Indexed OCR Text
Pages 301-320
أصول الإفتاء ٣٠٤ أحكام الإفتاء ومنهجه ببعض الأمور المهمّة، أو لا يعرفُ حقيقتها. وقد يُدلِّس حقيقةً المعاملة بتصويرها تصويراً لايُوافقُ الواقع، فإنّ فتوى المفتى فى مثله إنّما تقع على الصُّورة المسئول عنها، ولكنّها تُشهَّر بالنّسبة للتّعامل الحقيقيّ المعروف بين النّاس. ومعروف أنّ الاستفتاءَ المعروضَ على الشّيخ المرحوم محمّد عبده بشأن التأمين التقليديّ كان من هذا القبيل، حيثُ سأله رجلٌ فرنسيّ اسمُه "موسيو هرسل " بصيغةٍ غير حقيقيّة، وأظْهَرَ أنّ الموضوعَ موضوعُ مُضارَبّة، فأفتى الشّيخُ على ذلك الأساس،(١) ثمّ نُشِرَت الفتوى على نطاقٍ واسع بأنّه أجاز التّأمينَ التّقليديّ. وكذلك وقع فى الهند حيثُ صُوّرّ التّأمين التقليديّ بصورةٍ غير حقيقيّةٍ، ثمّ سُئل بعض العلماء الموثوقين، فأفتَوا بجوازه، ولا تزالُ تلك الفتاوى تُستغَلّ حتّى اليوم من قِبَل بعض شركات التّأمين. ولهذا ينبغى لمُفتى كلّ عصرٍ أن يكون عارفاً بحقيقة هذه التّعاملات. ولذلك رُوِى عن الإمام محمّد رحمه الله تعالى أنّه كان يذهبُ إلى الصبّاغين ويسألُ عن مُعاملتِهم وما يُديرونها فيما بينهم.(٣) وما ذلك إلاّ لأن يكون على بصيرةٍ من التّعامُلاتِ الجاريةِ بينهم. وكثيرا مّا يُسئَلُ المُفتى فى زماننا عن التّعاملات الجاريةِ بين النّاس على أساس قانونٍ أو حكم صادرٍ من الحكومة، هل هى جائزة أم لا؟ ويذكرها المُستفتى حسبَ فهمِه لها، ويتركُ الأمورَ المُهمّة التى عليها مدارُ الحُكمِ الشّرعيّ. وينبغى فى مثل هذه الأمورِ أَن يُراجعَ المُفتى ذلك القانون أو الحُكمَ (١) ذكره فضيلة الدكتور عبدالستار أبو غُدّة. راجع مجلّة مجمع الفقه الإسلاميّ، العدد السابع عشر ج١ ص٨٥٥ (٢) نشر العرف لابن عابدين نقلا عن البحر عن مناقب الكردرى. رسائل ابن عابدين ٢:١٣٠ أحكام الإفتاء ومنهجه ٣٠٥ أصول الإفتاء الذى بُنى عليه التّعامُل قبل أن يبتّ فى الجواب. فإذا سُئل مثلاً عمّا يُدفَع إلى موظّفى الحكومةِ فى بلدٍ مُعيّن من عِلاواتٍ عند تقاعُده أو موته، فلابدَّ قبل الإفتاء بالجواز أو عدمه، وكذلك فى حكم كونها موروثةً أم لا، من أن يُراجَع ذلك القانونُ أو الحكمُ الذى بُنيت عليه هذه الدُّفعات، حتى يتبيّنَ أنه هل يدخل فيها الربا أو محظور شرعيّ آخر، وإن كانت جائزةً، فهل هى ممّا یجری فیه الإرث أم لا. الجواب على أساس النّقل الصريح وبعد ما وقع التثبُّت فى فهم الصُّورةِ المسئولِ عنها، فالمهمُّ إدخالها فى حكم شرعيٍّ ثابت. وفى مُعْظَّم الأحوالِ تكونُ المسئلةُ مذكورةً فى كتب الفقه بصراحة، فيتعيّنُ علي المفتى أن يُجيب السّائل خَسْبما جاء فى كُتب المذهب، ويتأتى فيه ما أسْلَفْنا من قواعد رسم المفتی نقلاً عن ابن عابدين رحمه الله تعالى. وفى مثل هذا قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى: "والغالبُ أنّ عدمَ وِجْدانه النّصَّ لقلّة اطلاعه أو عدم معرفته بموضع المسئلة المذكورة فيه، إذ قَلَّ ما تقعُ حادثةٌ إلّ ولها ذكرٌ فى كُتب المذهب، إمّا بعينها، أو بذكر قاعدةٍ کلیّةٍ تشملها. "(١) فإن كانت المسئلةُ مذكورةً بعينِها سهُل الخَطْبُ على المفتى. أمّا إذا كانت غيرَ مذكُورةٍ بعينها، ووقَعتِ الحاجةُ إلى إدراجها فى عُموم بعض الأحكام، أو فى ضابطٍ فقهيّ، فإن كان المفتى من غير أهل النّظر، وجب عليه أن يُوكِلَ الأمرَ إلى من هو أعلمُ منه من أهل النّظر والاستنباط. (١) شرح عقود رسم المفتى ص٥٨ و ٥٩ أصول الإفتاء ٣٠٦ أحكام الإفتاء و منهجه وفى مثل هذا قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: " ولا يكتفى بوجود نظيرها ممّا يقارِبُها، فإنّه لا يأمَنُ أن يكون بينَ حادثةٍ وما وجده فرقٌ لا يصل إليه فهمُه، فكم مِن مسئلةٍ فرّقوا بينها وبين نظيرتها حتّى ألفوا كُتبَ الفُروقِ لذلك، ولو ؤُكِل الأمر إلى أفهامِنا لم نُدرك الفرقَ بينهما، بل قال العلامة ابنُ نُجيم فى الفوائد الزّينيّة: "لا يحلُّ الإفتاء من القواعد والضوابط، وإنّما على المفتى حكايةُ النّقلِ الصّريح، كما صرّحوا به (انتهى)."(١) وربّما تكونُ الصُّورةُ المسئول عنها مركّبةً من عِدّة واقعاتٍ يندرجُ كلُّ واحدٍ منها تحتَ بابٍ مستقلّ، وحينئذ، يجب تطبيقُ الأحكام الشرعيّةِ من كلّ بابٍ على جزء السُّؤال المتعلّق به. ولابُدَّ فى مثل ذلك من ترتيبِ الأحكام على مُقتضاها الطّبيعيّ، فيجبُ على المفتى أن يجزأ السؤال تجزئةً مضبوطةً. يُعيِّن منها مواضعَ الإِمعان والتّحقيق، ويرتّبَها بصورةٍ طبيعيّةٍ منطقيّة. فيُمْعِنُ فى كلّ جزءٍ من السُّؤال حسب ذلك التّرتيب، دونَ الالتزام بالتَّرتيبِ الذى ذكره المستفتى. مثالُه: مات زيدٌ عن امرأتِه زينبَ وهى حاملةٌ، فسقط حملُها بعد شهر، فتزوّجَ بها عمروبعدَ سُقوطه فوراً، وولدت منه بكراً بعد تسعة أشهر من نكاحها به، ثمّ ماتَ عمروٌ وقد أوصى لبكرٍ بثلُثِ ماله، وكان لعمروٍ ولدّاسمه خالد من غير زينب، فأنكرَ أن يُعطىّ بكراً شيئاً من تركةٍ أبيه، فهل يُجبر أن يُعطِيَه الثُّلث؟ ويتوقّف الجوابُ عنه على أنّه هل ثبت نسبُ بكرٍ من زيد؟ وهذا موقوفٌ (١) شرح عقود رسم المفتى ص٥٨ و ٥٩ أصول الإفتاء ٣٠٧ أحكام الإفتاء ومنهجه على حكم نكاحها من عمروٍ، وهو موقوفٌ على انقضاء عدّتها من زيدٍ. فالسؤال الأساسيّ: هل انقضتْ عدَّةُ زينب عن زيدٍ بسقوطِ حملها؟ والجواب: أنّ سقوطَ الحمل إنّما تنقضى به العدّةُ إن سَقَط بعد استبانةِ بعضِ خَلْقِهِ، فإن سقطَ قبله، لاتنقضى به العِدّة.(١) ولا يستبينُ الخَلقُ عادةً فى شهر. فلمًا سقطَ فى شهرٍ قبل استبانة الخلق، لم تنقض به العِدّة. فكان نكاحُها من عمروٍ نكاحاً فى عدّةِ زيد. وحينئذٍ تحتاجُ إلى معرفة حكمٍ نكاحٍ معتدّة الغير، وحكمُه أنّه فاسد، ولكن يثبتُ به النّسب إذا وُلد الولدُ فى مدّة الحمل من وقت النّكاح أو الوطأ (على اختلاف القولين)، (٢) فثبت نسب خالدٍ من عمرو بسب ذلك. ولمّا ثبت نسبُه منه، كانتِ الوصيّةُ فى حقّه باطلةً، لأنّه لاوصيّةَ لوارث. فلا يستحقُّ خالدٌ شيئاً بحكم الوصيّة، ولكنّه يستحقّ حصّتَه من الميراث. الجواب على أساس العمومات أو النظائر أمّا إن كان المفتى من أهل النّظر والاستنباط بشهادةِ أهل العلم فى زمانه، جازله أن يستنبطَ حُكمَ المسئلةِ من العُمومات الواردة فى الكتبِ الفقهيّة وبالنّظائر المذكورة فيها، ولكن لابدّ من التنُّه للفروق التى قد تحدث بين المسئلة المذكورة فى الكتب وبين ما سُئل عنه، كما نبّه عليه ابنُ عابدين رحمه الله تعالى. ونذكر فى هذا الصدد أصلين لابدّ من الاعتناء بهما: (١) قال ابن عابدين: "والمرادبه الحمل الذى استبان بعضُ خَلقه أو كُلّه، فإن لم يستبن بعضه لم تنقضِ به العدّة ... "تمّ نقل عن المحيط أنّه لا يستبين إلّ فى مائة وعشرين يوما، وعن البحر أنّه قد يستبين قبل أربعة أشهر. (ردالمحتار، باب العدّة، ١٠: ٢٨٨ و٢٨٩ فقره ١٥٢٧٠) (٢) راجع ردالمحتار، باب العدّة ١٠: ٣٠٥ و٣٠٦ فقرة١٥٣٢٢ وباب ثبوت النسب ١٠:٣٨٠ ١٠:٧٫٥٠ أصول الإفتاء ٣٠٨ . أحكام الإفتاء ومنهجه الأوّل: أنّ المسئلةَ المذكورةَ فى النُّصوص الفقهيّةِ قد تكونُ مبنيّةً على الأعراف والعوائد السّائدةِ فى زمن مَن ذكرها، وقد تتغيّر هذه الأعرافُ والعوائد، وحينئذ، لايجوز تطبيقُ الحُكم المذكور على المسئلة المسئول عنها. وقد ذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى عدّةَ أمثلةٍ من هذاالنوع، ثم قال: "فهذا كلُّه وأمثاله دلائلُ واضحةٌ على أن المفتى ليس له الجمود على المنقول فى كُتب ظاهر الرّواية من غير مراعاةِ الزّمان وأهله، وإلاّ يُضيّعُ حقوقاً كثيرة، ويكونُ ضررُه أعظمَ من نفعه."(١) والثانى: أنّ عباراتِ الفقهاء فى كُتُبهم مبنيّةٌ على ما أمكن تصوّرُه فى زمانهم، فقد يذْكُرون ألفاظاً عامّةً تشمل بظاهرها أحوالاً استجدَّتْ بعدهم، ولم تكن مُتصوَّرةً فى عهدهم. فلا يمكنُ أن نقول إنّهم حَكَمُوا على هذا الوضع الجديد بالألفاظ العامّة الّتى استخدموها عند بيانِ الحُكم. فإنّ عبارات الفقهاءِ محدودةٌ فى إمكانيّاتهم ومقتضي استقصاءِهم واستقراءِ هم فى عهدهم، فمِنَ المُمكن أن يكونَ الفُقهاءُ قد استعملوا كلمةً حسب استقراءٍ أحوالٍ زمانهم ولم يتخيَّلُوا ما سيَحْدُثُ فى الأزمنةِ الآتية، بحيثُ لم تَسْتوعِبْ عباراتُهم هذه الحوادثَ المستقبلة، فرُبما يُتوهّمُ من عُموَمِ ألفاظِهم حكمٌ للحوادث المستقبلة، ولكنّهم لم يقصدوها لكونها غيرَ متصوَّةٍ فى عهدهم. وإلى هذا أشار العلاّمة ابنُ تيميّة رحمه الله تعالى حين قال: "لأنّ الصُّورَ الَّتِى لم تقعْ فى أزمنتهم لا يجبُ أن تَخْطُرَ بقلوبهم ليجب أن يتكلّمُوا فيها، ووقوعُ هذا وهذا فى أزْمِنَّتِهم إمّا معدومٌ وإمّا نادرٌ جِدّاً، وكلامهم فى هذا الباب (١) نشر العرف، رسائل ابن عابدين ٢:١٣١ أصول الإفتاء ٣٠٩ أحكام الإفتاء و منهجه مطلقٌ عامٌ، وذلك يُفيد العموم لو لم تختصّ الصُّورةُ المعيّنة بمعانٍ تُوجب الفرقَ والاختصاص. وهذه الصُّورةُ قد لا يَسْتَخْضِرها المتكلّمُ باللّفظ العامّ من الأئمة، لعدم وجودِها فی زمنهم."