Indexed OCR Text

Pages 261-280

أصول الإفتاء
٢٦٤
تغير الأحكام بتغير الزمان
أنّه أوفاها، فالقول للزوج، مع أنّ المرأةَ مُنْكِرةٌ للقبض، وقاعدةُ المذهب أنّ
القولَ للمُنكِر، لأنّ العادة أنّ المرأة لاتُسلّم نفسَها قبل قبضه،(١) فالظّاهرُ يشهد
للزّوج، والقولُ لمن يشهد له الظّاهر. ولكنّ هذا الحكمَ إنما يتأتّى فى الأسَر
والأعرافِ الّتى ثبت فيها أنّ المرأة لاتُسلّم نفسَها بدونٍ قبض المشترطِ
تعجيله. فإن ثبت أنّها تُسلّم عادةً بدون ذلك، کما فى غرف كثيرٍ من الأسر
ءُ
فى بلادنا، فالحكمُ يتغيّر ويرجع إلى أصله أنّ المرأةَ مُنكِرةٌ، فالقولُ لها.
ومن هذا النّوع ما ذهب إليه الإمامُ أبو حنيفة رحمه الله تعالى من أنّ القاضي
يكتفى بظاهرٍ عدالة الشُّهود فى غير الحُدود والقصاص، ولا حاجةَ إلى
تزكيتهم إلاّ إذا طَعَن الخصمُ فيهم. وقال صاحباه: لابدّأن يُسأل عنهم فى السرّ.
والعلانيةِ فى سائرِ الحقوق. وقال صاحب الهداية: "وقيل: هذا اختلافُ عصرٍ
وزمانٍ، والفتوى على قولهما فى هذا الزّمان. " وقال ابنُ الهمام رحمه الله
تعالى فى شرحه: "والظّاهرُ الذى يثبت بالغالبِ أقوى من الظّاهر الذى يثبت
بظاهر حالِ الإِسلام. وتحقيقه أنّه لمّا قَطَّعْنا بِغَلَبَةِ الفِسق، فقد قَطَعْنا بأنّ أكثرَ
من التزم الإسلامَ لم يجتنبْ محارمَه، فلم يبقَ مجرّدُ التزام الإسلام مظنّةَ
العدالة، فكان الظّاهُرُ الثّابتُ بالغالب بلا مُعارض. "(٢)
السّادس: قديكونُ الحكمُ مبنيّاً على أحوال النّاس عامّةً، وبتغيّرُ أحوالهم
يتغيّر الحكم. مثاله ما روى عن الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنّ الإكراه
لا يتحقّق إلاّ من السّلطان، وقال محمّد رحمه الله تعالى: يتحقّقُ من السُّلطان
وغيره. وقال المَرْغِيْنَانِيّ رحمه الله تعالى: "قالوا: هذا اختلاف عصرٍ وزمانٍ،
(١) نشر العرف، رسائل ابن عابدين ٢٠١٢٦
(٢) الهداية وتكملة فتح القدير، كتاب الشهادة ٦:٤٥٨

أصول الإفتاء
٢٦٥
تغير الأحكام بتغير الزمان
لااختلافُ حُجّةٍ وبرهان، ولم تكن القُدرةُ فى زمنه إلاّ للسُّلطان، ثمّ بعد ذلك
تغيّرَ الزّمانُ وأهله."(١) وحاصله أنّ زمنَ الإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى كان
زمنَ خير لا يُتصوّر من غير السُّلطان أن يُكرِه أحداً علي ما لا يرضي. ثمّ لمّا
تغيّرِ العُرف وكثُر الفساد، صار الاكراهُ يتحقّق من غير سلطانٍ فعلاً، فأفتى
الإمامُ محمّد رحمه الله تعالى بتحقّق الإكراه من غير السُّلطان، و به أخذ
المتأخّرون، وهو المختار للفتوى اليوم.
ومن هذا الباب مسئلةُ تضمين السّاعى. وهو أنّه من رفع إلى السّلطان
شكوى ضدَّ أحدٍ، فآذاه السُّلطانُ من أجل سِعايته إمّا فى جسده أو فى ماله،
وكانت الشّكوى غيرَ صحيحة، فإنّ أصلَ المذهب أنّ السّاعى لايضمن، لأنّه
غيرُ مُباشرٍ للإيذاء، وإنّما هو متسبّب، ومباشرةُ الإيذاء من السُّلطان، ولكن
أفتى الإمام محمّد رحمه الله تعالى بتضمينه زجراً للمفسدين. وتمام الكلام
عليه فى كتاب الغصب من رد المحتار.(٢)
وهناك كثيرٌ من المسائل أفتى فيها المتأخرون من الحنفيّة بخلاف مذهبهم
لتغيُّر أحوالِ النّاس، كما أفتَوا فى مسئلة الظّفر(٣) بجواز الأخذِ من غير جنس
الحقّ. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "إنّ عدمَ جوازِ الأخذِ من خلاف
الجنس كان فى زمانهم لمُطاوعتهم فى الحقوق، والفتوى اليومَ على جواز
الأخذِ عند القُدرة من أيّ مال كان، لاسيّما فى ديارنا لمداومتهم العُقوق. "(٤)
(١) الهداية مع فتح القدير، أول كتاب الإكراه ٨:١٦٧
(٢) ردّالمحتار ٦:٢١٣ طبع كراتشى
(٣) يعنى إن ظفر الدائن بمال المديون المماطل، فإنّ أصل مذهب الحنفيّة أنه لايجوزله استيفاء حقه إن
کان المال المظفوربه من غیر جنس حقّه.
(٤) رد المحتار، كتاب الحجر ٦:١٥١ طبع كراتشى

