Indexed OCR Text

Pages 221-240

أصول الإفتاء
٢٢٤
الافتاء بمذهب آخر
"وإن كان نفس القضاء مجتهداً فيه أنّه يجوز أم لا؟ كما لو قضى بالحَجْرِ
على الحُرّ، أو قضى على الغائب، إنّه يجوز للقاضى الثانى أن ينقُضَ قضاءَ
الأوّل إذا مال اجتهادُه إلى خلافِ اجتهاد الأوّل، لأنّ قضاءَه هُنا لم يجُزْ بقولِ
الكُلّ، بل بقولِ البعض دون البعض، فلم يكُن جوازُه متّفَقاً عليه،(١) فكان
محتملاً للنّقض بمثله، بخلاف الفصل الأول، لأنّ جوازَ القضاء هناك ثبت
بقول الكلّ، فكان متّفَقاً عليه، فلا يَحْتمِلُ النّقضَ بقول البعض. ولأنّ المسألةَ
إذا كانت مختلفاً فيها، فالقاضى بالقضاء يقطع أحدَ الاختلافين، ويجعلُه
متّفَقاً عليه فى الحُكم بالقضاء المتّفَق على جوازه، وإذا كان نفس القضاء
مختلفاً فیه، يرفع الخلاف بالخلاف."
"هذا إذا كان القضاءُ فى محلّ أجمعوا على كونه محلّ الاجتهاد. فأمّا إذا
كان فى محلٌّ اختلفوا أنّه محلٌّ الاجتهاد أم لا؟ كبيع أمّ الولد، هل ينقُذ قضاء
القاضى أم لا؟ فعند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله ينفذ، لأنّه محلّ
الاجتهاد عندهما لاختلاف الصّحابة فى جواز بيعها، وعند محمّد لا ينفذ،
لوقوع الاتّفاق بعد ذلك من الصّحابة وغيرهم على أنّه لا يجوز بيعُها، فخرج
عن محلّ الاجتهاد. وهذا يرجع إلى أنّ الإجماعَ المتأخْرَ هل يرفعُ الخلافَ
المتقدّم؟ عندهما لا يرفع، وعنده يرفع. فكان هذا الفصل مختلّفاً فى كونه
مجتهداً فيه، فيُنظرُ إن كان من رأي القاضى الثّانى أنّه يُجتهد فيه، ينفذ قضاؤه،
ولا يردّه لِما ذكرنا فى سائر المجتهدات المتّفَق عليها، وإن كان من رأيه أنّه
خرج عن حدِّالاجتهاد، وصار متّفقاً عليه لا ينفذ، بل يردّه لأنّ عنده أنّ قضاءً
(١) المراد أنّ كونه قضاءٌ معتبراً فيه خلاف. والقضاء الّذى ينفذ فى المجتهدات إنّما هو القضاء الّذِى.
ثبت کونه قضاءً بالاتفاق.

أصول الإفتاء
٢٢٥
الافتاء بمذهب آخر
الأوّل وقع مخالفاً للإجماع، فكان باطلاً.
ومن مشايخنا من فصّل فى المجتهدات تفصيلاً آخر، فقال: إن كان
الاجتهادُ شنيعاً مستنكراً، جاز للقاضى الثّانى أن ينقُضَ قضاءَ الأول. وهذا فيه
نظر، لأنّه إذا صحّ كونُه محل الاجتهاد، فلا معنى للفصل بين مجتهد ومجتهد،
لأنّ ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بينهما، فينبغى أن لا يجوزَ للثّانى
نقض قضاء الأوّل، لأنّ قضاءه صادف محلّ الاجتهاد."(١)
وحاصلُ ماذكره الكاسانيّ رحمه الله تعالى ما يأتى:
١. إن كان القضاءُ فى مسئلةٍ مُجْمَع عليها، فما وافق الإجماع نفذ، وما
خالفه بطل.
إن کان المقضئ به مجتهداً فیه، ولا خلاف فى كونه مجتهداً فیه، نفذ
٢.
القضاءُ بالاتفاق.
٣. إن كان هناك خلاف فى كون المقضىّ به مجتهداً فيه، نفذ القضاءُ عند
أبى حنيفة وأبى يوسف، ولم يَنْفُذ عند محمّد، رحمهم الله تعالى.
٤. إن كان القضاءُ نفسُه مجتهداً فيه، مثلُ القَضاء على الغائب، والحَجْر
على الحرّ، لم ينفُذ القضاءُ عند من لا يجوّزه.
وإنّ الأولى والثّانية من هذه النّقاط الأربع لا يحتاجان إلى شرح وتفصيل،
كما هو ظاهر.
هل يرتفع الخلاف المتقدم بالإجماع اللاحق؟
أمّا النّقطة الثّالثة، فهى متعلقةٌ بما إذا كان هناك خلافٌ فى المسئلة
(١) بدائع الصنائع، كتاب أدب القاضي، فصل: ما ينفذ من القضايا وما لا ينفذ، ٥: ٤٥٧، ٤٥٨
ـيع ميخلظة