(١) مثاله: مسئلةُ جوازِ الصّلاةِ فى الطائرة. قد أفتى بعضُ علماءِ زماننا بعدم جوازِ الصّلاة فيها إلاّ بعذر، وعلّلوا ذلك بأنّ السُّجود لا يتحقّقُ فيها، لكون السُّجود عرفه الفقهاء بوضع بعض الوجه علي الأرض. فيُشترط لتحقّق السُّجود أن يكونَ وضعُ الجبهةِ على الأرض أو على ما يستقرءُ عليها، وإنّ الطّائرةَ فى الفضاء ليست أرضاً، ولا مستقرَةً عليها عند طيرانها، لأنها لا تستقر علي الهواء، ولا الهواءُ مستقِرٍ على الأرض. وإنّ هذا الدّليل مبنيّ علي تعريف الفقهاء للسُّجود. ولكن قال شيخنا العلامة شبّير أحمد العثمانيُ حسب ما سمعت من والدى العلامة الشّيخ المفتى محمّد شفيع رحمهما الله تعالى إنّ الفقهاءَ لمًا استخدموا كلمة "الأرض" فى تعريف السُّجودلم يتصوّروا الطّائرات، لكونها غيرَ موجودةٍ ولا متصوَّرةٍ فى عهدهم، فإنّهم حين استعملوا لفظ "الأرض" لم يقْصِدوا بذلك إخراج الطائرة فى الفضاء، وإنما عبرّوا بلفظ "الأرض" عن الفَرْشِ الّذى يَسْلُك عليه النّاس ويُعتبرُ مَوْطِأَ للأقدام. ولمّا كانت هذه الأوصافُ لا تُتصوَّر فى عهد الفقهاءِ إلَّا فى الأرض، عرّفوا السُّجودَ بوضع الجبهةِ أو بعض الوجهِ علي الأرض، ولكنّه تبيّن بعد حُدوث الطّائرات أنّ هذه الأوصافَ المطلوبةَ للسُّجود موجودةٌ بأسرها فى فرش الطّائرات أيضاً، وقد يُطلق عليه لفظ "الأرض " عُرفاً. وحينئذٍ لا يصحّ (١) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٦: ٢٣٩و٢٤٠ أصول الإفتاء ٣١٠ أحكام الإفتاء و منهجه الاستدلال بلفظ "الأرض " فى تعريف السُّجود علي عدم جواز السُّجود على فرش الطائرات. وكذلك أفتى بعضُ العلماء بعدم جواز الصّلاة علي المِجْهَر، وعلّلوا ذلك بأنّ اتّباعَ التّكبيراتِ المسموعةِ من المجهر تلقُّنٌّ من الخارج، لأنّ صوتَ المِجْهَر غيرُ صوتِ الإمام، ولكنّ الفقهاءَ لمّا استعملوا كلمة "التلقُّن من الخارج" لم يكُن المجهرُ موجوداً ولا مُتصوّراً، فلا يصحُّ أن يقال إنّهم قَصَدوا المِجْهرَ حينما استعملوا كلمة "التلقّن من الخارج"، فلا يصحُّ الاستدلال به على فساد صلاة من انتقل فى صلاته بالتكبيراتِ المسموعة منه، وذلك لأنّ صوتَ المجهر، سواءٌ كان عينَ صوت الإمام أو غيره، صوتٌ خارجٌ من آلةٍ غير مُختارة، فلا يُنسب الي تلك الآلة، وإنّما يُنسب إلى الفاعل المختار، وهو الإمام، كما حقّقه والدى الشّيخ المفتى محمّد شفيع رحمه الله تعالى فى "البدائع المفيدة". والأحسنُ قبلَ الافتاءِ فى مثل هذه المسائل أن يُشاورَ المفتى غيرَه من العلماء والفقهاء، وأن لا يتعجّلَ فيها بالإفتاء، بل يخشي الله سبحانه وتعالى فى جميع ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: "أجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّار" والعياذ بالله العليّ العظيم. آداب الإفتاء ١٠- يَنبغى للمُفتى قبل الإفتاء أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويَسألَه الهدايةَ إلى الرُّشد. قال ابنُ الصّلاح رحمه الله تعالى: "رُوِى عن مكحول ومالك رضى الله عنهما أنّهما كانا لايُفتيان حتى يقولا: لاحول ولا قوة إلاّ بالله. أصول الإفتاء ٣١١ أحكام الإفتاء ومنهجه ونحنُ نَسْتحِبُّ للمفتى ذلك مع غيره، فلْيقُلْ إذا أراد الإفتاء: أعوذُ بالله من الشّيطان الرّجيم. سُبْحَانَكَ لاَعِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ الآية. ربِّ اشْرَحْ لِئْ صَدْرِئْ وَيَسِّرْلِئْ أمْرِئ، واخْلُلْ عُقْدَةً مِّن لُّسَانِئْ يَفْقَهُوا قَوْلِى. لاحول ولاقوة إلاّ بالله العليّ العظيم. سُبحانكَ اللّهمّ وحَنَانَيْك. اللّهمّ لاتَنْسَنى ولا تُنَسِّنى. الحمدُ لله أفضلَ الحمد اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آله وسائر النبيّين والصّالحين وسلّم. اللّهم وفِّقْنى واهدنى وسدّدنى واجمَعْ لى بين الصّواب والثّواب، وأعِذْنِى من الخطأ والحرمان. آمين. فإن لم يأت بذلك عند كلّ فتوىً، فليأتِ به عند أوّلِ فُتیاً يُفتيها فى يومه لِمَا يُفتيه فى سائر يومه مُضيفاً إليه قراءةَ الفاتحة وآية الكرسيّ وما تيسّر، فإنّ من ثابر على ذلك حقيقٌ بأن يكون موفّقاً فى فتاویه."(١) وقال ابنُ القيّم رحمه الله تعالى: "حقيقٌ بالمُفتى أن يُكثر الدّعاءَ بالحديث الصّحيح: اللّهمّ ربَّ جبرئيلَ وميكائيل وإسرافيلَ فاطرَ السّماوات والأرضِ عالم الغيب والشهادة أنت تحگُم بین عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنی لما اختُلِف فيه بإذنك، إنّك تهْدى من تشاء إلى صراطٍ مُستقيم. وكان شيخُنا (يعنى العلاّمة ابنَ تيميّة رحمه الله تعالى) كثيرَ الدّعاء بذلك. وكانت إذا أشكلت عليه المسائلُ يقول: يا معلِّمَ إبراهيمَ علِّمْنى، ويُكثرُ الاستعانةَ بذلك اقتداءً بمعاذبن جبل رضى الله تعالى عنه حيث قال لمالك بن يُخَامرِ السَّكْسَكِيّ عند موته، وقدراه يبكى، فقال: واللهِ ماأبكى على دنيا كنت أُصيبُها منك، ولكن أبكى على العلم والإيمانِ اللّذَين كنتُ أتعلّمُهما منك، (١) أدب الفتوى لابن الصلاح ص ١٠٦ ٠,٠٠٠.