذه الأقسام قسم خامس يشمل الكل وهو أربعة أيضا: معرفة مواضعها،
قوله: (والثالث) الذي الثالث باعتبار أصل التقسيم، فأما لو اعتبر ما هو يقابل الثاني لصار
هذا رابعًا في وجوه استعمال ذلك النظم، الذي في طرق استعمال ألفاظ النظم في باب
البيان، يعنى استعمل في محل أم في غيره، واستعمل صريحًا أو كناية، وهذا القسم من جنس
المفردات وهو أيضا مما يتعلق(١) بالنظم.
قوله: (والرابع)(٢) وهذا القسم في معرفة وجوه الوقوف على أحكام النظم، وهو من باب
المركبات(٣) ومما يختص به المعنى.
٢/ب
قوله: (وبعد معرفة هذه الأقسام) الذي الأقسام الخمسة التي انقسمت إلى عشرين قسما/
قسم آخر هو أيضا ينقسم إلى أربعة أقسام يشمل الكل، الذي تأتي(٤) أربعة أقسام في كل
قسم من العشرين، فبلغت الأقسام ثمانين(٥).
قوله: (معرفة مواضعها)(٦) الذي معرفة مآخذ اشتقاق هذه الأقسام، كمعرفة الخصوص
(١) في (ج) يتعلق.
(٢) قيل في قوله معرفة - معرفة وجوه الوقوف علي المراد - تسامح؛ لأن المعرفة صفة قائمة بالعارف،
وتقسيم الكتاب باعتبار صفة قائمة بغيره لا يستقيم، وكان المناسب أن يقول: الرابع في إفادته
الحكم، ويمكن أن يقال: معرفة مصدر بمعنى المفعول. شرح ابن ملك ص٥٩.
(٣) لأن عبارة النص ما سيق الكلام له، والإشارة ما ثبت بنظم الكلام ... إلخ والكلام يقتضي
التركيب، ولما كان هذا القسم مستفادا من الأقسام المتقدمة أخره عنها. حاشية الرهاوي ص٥٨.
(٤) في (ا، ب، ج) يتأتى.
(٥) أي من ضرب العشرين في الأربعة، وليست ثابتة في الخارج بل إنما هي اعتبارات عقلية، بل كون
الأقسام عشرين إنما هي باعتبار العقل أو جميع القرآن ينقسم إلى أقسام، فباعتبارٍ يشتمل على
القسم الأول وباعتبارٍ يشتمل على القسم الثاني وهلم جرا. فالمراد بالأقسام هنا التقسيمات؛ لأن
قسيم الشيء حقيقة مالا يجتمع مع ذلك الشيء، وهذه الأقسام يجتمع بعضها مع بعض؛ إذ قد
يكون نص واحد خاصا ونصا وحقيقة، ويكون الاستدلال به استدلالاً بعبارة النص وهذا نقله ابن
عابدين عن ابن نجيم نقلًا عن القاآني في شرح المغنى وقد أوصلها السراج الهندي إلى سبع مئة
وثمانية وستين قسمًا، فتح الغفار ١٦/١، وحاشية نسمات الأسحار ص١٥.
(٦) هذا التقسيم الخامس ليس في الواقع تقسيمًا للقرآن، بل تقسيم لأسامي أقسام القرآن وموقوف عليه
- ١٠١ -
وترتيبها، وأحكامها، ومعانيها.
والعموم في [العام والخاص](١).
قوله: (وترتيبها) [أي ترتيب](٢) الأقسام عند التعارض، بأن يعرف المستدل أنه راجح
على ما عارضه فيقدمه عليه أو يتركه، لكونه مرجوحا بالنسبة إليه، أو أحدهما لا يترجح على
الآخر لديه مثل: النص مع الظاهر أو المفسر والخاص مع العام الذي هو غير مخصوص.
قوله: (ومعانيها) أي: معرفة حدودها شرعا، كلفظ الحقيقة فإنها في الشرع اسم للفظ
أريد به ما وضع له اللفظ، وفى اللغة هي عبارة عن الثابت.
قوله: (وأحكامها) الذي معرفة الآثار الثابتة فهذه الأقسام كالفرض والواجب وغيرهما.
لتحقيقها، ولهذا لم يذكره الجمهور، وإنما هو اختراع فخر الإسلام، وتبعه النسفي - رحمه اللَّه .،
ولكن فخر الإسلام لما ذكر هذا التقسيم في أول الكتاب سلك في آخره على سنته فذكر كلًّا من
المواضع والمعاني والترتيب والأحكام في كل من الأقسام، والمصنف رحمه اللَّه إنما ذكر المعاني
والأحكام فقط، ولم يذكر المواضع أصلًا، وذكر الترتيب في بعض الأقسام فقط. نور الأنوار
لملاجيون ٢٦/١.
(١) في (ا، ب، ج) الخاص والعام.
(٢) في (أ، ب، ج) أي معرفة ترتيب.
- ١٠٢ -
مبحث الخاص(١)
أما الخاص: فكل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد.
القسم الأول في وجوه النظم صيغة ولغة(٣).
قوله: (أما الخاص فكل لفظ وضع لمعنى معلوم على الانفراد)(٣) أراد بالمعنى ما وضع له
اللفظ عينا كان أو عرضا، وبالانفراد اختصاص اللفظ بذلك المعنى، وإنما قيده بالانفراد ليتميز
عن المشترك (٤)، فإن قيل ذكر كلمة (كل) غير سائغ في التعريف، قلنا في ذكره فائدة، وذلك
(١) العنوان من الباحث وليس من أصل الكتاب.
(٢) العنوان في النسخة (١) فقط، وإنما أثبتناه أعلى الصحيفة على خلاف ما نهجنا؛ لكونه أحق بهذا
المكان.
(٣) الخاص في اللغة: المنفرد من قولهم: اختص فلان بكذا أي انفرد، وفلان خاص أي منفرد به،
وخاصة الناس أهل العلم. حاشية الرهاوي ص٦١.
وقد عرفه فخر الإسلام بأنه: كل لفظ وضع لمعنى واحد على الانفراد وانقطاع المشاركة، وكل
اسم وضع المسمى معلوم على الانفراد.
وعرفه محمد أمين سويد: لفظ وضع لمعنى واحد معلوم على الانفراد، وهو ما ذكره ابن ملك، وقد
عرف الشوكاني الخاص بتعاريف عدة، وأورد على كل منها ما يعترض به عليه، وممن عرفه
بالتعريف الذي ذكرناه الجرجاني في التعريفات. كشف الأسرار للبخاري ٣٠/١، ٣١ وتسهيل
الحصول على قواعد الأصول ص ٦٢، قال ابن نجيم: والحق في تعريف الخاص أنه: ما وضع لواحد
أو متعدد محصور ليشمل أسماء الأعداد، ولذا قال في التحرير: اللفظ إن كان مسماه متحدًا ولو
بالنوع، أو متعددًا مدلولًا على خصوص كميته به فالخاص، فدخل المطلق، والعدد، والأمر، والنهى.
فتح الغفار ١ / ١٧، ١٨.
(٤) أخرج عبدالعزيز البخاري في الكشف بقيد الانفراد العام حيث قال: خرج العام، فإنه وضع لمعنى
واحد شامل للأفراد؛ إذ المراد من قوله: (على الانفراد) كون اللفظ متناولا لمعنى واحد من حيث إنه
واحد، مع قطع النظر عن أن يكون له في الخارج أفرادا ولم تكن. وأخرج النسفي المشترك بقوله:
(معلوم) قائلا: واحترز بالمعلوم عن المشترك، فإنه وضع بإزاء معنى من المعاني المختلفة على سبيل
الإبهام على قول. وأخرج ابن نجيم بالانفراد العام فقال: فإنه وضع لمعنى واحد معلوم، لكن على
وجه الاشتراك بين الأفراد. والمراد بقوله: على الانفراد، أن لا يكون لذلك المعنى الواحد أفراد، سواء
كان له أجزاء أو لم تكن، فتدخل التثنية كما في التلويح، وكذا الحصكفي أخرج العام بقيد
الانفراد. وقال ملاّجيون قوله: (معلوم) إن كان معناه معلوم المراد يخرج منه المشترك، لأنه غير
معلوم المراد، وإن كان معناه معلوم البيان لم يخرج المشترك منه. ويخرج من قوله على الانفراد؛ لأن
معناه حينئذ أن يكون المعنى منفردًا عن الأفراد وعن معنى آخر فيخرج عنه المشترك والعام جميعًا.