أصول الإفتاء
٢٢٦
الافتاء بمذهب آخر
فى عهد الصّحابة والتابعين، ثمّ وقع الإجماعُ على أحدِ المَذْهبين. مثل بيع أمّ
الولد، كان فيه خلاف فى عهد الصّحابة هل يحوز أم لا؟ فكان عمر رضى الله
تعالى عنه يقول: إنّ بيعَها لايجوز، وكان علىَّ رضى الله تعالى عنه يجوّز
بيعَها. ثمّ وقع الإجماع فى عهد التّابعين على عدم جوازه. فيقول الإمام
أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى: إنّ الإجماع اللاّحقَ لا يرفع الخلاف
المتقدّم، فتبقى المسألةُ مجتهداً فيها بالرغم من الإجماع الّذى وقع أخيراً،
وعلّله السَّرَخْسِيُّ رحمه الله تعالى بأنّه ليس لإجماع التّابعين من القوّة ما يرفعُ
الخلاف الذى كان بين الصّحابة رضوان الله عليهم. فلو قضی القاضى بجواز
بيع أمّ الولد نفذ عندالشّيخين، لكونه قضاءً فى فصل مجتهدٍ فيه.(١)
(١) المبسوط السرخسيّ، باب البيوع الفاسدة ١٣:٥ وليتنبه أن بعض الفقهاء أفتوا بقول محمد رحمه
الله تعالى فى القضاء ببيع أم الولد أنه لاينفذ. وقال بعضهم إنه يتوقف على إمضاء قاض آخر، لأنّه
لما وقع الاختلاف فى كون المسئلة اجتهاديّة كان القضاء مختلفا فيه، فإن أمضاه القاضى الآخر
كان هذا القضاء الثانى فى مجتهد فيه، فينفذ هذا القضاء الثانى. وراجع لتفصيله ردالمحتار، باب
الاستيلاد، مطلب فى قضاء القاضى بغير مذهبه، فقره ١٧٠١٢ وكتاب القضاء، فصل فى الحبس،
فقره ٢٦٣٠٠ ولكن لوسلّم هذا على مذهب الشيخين، دخل القسم الثالث من الأقسام الأربعة
المذكورة دائماً فى القسم الرابع الذى يتوقف فيه القضاء على إمضاء قاض آخر، كما سيأتي بيانه
فى الفقرة الآتية، وهذا خلاف المفروض. فلعلّ هذا القول مبنيّ على قول محمّد أيضاً، فإنّه لا يقول
بنفاذ القضاء الأوّل لكونه مخالفاً للإجماع عنده، ولكن لّا كان عدمُ نفاذه مجتهداً فيه لاختلاف
الشيخين، وقضى القاضى الثانى بنفاذه على مذهبهما، صار هذاالقضاء الثانى فى مسئلة مجتهد
فيها، فحينئذ ينفذ قضاؤه على مذهب محمّد رحمه الله تعالى. أمّا على مذهب الشّيخين، وهو
الرّاجح كماً سيأتي إن شاء الله تعالى، فلايتوقّف نفاذ القضاء الأوّل على إمضاء القاضى الثانى،
ولهذا ذكر الكاسانيّ رحمه الله تعالى نفاذَه بدون أن يقول بتوقّفه على قاضٍ آخر. والحاصلُ أنّ
القضاءَ فى مثل هذا ينفذ عند الشيخين مباشرةً، ويتوقّف عند محمّد على إمضاء قاضٍ آخر، كما
يتوقّف عليه فى القسم الرّابع الآتى ذكره فى النقطة الرابعة، فليتأمل، والله سبحانه أعلم.