٠٠.٠.٠٠ أصول الإفتاء ٣١٢ أحکام الإفتاء و منهجه فقال معاذبن جبل رضى الله تعالى عنه: إنّ العلم والإيمانَ مكانَهما، مَن ابْتَغاهما وَجَدهما، أُطْلُبِ العلمَ عند أربعة: عند عُويمرأبى الدرداء، وعند عبدالله بن مسعود، و أبى موسى الأشعريّ، وذکر الرّابع. فإن عجز عنه هؤلاء، فسائر أهل الأرض عنه أعجزُ. فعَلَيْكَ بمُعلّم إبراهيمَ صلوات الله عليه."(١) ورُوى عن سعيدبن المُسَيَّب رحمه الله تعالى أنّه كان لايكاد يُفتى فُتيا ولا يقول شيئاً إلاَّ قال: "اللّهمّ سلِّمنى وسلِّم مِّنّى."(٢) ٢- ينبغي للمفتى أن لا يُبادِرَ بالجواب في مجلس يوجدُ فيه من هو أعلمُ منه، بل يحوِّلُ السُّؤْالَ إليه.(٣) ويُستثنى منه ما إذا أمره ذلك الرجلُ الأعلمُ بالجواب، فحينئذٍ يُجیب حسب علمه. قال ابن نُجيم رحمه الله تعالى: "ومِن شرائطها حفظه الترتيب والعدل بين المستفتين، لايميل إلى الأغنياء وأعوان السّلطان والأمراء، بل يكتب جواب السّابق غنيّاً كان أو فقيراً. "(٤) ٣-ينبغي للمفتى أن لا يُجيبَ إلاّ بعد حصولِ الطُّمَأْنِينة على صحّةِ الجواب، ولا يُجيبَ إن كان فى قلبه شبهةٌ ولو يسيرة، ولا يتأثّرَ فى ذلك بإلحاح المستفتى على التّعجيل في الجواب. وعلى هذا يُحَمَلُ قولُ من قال إنّه لا يجوز الإفتاء ماشياً. ويُروى أنّ ابن سلام رحمه الله تعالي ربّما كان المستفتى يُلِحُّ عليه بالتّعجيل، ويذكر أنّه أتاه من مكانٍ بعيد، فكان يقولُله: (١) إعلام الموقعين ٤:٢١٦ فوائد تتعلق بالإفتاء، الفائدة الحادية والستون (٢) أدب الفتوى لابن الصلاح ص ٣١ (٣) دستور العلماء ٤:١٥٩ (٤) البحر الرائق، كتاب القضاء ٦:٤٥١ أصول الإفتاء ٣١٣ أحكام الإفتاء ومنهجه فَلاَ نحنُ نادَيْناكَ من حيثُ جئتَنا ولا نحنُ عَمَّيْنا عليكَ المذاهبا (١) ورُوى عن سُخْنُونٍ أنّ رجلاً أتاه من صَطْفُوْرة، فسأل عن مسألةٍ، فتردّد إليه ثلاثةَ أيّام فقال له: "أصلحك الله، مَسْألتى فى ثلاثة أيام. " فقال له: "وما أصنعُ لك؟ ما حِيْلَتى فى مسألتك؟ نازلةٌ مُعْضَلة، وفيها أقاويلٍ، وأنا أتخيّر فى ذلك." فقال الرجل الصَّطْفُوْرِىّ: "وأنتَ أصلحك الله لكلّ مُعْضَلة!" فقال: "هَيْهَات! ليس ياابن أخى! بقولك أبذُل لك لحمى ودَمِى إلى النّار. ما أكثرَ مالا أغْرِف! إن صبرتَ رجوت أن تنقلب بمسألتك، وإن أردتَ غيرى فامض، تُجابُ عن ساعة " فقال: "إنّما جئتُ إليك ولا أبتغى غيرك. قال: "فاصبر، عافاك الله. "ثم أجابه بعد ذلك. (٢) وقد ذكرنا عملَ السّلف فى التثبّت والتهيُّب من الفتيا ما فيه كفايةٌ للانزجار عن التّسريع فى أمر الفتوى. ٤- وممّا ينبغي للمفتى مراعاتُه أن لا يُفتيَ حالَ اشتغالٍ قلبِه بغضبٍ أو رَهْبٍ أو شَهْوةٍ ممّا يُخرجه عن الاعتدال، وكذلك شدّةُ الحزن وشدّةُ الفرح ونحوه، فإن غلب انفعاله على صحّة تفكيره، وجَبَ عليه أن يكُفَّ عن الإفتاء إلى أن يعود إلى طبيعته، وكذلك إن كان به نُعاسٌ أو جوعٌ أو مرضٌ شديدٌ أو حرٍّ مُزْعِجٌ أو برد مؤلم أو مدافعةُ الأخبثين. ٥- ينبغي للمفتى أن يصبرَ على جَفْوَةِ المستفتين مهما أمكن. وقد استدلٌ عليه العلماء بقصّةٍ داود عليه السّلام فى القرآن الكريم إذ جاءه المتخاصمان (١) البحر الرائق، كتاب القضاء ٦:٤٥١ (٢) ترتيب المدارك ٢:٦١٤ وأدب الفتوى لابن الصلاح ص ٣٢ أصول الإفتاء ٣١٤ أحكام الإفتاء ومنهجه بتَسَوُّر المحراب، وقالوا له: ﴿وَلَا تُشْطِطٌ﴾ [سورة ص: ٢٢] فإنّ داود عليه السلام لم يوبّخْهم على ما ارتكبوه من هذه الجفوة. وقال الآلوسيّ رحمه الله تعالى فى تفسيره: "وفيه من الفَظَاظةِ مافيه ... وفى تحمُّل داود عليه السلام لذلك منهم دلالةٌ على أنّه يليقُ بالحاكم تحمُّلُ نحوذلك من المتخاصمين، لاسيّما إذا كان ممّن معه الحقّ ... والعَجَبُ من حاكم أو محكّم أو مَن للخصوم نوع رجوع إليه كالمفتى كيف لايقتدى بهذا النبيِّ الأوّاب، عليه الصّلوة والسّلام، فى ذلك، بل يغضَبُ كلَّ الغضبِ لأدنى كلمةٍ تصدر ولو فَلْتَةً من أحد الخصمين يُتوهَّم منها الحظّ لقدْرِه. ولو فكّر فى نفسه لَعَلِمَ أنّه بالنّسبةِ إلى هذا النبيِّ الأوَّابِ لا يَعْدِلُ والله العظيم- مُتْكَ (١) ذُباب. اللهمّ وقّقْنا لأحسن الأخلاق واعصمْنا من الأغلاط. "(٢) ٦- الأحسنُ أن يأتيَ فى بداية الجوابِ بحكم المسألة بِتَعبيرٍ واضح يفهمه المخاطَب، وأن لا يتعرّضَ عند بيانِ الحكم لشيئ من دلائله، لينتفعَ المستفتى بالجواب