أصول الإفتاء
٢٦٦
تغير الأحكام بتغير الزمان
وإنّ العلاّمة ابنَ عابدين رحمه الله تعالى ألف رسالةً باسم "نَشْرِ العَرف فى
بناء بعض الأحكام على الغرف "وجمع فيها كثيراً من المسائل التى بُنيت على
العرف والتّعامل، ولاتكاد هذه المسائل تخرج من الأنواع الستّة الّتى ذكرناها،
وقال فيه: "فهذا كلّه وأمثاله دلائلٌ واضحٌ على أنّ المفتى ليس له الجمود على
المنقول فى كُتُب ظاهر الرّواية من غير مُراعاةِ الزّمان وأهله، وإلاَّ يُضيّع حقوقاً
كثيرةً، ويكون ضررُه أعظمَ من نفعه."(١) وقال فى شرح عقودرسم المفتى:
"فإن قلت: العرفُ يتغيّر مرّةً بعد مرّة، فلوحدث عرفٌ آخرُ لم يقع فى الزّمان
السابق، فهل يسوغ للمُفتى مخالفةُ المنصوص، واتّباعُ العُرف الحادث؟ قلت:
نعم! فإنّ المتأخّرين الذين خالفوا المنصوص فى المسائل المارّة لم يُخالفوه
إلاّ لحدوثِ غُرفٍ بعد زمن الإمام، فللمُفتى اتّباعُ عُرفه الحادث فى الألفاظ
الغُرفيّة، وكذا فى الأحكام التى بناها المجتهدُ على ما كان فى غُرف زمانه،
وتغيّر عرفه إلى غرفٍ آخراقتداءً بهم، لكن بعد أن يكونَ المُفتى ممّن له رأيٌ
ونظرٌ صحيحٌ ومعرفةٌ بقواعد الشّرِعِ، حتَّى يُميّز بين العُرف الذى يجوز بناءُ
الأحكام عليه، وبينَ غيرِهِ، فإنّ المتقدّمين شَرَطُوافى المفتى الاجتهاد، وهذا
مفقود فى زماننا، فلا أقلّ من أن يُشترطَ فيه معرفةُ المسائل بشروطها وقيودها.
الّتى كثيرامًا يُسْقِطُونها، ولا يُصرّحون بها اعتماداً على فهم المتفقّه، وكذا لابدَّ
له من معرفة غرف زمانِه وأحوال أهلِه، والتخرج فى ذلك على أستاذ
ماهر، ولذا قال فى آخر منية المفتى: لو أنّ الرّجلَ حَفِظ جميعَ كُتب
أصحابنا، لا بدّ أن يتتلمذ للفتوى حتّى يهتدى إليه، لأنّ كثيراً من المسائل
(١) نشرالعرف، رسائل ابن عابدين ٢٠١٣١

أصول الإفتاء
٢٦٧
تغير الأحكام بتغير الزمان
يُجابُ عنه على عادات أهل الزّمان فيما لا يُخالِفُ الشّريعة."(١)
٣- تغيّر الأحكام بالضرورة والحاجة
إِنّ السّببَ الثّالث لتغيُّرِ بعض الأحكام هو الضّرورةُ والحاجة. ومأخذُ
اعتبارها فى الشّريعة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَأَلَدَّمَ وَلَحْمَ
الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٧٣] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أُضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ
مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة المائدة: ٣] وقوله تعالى: ﴿قُل لَّ
لا
أَجِدُ فِي مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحُرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا
أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَُّ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنٍ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا
عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَأَلَدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا
عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة النحل: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا
تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا أَضْطُرِرْتُمْ
إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًاً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآتِهِم بِغَيْرٍ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾
[سورة الأنعام: ١١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ خَرَجٍ.
[سورة الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [سورة
البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتٌ﴾ [سورة التغابن: (١٦].
على أساس هذه الآيات اعتبرتِ الشّريعةُ الضرورة والحاجة فى كثير من
الأحكام الفقهية، حتى جاءت الرخصةُ على ذلك الأساس فى تناولٍ بعضٍ
(١) شرح عقود رسم المفتى، رسائل ابن عابدين ١:٤٥

أصول الإفتاء
٢٦٨
تغير الأحكام بتغير الزمان
المحرّمات القطعيّة بقدر الضّرورة. ولكن يجبُ معرفةُ ما ذكره الفقهاء فى
كتبهم من مراتب الضّرورة والحاجة، وقدذكر الحمويّ عن ابن الهمام
رحمهما الله تعالى مراتبَ خمسةً عبّر عنها بالضّرورة، والحاجة، والمنفعة،
والزّينة، والفضول. قال: "فالضرورةُ بلوغُه حداً إن لم يتناول الممنوعَ هلكَ
أو قارَبَ، وهذا يُبِيحُ تناولَ الحرام، والحاجةُ كالجائع الذى لو لم يَجدْ ما
يأكلُه لم يهلك، غيرَ أنّه يكونُ فى جَهْدٍ ومشقّةٍ، وهذا لا يُبيحُ الحرام، ويُبِيحُ
الفِطْر فى الصّوم. والمنفعةُ كالّذى يشتهى خبزَالبُرِّ ولحمَ الغنم، والطّعامَ
الدَّسِم. والزّينة كالمشتهى بحلوى والسكّر، والفصول: التوسّع بأكل الحرام
والشّبهة. "(١) وحاصله أنّ مراتب الزّينة والمنفعة والفضول لا تؤثّر فى تغيير.
الأحكام. والذى يؤثّر فى تغيُّر الأحكام هو الضرورة والحاجة. فنذكر هاتين
المرتبتين بشيئ من التفصيل، والله سبحانه هو الموفّق.
الضرورة
أمّا الضّرورة، فقد عرّفه الإمام أبوبكر الجصّاص رحمه الله تعالى عند
الكلام على المخمصة، فقال: "الضّرورة هى خوفُ الضّرربترك الأكل، إمّا
على نفسه أو على عضو من أعضاءه."(٢) وإنّ هذا التّعريف، وإن كان مختصّاً
بضرورةِ أكل المحرّم، ولكنّه يشمل تعاطىَ كلِّ محظورٍ بشرط أن يكون هناك
خوفٌ على النّفس أو العُضو، كارتكاب الكذب أو المحظورات الأخرى فى
حالةِ الإكراه الملجئ. ويجب لتحقّق الضّرورة أمور:
(١) شرح الأشباه والنظائر، الفنّ الأوّل، القاعدة الخامسة ١:١١٩
(٢) أحكام القرآن للحصّاص، سورة البقرة، باب فى مقدار ما يأكل المضطرّ ١:١٦٠.