- ١٠٣ -
أقسام الخاص
وهو إما أن یکون خصوص الجنس،
لأن كلمة (لفظ) صار عاما، لاتصافه بما هو عام، وهو وضع فينتظم جميع الأفراد التي تتصف
بهذه الصفة، والانتظام قد يكون على سبيل الاجتماع(١) كما في كلمة جميع، فقد يكون
على وجه الإفراد كما في كل، فلو لم يذكر كلمة (كل) يلزم(٢) على التقدير الأول أن يكون
الخاص عبارة عن: جميع الألفاظ التي وضع كل واحد منها لمعنى معلوم على الانفراد لا عن
كل لفظ منها، بل اللفظ الواحد منها يكون جزء الخاص لا كله، فذكر كلمة كل ليندفع
هذا، ويعلم أن كل لفظ منها خاص؛ لأن (كل(٣)) للإحاطة على سبيل الإفراد، ومعنى
الإفراد: أن يعتبر كل مسمى بانفراده كأن ليس معه غيره (٤).
قوله: (وهو إما أن یکون خصوص الجنس)، الذي الخاص قد يكون جنسا، وإن كان تحته
أنواع وأفراد؛ لأنه من الأسماء المفردة، حتى يقع على الواحد عند الإطلاق، ووقوعه على
الكل عند قيام الدليل لا ينفى خصوصه، لأنه مع أنواعه وأفراده بمنزلة زيد مع أبعاضه /
وأجزائه من حيث إنه لا يتعدد حين يعد للأجناس كما لا يتعدد زيد، إذ تعدُّدْ(٥) الأشخاص
بخلاف العام فإنه ينتظم جميعًا، والجمع قد يقع على بعض الأفراد فيوجد جمع آخر من
١/٢
كشف الأسرار للبخاري ٣٠/١، وكشف الأسرار للنسفي ٢٦/١، وفتح الغفار ١٧/١، وإفاضة
الأنوار على متن أصول المنار للحصكفي ص١٦، ١٧، ونور الأنوار ٢٦/١، ٢٧.
(١) في (ج) الإجماع.
(٢) في (أ، ب) للزم.
(٣) في (ب) لفظ كل.
(٤) قال ابن نجيم: واعلم أن كلمة كل لا تناسب التعريف. قال في القطب في بحث الجزئي: لفظ كل
إنما هي للأفراد، والتعريف بالأفراد ليس بجائز، ولذا اعترض المحقق الرضى على ابن الحاجب في
ذكرها في حد التابع بأن المطلوب في الحد بيان ماهية الشيء، لا قصد حصر جميع مفرداته. اهـ.
وجواب الكشف بأن المشايخ لا يلتفتون إلى مثل هذه التكلفات قصور، وجواب الهندي بأن
المطلوب في تعريف الأشياء بحسب الاصطلاح تطبيق الأفراد ممنوع. والحق أنه تساهل. وقال
مُلاجبون: وأما ذكر كلمة (كل) فإنه وإن كان مستنكرًا في التعريفات في اصطلاح المنطق، ولكن
القصدههنا لبيان الاطراد والضبط، وهو إنما يحصل بلفظ كل. فتح الغفار ١/ ١٨، ونور الأنوار ٢٧/١.
(٥) في (ا، ب، ج) تعد.
- ١٠٤ -
أو خصوص النوع، أو خصوص العين؛ كإنسان ورجل وزيد، وحكمه أن يتناول
المخصوص قطعًا
٣/ز
٢/ج
جنس تلك الأفراد، أما الجنس فيقع على الفرد أو على الكل / ولا يحتمل / غيره، وموجبه
التام هو الكل فيكون ما دونه كبعض موجبه لا كله، فلا يتصور غيره من جنسه.
قوله: (أو خصوص النوع) لأن النوع يستلزم الجنس، واللازم خاص، فالملزوم أولى.
قوله: (أو خصوص عين) فإن قيل كيف يستقيم جعل الثلاثة، أفراد الخاص، ودخول
الأفراد تحت الجنس مشروط بشرط اتحادها في الحقيقة، وقد وجدنا الاختلاف بين الأولين والثالث
حيث يقع كل واحد من الأولين على الأقل مع احتمال الكل، ولم يوجد ذلك في الثالث(١).
قلنا: الاختلاف راجع إلى الحكم لا إلى الحقيقة، فلا يمنع الدخول.
قوله: (وحكمه(٢) أنه يتناول المخصوص قطعًا)(٣) الذي يتناول الموضوع له، لأجل ما أريد
بالموضوع له من الحكم على وجه يقطع احتمال الغير، وهذا حكم لا يخلو خاص ما عنه في
أصل الوضع، وإن احتمل أن يستعان بغير المخصوص؛ لأن ذلك الاحتمال لم ينشأ عن دليل
(١) تسمية الإنسان جنسًا والرجل نوعا على لسان أهل الشرع واصطلاحهم لأنهم لا يعتبرون التفاوت
بين الذاتي والعرضي الذي اعتبره الفلاسفة، ولا يلتفتون إلى اصطلاحاتهم، ولهذا لم يذكروا
حدودهم في تصانيفهم، وإنما يذكرون تعريفات توقف بها على معنى اللفظ ويحصل بها التمييز
تركا منهم للتكلف، واحترازًا عما لا يعنيهم لحصول مقصودهم دونها، قال السيد الإمام ناصر
الدين السمرقندي - رحمه الله - في أصول الفقه: هذا كتاب فقهي لا نشتغل فيه بصنعة التحديد
في كل لفظ بل نذكر ما يعرف معانيها ويدل على حقائقها وأسرارها بالكشوف والرسوم، وقال فيه
في موضع آخر، ونحن لا نذكر الحدود المنطقية، وإنما نذكر رسوما شرعية يوقف بها على معنى
اللفظ كما هو اللائق بالفقه. كشف الأسرار للبخاري ١/ ٣٢.
(٢) حكم الشيء الأثر الثابت به، والمراد بالمخصوص مدلوله، والمراد أنه من حيث هو مع قطع النظر
عن الأمور الخارجة يفيد مدلوله قطعا فإنه قد يكون بحسب العوارض خفيا يوجب الظنية كما في
المرآة. حاشية نسمات الأسحار ص١٧.
(٣) حكى خلاف في إفادته القطع، فعند أبي زيد الدبوسي ومشايخ العراق يفيده، خلافا لمشايخ
سمرقند، ورفع الخلاف القاآني بأن من أثبته أراد المعنى الأعم ومن نفاه أراد المعنى الأخص، والقطع
بالمعنى الأخص يسمى علم اليقين، وبالمعنى الأعم يسمي علم الطمأنينة كذا في التوضيح. كشف
الأسرار للنسفي ١ / ٢٨ والتلويح ٦٢/١، ٦٣، وفتح الغفار ١٩/١، وشرح القآآني على المغنى
ص٣٥١ رسالة ماجستير بكلية الشريعة رقم ٣٤٦ لسنة ١٤١٢هـ، ١٩٩٢م.
- ١٠٥ -
ولا يحتمل البيان لكونه بينا فلا يجوز إلحاق التعديل بأمر الركوع والسجود على سبيل
الفرض.
فلا يُعبأ به، كالمفسر يوجب الحكم قطعا وإن احتمل النسخ(١).
قوله: (ولا يحتمل البيان)(٢) هذا مع الأول يتلازمان؛ لأن تناول الخاص المخصوص قطعا
يقتضى قطع احتمال البيان، وعدم احتمال البيان فيه يستلزم تناوله المخصوص قطعًا، لكن
الأول لبيان المذهب، والثاني لنفى قول لبعض، فقد قالوا: إنه يحتمل البيان حتى جوزوًا
الزيادة عليه بخبر الواحد والقياس لكونه بيانًا(٣).
٣/ب
قوله: (لكونه بينا) يعني كون الخاص مبينا يمنع التصرف فيه بيانًا؛ لأنه/ يؤدى إلى تحصيل
الحاصل، وكذا يوجب تناوله المخصوص قطعًا لانتفاء احتمال آخر.