أصول الإفتاء
٢٢٧
الافتاء بمذهب آخر
أمّا الإمام محمّد رحمه الله تعالى، فيقول: إنّ الإجماع اللاحقَ يرفعُ الخلافَ
المتقدّم، فلا تبقى المسألةُ مجتهداً فيها بعد وقوع الإجماع على أحد
المذهبين. ولهذا لو قضى القاضى بجواز بيع أمّ الولد، لم ينفذْ لكونه خلاف
الإجماع. وبما أنّ كثيراً من الفقهاء الحنفيّة أفتوا بنفاذ القضاء بقول شُريح فى
قبول شهادة النّساء فى الحدود والقصاص، كما سيأتى، بعد أن وقع الإجماع
على عدم قَبولها، فالظّاهرُ أنّه يستلزم أن يكون الفتوى على قول الشيخين
رحمهما الله تعالی.
وقولُ الشّيخين أرجح دليلاً، لما ذكر غيرُ واحدٍ من الفقهاء، ومنهم الإمام
محمّد رحمه الله تعالى، من أنّ العبرةَ فى كون المحلّ مجتهداً فيه اشتباهُ
الدليل، لاحقيقةُ الخلاف. جاء فى الفتاوى الهنديّة: "وفى المنتقى يُشير إلى
أنّ العِبرةَ لاشتباه الدليل لالحقيقة الاختلاف، وهكذا ذكر محمّد رحمه الله
تعالى فى الجامع وفى السّير الكبير. وهكذا ذكره صاحب الأقضية. صورةُ ما
ذكر فى السّير: لو رأى إمام من أئمة المسلمين أن يقبلَ الجزيةَ من مُشركى
العرب وقَبِل، جازَ، وإن كان هذا خطأً عند الكلّ، لأنّه موضعُ الاجتهاد. كذا فى
الذخيرة. "(١) ولا نستطيع أن نقول إنّ ماذهب إليه بعضُ الصّحابة أو التّابعين
بخلاف ما وقع عليه الإجماع لاحقاً، لم يكن مبنيّاً على أيّ دليل، أو لم يكنْ
موضعَ الاشتباه، فإنّ القول بلا دليل أو فى غير موضع الاشتباه ضلال لايُتصوّر
من خير القرون، والله سبحانه أعلم.
(١) الفتاوى الهندية ٣:٣٥٧