أصول الإفتاء
٢٦٩
تغير الأحكام بتغير الزمان
الأوّل: أن يكون هناك خوفٌ على النفس أو العضو
الثّاني: أن تكونَ الضّرورةُ قائمةً لا منتظرَةً، بمعنى أن يقع خوفُ الهلاكِ أُو
التّلَفِ بغلبة الظّنّ حسب التّجارب، لامجرّدُ وهم بذلك.
الثالث: أن لا يكونَ لدفع الضررِ وسيلةٌ أخرى من المباحات، ويغلب على
ظنِّ المبتلى به أنّ دفعَ الضّررِ متوقَّع بارتكاب بعض المحرّمات.
الرّابع: أن لا يكونَ المحظورُ ممّا يوجِب مثل ذلك الضرر على غيره، فلا يجوز
قتلُ أحدٍ، ولو فى حالة الإكراه الملجئ.
وعند تحقّقٍ مثل هذه الضرورة یُرخّص للمبتلى به فى ارتكاب محرماتٍ
منصوصةٍ بقدرٍ دفع الضّرورة، كالجائع المضطرّ الذى يخاف على نفسه
الهلاك، يُباحُ له أكل الميتةِ أو الخنزيرِ بقدرِ ما يدفع عنه الهلاك. وهذا هو
المقصود من القاعدة المشهورة: "الضرورات تبيح المحظورات." وماذكره
العلامة خالد الأتاسيّ رحمه الله تحت هذه القاعدة يلخّص الأحوال المختلفة
للضّرورات وأحكامها، فننقله هنا بلفظه. قال رحمه الله تعالى:
" ثمّ هذه الرخصةُ ثلاثة أنواع: نوعٌ هو مباحٌ كأكل الميتة، والدّم، ولحمٍ
الخنزير، وشرب الخمر عند المَجَاعة أو الغُصّة أو العَطَش أو عند الإكراه التّامّ
بقتل أو قطع عضوٍ. فهذه الأشياء تُباح عند الاضطرار لقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، أي دَعْكم شدّةُ المجاعة إلى أكلها.
والاستثناءُ من التّحريم إباحةٌ (بدائع). وكما يتحقّق الاضطرار بالمَجَاعة
يتحقّق بالإكراه، فيباح التّناول، ولا يُباحُ الامتناع، حتى لو امتنع حتَّى مات أو
قُتِل يؤاخذ، لأنّه بالامتناع صارَ مُلِقِياً نفسه بالتّهلكة، وقد نُهي عن ذلك. وإن
كان الإكراهُ ناقصاً كحَبْس أو ضرْبٍ لا يُخافُ منه التّلفُ، لا يحلّ له أن يفعل.

أصول الإفتاء
٢٧٠
تغير الأحكام بتغير الزمان
ونوعٌ لا تسْقُط حرمتُه بحالٍ، ولكن يُرخَّص فيه: كإتلافِ مالِ المسلم،
والقذفٍ فى عِرضه، وإجراء كلمةِ الكُفر على لسانه مع اطمئنان القلب
بالإيمان، إذا كان الإكراهُ تامًّاً، فهو فى نفسه محرَّمٌّ مع ثبوتِ الرُّخصة، فأثرُ
الرُّخصة فى تغيير حكم الفعل، وهو المؤاخذة، لا فی تغییر وصفه، وهو
الحُرمة، والامتناع عنه أفضل، حتّى لو امتنع فقُتل كان مأجوراً.
ونوعٌ لا يُباحُ ولا يرخِّصُ أصلاً، لا بالإكراه التامِّ ولا بخلافِه: كقتل المسلم،
أو قطع عُضوٍ منه بغير حقّ، والزّنا، وضربِ الوالدين.
إذا عرفت هذا، فهذه القاعدةُ (يعنى "الضرورات تبيح المحظورات") لا
تتناولُ النّوعَ الأخير، لأَنّه لا يُباحُ بحالٍ من الأحوال، بل تتناول النّوعَ الأوّلَ مع
ثبوت إباحته، والثّانى مع بقائه على الحرمة، والتّرخيصُ إنّما فى رفع الإثم،
كنظر الطّبيب إلى ما لا يجوز انكشافُه شرعاً من مريضٍ أو جريحٍ، فإنّه
ترخيصٌ فى رفع الإثم لا الحرمة، وكالاضطرار لأكل مال الغير عند
المخمصة، فإنّه لا يُسْقِطُ حرمةَ مالِ الغير كما سيأتى فى المادة ٣٣، بل يَسْقُط
عنه الإثم، ويجبُ عليه ضمانُّه أو الاستحلالُ من صاحبه."(١)
الحاجة
أمّا الحاجةُ، فهي الداعيةُ التى يترتّب علي عدم الاستجابة لها ضيقٌ و حرج
وغُسْرٌ و صعوبةٌ، وإن لم يكن ذلك الحرجُ يؤدّى إلى تلف النّفس أو المال.
ثمّ الحاجة علي قسمين: حاجةٌ عامّةٌ، وحاجةٌ خاصّة.
(١) شرح مجلة الأحكام العدلية للعلامة الأناسى رحمه الله، فى شرح المادة ٢١

أصول الإفتاء
٢٧١
تغير الأحكام بتغير الزمان
أمّا الحاجة العامّة، فما يحتاج إليها النّاس جميعاً، أو أكثرهم، والحاجةُ
الخاصّةُ ما يحتاج اليها فِئَةٌ من النّاس، كأهل مدينةٍ معيّنة، أو أربابٍ حِرْفٍ
معيّنة، أو يحتاج اليها فرد أو أفراد محصورون. وقد قرّر الفقهاءُ أنّ الحاجة
العامّة أو الخاصّة ربّما تؤثّر فى تغيير الأحكام وجلب التّيْسيير كتأثير
الضَّرورة. ولم أرَ فى شيئ من كتب الفقه مَن أوضحَ وجْهَ الفرْقٍ بين تأثير
الضّرورة وتأثير الحاجة. ولكنّ الّذى يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه
أنّ الحاجةَ إنّما تُعتبرُ مؤثّرة فى تشريع بعض الأحكام الشّرعيّة أو فی تغیّرها
فی حالتین:
الحالةُ الأولى: أن تكونَ نصوص القرآن والسنّة صرّحت بنفسِها باعتبار تلك
الحاجة. وذلك مثلُ جواز السّلم، فإنّ السّلم فى الأصل بيعُ معدوم، وهو لا
يجوز. وإنمّا شُرِع السّلمُ دفعاً لحاجة الناس، وقد نَطق بإباحته القرآنُ والسُّنّة،
وكذلك أبيح لبس الحرير للرّجال فى الحرب والمرض، وقد صرّح به الحديثُ
النّبويّ الشّريف. ويلحقُ بهذه الحالةِ ما صرّح الفقهاء باعتباره فى الأحكام،
مثل فسخ الإجارة بالأعذارِ أو بقاءِها للحاجة، وقد ذكر الأتاسيّ رحمه الله
تعالى أمثلةً كثيرةً من هذا النّوع تحتَ قاعدة: "المشقّة تجلب التّيسير".
والحالة الثانية: أن يكون أصلُ الحكم محتملاً غيرَ صريح فى الكتاب والسّنّة،
أو مجتهداً فيه، فتُرجَّح الإباحةُ فى مواضع الحاجة، ذلك مثل كشف المرأة
عن وجهها، فإنّه لا يجوز فى الأصل، ولكنّ حكم الأصل هذا مبنيًّ علي
نصوصٍ محتملةٍ غيرِ صريحة، ولذلك أصبحت المسألةُ مجتهداً فيها،
وأجازه بعض الفقهاء، فإنّ جانب الإجازة وإن كان مرجوحاً فى نفس الأمر،