قوله: (فلا يجوز إلحاق التعديل بأمر الركوع والسجود)، يعنى لما ثبت أن الخاص لا
يحتمل البيان لكونه مبينا، فإلحاق الغير به يكون زيادة عليه لا محالة، لا أن يكون بيانا له
والزيادة نسخ فلا يجوز إلا بما يصلح ناسخًا، ثم الركوع اسم للميلان عن الاستواء بما يزول به
الاستواء(٤) والسجود وضع الجبهة على الأرض، فيكون كل واحد منها مبينا لما وضع له
فيتناوله قطعًا لما أريد به من الحكم وهو الجواز فإلحاق التعديل بهما فرضا، وهو الطمأنينة لا
يكون بيانا بل نسخًا فلا يجوز بخبر الواحد، لكن يلحق به واجبًا (٥)؛ ليكون عملًا
(١) القطع يطلق على نفي الاحتمال أصلًا، وعلى نفي الاحتمال الناشئ عن دليل، وهذا أعم من
الأول؛ لأن الاحتمال الناشئ عن دليل أخص من مطلق الاحتمال، ونقيض الأخص أعم من نقيض
الأعم، والمراد هنا الأعم؛ إذ الخاص كما يكون للمتواتر يكون لغيره فلا يطرد كونه قطعيًّا بالمعنى
الأول، ولأن احتمال المجاز قائم وبهذا سقط ما قيل كيف يثبت القطع مع الاحتمال؛ لأن نفس
الاحتمال لا ينافي القطع بالمعنى الأعم. فتح الغفار ١٩/١.
(٢) أي بيان التفسير لأنه محتمل لبيان التغيير - مثل الاستثناء نحوله على عشرة إلا ثلاثة - والتقرير،
كذا عند الجمهور. فتح الغفار ١/ ١٩، وحاشية نسمات الأسحار ص١٧، ونور الأنوار ٢٩/١.
(٣) انظر ابن ملك ص ٦٨، ٦٩.
(٤) أصول البزدوى ٨١/١، ونسمات الأسحار ص ١٨.
(٥) فَّرق الحنفية بين الفرض والواجب، فالفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي كالركوع والسجود مثلًاً،
والواجب ما ثبت بدليل ظني كقراءة الفاتحة بعينها في الصلاة. انظر فتح الغفار ٧٠/٢، والتمهيد
للإسنوي ص ٥٨.
- ١٠٦ -
وبطل شرط الولاء والترتيب والتسمية والنية في آية الوضوء،
بالدليلين(١).
قوله: (وبطل شرط الولاء والترتيب والتسمية والنية(٢) في آية الوضوء)؛ لأن المنصوص
(١) هذا الفرع الأول من الفروع المختلف فيها بيننا وبين الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على ما ذكر
من حكم الخاص، يعني إذا كان الخاص لا يحتمل البيان لكونه بينا بنفسه، لا يجوز إلحاق تعديل
الأركان وهو الطمأنينة في الركوع والسجود، والجلسة بين السجدتين بأمر الركوع والسجود، وهو
قوله - تعالى -: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]، على سبيل الفرض، فالشافعي يقول:
الطمأنينة في الركوع والسجود قدر تسبيحة فرض ثابت بخبر الواحد في الصحيحين للأعرابي
الذي تركها من قوله: ((ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا)). متفق عليه من حديث أبى هريرة.
ونحن نقول: إن الركوع والسجود خاصان ولا إجمال فيهما ليفتقرا إلى البيان، ومسماهما يتحقق
بمجرد الانحناء، ووضع بعض الوجه ممالا سخرية فيه مع الاستقبال والطمأنينة دوام على الفعل لا
نفسه فهو غير المطلوب، فوجب أن لا تتوقف الصحة عليها بخبر الواحد وإلا كان نسخًا لإطلاق
القاطع به، وهو ممنوع عندنا، مع أن لخبر يفيد عدم توقف الصحة عليه وهو قوله في آخر الحديث:
(وما انتقصت من هذا شيئا فقد انتقصت الصحة من صلاتك)، كما رواه أبو داود وغيره؛ لأنه
سماه صلاة والباطلة ليست صلاة، أو لأنه وصفها بالنقص، وذكرت بعض الشروح أن أبا يوسف
مع الشافعي في هذا الخلاف، لكن ابن نجيم يذكره معللًا ذلك بقوله: لأنهم وإن نقلوا عنه الفرض،
يتعين حملة على الفرض العملي وهو الواجب فيرتفع الخلاف كما في فتح القدير، لأن أبا يوسف
موافق لهما في الأصول. قال البحراوي في حاشيته على ابن نجيم: كيف يرتفع الخلاف والحال أنه
يقول بفوات الصحة بتركه وهما يقولان بالصحة مع الحرمة فتأمل. انظر كشف الأسرار للبخاري ١/
٨١، ٨٢، وفتح الغفار ١٩/١، ٢٠، وحاشية نسمات الأسحار ص١٨، ونور الأنوار ٢٩/١، ٣٠.
(٢) هذا هو الفرع الثاني، والولاء بكسر الواو- هو أن يتابع في الأفعال ولا يفرق، والذي يقطع التتابع
جفاف العضو مع اعتدال الهواء، وقد شرطه مالك وابن أبى ليلى والشافعي في قوله القديم بفعل
النبي ◌ُ ◌ّ واظب على الموالاة قالوا: فلو جاز تركه لفعله مرة تعليما للجواز، قال ابن أبى ليلى: إن
اشتغل بطلب الماء أجزأه لأن ذلك من عمل الوضوء، وإن أخذ في عمل آخر غير ذلك وجف، أعاد
ما جف، وجعله قياس أعمال الصلاة إذا اشتغل في خلالها بعمل آخر كذا في المبسوط وكذا قال
أحمد بوجوب الموالاة والترتيب وهو أن يراعى النسق المذكور في كتاب الله تعالى، وقد شرطه
الشافعي - رحمه الله - بقوله { ﴿: ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل
وجهه ثم يديه))، أو قال: ((ذراعيه))، وحرف (ثم) للترتيب، وكذا قال أحمد بفرضية الترتيب
والتسمية وهي أن يسمى اللَّه - تعالى - في ابتداء الوضوء وقد شرطها الظواهر، وقال أحمد بوجوبها
للحديث: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه))، وهى سنة عند الشافعية والحنفية وقيل هو قول
مالك أيضًا وأما النية فهي فرض عند الشافعية والحنابلة والمالكية ودليلهم حديث عمر: ((إنما الأعمال
- ١٠٧ -
والطهارة في آية الطواف،
وهو الغسل والمسح خاص لما وضع له، وهو الإسالة والإصابة فاشتراط الولاء كما قال مالك.
رحمه الله - وهو الجمع بين الأعضاء في التطهير بشرط عدم الاشتغال بشيء في خلاله،
والتسمية وهو مذهب أصحاب الظواهر(١).
والترتيب والنية وهو قول الشافعي - رحمه الله(٢) .، بحيث لا يزول الحدث بدون هذه
الأمور يكون نسخًا فبطل ذلك.
قوله: (والطهارة) الذي وبطل شرط الطهارة في الطواف المفروض لقوله - تعالى -:
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾(٣)، لما أنه خاص وضع للدوران حول البيت، فلو توقف الجواز عليها لبطل
الخاص بخبر الواحد وذلك لا يجوز (٤).
بالنيات)). متفق عليه، ونحن نقول: أن اللَّه - تعالى - أمرنا في الوضوء بالغسل والمسح وهما خاصان
وضعا لمعنى معلوم، وهو الإسالة والإصابة، فاشتراط هذه الأشياء كما شرطها المخالفون لا يكون
بيانا للخاص لكونه بينا بنفسه فلا يكون نسخًا وهو لا يصح بأخبار الآحاد، انظر كشف الأسرار
للبخاري ٨٣/١، ٨٤، وفتح الغفار ٢٠/١، ٢١، ونور الأنوار ٣٠/١، ٣١، وشرح ابن ملك ص
٧٢، وانظر الروض المربع ٢٨٠/١، ومختصر خليل ص ١٣.
(١) انظر المغني ١٤٠/١، والمحلى ٧٣/١.
(٢) انظر المهذب ١٩/١، ودقائق المنهاج ص ٤٦، وحلية العلماء ١٢٧/١، والمنهج القويم ص ٣٥،
والإقناع للشربيني ٤٥/١.
(٣) من الآية ٢٩ من سورة الحج.
(٤) هذا هو الفرع الثالث، يعنى إذا كان الخاص بينًا بنفسه، لا يحتمل البيان فبطل شرط الطهارة في
آية الطواف وهى قوله - تعالى -: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، فإن الشافعي - رحمه الله.