في مبدأ الأمر، ثم يأتى بالدلائل، إلّ إذا كانَ المستفتى من العلماء، فلابأس بالابتداء بالدلائل. ٧- ينبغى أن يكتُبَ حُكمَ المسألةِ بعبارةٍ سهلةٍ يفهمها كلُّ عالم وعاميّ، إلّا أن يكونَ المستفتى عالماً فحينئذٍ لا بأسَ باختيار عبارةٍ علميّةٍ اصطلاحيّةٍ فى بیان الحكم. وأمّا الدّليل، فقد اختلفت أنظارُ الفقهاء فى ذلك، فقد ذهب بعضُهم إلى أنّ المفتى مكلّفٌ ببيانِ الحكم فقط، ولا ينبغى أن يذكر دليلَه، وبهذا (١) "المتك" بالفتح وبالضم وبضمتين: أنف الذباب أو ذكره، كما فى القاموس. (٢) روح المعاني ٢٣:٢٣٨ أصول الإفتاء ٣١٥ أحكام الإفتاء ومنهجه قال الماورديّ رحمه الله تعالى(١) من الشّافعيّة، وابنُ حَمْدَان(٢) من الحنابلة(٣) والقرافيُّ من المالكيّة، وقال: "إلاّ أن يعلم أنّ الفُتيا سيُنْكِرها بعضُ الفقهاء، ويقعُ فيها التّنازع، فيقْصدُ بذلك بيانَ وجهِ الصّواب لغيره من الفقهاء الذى يَتَوهُم مِنازعتَه، فيهتدى به، أو يحفظُ عِرضَه هو عن الطّعْن عليه. "(٤) وقال بعضُهم: يجوزُ للمفتى أن يذكُرَ الدّليلَ إذا كان نصّاً واضحاً مختصراً. أمّا الأقْيِسة وشبهُها فلا ينبغى ذكر شيئٍ من ذلك. وبذلك قال الخطيب البغداديّ وابنُ الصّلاح رحمهما الله تعالى. وقال بعضهم: يُستحبّ للمفتی ذکر دليل الحكم ومأخذ الفتوى ما أمكنه ذلك. وهو رأى ابن القيم رحمه الله تعالى. والّذى يظهر أنّ غيرَ المجتهدين من المفتين ينبغى أن يذكُّروا مأخذَ فتواهم، لأنّهم، كما سبق، ليسُوا مُفِتِين فى الحقيقة، وإنّما هم ناقلونَ لفتوى مجتهدٍ من المجتهدين، فينبغى أن يذكروا مِن أين أخذوا قولَ ذلك المجتهد، إلاّ أن يكونَ شيئاً معروفاً. (١) أدب الفتوى للإمام ابن الصلاح رحمه الله، القول فى كيفيّة الفتوى، المسألة التاسعة، ص١٠٩ (٢) صفة الفتوى، باب كيفية الاستفتاء والفتوى ص ٦٠ (٣) أحمد بن حَمْدان الحرّانيّ (صاحب "صفة الفتوى") : هوأحمد بن حمدان بن شبيب، نجم الدين أبو عبد الله الحرّاني، الحنبليّ، الفقيه الأصوليّ القاضي نزيل القاهرة. ولد رحمه الله سنة ٦٠٣ هـ بحرّان وسمع الكثير بها من الحافظ عبد القادر الرهاوي وهو آخر من روى عنه وبدمشق من الحافظ ابن عساكر، وجالس ابن عمه العلامة مجد الدين عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية، وهو جدّ الإمام ابن تيمية رحهم الله تعالى، وبحث معه كثيرا وبرع في الفقه. وكان عارفا بالأصلين (الفقه وأصول الدين) والخلاف والأدب. وليّ نيابة القضاء بالقاهرة. روى عنه الدمياطي والحارثي والمزّيّ والبرزاليّ وغيرهم. صنّف تصانيف كثيرة منها "الرّعاية الصغرى" و"الرّعاية الكبرى" فى الفقه و"كتاب الوافى" ومقدمة فى أصول الدين وكتاب "صفة الفتوى و المفتى والمستفتى" وغير ذلك. توقّي رحمه الله سنة ٦٩٥ عن ٩٢ سنة. (ملخص من شذرات الذهب ٧: ٧٤٨ و ٧٤٩، وليراجع الأعلام ٤: ٦ لنبذة من أخبار جد الإمام ابن تيمية رحمهما الله تعالى.) (٤) الإحكام للإمام القراني رحمه الله تعالى، التنبيه التاسع من السؤال الأربعين ص ٢٤٩. أصول الإفتاء ٣١٦ أحكام الإفتاء ومنهجه وإن ذَكرَ المفتى دليلَ الحكم على هذاالأساس، فليكُنْ بعبارةٍ علميّةٍ رصينةٍ لا يفْهَمها إلاّ العُلماء، لأنّ العامّةَ قد يُسيئون فهمَ الأدلة، فيقعُون فى اشتباه. ٨- ينبغي أن تكونَ الفتوى مقتصرةً علي بيانِ الحُكمِ الشرعيّ ودليله الفقهيّ، خالياً عن العاطفيّة وبواعثِ المدحِ والغضبِ الوقتيّ، كما ينبغى أن تكونَ عبارةُ الفتوى خاليةً عن الإيجاز المُخِلَ أو الإطنابِ المُمِلَ، وأن لا تكونَ كلمةٌ من كلمةِ الجوابِ خاليةً عن فائدةٍ جديدة، فيَجْتِنِب فى الفتوى عن التّمهيداتِ الطّويلة، وبيانِ الأسرار والحِكم، إلاّ إذا سُئِل عنها المستفتى، وعَلِم المفتى بأنّه يُفيد. لكن قال القرافي رحمه الله تعالى: "ومتى كان الاستفتاءُ فی واقعةٍ عظيمةٍ تتعلّق بمهامٌّ الدّين أو مصالح المسلمينَ ولها تعلّقٌ بولاةِ الأمورِ فيَحْسُن من المفتى الإسهاب فى القول، وكثرةُ البيان والمبالغة فى إيضاح الحقّ بالعِبارات السريعة الفهم، والتّهويل على الجُناةِ، والحضُّ على المبادرة لتحصيل المصالح ودرء المفاسد. ويحسُن بسطُ القولِ فى هذه المواطنِ وذكر الأدلّةِ الحاتّةِ على تلك المصالح الشّرعيّة، وإظهارُ النّكير فى الفُتيا على ملابس المنكرات المُجمع على تحريمها وقُبْحِها. ولاینبغی ذلك فی غیر هذه المواطن، بل الاقتصارُ على الجواب."