أصول الإفتاء
٢٧٢
تغير الأحكام بتغير الزمان
غيرَ أنّه يُرجَّح فى مواضع الحاجة. ولذلك أفتى فقهاء الحنفيّة بجواز كشف
الوجه للمرأة عند أداءِ الشّهادة، وعند الازدحام الشّديد الّذى لا تتمكّنُ
المرأة معه المشيّ فى الطّريق عند أداء الحجّ. أمّا فى المسائل المنصوصة
القطعيّة الّتي ليست محلّ اجتهاد، فالظّاهرُ أنّ الحاجةَ لا تؤثّر فيها، إلاّ إذا
بلغت مرتبةَ الضرورة.
وقد ذكر بعض الفقهاءُ أنّ الحاجة تُنزّلُ منزلةَ الضّرورة، عامّةً كانت أو
خاصّةً (١) وظاهرُ لفظ هذه القاعدةِ عامٌّ جداً، حتّى أنّه اشتبه على بعض النّاس
أنّ الحاجةَ مؤثّرةٌ فى تحليل بعض المحرّمات القطعيّة، مثلَ أكل الميتة
والخنزير فى حالة الاضطرار، ولكنّ الذى يظهرُ من الأمثلةِ التى ذكرها الفقهاءُ
تحت هذه القاعدة أنّ هذا ليس بمراد، وإلاّ لجاز كلّ محرّم قطعيّ استدلالاً
بأنّ الحاجة، ولو كانت خاصّةً، تقتضى ذلك، وهذا يؤدّى إلى خَلْع رِبْقة
الشّريعة بأسرها، ولكنّ المقصود من هذه القاعدة بيانُ حكمةٍ بعض الأحكام
التى ثبتت إمّا بالنُّصوص، أو بالتّعامُل المستمرّ خلاف القياس، مثلٍ بيع السّلم،
والإجارة، والاستصناع وغيرها، فإنّ هذه العقود إنّما شرعت خلاف أصل.
القياس الظّهر، لأنّها تشتمل على بيع المعدوم ، ولكنّ الشّريعةَ استَثْنَتْ هذه
العقودَ من حُكم بيع المعدوم لحاجةِ النّاس. فهذا يدلُّ على أنّ الشّريعة الغرّاء
قد راعتْ فى أحكامها حاجةَ النّاس، فأباحت كثيراً من العقود لإنجاز حاجاتهم.
وما ذكرناه يتّضح بالأمثلة التى ذكرها الفقهاء الذين ذكروا هذه القاعدة،
(١) الأشباه والنظائر مع شرح الحمويّ، الفنّ الأوّل، القاعدة السادسة من الخامسة ١:١٢٦ ومجلّة
الأحكام العدليّة، المادّة ٣٢

أصول الإفتاء
٢٧٣
تغير الأحكام بتغير الزمان
فإنّهم لم يُوردوا فيها حُكماً إلاّ وهو ثابتٌ إمّا بالكتاب والسنّة، أو بالتّعامُل.
فثبت بذلك أنّ تنزيل الحاجةِ منزلةَ الضرورة فى بعض الأحكام لابدّ له من
دليل شرعيّ آخر، مثلَ أن يردبه نصٌّ، أويثبتَ الحُكم بالعُرف والتّعامل،
وليس المرادُ أن يثبتَ به جُكمٌ معارض لنصّ قطعيّ.
والذى يبدو لهذا العبد الضعيف عفاالله عنه أنّ هذه القاعدة فيها نظر
من وجوه:
الأوّل: أنّنا لوأخذنا القاعدةَ بظاهرها، لم يكُن هُناك فرقٌ بين الضّرورة
والحاجة، مع أنّه خلاف ما اتّفق عليه الجميع.
الثّانى: أنّ الضّرورة المصطلحةَ فِقْهاً إنّما تُرخّص فى عمل محرّم رُخصة
موقّتةً بقدر الضّرورة، كماهو مصرّحٌ فى قول الله سبحانه: ﴿غَيْرَبَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾،
مع أنّ الأمور التى ذكر وإباحتها تنزيلاً للحاجةِ منزلةَ الضّرورةِ ليست مُوقّتةً،
بل هى أحكامٌ دائمةٌ لا تتقيّد بوقت، مثلُ جواز السّلم، أو الاستصناع وغيرهما،
فكيف يُقال إنّ الحاجة إليها نُزّلت منزلةَ الضّرورة فى جميع أحكامها.
الثالث: الأمثلةُ الّتى ذُكرت تحت هذه القاعدة كلُّها مستِنِدةٌ إلى نصِّ، أو
تعامل. وما ذكروا من الأمثلة التى لم تثبت نصّاً، مثلُ الجواز للمحتاج أن
يستقرض بالرّبا، فإنّه لايُباح له ذلك إلاّ فى حالة الاضطرار، فيندرج تحت
الضّرورة المصطلحة، دون الحاجة المحضة. وكذلك قد ذكرابن نُجيم رحمه
الله تعالى جوازَ بيع الوفاء تحت هذه القاعدة، ولكنّه أوّلاً مختلفٌ فيه، وثانياً:
من أجازه إنّما أجازه على أنّ الشّرط المتعارف لا يُفسِد العقد.
ولذلك قال الشيخ أحمد الزرقاء رحمه الله تعالى فى شرح هذه القاعدة:

٢٧٤
تغير الأحكام بتغير الزمان
أصول الإفتاء
"والظّاهِر أنّ ما يجوزُ للحاجةِ إنّما يجوز فيما ورد فيه نصَّ يجوّزه، أو
تعاملٌ، أو لم يَرد فيه شيءٌ منهما، ولكن لم يَرِد فيه نصّ يمنعه
بخصوصه، وكان له نظير فى الشّرع يمكن إلحاقه به، وجعل ما ورد في نظيره
وارداً فيه."(١)
هذا، والحقُّ أنّ أحوالَ الحاجةِ التى تؤثّر فى تغيير بعض الأحكام أمرً يعسر
ضبطه بضوابطَ جامعةٍ مانعة، والمناط فيه على الملكةِ الفقهيّة والمذاق
السّليم الذى لا يحصل بمجرّد مراجعة الكتب، وإنّما يحتاج إلى طول
الممارسة فى صحبةٍ فقيهٍ مُتمكّن له باعٌ فى الفقه فى جانب، ومعرفةٌ بأحوال
النّاس فى جانب آخر. ولذلك قال ابن عابدين رحمه الله تعالى حاكياً عن
منية المفتى: "لو أنّ الرّجل حفِظَ جميعَ كتب أصحابِنا، لابدّ أن يتتلمذ للفتوى
حتّی یهتدى إليه. " (٢)
٤- تغيّر الأحكام لسدّ الذّرائع
الوجه الرابع لتغيُّر الأحكام هو سدُّ الذّرائع، فقد يكون أمر جائزاً مباحاً فى
نفسه، ولكن يُمْنَع منه لكونه يتطرّقُ إلى محظور، وقد يكون هذا التّطرُّقُ
أقوى فى عصرٍ دونَ عصر، ومن أجل هذا يتغيّرُ الحكمُ باختلاف الأزمان.
وإليكم فيما يأتى نُبذةٌ من أحكام سدّ الذّرائع، والله سبحانه هو الموفّق:
"الذّريعة" فى اللّغة بمعنى الوسيلة، كما فى القاموس، وهى التى يُتوصَّلُ
(١) شرح القواعد الفقهية ص ١٥٥
(٢) شرح عقود رسم المفتى، رسائل ابن عابدين ١:٤٥ .

أصول الإفتاء
٢٧٥
تغير الأحكام بتغير الزمان
بها إلى شيئ آخر. أمّا "الذّريعة" فى اصطلاح الفقهاء، فقد عرّفها ابنُ رُشد
الجدّ بقوله: "الدَّرَائِعُ هى الأشياءُ الّتى ظاهرُها الإباحةُ، ويُتوصّلُ بها إلى فعل
المحظور. "(١) وعرفه القرطبيّ رحمه الله تعالى بقوله: "الذَّريْعَةُ عبارةٌ عن أمر
١١(٢)
غير ممنوع فى نفسه، يُخافُ منَ ارتكابه الوقوعُ فى ممنوعٍ.
والأصلُ فى هذا البابِ قولُ الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرٍ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فإنّ ست الأوثانِ لیس
ممنوعاً فى نفسه، ولكنّ اللهَ سبحانه وتعالى منع منه لكونه مؤدّياً إلى أنّ
المشركين يسبّون الله سبحانه وتعالى فى جواب سبّ آلهتهم المزعومة.
ثمّ إنّ الدَّرائع على نوعين:
الأوّل: الذّرائعُ الّتى سدّها الشارعُ بنصّ من نُصوصِ الشَّريعة، كما منع القرآن
الكريم سبَّ آلهتهم المزعومة فى الآية المذكورة، أو كما حرّم رسول الله صلّی
الله عليه وسلّم رِباً الفضْل لكونه ذريعةً إلى ربا القرض. فَسَدُّ مثلِ هذه الذّرائع
واجبٌ بالنّصّ، ولو لم تُفض إلى محظورٍ فى جُزئيّةٍ خاصّة، لكونِ هذه
الأحكام صارَتْ أصلاً بنفسِها بعدَ ما نَصَّ عليها الشّارع، ولم يبقَ سدُّالذّريعةِ
إلاّ حكمةً لتلك الأحكام، ولايدورُ الحکمُ مع الحِكمة كما فصّلناه من قبل.
الثّاني: الذّرائعُ التى لم يثبت سدُّها من الشّارع، ولكن ثبتَ منعُ المحظورِ
الذى تتطرق إليه هذه الذّرائع. وهذا النوع مما يمكن أن يختلف فيه الحكم
بحسب أحوالِ الزّمان. ومثاله: أنّ الله سبحانه وتعالى أجازَ للمسلمينَ التّزوّجَ
(١) المقدّمات الممهدات لابن رُشد ٢:٣٩ كتاب بيوع الآجال
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٢:٢٩٤ تحت آية البقرة ١٠٤

أصول الإفتاء
٢٧٦
تغير الأحكام بتغير الزمان
بالكتابيّات، فقال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ
صلے
لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلّ هُمْ وَأَلُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ
قلے
مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَ هُنَّ مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ ﴾
[المائدة: ٥] فتزوُّج الكتابيّاتِ حلالٌ فی نفسه بنص القرآن الکریم، ولم يذكرٍ
القرآنُ الكريم كراهةً فى ذلك. ولكن لمّا رأى سيّدنا ◌ُمرُ رضی الله تعالى عنه
فى زمانِه أنّ ذلك يُؤَدّى إلى مفاسدَ، منعَ النّاسَ منه، حتَّى أمَرَ حذيفةَ بنَ
اليمانِ رضى الله تعالى عنهما أن يُفارِقَ زوجتَه اليَهُوديّة، فقد أخرج الإمام
محمّد رحمه الله تعالى عن أبى حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن حُذيفةَ
بن اليمان رضى الله عنه أنّه تزوّج يهوديّةً بالمدائن، فكتب إليه عمربن
الخطّاب رضى الله تعالى عنه أن خَلِّ سبيلَها، فكتب إليه: أحرامٌ هى يا أميرَ
المؤمنين؟ فكتب إليه: أُغْزِمُ عليك أن لاتضعَ كتابى هذا حتّى تُخَلَّىَ سبيلَها،
فإنّى أخافُ أن يَقتديَك المسلمون، فيختاروا نساءَ أهل الذّمّة لجمالِهنّ،
وكفى بذلك فتنةً لِنساء المسلمين." وقال محمّد رحمه الله تعالى بعد رواية
هذا الأثر: "وبه نأخذ، لانراه حراماً، ولكنّا نرى أن يُختارَ عليهنّ نساءٌ
المُسلمين، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله."(١)
، وقال ابنُ الهُمام رجمه الله تعالى: "ويجوزُ تزويجُ الكِتابيّات، والأولى أن
لا يفعل، ولا يأكلَ ذبيحتَهم إلّ للضّرورة، وتُكْرَه الكتابيّةُ الحربيّةُ إجماعاً،
(١) كتاب الآثار للإمام محمد، باب من تزوّج اليهوديّة أو النصرانيّة الخ رقم ٤١٥ وأخرجه أيضا
البيهقي فى السنن الكبرى ٧:١٧٢ باب ما جاء فى تحريم حرائر أهل الشرك دون أهل الكتاب.
وأخرج عبدالرزاق فى مصنّفه ٦:٧٨ رقم ١٠٠٥٧ وفيه أنّ عمر رضى الله عنه قال له: "طلِّقها
فإنّها جَمَرْة" وأنّ حذيفة رضى الله تعالى عنه لم يُطلّقها لقوله، ولكن طلّقها فيما بعد.