يقول: إن طواف البيت لا يجوز بدون الطهارة لقوله التكّا: ((الطواف بالبيت صلاة))، وقوله: ((ألا
لا يطوفن بهذا البيت محدث ولا عريان)». ونحن نقول: إن الطواف لفظ خاص معناه معلوم، وهو
الدوران حول الكعبة فاشتراط الطهارة فيه لا يكون بيانا له، لكونه بينا بنفسه، بل يكون نسخًا وهو
لا يجوز بخبر الواحد. نور الأنوار ٣١/١، ٣٢، وكشف الأسرار للبخاري ٨٢/١، وحاشية
نسمات الأسحار ص ١٩.
وقال ابن نجيم: واعلم أن المصنف. تبع فخر الإسلام في تفريع هذه المسائل على هذا الأصل أعنى
كون الخاص لا يحتمل البيان، وخالف صدر الشريعة ففرعها على ما سيأتي في باب البيان من أن
الزيادة على النص القطعي بخبر الواحد لا تجوز لكونها نسخًا، وتبعه المحقق في التحرير، ولعله
أوجه؛ لأن النص أعم من الخاص والعام كنص القراءة: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾، لا يجوز
: - ١٠٨ -
والتأويل بالأطهار في آية التربص، ومحللية الزوج الثاني بحديث العسيلة لا بقوله: ﴿حَتَّ
قوله: (والتأويل) الذي وبطل تأويل الأفراد المذكورة في قوله - تعالى -: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةً قُرُوَةٍ﴾(١) بالأطهار لأن الثلاثة اسم خاص لعدد معلوم، وحمله
على الأطهار يوجب انتقاص العدد عن الثلاث في بعض الأحوال وفيه إبطال الخاص(٢).
قوله: (ومحلية الزوج) الثاني جواب(٣) عما قال محمد والشافعي(٤) - رحمهما الله - أن
تخصيصه بخبر الفاتحة والقول بالوجوب لا يرفع حكم الكتاب وهو الإجزاء فلا يكون نسخًا، ولا
يرد على القول بوجوبها وقوعها فرضا حتى لو قرأها؛ لأن الكلام فيما شرع فرضا لا فيما يقع
فرضا، كما لو قرأ البقرة، فإنها تقع فرضًا ولم تشرع فرضا إجماعًا، ولا تنافي بين كون الفاتحة فرضا
وواجبا؛ لأن فرضيتها من حيث كونها قرآنا ووجوبها من حيثية كونها فاتحة وعند تغير الحيثيتين لا
منافاة. فتح الغفار ٢١/١، ٢٢، والتلويح ٧٦/٢-٧٨.
(١) من الآية ٢٨٨ من سورة البقرة.
(٢) هذا هو الفرع الرابع مما ذكره المصنف تفريعا على حكم الخاص. قال ابن نجيم: وأصله أن القرء
مشترك بين الحيض والطهر، فأوله الشافعي رحمه اللَّه بالطهر، وأوله الحنفية بالحيض؛ لأنه لو أريد
الطهر لبطل موجب الخاص وهو ثلاثة؛ لأن المشروع الطلاق في الطهر فإذا طلقت فيه فإما ألا
يحتسب من العدة فيجب ثلاثة وبعض، وإن احتسب كما هو مذهب الشافعي يجب طهران
وبعض، على أن بعض الطهر ليس بطهر، وإلا كان الثالث كذلك، ولا يرد عليه إرادة شهرين
وبعض في قوله - تعالى -: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَنٌ﴾؛ لأنه لم يقل ثلاثة أشهر ليكون من قبيل
الخاص، وإنما هو جمع منكر عام أو واسطة، وكذا لا يرد فيما لو طلق حائضا. فإن الواجب ثلاث
حيض وبعض، لأنه وجب تكميل الحيضة الأولى بالرابعة فوجبت بتمامها ضرورة أنها لا تتجزأ
كعدة الأمة كذا في التلويح، وظاهره أن الثلاثة والبعض عدة، مع أن ظاهر كلامهم أن العدة هي
الثلاث وأن ذلك البعض لم يحتسب، لعدم اعتباره كما في الهداية وغيرها، والظاهر أنه لا خلاف
فإن البعض الزائد إنما وجب ضرورة التكميل؛ إذ لا يمكن التوصل إلى حقيقة الواجب إلا به. فتح
الغفار ٢٢/١، والتلويح ٦٣/١، ٦٤، وحاشية نسمات الأسحار ص ١٩، ٢٠، وكشف الأسرار
للبخاري ٨٠/١، ٨١، ونور الأنوار ٣٢/١، ٣٣، والمهذب ١٤٣/٢، والأم ٢٦٤/٧، وروضة
الطالبين ٣٦٦/٨.
(٣) ذكر النسفي - رحمه الله - من تفريعات الخاص على مذهبه سبع تفريعات، أربع منها ما تم الآن،
وثلاث منها ما سيجيء وأورد بين هذه الأربعة والثلاثة باعتراضين للشافعي - رحمه الله علينا مع
جوابهما على سبيل الجمل المعترضة نور الأنوار ٣٣/١.
(٤) ذكر البخاري في الكشف الخلاف في المسألة بعد أن اسماها مسألة الهدم فقال: اعلم أن الصحابة
اختلفوا في مسألة الهدم، وصورتها مشهورة فقال عبد اللَّه بن مسعود، وعبد الله بن عباس،
وعبدالله بن عمر - رضي الله عنهم - وطئ الزوج الثاني يهدم حكم ما مضى من الطلقات واحدًا
- ١٠٩ -
تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
كلمة حتى وضعت لمعنى معلوم على الانفراد وهو الغاية وهو ما ينتهي به الشيء فقط،
وقد دخلت على نكاح الزوج الثاني في قوله - تعالى -: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
زَوْجًا غَيْرَةٌ﴾ (١) فكان غاية لحرمة المحل، والغاية بمنزلة البعض للمغيا، وبعض الشيء لا ينفصل
عن كله كالواحد من العشرة(٢) فيلغو قبله، فلا يرتفع حكم الطلقة والطلقتين، وقد جعلتم
الزوج الثاني محللاً، وإثبات صفة التحليل زيادة عليه فكان نسخًا لا عملًا به أو بيانًا له(٣)
فأجاب عنه (٤) بأنه صفة التحليل للزوج الثاني إنما تثبت بإشارة حديث زِيدَ بعبارة الوطء على
الخاص بالإجماع لا بقوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ﴾(٥) بل كلمة حتى حملت على ما وضعت له،
وجعل ما دخلت عليه غاية، وحاصل الكلام ما ذكرتم إنما يلزمنا أن لو كان المراد بالنكاح
الوطء، فيصير التحليل زيادة عليه، أما لو كان المراد به العقد، واشتراط الوطء مع صفة التحليل
كان أم ثلاثا، وبه قال إبراهيم وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهم الله . وقال عمر وعلي وأبى بن
كعب وعمران بن الحصين وأبو هريرة - رضوان الله عليهم -: لا يهدم ما دون الثلاث وبه قال
محمد وزفر والشافعي رحمهم اللَّه كشف الأسرار ٨٥/١.
(١) من الآية ٢٣٠ من سورة البقرة.
(٢) ولهذا لو قال إذا جاء رأس الشهر فوالله لا أكلم فلانًا حتى استشير أبى، فاستشاره قبل مجيء رأس
الشهر لا تعتبر؛ لأن الاستشارة غاية للحرمة الثابتة باليمين فلا تعتبر قبلها، وإذا لم تعتبر كان
وجودها كعدمها. النسفي في الكشف ٣٤/١.
(٣) هذا سؤال مقدر من جانب الشافعي - رحمه اللّه ، ولتقريره لابد من مقدمة وهى: أن الزوج إن
طلق امرأته ثلاثا ونكحت زوجا آخر ثم طلقها الزوج الثاني ونكحها الزوج الأول، يملك الزوج
الأول مرة أخرى ثلاث تطليقات مستقلة بالاتفاق، وإن طلق امرأته ما دون الثلاث من واحدة أو
اثنتين ونكحت زوجا آخر ثم طلقها الزوج الثاني ونكحها الزوج الأول، فهل يملك ما بقي أم يملك
أن يطلقها ثلاثا؟ ففيها الخلاف المذكور نور الأنوار ٣٣/١، ٣٤.
(٤) قال ابن نجيم: إن كونه مثبتا للحل الجديد إنما هو بحديث العسيلة، وهو قوله: ((لا حتى تذوقي
عسيلته)) جعل الذوق غاية لعدم العود فإذا وجد ثبت العود وهو حادث لا سبب له سوى الذوق،
فيكون الذوق هو المثبت للحل فكان الحديث عبارة، في اشتراط وطئه للتحليل وإشارة إلى كونه
محللا. وبهذا ظهر الفرق بين حتى في الآية وحتى في الحديث، فإنها في الآية غاية لعدم الحل، وفي
الحديث لعدم العود، فتح الغفار - ٢٣/١ وانظر الكشف للبخاري ٨٥/١-٨٩، والتلويح ٦٨/١،
٦٩، ونور الأنوار ٣٣/١-٣٦.