(١) ٩- وينبغى للمفتى أن لا يُطْلِق لفظَ "الحرام" إلّ على ما ثبتت حرمتُه بدلائلَ قطعیّة. أمّا فى الأمور التى ليس فيها نصّ أو فى الأمور المجتهد فيها، فيُعرضُ عن هذا التعبير إلى تعبير آخر، مثل قوله: غير جائز، أو غير مرضي، حسب درجات النّكير. وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "لم يَكُنْ من أمر النّاس (١) الإحكام للقرافي ص٢٤٩ و ٢٥٠ أصول الإفتاء ٣١٧ أحكام الإفتاء و منهجه ولا مَن مضى، ولا مِنْ سَلَفِنا الذين يُقتدى بهم، ويُعوِّل الإسلامُ عليهم أن يقولوا: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، ولكن يقول: أنا أكْرَهُ كذا، وأُحِبُّ كذا. وأمّا حلالٌ وحرامٌ، فهذا الافتراءُ على الله، أما سمعتَ قولَ الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِرَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]"، لأنّ الحلال ما أحلّه الله، والحرامَ ما حرّمه.(١) ١٠- ينبغى للمفتى أن يُراعِىَ التّيْسيرَ على النّاس فى ما تعارضت فيه الأدلّةُ من الأمورالتى تعُمّ بها البلوى. قال سفيانُ الثَّورىّ رحمه الله تعالى: " إنّما العِلْمُ عندنا الرُّخصةُ مِن ثقةٍ، فأمّا التّشدید فيُحْسِنُه کل احد"(٢) وفى جانب آخر، يجبُ على المفتى أن يَحْذَر من أن يجْلِبَه التّيسيرُ فى الأمور المنصوصة إلى الانسلال من ربقة التكليف. ١١- ينبغى للمفتى استشارةُ الفقهاء العابدين فى المسائل الجديدة التى ليس فيها نصٌّ صريحٌ فى الكتاب والسنّةِ ولا فى الفقهِ المتوارث. والأصل فى ذلك مارواه سيّدُنا علىّ بنُ أبى طالب رضى الله تعالى عنه قال: "قُلْتُ: يَارَسُوْلَ اللهِ! إِنْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَ فِيْهِ بَيَانٌ، أَمْرُ وَلَا نَهْىٌّ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟" قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ٥ وَسَلَّمَ: "شَاوِرُوْالْفُقَهَاءَ الْعَابِدِيْنَ، وَلَا تُمْضُوْا فِيْهِ رَأَىَ خَاصَّةٍ. "(٣) (١) ترتيب المدارك للقاضى عياض رحمه الله تعالى ١:١٤٥ باب تحرّيه (أى الإمام مالك) فى العلم والفتيا. (٢) المجموع شرح المهذب، المقدمة، باب آداب الفتوى والمفتى، فصل فى أحكام المفتين ج١ ص ٦٥٠، دار الكتب العلمية، بيروت (٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط، وقال الهيثمى: رجاله موثقون من أهل الصحيح (مجمع الزوائد ١:٤٢٨، كتاب العلم، باب الإجماع ، رقم ٨٣٤ أصول الإفتاء ٣١٨ أحكام الإفتاء ومنهجه وأخرجه الخطيب بسنده ولفظه: "اجْمَعُوْ لَهُ الْعَابِدِيْنَ مِنْ أُمَّتَى، وَاجْعَلُوْهُ شُوْرَى بَيْنَكُمْ، وَلاَ تَقْضُوْهُ بِرَأْىٍ وَاحِدٍ (١) وأخرج الدارمىّ عن أبي سلمة أنّ النَّبِيَّ الْكَرِيْمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سْئِلَ عَنْ أمْرٍ يَحْدُثُ لَيْسَ فى كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ، فَقَالَ: "يَنْظُرُ فِيْهِ الْعَابِدُوْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ. "(٢) ولم تزل الاستشارة فى الأمورِ الفقهيّةِ دأبَ الخلفاء الراشدين رضى الله تعالى عنهم والسّلَّفِ الصّالحين، وقد أخرج الدّارمىّ فى سننه جُملةً من آثارهم فى ذلك، حتىّ وقع الإنكار من بعض التّابعين على من يستبِدُّ بالإفتاء وينفردبه دونَ أن يستشير غيره. وروى عن أبى حَصين قال: "إنّ أحدهم ◌َيُفتى فى المسئلة، ولووَرَدَتْ على عمر بن الخطاب لجَمَع لها أهلَ بدر. "(٣) ١٢- يجب التجنّبُ عن الفتاوى الشاذّةِ التى تُخالِفُ جماهيرَ فقهاءٍ الأمّة. رَوى عبدُ الله بنُ عمر رضى الله تعالى عنهما عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: " "إِنَّ اللهَ لاَيَجْمَعُ أُمَّتِى - أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ضَلَاَلَةٍ، وَيَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذّ شَدَّ إِلىَ النَّارِ. "(٤) وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أُمَّتِى لاَتَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلاَفاً، (١) الفقيه والمتفقه للخطيب ٢:٧٣ و ٢:٢٧٧ (٢) سنن الدارمى، باب اتباع السنة ١:٤٧، رقم ١١٩ (٣) المدخل الكبير للبيهقى ص٤٣٤، رقم ٨٠٣ (٤) أخرجه الترمذى فى الفتن، باب ما جاء فى لزوم الجماعة، حديث ٢١٦٧، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المدنىّ هو عندى سليمان بن سفيان، وفى الباب عن ابن عباس، وقدروى عنه أبوداود الطيالسى وأبو عامر العَقَدى، وغير واحد من أهل العلم. وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه والعلم والحديث. أصول الإفتاء ٣١٩ أحكام الإفتاء ومنهجه فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأُعْظَم. "(١) وقد صَدَرتْ من بعض الفقهاءِ تفرُّداتٌ لم يأخذ بها جماهيرُ أهل العلم، بل وقع منهم الإنكارُ عليها. وإنّ اللُّجوءَ إلى تلك التّفرُّداتِ طلباً للتّيسير وتتبُّعاً للرُخَص مما شنّع عليه السّلفُ قديماً وحديثاً. قال الإمام الأوزاعيّ رحمه الله تعالى: "من أخذ بنوادرِ العلماء خرج من الإسلام."