أصول الإفتاء
٢٧٧
تغير الأحكام بتغير الزمان
لانفتاحِ بابِ الفتنة من إمكانِ التّعلّق المُستدعى للمُقام معها فى دار الحرب،
وتعريضِ الولد على التّخلُقِ بأخلاق أهلِ الكُفر، وعلى الرِّقّ بأن تُسبى وهى
حُبلى، فيُولَد رقيقاً، وإن كان مُسلماً."(١)
وذكر الدّردير فى الشرح الكبير أنّه يجوز نكاح الكتابيّة بكرٍ عند الإمام
مالك، ويتأكّد الكُره إذا كان الزّواجُ بدار الحرب. "(٢) وقال الشّيرازيّ: "ويُكرة
أن يتزوّجَ حرائرهم، وأن يَطأ إماءَهم بملك اليمين، لأَنّا لانأمَنُ أن يميل إليها،
فَتَفْتِنَه عن الدّين، أو يتولّى أهلَ دينِها. فإن كانت حَربيّةً فالكراهيةُ أشدّ لأنّه
لا يُؤمَن ما ذكرناه، ولأنّه يُكثّر سوادَ أهل الحرب ... "(٣) وقال ابنُ قُدامة:
"الأولى أن لا يتزوّج كتابيّةً، لأنّ عُمر قال للّذينَ تزوّجوا من نساءٍ أهل
الكتاب: طَلِّقُوهنّ، فطلَّقوهنّ. "(٤)
فما كان جائزاً بنص القرآن الكريم دون تصريح بالكراهة جعله سيدنا عمر
رضى الله تعالى عنه والمذاهبُ الأربعةُ المتبوعةُ مكروهاً لسدّ الذّرائع. وهذا
فى زمن كان يسودُ فيه الإسلامُ والمسلمون، فما بالك فى زمننا هذا الذى
صارالمسلمون فيه مَغْلوبينَ سياسيّاً وثقافيّاً، فالفِتنةُ فى تزوّج الكتابيّاتِ فى
زمننا أشدُّ ونتائجُه أسوأ، والعياذُ بالله العليّ العظيم.
وهكذا عمل الفقهاءُ على أصل سدِّ الذّرائع فى كثيرٍ من الأحكام. ومن
أمثلته أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أجاز للنّساء أن يَشْهَدْن الصّلوات
(١) فتح القدير ٣:١٣٥
(٢) الدّسوقى على الشّرح الكبير٢:٢٦٧
(٣) المهذّب، كتاب النكاح، فصل: الزواج من الكافرة ٤: ١٥١ (ط: دار القلم)
(٤) المغنى، كتاب النكاح ٧ : ٥٠١

أصول الإفتاء
٢٧٨
تغير الأحكام بتغير الزمان
فى المساجد، بل روى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: "لاتَمْنعُوا إِمَاءَ اللهِ
مَسَاجِدَ اللهِ"(١) ولكن لمّا رأى سيّدنا عمرُ رضى الله تعالى عنه فى زمانه أنّ
هذه الإباحةَ تجُرّ إلى فِتَنِ، مَنَعَهُنّ المساجدَ، وقالت عائشة رضى الله عنها:
"لَوْأُدْرَكَ النَبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُحْدَثَ النِّسَاءُ، لمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا
مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِى إِسْرَائِيْلَ. "(٢) وذلك لِما صرّح به النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم:
"لاَتَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاَتٌ"(٣) وفى حديث
ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: "لاَتَمْنَعُوا نِسَاءَكُم الْمَسَاجِدَ، وَبِيُوتُهُنَّ خَيْرٌ
لَهُنَّ "(٤) وفى حديثٍ آخر: "صَلاَةُ الْمَرْآةِ فى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى
حُجْرتهَا، وَصَلاَتُهَا فى مَخْدعِهَا أفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فى بَيْتِهَا. "(٥) وخُضورُهنّ
المساجدَ فى عهدِ النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم إنّما كانَ على سبيلٍ
الإباحة، لاالأفضليّة، وذلك إذا لم تكُنْ فيه فتنةٌ، ولذلك قيّده النبيّ الكريم
صلّى الله عليه وسلّم بأن يخرُجن تَفِلات. فلمّا خِيفَ عليه من الفِتَن، أعادَ
سيّدنا عمرُ رضى الله تعالى عنه الأمر إلى ما هو أفضلُ بلانزاع، وذلك سدّاً
لذَرِیعة الفَساد.
ومِن أمثلةِ سدِّ الذّرائع فى المذهبِ الحَنفيّ أنّ المرأةَ إِن تزوّجَتْ بدون إذنٍ
الوليّ فى غير الكفؤ، فإنّ أصلَ المذهبِ أنّ النّكاحَ ينعقد، ولكن يحِقّ للوليّ
(١) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب بلا ترجمة حديث ٩٠٠
(٢) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب انتظار النّاس قيام الإمام العالم، رقم ٨٦٩
(٣) أخرجه أبوداود عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه فى كتاب الصلوة، باب ماجاء فى خروج
النّساء إلى المسجد، حديث ٥٦٥
(٤) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء فى خروج النساء إلى المسجد، حديث ٥٦٧
(٥) سنن أبي داود، حديث ٥٧٠