(٥) من الآية ٢٣٠ سورة البقرة.
- ١١٠ -
يكون بنص آخر فلا يلزم ذلك(١) وقد أريد به العقد، حيث أسند إليها؛ لأنها(٢) أهل لذلك
كالرجل بخلاف الوطء والزيادة عليه بعبارة قوله وجَّه لامرأة رفاعة حين طلقت ثلاثا
ونكحت بعبد الرحمن بن الزبير فاتهمته بالعنة(٣): ((أتريدين أن تعودي إلى رفاعة؟))، قالت:
نعم. قال: ((لا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق هو من عسيلتك)) (٤). وهو مشهور تثبت
الزيادة به(٥)
(١) انظر كشف الأسرار للبخاري ٨٦/١، ٨٧.
(٢) في (أ، ب، ج) لما أنها.
(٣) العُنَّة بالضم الحظيرة من الخشب أو الشجر تجعل للإبل والغنم تحبس فيها، وهي عدم القدرة على
الجماع لمرض أو كبر أو سحر، أو عدم الوصول إلى البكر دون الثيب أو إلى بعض النساء دون
بعض.
وسمى عنينا لأنه يعن ذكره لقبل المرأة من عنّ يمينه وشماله فلا يقصده، ويقال في المرأة عنينه إذا
كانت لا تريد الرجال ولا تشتهيهم. لسان العرب ٢٩٠/١٣، ٢٩١، ١٩٣ مادة عنن، وانظر
حاشية الرهاوي ص ٨٦.
(٤) الحديث رواه الجماعة إلا أبا داود عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة
القرظي إلى النبي ◌ُ﴿ فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فأبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن
ابن الزبير وأن ما معه مثل هُدبة الثوب، فتبسم التَّيْئاً وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى
تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)). انتهى ذكره البخاري في الشهادات والطلاق واللباس، ومسلم
وأبو داود في الطلاق والباقون في النكاح وفي لفظ للبخاري: (كذبت واللَّه يا رسول الله إني
لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز تريد أن ترجع إلى رفاعة.
فقال التَّيْئا فإن كان ذلك لم تحلين له حتى يذوق من عسيلتك. قال: وكان مع رفاعة ابنان له من
غيرها فقال له التّا: بنوك هؤلاء؟ قال نعم. فقال لها: ((هذا وأنت تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم
أشبه من الغراب بالغراب))، وهو كذلك في الموطأ.
انظر صحيح البخاري كتاب الشهادات باب شهادة المختبي ٩٣٣/٢. وصحيح مسلم كتاب
النكاح باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره ... ١٠٥٥/٢، والدارمي باب ما
يحل المرأة لزوجها الذي طلقها فبت طلاقها ٢١٤/٢، وسنن ابن ماجة باب الرجل يطلق امرأته
ثلاثا فتزوج فيطلقها قبل أن يدخل بها أترجع إلى الأول ٦٢١/١، وسنن البيهقي باب نكاح المطلقة
ثلاثا ٣٧٣/٧ ونصب الراية ٢٣٧/٣.
(٥) الحديث المشهور ما كان آحاد الأصل متواترا في القرن الثاني والثالث، وعرفه ابن حجر بقوله: ماله
طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر، وقال البلقينى: لم يذكر له ضابط، وسماه
- ١١١ -
١/٣
٣/ج
وبطلان العصمة عن المسروق بقوله - تعالى -: ﴿جَزَآءُ﴾ لا بقوله: ﴿فَأَقْطَهُوَا﴾؛
وفي لفظ (١) العود إشارة إلى التحليل لأنه عبارة عن الرجوع إلى الحالة الأولى وكانت تلك
حلا فكذا العود، وقد تعلق بالذوق فيثبت مضافا إليه(٢).
قوله: (وبطلان العصمة/ عن المسروق بقوله - تعالى -: ﴿جَزَآءُ﴾(٣) لا بقوله:
﴿فَأَقْطَهُوَأ﴾(٤)) /. جواب(٥) عما أورده الشافعي - رحمه الله - أن الواجب بالنص.
القطع وذلك هو الإبانة، وقد أبطلتم(٦)
جماعة من الفقهاء المستفيض لانتشاره من فاض الماء يفيض فيضا، ومنهم من غاير بينهما بأن
المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء والمشهور أعم من ذلك ومنهم من عكس. والمشهور قسم
من المتواتر عند الجصاص من الحنفية وعامة الحنفية على أن المشهور قسيم للمتواتر ويوجب المشهور
عند الحنفية ظنا فوق ظن الآحاد وقريبا من اليقين، وهو ما سماه القوم علم طمأنينة ويجب تقييد
مطلق الكتاب به تيسير التحرير ٣٧/٣، ٣٨، وتدريب الراوي للسيوطي ١٧٣/٢، وانظر التقرير
والتحبير ٢٣٥/٢، ٢٣٦، وكشف الأسرار للبخاري ٣٦٨/٢، ٣٦٩.
(١) عبارة المصنف تشبه عبارة النسفي في الكشف، فالتصرف فيها يسير جدا، كشف الأسرار ٣٥/١.
(٢) قال ابن نجيم: التحقيق أن ما ذكره المصنف لا يصلح جوابا للإيراد، بل هو مقرر له؛ لأن الإيراد
أنكم أثبتم التحليل بالحديث زيادة على الخاص وهو لا يجوز وإنما الجواب أنه لا وجه للإيراد أصلا،
لأنه ليس من باب الزيادة على الخاص، إذ ليس عدم تحليله والعودة إلى الحالة الأولى من ماصدقات
مدلول حتى ليلزم إبطاله بالحديث، فهو من قبيل إثبات ما صدق ما سكت عنه الكتاب بالحديث
كما أفاده في التحرير، لكن ردة ابن عابدين بقوله: لكن صرح في التلويح أن حديث العسيلة
مشهور، وحينئذ يصلح ما ذكره المصنف أن يكون جوابا، ويدفع الإيراد كما مر بيانه، لأن المشهور
يجوز الزيادة على الكتاب فتدبر. انظر فتح الغفار ١/ ٢٣، ٢٤، والتلويح ٦٨/١، ٦٩، وحاشية
نسمات الأسحار ص ٢١.
(٣)، (٤) [المائدة: ٣٨]، وتمام الآية: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوْاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا
مِّنَ اَللَّهِ﴾ ... الآية.
(٥) هذا جواب سؤال مقدر يرد علينا من جانب الشافعي، ومبنى هذا السؤال هو أن القطع مع
الضمان على السارق لا يجتمعان عندنا سواء هلك المسروق في يده أو استهلكه في ظاهر الرواية،
وروى الحسن عن أبى حنيفة أنه يضمن إذا استهلكه، وعند الشافعي يجتمعان لأن اللَّه - تعالى - أمر
بالقطع بقوله: ﴿فَأَقْطَهُوَا﴾، ولم ينف الضمان صريحا ولا دلالةً، لأن القطع اسم لفعل معلوم
وهو الإبانة، ولا دلالة له على انتفاء الضمان وانقطاع عصمة المال أصلا، ولا هو من ضروراته.
حاشية نسمات الأسحار ص ٢١، ونور الأنوار ١ / ٣٦، ٣٧، وأصول البزدوى ٩٥/١.
(٦) بخبر الواحد وهو قوله ﴿: ((لا غرم على السارق بعدما قطعت يده)). فتح الغفار ٢٤/١.
- ١١٢ -
ولذلك صح إيقاع الطلاق بعد الخلع،
العصمة(١) الذي الحفظ / عن المسروق حتى لا تضمنوه بالاستهلاك، وهذا زيادة عليه فيكون
نسخا فقال: إنما بطل ذلك بقوله - تعالى - ﴿جَزَآءٌ بِمَا كَسَبَا﴾(٢)؛ لأنه ذكر الجزاء مطلقا،
والمطلق منه ما يلزم حقا لله - تعالى - على مقابلة فعل العبد، لأنه هو المجازى على الإطلاق،
ولزومه لله - تعالى - يدل على أن محل الجناية حق لله - تعالى - [ولا ذلك](٣) إلا بالعصمة
فينتقل إليه بالضرورة (٤).