(٢) وقال الحافظ الذهبىّ رحمه الله تعالى: "ومَنْ تَتَبّعَ رُخَص المذاهبِ وزلاَّتِ المجتهدين فقد رَقّ دينُه، كما قال الأوزاعىُّ وغيرُه: مَنْ أخذ بقول المكْتِين فى المُتعة، والكوفيّين فى النّبيذ، والمدنيّين فى الغناء، والشّاميّين فى عِصمة الخلفاء فقد جَمَع الشّرّ. وكذا مَن أخذ فى البيوع الرّبويّةِ بمن يحتال عليها، وفى الطّلاق ونِكاح التّحليل بمن توسّع فيه وشبهِ ذلك، فقد تعرّض للانحلال. "(٣) وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "لوأنّ رجلاً عمِل بكلِّ رُخصةٍ: بقول أهل الكوفة فى النّبيذ، وأهل المدينة فى السّماع، وأهل مكّة فى المتعة، كان فاسقاً. " وقال مَعْمَر: "لوأنّ رجلاً أخذ بفول أهل المدينة فى السّماع يعنى الغناء، وإتيان النّساء فى أدبارهنّ، وبقول أهل مكّة فى المُتْعة والصَّرف، وبقول أهل الكوفة فى المُسكر كان أشرّ عبادٍ الله تعالى. " وقال سُليمان التَّيْمِىّ: "لو أخذتَ برخصةِ كُلّ عالم_ أو قال: زَّةٍ كُلّ عالم _ اجتمع فيك الشّرُكُه. "(٤) (١) سنن ابن ماجه، أبواب الفتن، باب السواد الأعظم برقم ٣٩٥٠ وقال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف لضعف أبى خلف الأعمى ... وقد روى هذاللحديث من حديث أبى ذر وأبى مالك الأشعرى وابن عمر وأبى نصرة وقدامة بن عبدالله الكلابى، وفى كلها نظر. قاله شيخنا العراقى رحمه الله تعالى. (مصباح الزجاجة ج ٤ ص ١٦٩) (٢) تذكرة الحفاظ للذهبى، ترجمة الإمام أبى عمرو عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعى، ص ١٨٠ ج١ (٣) سير أعلام النبلاء للذهبى، ترجمة الإمام مالك ج، ٨ ص ٩٠ (٤) راجع لهذه الأقوال كلها لوامع الأنوار البهية للسفارينى، ج ٢ ص٤٦٦ ٧٧٣.we. أصول الإفتاء ٣٢٠ أحكام الإفتاء ومنهجه وقال عبد الرّحمن بن مهدىّ رحمه الله تعالى: "لايكونُ إماماً فى العلم من أخذ بالشّاذّ، ولا إماماً فى العلم مَن روى عن كلّ أحد، ولا يكونُ إماماً مَن حدّث بكلِّ ماسمع."(١). هذا مارأوه فى الأقوالِ الشاذّةِ الّتى صَدَرت من الفقهاءِ الكبارِ الموثوقين الذين شهِد لهم أهلُ العلم بالتفقّهِ والورع، فما بالك بالأقوال الشاذّة الصّادرةِ من بعض من لاعلاقةَ له بالعلم والفقه، وإنّما قال ماقال بناءً على آراءه المتطرفة، أو عواطفه النّفسيّة، أو على ثقافاتٍ أجنبيّةٍ لا تَمُتُّ إلى الإسلام بصِلة. فيجبُ الأخذ بما هو أرجحُ دليلاً وأقوى حُجّةً بالنّظر إلى مصادر الشّريعة الإسلاميّة ومقاصدِها النّبيلة. ١٣- يجب التّجنُّبُ عن قَبولِ أيّةٍ ضُغوطٍ نفسيّةٍ أو خارِجيّةٍ، سياسيّةٍ أو شَعبيّةٍ عند بيانِ حُكم شرعىّ، سواءٌ أكانت الضُّغوطُ من المستفتين، أو من الشَّعبِ أو من الحكومات، فإنّ الإفتاءَ تبليغٌ لرسالةِ اللهِ تعالى، وقد قال سبحانه فی الذين يؤدّونَ هذا الواجب: ﴿الَّذِينَ يُبَلِغُونَ رِسَلَاتِ اللَّهِ وَتَخْشَوْنَهُ وَلَا تَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنِ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ شُحِبُهُمْ وَتُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ مُجْتَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تَخَافُونَ لَوْمَةً لَآَ يِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] ١٤- إذا كان الاستفتاءُ يتعلّقُ بأصولِ الدّين أو قطعيّاتِ الشّريعة، فالواجب أن يُؤْتى بدليلها من الكتاب والسّنّة، لا من كُتبِ الفقه فقط، لأنّ الأصولَ (١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر، ج ٣ ص ٣٥، فقره٩٧٧ أصول الإفتاء ٣٢١ أحكام الإفتاء ومنهجه لا يجرى فيها الاجتهاد ولا التّقليد، وذلك كالسّؤال عن التّوحيد و الرسالة والآخرة، وكتحريم الخمر والكذب والزّنا، وما شابه ذلك. فأمّا إذا كانت المسألةُ تتعلّق بالفروع الفقهيّة، فيُذكرُ الدّليلُ من كُتب الفقه، ولا بأسَ بالاقتصار عليها. ١٥-إذا ورد على المفتى فتوى غيره ليُصدِّقَه، فالواجب أولاً أن ينظر: هل المفتى الأوّلُ يليق بالإفتاء أم لا؟ فإن كان لا يليق بالإفتاء، فلا يكتبُ تصديقَه علي فتواه، وإن كان الجواب صحيحاً، بل يكتب جوابه على حدة.