أصول الإفتاء
٢٢٨
الافتاء بمذهب آخر
إذا كان القضاء نفسُه مجتهدا فيه
والنُّقطة الرّابعة التى ذكرها الكاسانيّ رحمه الله تعالى هى أنّه إن كان
القضاءُ نفسُه مجتهداً فيه، مثل القضاء على الغائب، والحَجْر على الحرّ، لم
ينفُذِ القضاءُ عند من لا يجوّزُه. وهناك ملاحظتان على ما ذكره الكاسانيّ
رحمه الله تعالى يجب التنبه لهما:
الملاحظة الأولى: أنّا قد ذكرنا فى مبحث التّلفيق عن ابن عابدين رحمه الله
تعالى أنّ المتأخرين من الحنفيّة أجازوا القضاءَ على الغائب للضّرورة
والمصلحة. فلا يناسبُ التّمثيل به، لأنّ القضاءَ على هذا القول صار مُتّفقاً عليه
المكان الضّرورة والمصلحة. ولعلّ الأمثلةَ المناسبة لهذا القسم هى التى ذكرها
ابنُ عابدين رحمه الله تعالى، فقال: "كمَالو قضى لولده على أجنبيٍّ أو
لامرأته، أو كان القاضى محدوداً فى قذْفٍ، لأنّ نفسَ القضاء مختلفٌ فیه."
والملاحظة الثّانية: أنّ الكاسانيّ رحمه الله تعالى ذكر حُكمَ هذا القِسم كأنّه
متّفقٌ عليه فيما بين الحنفيّة، وأنّهم اتّفقوا على أنّه إن كان القضاءُ نفسُه
مجتهداً فيه، لم ينفُذْ هذا القضاءُ عند من لا يعتبره قضاءً، فيجوز للقاضى الثّانى
إن كان ممّن لا يعتبره قضاءً أن ينقضه. ولكن يظهر من مراجعة الكتب الأخرى
فى مذهب الحنفيّة أنّ هذا الحكم ليس متّفقاً عليه فيما بين الحنفيّة أنفسِهم.
ولهذا قال ابنُ عابدين فى بيان هذا القسم: "وقسم اختلفوا فيه، وهو الحُكم
المجتهدُ فيه، وهو ما يقعُ الخلافُ فيه بعدَ وُجود الحكم، فقيل: ينفُذ. " فتبيّنَ
أنّ حكم هذا القسم مختلَفٌ فيه فيما بين الحنفيّة أَنفُسِهم، وإن وقع تصحيحُ
عدم النّفاذ فى الخانيّة والزَّيْلَعِيّ وغيرهما، ولكنّ ذلك لايُخرِجه عن
كونه مختلفاً فيه، لكون بعض الحنفيّة رجّجوا النّفاذَ فى هذه الصّورة أيضاً،

أصول الإفتاء
٢٢٩
الافتاء بمذهب آخر
كما نقله ابن عابدين عن ابن الشّخْنَة عن جدّه رحمهم الله تعالى .. فالفرق بين
القولين أنّ على قول الكاسانيّ وقاضى خان والزَّيْلَعِيّ رحمهم الله تعالى
لا ينفِّذُ القاضى الثّانى قضاءَ الأوّل، ولكنّه لو نفّذه نفذ، لأنّ القاضى الثانى قضی
فى مسئلةٍ مجتهَدٍ فيها، وحاصلُ ذلك أنّ صحّةَ قضاء الأوّل يتوقّفُ على
قضاءِ الثّانى. أمّا على قولِ ابن الشّحْنة، فينفذُ قضاءُ الأوّلِ مباشرةً، دونَ أن
يتوقّفَ على إمضاءٍ قاضٍ آخر. (١).
هل يشترط أن تكون المسئلة مجتهدا فيها فى الصّدر الأوّل؟
ذهب بعض الفقهاء الحنفيّة إلى أنّ القضاءَ إنّما ينفُذ إن كان هناك خلافٌ
فى عهد الصحابة والتّابعين. أمّا إذا حدث الخلاف بعده، فلا تُعتبر المسئلةُ
مجتهداً فيها. فجاء فى الفتاوى الهنديّة عن الخصّاف رحمه الله تعالى: "أنّه لم
يَعتِبِر الخلاف بيننا وبين الشافعيّ؛ إنّما اعتبر الخلاف بين المتقدّمين. والمراد
من المتقدّمين الصّحابة رضى الله تعالى عنهم ومن معهم ومن بعدهم من
السّلف. "(٢) ولكن لم يأخذ بهذاالقولِ المتأخّرون من الحنفيّة. فقال
الحَصْكَفِيّ فى الدّرّالمختار: "وهل اختلاف الشّافعيّ معتبر؟ الأصحّ نعم.
صدر الشريعة". وقال ابن عابدين تحته: "وقيل: إنما يُعتبر الخلاف فى
الصّدر الأوّل. قال فى الفتح: وعندى أن هذا لا يُعوّل عليه، فإن صحّ أن
مالكاً وأباحنيفة والشافعيَّ مجتهدون، فلا شكّ فى كونِ المحلّ اجتهاديًّا،
وإلاّ فلا. ولاشكّ أنهم أهلُ اجتهاد ورفعةٍ، ويؤيّده ما فى الذخيرة: خالَعَ
الأبُ الصّغيرةَ على صداقها ورآه خيراً لها، صحّ عند مالك، وبرِئَ الزّوج عنه.
(١) راجع ردّالمحتار، كتاب القضاء، فصل فى الحبس، ١٦:٤١٧ فقره ٢٦٢٧٩
(٢) الفتاوى الهنديّة ٣:٣٥٧ كتاب القضاء، باب ٩