٥/ز
قوله: (ولذلك صح إيقاع الطلاق بعد الخلع)، لأن الفاء وضعت لمعنى خاص وهو الوصل
والتعقيب، وقد دخلت على / الطلاق في قوله - تعالى -: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾(٥)
فيفصل(٦) الطلاق بالمذكور السابق القريب، وذلك هو الاقتداء فأوجب صحته بعد
الخلع (٧)، فلو وصل بالرجعى
٤/ب
(١) العصمة عند الفقهاء هى كون المحل حراما، فالمراد ببطلانها هنا، بطلانها حقا للعبد بالنسبة إلى
السارق إذا قطع، إذ لو بطلت مطلقا لصار المال مباحا فلم يقطع فيه. فتح الغفار ٢٤/١
(٢) من الآية ٣٨ من سورة المائدة.
(٣) في (١) ولا يكون ذلك.
(٤) وحاصل الجواب أن بطلان العصمة إنما أثبتناه بخاص آخر قطعي هو قوله - تعالى -: ﴿جَزَآءُ﴾ فإنه
مصدر جزى بمعنى كفي فلو وجب غرم لم يكف، وفيه أبحاث طويلة، والحق أنه لا ورود لها
أصلا، لأنه ليس من باب الزيادة على النص لأن القطع لا يصدق على نفي الضمان وإثباته فيكونا
من ماصدقات المطلق، بل هو حكم آخر ثبت بتلك الدلالة - الاستقرائية (لجزاء) - أو بالحديث.
فتح الغفار ٢٤/١، وهو ما ذكره ابن الهمام جوابا عن الإيراد، ونقله عنه ابن عابدين في حاشيته
على نسمات الأسحار ص ٢٢.
(٥) من الآية ٢٣٠ من سورة البقرة.
(٦) في (أ، ب، ج) فيتصلِ.
(٧) قال القرطبي - رحمه الله -: احتج بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلعة
يلحقها الطلاق قالوا: فشرع الله - سبحانه وتعالى - صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق؛ لأن الفاء
حرف تعقيب فيبعد أن يرجع إلى قوله - تعالى -: ﴿الطّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾؛ لأن الذي تخلل من الكلام
يمنع بناء قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ على قوله: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾، بل الأقرب عوده على ما يليه كما في
الاستثناء، ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة ... وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع في العدة،
فقالت طائفة إذا خالع الرجل زوجته ثم طلقها وهب في العدة لحقها الطلاق ما دامت في العدة،
- ١١٣ -
ووجب مهر المثل بنفس العقد في المفوضة وكان المهر مقدرًا شرعًا غير مضاف إلى العبد
كما قال الشافعي - رحمه الله - لم يكن عملا به(١).
قوله(٢): (ووجب مهر المثل بنفس العقد في المفوضة) وهي التي زوجت بغير تسمية(٣) بقوله
- تعالى -: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾(٤)، والابتغاء لفظ خاص وضع للطلب، والطلب يقع بالعقد
الصحيح لا بالفاسد والإجارة والمتعة بدلالة قوله - تعالى -: ﴿قُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾(٥)
والباء للإلصاق فثبت اشتراط كون المال ملصقا بالعقد إما تسمية أو وجوبًا(٦)، فلو تراخى عنه
إلى الوطء كما قال الشافعي - رحمه الله - لبطل(٧) الخاص بالرأي(٨).
قوله: (وكان المهر مقدرًا شرعًا غير مضاف إلى العبد)(٩) لقوله - تعالى -: ﴿قَدْ عَلِمْنَامَا
كذلك قال سعيد بن المسيب وشريح وطاووس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري،
وأصحاب الرأي، وفيه قول ثان وهو أن الطلاق لا يلزمها وهو قول ابن عباس، وابن الزبير،
وعكرمة، والحسن، وجابر بن زيد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، ومالك، ولمالك في
المسألة تفصيل. انظر تفسير القرطبي ١٤٧/٣.
(١) عبارة المصنف تشبه عبارة النسفي أنظرها في الكشف ٣٩/١.
(٢) هذا هو الفرع السادس من تفريعات المصنف على حكم الخاص أي ولأجل أن العمل بالخاص
واجب لا يحتمل البيان، وجب مهر المثل بنفس العقد من غير تأخير إلى الوطء في المفوضة.
(٣) التفويض معناه الإهمال وهو الترويج بلا مهر كأنها أهملت المهر، والمفوضة بالكسر هي التي
فوضت بضعها إلى زوجها، أي زوجت نفسها بلا مهر ومن روى بفتح الواو على معنى أن وليها
زوجها بغير تسمية المهر ففيه نظر كذا في [المغرب]، وذكر في التلويح أنها من التفويض وهو
التسليم وترك المنازعة استعمل في النكاح بلا مهر، أو على أن لا مهر لها، لكن المفوضة التي
نكحت نفسها بلا مهر لا تصلح محلا للخلاف، لأن نكاحها غير منعقد عند الشافعي، بل المراد
منها هي التي أذنت لوليها أن يزوجها من غير تسمية المهر أو على أن لا مهر لها فزوجها، وقد
يُروى المفوضة بفتح الواو على أن الولي زوجها بلا مهر. فتح الغفار ٢٦/١، ٢٧، والتلويح ٩٧/١،
وحاشية نسمات الأسحار ص ٢٣، والمبدع ١٦٦/٧، وشرح فتح القدير ٣٣٧/٣، وطلبة الطلبة
مادة فوض ص ٤٥، والمغرب ص ٣٦٧ مادة (فوض).
(٤)، (٥) من الآية ٢٤ من سورة النساء.
(٦) عبارة المصنف تشبه عبارة النسفي والتصرف فيها يسير جدًا انظر الكشف ٤١/١، ٤٢.
(٧) في (ج) لبطل الخاص وهو الباء بالرأي.
(٨) انظر كشف الأسرار للبخاري ٩١/١، ٩٣، ونور الأنوار ٤١/١، ٤٢.
(٩) عطف على ما سبق وتفريع على حكم الخاص أي ولأجل أن العمل بالخاص واجب ولا يحتمل
البيان كان المهر مقدرًا من جانب الشارع غير مضاف تقديره إلى العباد.
- ١١٤ -
عملاً بقوله: ﴿فَإِنِ طَلَقَهَا فَلاَ تَحِلُ لَهُ﴾ و﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾، ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا
عَلَيْهِمْ﴾
فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾(١)، والكلام هاهنا في موضوعين: أحدهما في نفس التقدير، والثاني في
المتولي لإيجاب المهر بيانه: أن الفرض والكناية فيه لفظان خاصان لما وضعا له وهو التقدير،
وإرادة المتكلم نفسه فوجب أن يكون المهر مقدّرًا، وأن يكون المتولي لإيجابه الشارع(٢)،
ويكون تقدير العبد امتثالا بما هو مقدر معلوم عند اللَّه تعالى، وحيث جعله الشافعي - رحمه
اللَّه - غير مقدر وجوزه بما اصطلح المتعاقدان عليه، وفوّض الإثبات والترك إلى رأيهما حتى لو
نفياه أو سكتا عنه، ومات قبل الدخول لا يجب شيء، فقد ترك العمل بالخاص(٣).
(١) من الآية ٥٠ من سورة الأحزاب.
(٢) أي تقديره بالشارع فيكون أدناه مقدرًا؛ لأن أعلاه غير مقدر إجماعًا، لأن التقدير أما أن يمنع
الزيادة أو النقصان، ولما لم يبين ذلك الأدنى قدرناه بالحديث: ((لا مهر أقل من عشرة دراهم)) رواه
الدارقطني من حديث جابر. أو بالقياس على شيء معتبر له خطر شرعا وهو اليد. فتح الغفار ١/
٢٧، ونور الأنوار ٤٢/١.
(٣) ذكر البخاري - رحمه الله - دلائل كل من المسائل الثلاث فقال عملاً بقوله - تعالى -: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا
فَلَ تَحِلُ لَهُ﴾، إشارة إلى الأولى وهى إيقاع الطلاق بعد الخلع، وقوله - تعالى -: ﴿أَنْ تَّبْتَغُوَأْ
بِأَمْوَلِكُمْ﴾، إشارة إلى الثانية وهى المفوضة، وقوله - تعالى -: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾،
إشارة إلى الثالثة وهى تقدير المهر، وذلك على طريق اللف والنشر المرتب. انظر كشف الأسرار
للبخاري ٩٣/١- ٩٥، وفتح الغفار ٢٧/١، ونور الأنوار ٤٢/١، ٤٤.