(١) وإن كان ذلك المفتى يليقُ بالإفتاء، فلا يخلو إمّا أن يكون جوابه صحيحا عنده أولا، فإن لم يكُن الجوابُ صحيحاً عنده، يكتبُ جوابه علي حِدَةٍ أيضاً، وإن كان جوابُه صحيحاً عنده، فلا يخلو إمّا أن يكون الدليل الذى استدلّ به المفتى الأوّلُ صحيحاً أولا، فإن لم يكُن دليله صحيحاً، أو يحتاجُ إلي إصلاحٍ و تغيير، يكتبُ جوابَه علي حدةٍ مع تصحيحِ الدّليل فى هذه الحالة أيضاً، وأمّا إذا كان الدليلُ صحيحاً عنده أيضاً، ساغَ له أن يكتب "الجواب صحيح" ؟!(٢) ویوقُّعُ علیه. ١٦-قال الصَّيْمَرِيُّ رحمه الله تعالى: "وينبغى للمفتى إذا رأى للسّائل طريقاً ١ (١) قال القرانيّ رحمه الله تعالى: "وينبغى للمفتى متى جاءته فتيا وفيها خطّ من لايصلح للفتيا أن لا يكتب معه، فإنّ كتابته معه تقرير لصنيعه، وترويج لقوله الذى لا ينبغى أن يُساعد عليه، وإن كان الجواب فى نفسه صحيحا، فإنّ الجاهل قد يُصيب. ولكنّ المصيبة العظيمة أن يُفتى فى دين الله من لا يصلح للفتيا، إمّا لقّة علمه، أو لقلّة دينه أو لهما معاً." (الإحكام للقرافيّ ص ٢٤٧) (٢) أمّا إذا كان أصل الجواب ممن هو أعلم منه وأعظم مرتبة، فكره السلف أن يكتب: "الجواب صحيح" وقد ذكر القرافيّ رحمه الله تعالى أن يكتب فى مثله: "كذلك جوابى" فهو أقرب إلى التواضع. (راجع الإحكام للقرافي ص ٢٤٦) ٠١٧٧٥٠١٧٧١١١٨٢٠٩ أصول الإفتاء ٣٢٢ أحكام الإفتاء و منهجه يُرشده إليه، أو يُنبّهه عليه، يعنى مالم يضُرَّ غيرَه ضرراً بغير حقّ، كمن حلف لا يُنْفِقُ على زوجته شهراً، يقول: تُعْطِيها من صداقِها أو قرضاً أو بيعاً، ثمّ. تُبْرِثُها. وكما حكى أنّ رجلاً قال لأبى حنيفة رحمه الله تعالى: "حلفتُ أنّی أطأُ امرأتى فى شهررمضان (أى فى نهاره) ولا أُكفِّرُ ولا أعصى " فقال: "سافِربها."(١) والحاصلُ أنّ المستفتىَ إن أُصيبَ بحَرَج، فالمفتى يُبيّنُ له مخرجاً مشروعاً يتخلّصُ به عن الحرج. واستدلّ السَّرَخْسيّ رحمه الله تعالى بماروى عن أبى جَبَلَة قال: "سألت عبد الله بن عمررضى الله عنهما، فقلت: إنّا نَقْدَم أرضَ الشّام، ومعنا الورِقُ الثّقَالُ النّافقة، وعندهم الورِقُ الخِفافُ الكاسدة، أفنَبْتَاع ورِقَهم العشرة بتسعةٍ ونصف؟ فقال: "لاتفعل، ولکن بع ورقَك بذهب، واشْتَر ورِقَهم بالذّهب، ولاتُفارِقه حتَّى تَستوفىَ، وإن وَبَ فَثِبْ معه." وقال السَّرَخْسِيّ رحمه الله تعالى: "وفيه دليلُ رجوعِ ابنِ عمررضى الله عنه عن قوله فى جواز التّفاضل، كما هو مذهبُ ابن عبّاس رضى الله عنهما، وأنّه لاقيمةَ للجودةِ فى النّقود، وأنّ المفتىَ إذا تبيّنَ جوابَ ما سُئل عنه، فلا بأسَ أن يُبيِّنَ السّائل الطّريقَ الذى يحصُل به مقصودُه مع التّحرِّز عن الحرام، ولا يكونُ هذا ممّا هو مذمومٌ من تعليمِ الحِیَل، بل هو اقتداءٌ برسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم حيثُ قَالَ لِعَامِل خَيْبَرَ: هَلاَّ بِعْتَ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَيْتَ بِسِلْعَتِكَ هَذَا التَّمْرَ."(٢) ١٧ -وإذا لم يتبيّن للمفتى جواب المسئلة، أو أراد المستفتى أن يثَلَّه إلى غيره، فالمناسبُ أن يدُلّ المستفتىَ إلى غيره مِن الّذين يعتقد أهليتهم للإفتاء. (١) منقول من الفتوى فى الإسلام لجمال الدين القاسميّ ص ٩٤ (٢) المبسوط للسرخسيّ، أوائل كتاب الصرف ١٤:٤ أصول الإفتاء ٣٢٣ أحكام الإفتاء ومنهجه قال ابنُ القيم رحمه الله تعالى: "وهو موضع خطرجداً، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنّه متسبِّبٌ بدلالته إمّا إلى الكذب على الله ورسوله فی أحكامِه، أو القولِ عليه بلاعلم، فهو مُعِينٌ على الإثم والعدوان، وإمّا مُعِينٌ على البرّ والتّقوى، فلينظر الإنسانُ إلى مَن يدُلّ عليه، وليّق الله ربّه."(١) آداب كتابة الفتوى ١- ينبغي للمفتى أن يجتهد فى تحسين خطّه فى كتابة الفتوى، فإنّ حُسن الخطّ يُعين فى فهم المُراد ويصونُ عن الالتباس، وإنّ له أثراً بالغاً فى كون العبارة مؤثّرة، ولئن حسّن الرّجلُ خطَّه بنيّة أن يرتاحَ منه القارئ، فإنّه يُئاب إن شاء الله تعالى. ٢- ينبغي أن يكتُبَ الجوابَ علي نفس قرطاس السُّؤال، ولا يكتبَ علي قرطاس مُستقلّ مهما أمكن، وذلك لئلا يمكن لرجل أن يُزوّرَ سؤالاً آخر، ويُلحِقَه بجواب المفتى. ٣- يبدأ كتابةَ فتواه ب "بسم الله الرحمن الرحيم" والحمد والصّلاة. ٤- ينبغي أن تكونَ الكتابةُ بحيثُ يؤْمَنُ معها من الالتباس. ٥- "وينبغي أن يكتُبَ عَقِبَ جوابه "والله أعلم" أو نحوه، وقيل في العقائد يكتب: "والله الموفّق " ونحوه."(٢) ٦- يوقّعُ فى آخر جوابه توقيعاً مفهوماً، ويكتبُ فى آخره تاريخ الكتابة. (١) إعلام الموقعين، فوائد تتعلق بالفتوى، الفائدة الخامسة والعشرون ٤: ١٧٥ (٢) البحر الرائق، كتاب القضاء، فصل يجوز تقليد من شاء من المجتهدين ٦: ٤٥٢