أصول الإفتاء
٢٧٩
تغير الأحكام بتغير الزمان
الاعتراض، فيفسُخَه بالقاضى. وهُناكَ روايةٌ عن الحسن بن زياد رحمه الله
تعالى أنّه لا ينعقد النكاحُ أصلاً. فأفتى المتأخّرون من الحنفيّة بهذه الرواية
سدًاً للذّريعة. جاء فى الدّرّ المختار: "ويُفتى فى غير الكفؤ بعدم جوازه أصلاً،
وهُو المختار للفتوى لفساد الزّمان."(١)
وكذلك أصلُ مذهب الحنفيّة أنّ المرأة إن ارتدّت-والعياذ بالله العظيم_
ينفَسخُ نكاحها مع زوجها المسلم، وتُجْبرُ على الإسلام وتجديدِ النّكاح، إن
أراد الزّوج ذلك. ولكنّ مشايخ سمرقند وبلخ رأوا أنّ بعض النّسوة تحيّلن
فى الخلاص من أزواجهنّ بالارتداد، والعياذ بالله تعالى، فأفتوا بأنّ المرتدّةَ
تبقى فى نكاح زوجها سداً لهذه الذّريعة.(٢)
ثمّ إنّ سِدَّ الذّرائع الّتى لم يُنُصّ الشارع بسدِّها أمرٌ اجتهاديٌّ قد تختلفُ
فيه آراءُ الفقهاء، فمنهم مَن يعتبر بعضَ الذّرائع سبباً قويّاً للوقوع فى محظورٍ،
فیراها فی معنی المحظور، فیو جبُ سدّها، ومنهم من لا یری ذلك. ومثالُه بیعُ
العِينة، فكرِهه الإمام مالك رحمه الله تعالى وذهب إلى منعِه إطلاقاً، (٣) وذهب
الإمامُ الشّافعِيّ رحمه الله تعالى إلى أنّه جائزٌ مادامت شروطُ جواز البيع
متوافرةً، لأنّه بيعٌ وليس رباً. (٤) واختلف فقهاءُ الحنفيّة، فقال الإمام محمّد
رحمه الله تعالى: "هذا البيعُ فى قلبى كأمثال الجبال ذميمٌ اخترعه أَكَلَةُ الرَّبا. "(٥).
(١) الدرالمختار مع ردّالمحتار، باب الوليّ ٨:١٩٠
(٢) راجع ردّ المختار، باب نكاح الكافر، ٨:٦٤٩ فقره١٢٦٤٥ وبه أفتى علماء الهند، كما فى
جواهر الفقه ٢:١٤٨
(٣) موطأ الإمام مالك مع أوجز المسالك ١١: ٣٣٠
(٤) كتاب الأم مع موسوعة الإمام الشافعيّ، باب بيع الآجال ٦: ٢٤٩ ط: دار قتيبة
(٥) ردّالمختار، كتاب الكفالة

أصول الإفتاء
٢٨٠
تغير الأحكام بتغير الزمان
وقال أبويوسف رحمه الله تعالى: "العينة جائزةٌ مأجورة" وقال: "أجرُه
المكان الفرار عن الحرام."(١) وحاول ابنُ الهمام رحمه الله تعالى أن يُطبّق بين
القولين، فقال: "ثمّ الذى يقعُ فى قلبى أنَّ ما يُخرجه الدّافع إن فُعِلت صورةٌ
يعود فيها إليه هو أو بعضُه، كعَود الثّوب أو الحرير فى الصّورة الأولى(٢)،
وكَعَودِ العشرة فى صورة إقراض الخمسة عشر (٣) فمكروه، وإلاّ فلا كراهة إلاّ
خلاف الأولى على بعض الاحتمالات، كأن يحتاج المدیونُ فیأبى المسئول
أن يُقرض، بل أن يبيعَ ما يُساوى عشرةً بخمسةَ عشرَ إلى أجل، فيشتريه
المديونُ ويبيعُه فى السُّوق بعشرةٍ حالة، ولا بأسَ فى هذا، فإنّ الأجل قابله
قِسْطٌ من الثّمن، والقرض غيرُ واجبٍ عليه دائماً، بل هو مندوب، فإن تركه
بمجرّد رغبةٍ عنه إلى زيادة الدُّنيا فمكروهٌ، أو لعارضٍ يُعذّر به فلا. وإنّما
يُعرف ذلك فى خصوصيات المواد، وما لم ترجع إليه العينُ التى خرجت منه
لا يُسمّى بيعَ العِينة. "(٤)
ولقد حقّق الإمام الشّاطبيّ رحمه الله تعالى مسئلةَ سدّ الذّرائع فى مثل هذه
المجتهدات بكلام متين، نحكى بعضَه لما فيه من فوائد. قال رحمه الله تعالى:
"فإنّ الذّرائعَ على ثلاثة أقسام: منها ما يُسَدُّ باتّفاق؛ كسَبِّ الأصنام مع العلم
بأنّه مؤٍ إلى سبِّ الله تعالى، وكَسَبٌ أَبَوَى الرّجل إذا كان مؤدّيًا إلى سبّ
(١) الفتاوى الخانيّة على هامش الهنديّة ٢:٢٧٩
(٢) يعنى إذا باع ثوباً بأكثر من ثمن السوق مؤجلا، ثمّ اشتراه منه بسعر السوق الّذى هو أقلّ حالاً.
(٣) يعنى ما ذكره ابن الهمام رحمه الله تعالى فيما قبل من أن يُقرضه خمسة عشر، ثمّ يبيعه ثوباً يُساوى
عشرةً بخمسة عشر، ويأخذ الخمسة عشر القرض منه، فلم يخرج منه إلاّ عشرة، وثبت له خمسة عشر.
(٤) فتح القدیر، کتاب الكفالة ٦: ٣٢٣ و ٣٢٤