- ١١٥ -
مبحث أنواع الخاص
فصل في الأمر
ومنه الأمر وهو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء افعل ويختص مراده بصيغة
١
قوله: (ومنه الأمر)(١) الذي ومن الخاص؛ لأن صيغته وضعت لمعنى معلوم على الانفراد،
وهو طلب الفعل فكان خالصًا.
قوله: (قول (٢) القائل لغيره على سبيل الاستعلاء افعل)(٣) قيده بالقول لئلا يدخل فعل
النبي ◌ُّ والإشارة فإنهما ليسا بأمر. وبالاستعلاء احترازًا عن الدعاء والالتماس، فإن قوله
افعل إذا كان على وجه التضرع لا يكون أمرا، وإن صدر ممن هو أعلى مرتبة من المأمور، وإذا
كان على وجه الاستعلاء يكون أمرا، وإن صدر ممن هو أدنى درجة من المأمور، وبـ(افعل)
ليتميز عما يقول أحد من دونه: أوجبتُ عليك أن تفعل كذا إذا طلب منك أن تفعل كذا، أو
واجبٌ عليك فعل كذا، فهذا كله لطلب الفعل وليس بأمر.
قوله: (ويختص مراده بصيغة لازمة) الذي ما هو المراد بالأمر يوجد بصيغته فقط سواء
كان ذلك واجبا أو ندبا أو غيره ولهذا لا يكون الفعل موجبًا، لأن الوجوب يصلح مرادا بالأمر
وعند بعض أصحاب مالك والشافعي يوجد بها وبالفعل أيضًا فيكون الأمر مشتر كا بين القول
(١) لما فرغ المصنف من تعريف الخاص وحكمه وتفريعاته أراد أن يبين بعض المسائل المستعملة في
الشريعة كثيرا وهو الأمر والنهى.
(٢) في (ب، ج) وهو قول.
(٣) عرفه الغزالي في المستصفى بقوله: القول المقتضى طاعة المأمور بفعل المأمور به، وقيل: طلب الفعل
واقتضاؤه على غير وجه المسألة وممن هو دون الآمر في الدرجة. المستصفي ٤١١/١، قال ابن نجيم:
وقد اختلفوا في تعريفه فمنهم من عرفه باعتبار وجوب امتثاله، لأن الكلام في خاص القرآن كما في
المغنى فقال: الأمر قول القائل لمن دونه افعل فشرط العلو في نفس الأمر، ولم يعتبر الاستعلاء فقط،
وبعضهم عرفه بأعم منه فلم يشترط العلو وإنما شرط الاستعلاء وعليه أكثر الأصوليين كما ذكره
القآني ومنهم المصنف، فالقول بمعنى المقول هنا كاللفظ وإن صح أن يكون مصدرًا، لأن الأمر
والنهى من قبيل الإنشاء، وهو قسم من اللفظ المفيد، ولأن الأمر عند الأصولي نفس الصيغة لا
الطلب. فتح الغفار ٢٧/١، ٢٩ وانظر كشف الأسرار للبخاري ١٠١/١، ١٠٢، وتيسير التحرير
٣٣٧/١-٣٤١، والتلويح ٢٨٨/١، ٢٨٩، وأصول السرخسي ١١/١-١٤ وفواتح الرحموت ١/
٣٦٧-٣٧١.
- ١١٦ -
لازمة حتى لا يكون الفعل موجبا خلافا لبعض أصحاب الشافعي - رحمه الله - للمنع عن
الوصال وخلع النعال
والفعل عندهم(١) احتجوا بقول الله - تعالى -: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾(٢) الذي فعله
ولو لم يكن الأمر فعلا لما سمى بالأمر، وذلك لأن إطلاقه على الفعل إما أن يكون بطريق
الحقيقة أو المجاز. لا وجه للمجاز بانتفاء شرطه وهو الاتصال صورة أو معنى فتعينت الحقيقة
ولقوله {وَ لّ: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(٣) فقد جعل متابعة أفعاله لازمة.
قوله: (للمنع عن الوصال وخلع النعال) متصل بقوله حتى لا يكون الفعل موجبا وهو أنه -
صلى الله عليه وسلم - لما واصل وواصل أصحابه أنكر عليهم الموافقة فقال: ((إني لست
كأحدكم أبيت عند ربي يطعمني ويسقين))(٤)، وحين خلع نعليه في الصلاة وخلع الناس
(١) صورة المسألة: أنه إذا نقل إلينا فعل من أفعاله و﴿ التي ليست بسهو مثل الزلات ولا طبع مثل
الأكل والشرب ولا هي من خصائصه مثل وجوب الضحى والسواك والتهجد ... هل يسعنا أن
نقول فيه أمر النبي الكلّيْلبكذا وهل يجب علينا اتباعه في ذلك أم لا؟ فعند مالك في إحدى
الروايتين عنه وأبى العباس بن شريح وأبى سعيد الاصطخري وأبي علي بن أبى هريرة وأبي علي بن
خيران من أصحاب الشافعي يصح إطلاق الأمر عليه بطريق الحقيقة ويجب علينا الاتباع فيه، وعند
عامة العلماء لا يصح إطلاقه عليه بطريق الحقيقة ولا يجب الاتباع كشف الأسرار للبخاري ١/
١٠٢، ١٠٦، وانظر شرح ابن ملك ص ١١٤ - ١٢٠، وإرشاد الفحول ص ٣٥ - ٣٨، وتيسير
التحرير ١٢٤/٣-١٢٨، وتسهيل الحصول ص ٧٠ ٠ ٧٣، ونور الأنوار ٤٥/١-٤٩.
(٢) من الآية ٩٧ من سورة هود.
(٣) الحديث أخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث: أتينا إلى النبي ﴿ّ ونحن شببة متقاربون فأقمنا
عنده عشرِين يومًا وليلة وكان رسول اللَّه ﴿ّ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد
اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه قال: ((ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم
ومروهم ... ))، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها، ((وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت
الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)). انظر البخاري كتاب الآذان باب الآذان للمسافر
إذا كانوا جماعة ٢٢٦/١، وصحيح ابن خزيمة ٢٦٠/١، وابن حبان ٥٤١/٤ والبيهقي ١٢٠/٣،
ومسند الإمام أحمد ٥٣/٥ مع اختلاف في الألفاظ، ونصب الراية ١٦٤/٢.
(٤) اللفظ المذكور عند ابن خزيمة وحده عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه محطات: ((إياكم والوصال))،
قالوا: يا رسول اللَّه إنك تواصل، قال: ((إني لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)).
ابن خزيمة ٢٧٩/٣ وأخرجه البخاري عن أبى هريرة بزيادة: (فواصل بهم النبي 3 # يومين أو ليلتين
ثم رأو الهلال فقال النبي ﴿: ((لو تأخر الهلال لزدتكم))، كالمنكي لهم). صحيح البخاري كتاب
- ١١٧ -
والوجوب استفيد بقوله وُ لّ: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)»، لا بالفعل ويسمى الفعل
به؛ لأنه سببه.
نعالهم فقال(١) منكرًا عليهم بعدما فرغ: ((ما لكم خلعتم نعالكم))(٢). ولو كان الفعل موجبا
لتناقض الدليلان. قوله: (والوجوب استفيد بقوله مُطّ: ((صلوا)))، الذي لا نسلم بأنه استفيد
بالفعل [بل بالأمر](٣). قوله: (وسمى) الفعل به الذي بالأمر جواب عن احتجاجهم بقوله- تعالى
-: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾(٤) يعنى إنما سمي به؛ لأنه سيبه إذ الأمر داع إلى الفعل فيكون
إطلاق اسم السبب على المسبب(٥) وهذا منع في الحقيقة أيضا وإنما لم يقدمه لما أن الأول مجرد
منع، وهذا(٦) محتاج إلى نوع بيان فكان جوابا من وجه من المنع مقدم على الجواب/.
٦/ب
الصوم باب التنكيل لمن أكثر الوصال ٦٩٤/٢، وانظر: صحيح مسلم ٧٧٤/٢، وابن خزيمة ٣/
٢٧٩، وابن حبان ٣٢٤/١٤ والدارمي ١٤/٢ والبيهقي ٢٨٢/٤ والموطأ ٣٠١/١.
(١) في (ا، ب، ج) قال.