أصول الإفتاء
٢٨١
تغير الأحكام بتغير الزمان
أبَوَي السّابّ؛ فإنّه عُدّ فى الحديث سبًّا من السّابّ لأبَوَى نفسه، وحفر الآبار
فى طرق المسلمين مع العلم بوقوعهم فيها، وإلقاءِ السَّمّ فى الأطعمة
والأشربة الّتى يُعلمُ تناول المسلمين لها. ومنها ما لا يُسَدُّباتّفاق، كما إذا أحبّ
الإنسانُ أن يشتريَ بطعامه أفضلَ منه أو أدنى من جنسه؛ فيتحيّلُ ببيع متاعه
ليتوصّل بالثّمن إلى مقصوده، بل كسائر التّجارات؛ فإنّ مقصودها الذى
أبيحت له إنّما يرجعُ إلى التّحيُّل فى بَذْلِ دراهمَ فى السّلعة ليأخذَ أكثرَ منها.
ومنها: ما هو مختَلَفٌ فيه، ومسألتنا(١) من هذا القسم؛ فلم نخرج عن حكمه
بعدُ، والمنازعةُ باقيةٌ فيه. وهذه جملةُ ما يمكن أن يُقال فى الاستدلال على
جواز التّحيُّل فى المسألة، وأدلّةُ الجهة الأخرى(٢) مقرّرةٌ واضحةٌ شهيرة؛
فطالِعْها فى مواضعها، وإنّما قُصِد هنا هذا التّقرير الغريبُ لقلّة الاطّلاع عليه
من كُتب أهله؛(٣) إذ كتبُ الحنفيّةِ كالمعدومةِ الوجودِ فى بلاد المغرب،
وكذلك كتبُ الشّافعيّة وغيرهم من أهل المذاهب، ومعَ أنّ اعتياد الاستدلال
لمذهبٍ واحدٍ رُبّما يكسبُ الطّالبَ نُفورًا وإنكارًا لمذهب غير مذهبه، من
غير اطّلاعِ على مأخذِه؛ فيُورِثُ ذلك حَزَازةً فى الاعتقاد فى الأئمّة، الّذين
أجمع النّاسُ على فضلهم وتقدُّمهم فى الدّين، واضطلاعهم بمقاصد الشّارع
وفهم أغراضه، وقد وُجد هذا كثيراً. "(٤)
(١) يعنى مسئلة بيوع الآجال ومنها العينة
(٢) يعنى الجهة المانعة، مثل المالكية
(٣) إنّ الإمام الشاطبيّ رحمه الله تعالى مالكيّ، فهو مؤيّد لمذهب مالك فى كراهة بيوع الآجال، ولكنّه
يُريد فى هذه العبارة أن يُبت أنّ الّذين أجازوها من الفقهاء مثل الحنفيّة والشافعيّة مستندون إلى
دلائل أيضا، فلا ينبغى أن يُلاموا على ذلك، فإنّ المسئلةَ محتهدٌ فيها، ولكلّ وجهةٌ هو مولّيها.
(٤) الموافقات، كتاب المقاصد، القسم الثانى: مقاصد المكلّف ٢: ٣٩٠ و٣٩١

١
أصول الإفتاء
٢٨٢
تغير الأحكام بتغير الزمان
وبالجملة، فإنّ الفقهاءَ اعتبروا سدَّ الذّرائع أصلاً بَنَوا عليه كثيراً من
الأحكام. والذى يظهر بعد النَّظَر فى المسائلِ المبنيّةِ على هذا الأصلِ أنّه إذا
ثبت أنّ الأمر المُباحَ يؤدّى إلى محظورٍ يقيناً أو بغَلَبة الظّنّ، فإنّه يُحْكَمُ على
ذلك المُباح بأنّه غيرُ جائز، لأنّ ما أدّى إلى محظور، فهو محظور. أمّا إذا كان
الوقوعُ فى المحظورِ محتملاً لاعلى سبيل اليقين أو غَلَبةِ الظّنّ، فلايُحكَمُ
عليه بعدم الجواز صراحةً، ولكن يختارُ المفتى تعبيراً مناسباً لكفّ المستفتى
عن ذلك المُباح، مثلَ أن يقول: "لاينبغى لك" أو "ينبغى التّجلُّبُ منه"
أو "لا آذن لك." أو "لاأُشير عليك" ونحوذلك. وهذا ما فعله رسولُ الله صلّى
الله عليه وسلّم حين مَنَع عليّاً رضى الله تعالى عنه من نكاح بنت أبى جهل،
فقال صلّى الله عليه وسلّم: "فَلاَ آذنٌ، ثُمَّ لاَآذَنُ، ثُمَّ لاَآذَنْ، إِلاَّ أَنْ يُرِيْدَ ابْنُ
أبىِ طَالِبٍ أَنْ يُطَلّقَ ابْنَنىِ وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُ، فَإِنَّمَا هِىَ بَضْعَةٌ مِنِّى، يُرتبنى مَا
أَرَبَهَا، وَيُؤْذِيْنِى مَا أَذَاهَا"(١) وفى رواية: "إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّى، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ
تُفْتَنَ فى دِيْنِهَا" ولكن قال صلّى الله عليه وسلّم فى الرّواية نفسها: "وَإِنِّى
لَسْتُ أُحرِّمُ حَلاَلاً وَلاَ أُحِلُّ حَرَاماً، وَلَكِنْ وَاللهِ لاَتَحْتِعُ بِنْتُ رَسُوْلِ اللهِ
وَبِنْتُ عَدُوّاللهِ أَبَداً. "(٢) فقد صرَّح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ
هذا النكاحَ ليس حراماً فى نفسه، ولكنّه يُخاف منه الوقوعُ فى محظورٍ كبير،
وهو تأذِّى النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم بتأذّى ابنته الكريمة إن كانت
بنتُ أبى جهل ضرَّتَها.
(١) صحيح البخاري، كتاب النكاح، ذبّ الرجل عن ابنته الخ حديث ٥٢٣٠
. (٢) صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، حديث ٣١١٠

أصول الإفتاء
٢٨٣
تغير الأحكام بتغير الزمان
ويتبيّن من هذا الحديث أنّ الحكمَ على الذّرائع أنّها تُسَكُّ أو لأُتُسَدٌ يمكنُ
أن يختلف من شخصٍ إلى شخص، ومن حالٍ إلى حال. فالمرجعُ فى ذلك
إلى المَلَكةِ الفقهيّة والذّوقِ السّليم الذى لايكاد يحصُل إلّ بممارسةٍ طويلةٍ
تحت إشراف أصحابٍ هذه المَلَكة. والله سبحانه أعلم.