(٢) الحديث أخرجه ابن خزيمة ولفظه: عن أبى سعيد الخدري أنه قال: صلى بنا رسول اللَّهُ مُ﴿ ذات
يوم فخلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى القوم أن رسول اللَّه ﴿ قد خلع نعليه خلعوا نعالهم
فلما انفتل قال لهم: ((ما شأنكم خلعتم نعالكم؟!) قالوا: يا رسول اللَّه رأيناك خلعت نعليك فخلعنا
نعالنا فقال: ((أتاني آتي فحدثني أن في نعلي أذى فخلعتهما فإذا دخل أحدكم المسجد فلينظر فإذا
رأى في نعليه قذرا فليمسحهما بالأرض ثم يصلي فيهما)).
صحيح ابن خزيمة ٣٨٤/١، وأخرجه ابن حبان ٥٦٠/٥، والحاكم في المستدرك وقال صحيح
على شرط مسلم ولم يخرجاه المستدرك على الصحيح ٣٩١/١، والبيهقي ٤٠٢/٢، وأحمد في
مسنده ٢٠/٣ بألفاظ متقاربة.
(٣) في (أ، ب، ج) بل استفيد بالأمر.
(٤) من الآية ٩٧ من سورة هود.
(٥) أي: الأمر سبب الفعل فهو مأمور به فقيل له أمر تسمية للمفعول بالمصدر، هذا جواب عن
تمسكهم بالآية لكنه جواب تسليمي؛ لأنه كان له أن يمنع ويقول: لا نسلم أن المراد من الأمر الفعل
بل المراد منه القول لأن الرشد بمعنى الصواب، فالقول متصف به كالفعل، ولئن سلم ذلك فإطلاقه
مجازٌ لأنه سببه إلا أن الأمر بمعنى الفعل يجمع على أمور، وبمعنى القول على أوامر، كذا في
الكشف لكنه غير مستقيم لأن أمرًا على صيغة فعل لا يجمع على فواعل البتة اللهم إلا أن يجعل
أوامر جمع آمره كأن صيغة افعل جعلت آمره مجازا وعلى هذا التأويل جمع نهى على نواه .
...
والجواب التسليمي طريق أرباب المناظرة المنع ثم التسليم أي يمنع قول الخصم ويرده ثم يسلمه
ويدفع ما يرد عليه وهو أقوى في الرد. شرح ابن ملك ومعه حاشية الرهاوي ص١١٧ - ١٢٠.
(٦) في (١) يحتاج.
- ١١٨ -
فصل في موجب الأمر
وموجبه الوجوب لا الندب والإباحة والتوقف سواء كان بعد الحظر أو قبله ..
قوله: (وموجبه(١) الوجوب) اعلم أن استعمال صيغة الأمر على سبعة أوجه(٢) وهو(٣)
الإيجاب كقوله - تعالى -: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾(٤)، والندب كقوله - تعالى -: ﴿وَأَفْعَلُواْ
اَلْخَيْرَ﴾(٥) والإباحة كقوله - تعالى -: ﴿فَكُلُواْ مِمَا أَمْسَكْنَ عَلَيَّكُمْ﴾(٦) والإرشاد إلى ما هو
الأوثق كقوله - تعالى -: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾(٧)، والتقريع كقوله - تعالى -:
﴿وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾(٨) والتوبيخ كقوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن
وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾(٩) والسؤال كقوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاً﴾(١٠) ولا خلاف أن
[التوبيخ والتقريع](١١) والسؤال لا يتناوله اسم الأمر، وكذا لا خلاف أنه يتناول ما هو
الإيجاب حقيقة، وإنما الاختلاف/ في الندب والإباحة والإرشاد، وقيل إن هذه لا تسمى أمرًا
حقيقة/وقيل: إن اسم الأمر يتناول ذلك كله.
١/٥
٥/ز
[وإذا عرفت هذا فاعلم](١٢) أن عامة الفقهاء على أن موجبه الوجوب(١٣)، وإن كان
بعد الحظر خلافا لبعض أصحاب الشافعي فإنه بعد الحظر للإباحة عنده(١٤) وسيتضح لك
(١) بفتح الجيم أثره الثابت فهو والحكم والمقتضى عند الفقهاء ألفاظ مترادفة. فتح الغفار ٣٣/١.
(٢) في جمع الجوامع: وترد لستة وعشرين معنى ٣٧٢/١، ٣٧٤.
ويلاحظ أن المصنف نقل عبارة السرخسي بنصها غير أن خالفه في التمثيل للتقريع والتوبيخ. انظر
أصول السرخسي ١٤/١، ١٥.
(٣) في (ب، ج) وهى أي الأوجه.
(٤) من الآية ٧٢ من سورة الأنعام.
(٦) من الآية ٤ من سورة المائدة.
(٥) من الآية ٧٧ من سورة الحج.
(٨) من الآية ٦٤ من سورة الإسراء.
(٧) من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة.
(٩) من الآية ٢٩ من سورة الكهف.
(١١) في (١) التقريع والتوبيخ.
(١٠) من الآية ١٢٧ من سورة البقرة.
(١٢) في (ج) وإذا عرفت فاعلم وفي (١) وإذا عرفت ذلك.
(١٣) وهو مذهب الشافعي والفقهاء، وجماعة من المتكلمين كأبي الحسين البصري وهو قول الجبائي
في أحد قوليه. الإحكام للآمدي ١٠/٢.
(١٤) وكذا عند الآمدي، وعامة الحنفية وهو المروي عن القاضي الباقلاني من الشافعية، والمعتزلة،
واختاره الإمام فخر الدين الرازي من الشافعية فهؤلاء قالوا: موجبه في أغلب الاستعمال قبل الحظر
- ١١٩ -
لانتفاء الخيرة عن المأمور بالأمر بالنص واستحقاق الوعيد لتاركه
٥/ج
وجه قولهم، وقيل موجبه الندب(١)، وقيل الإباحة(٢)، وقيل: التوقف(٣) ووجه من قال
بالتوقف أن الصيغة لما استعملت لمعاني مختلفة لا يتعين شيء منها إلا بدليل لتحقق المعارضة
في الاحتمال فيجب التوقف حتى يتبين المراد، ووجه/ الإباحة أن الأمر يقتضي حسن المأمور
به ومن ضرورته التمكن من الإقدام عليه(٤)، ووجه الندب أن الأمر لطلب المأمور به وذلك
يرجح جانب الإقدام وأدناه الندب(٥).
قوله: (لانتفاء الخيرة عن المأمور بالأمر بالنص)(٦)، وهو قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾(٧) والندب والإباحة لا
ينفيانها(٨).
قوله: (واستحقاق الوعيد لتاركه) بقوله - تعالى -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ- أَن
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٩) والوعيد لا يلحق إلا بترك الواجب.
الوجوب وبعده الإباحة كقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ فواتح الرحموت ٣٧٩/١ وشرح
ج
ابن ملك ص ١٢٢، ١٢٣، والبرهان ١٨٧/١.
(١) وهو مذهب أبى هاشم، وكثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، وجماعة من الفقهاء وهو منقول
أيضا عن الشافعي. الإحكام للآمدي ١٠/٢.
(٢) قول بعض المالكية. فتح الغفار ص ٣٣، ٣٤.
(٣) مذهب الأشعري هو ومن تابعه من أصحابه كالقاضي أبى بكر والغزالي وغيرهما وقال هو
الأصح. الإحكام للآمدي ١٠/٢، وفتح الغفار ٣٤/١.
(٤) وذلك بالإباحة، وعبارة ابن ملك تتطابق مع عبارة المصنف. شرح ابن ملك ص ١٢٠.
(٥) كقوله: ﴿فَكَِّبُهُمْ﴾ متمسكين بأنه لطلب الفعل، فلا بد من ترجحه على الترك فأدنى الترجيح
الندب. شرح ابن ملك ص ١٢٠.
(٦) شرع في دلائل الوجوب.
(٧) من الآية ٣٦ من سورة الأحزاب.
(٨) والنص قوله - تعالى -: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكِّ﴾ بعد قوله: ﴿أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ﴾، فإنه ورد في
معرض الذم على المخالفة، فعلم أن لا اختيار للمأمور في فعل ما أمر به وهو دليل الوجوب، وقيل إن
المراد بالنص قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾، قال الرهاوي: هذا هو المناسب للمقام،
وإذا انتفت الخيرة عن المأمور تعين الوجوب. شرح ابن ملك وحاشية الرهاوي عليه ص ١٢٤، ١٢٥.
(٩) من الآية ٦٣ من سورة النور.
- ١٢٠ -