أصول الإفتاء
٢٣٠
الافتاء بمذهب اخر
فلو قضی به قاض، نفذ."(١)
وليُتنبّه أنّ بعضَ مُتونِ الخنفيّة، ومنها الدّرّالمختار، ذكرت فى عدّةِ مسائلَ
خلافيّةٍ بين الأئمّة الأربعة، أنّ القضاءَ فيها بقول الشّافعيّ لاينفذ على مذهب
الحنفيّة، مثل القضاء بحِلٌّ متروك التّسميّة عامداً، والقضاءِ بشاهدٍ ويمين
وغيرهما، ولكن قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: " فماذكره أصحاب
الفتوى من المسائل الآتية الّتى لا ينفذ فيها قضاءُ القاضى مبنيٌّ على عبارة
القدوريّ، لاعلى ما فى الجامع (أى الصّغير) ومَن قال: لااعتبارً بخلاف مالك
والشافعيّ اعتمدَ قولَ القدوريّ، ومَن قال باعتباره اعتمدَ ما فى الجامع. وفى
الواقعاتِ الحساميّة عن الفقيه أبى الليث: وبه، أى بما فى الجامع نأخذ. لكن
فى شرح أدب القضاء أنّ الفتوى على ما فى القدوريّ. اهـملخّصا. فقد ظهر
أنّهما قولان مصحَّحان، والمتونُ على ما فى القدوريّ، والأوجة مافى الجامع،
ولذا رجحه فى الفتح. "(٢)
١
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والظّاهرأنّه لا تعارض بين قول القدوريّ
ومافى الجامع الصّغير، فإنّ عبارةَ الجامع الصّغير هكذا: "ومااختلف فيه
الفقهاءُ فقضى به القاضى، ثمّ جاء قاض آخر يرى غيرَ ذلك، أمضاه. "وعبارةُ
القدوريّ رحمه الله تعالى هكذا: "وإذا رُفع إلى القاضى حكمُ حاكم أمضاه،
إلاّ أن يُخالفَ الكتابَ أو السنّة أو الإجماع بأن يكونَ قولاً لادليل عليه."(٣)
(١) ردالمحتار، فصل فى الحبس ١٦: ٤٥٠ و٤٥١ فقره ٢٦٣١٨
(٢) ردّ المختار، كتاب القضاء، فصل فى الحبس ١٦:٤٣٤ فقره ٢٦٢٩٦
(٣) أنظر الهداية مع فتح القدير، ٦:٣٩٣ كتاب القضاء، باب كتاب القاضى إلى القاضى، فإنّه
ذكر العبارتين معاً

أصول الإفتاء
٢٣١
الافتاء بمذهب آخر
وليس هناك فرقٌ جوهريٍ بين العبارتين، وإنّما زاد القدوريُ الشّرطَ
المعروف أن لا يكونَ قضاءُ القاضى مخالفاً للكتاب أو السّنّة أو الإجماع،
ولاشكّ أنّ هذا الشّرطَ ملحوظٌ عند الجميع، ولم يذكُر القدوريّ رحمه الله
تعالى مسألةً جُزئيّة لا ينفذُ فيها القضاءُ، ولاذَكَرأنّه لا ينفذ فى متروك التّسمية
أو فى القضاء بشاهدٍ ويمين، أو فى مسألةٍ أخرى، وإنمّا بيّن الضّابطَ
المعروف، والظّاهرُ أنّ مرادَه أن يكونَ اجتهادُ القاضى فى غير محلّ الاجتهاد،
أو كان القولُ شاذّاً وقع عليه الإنكارُ من الفقهاء جميعاً، مثل جواز المتعة،
أوجواز التّفاضل فى الأموال الرِّبويّة فى غير النّسيئة، وأمثالها. والظّاهرةأنّه لم
يُرد أقوالَ الفقهاء المعتبرين، ولكنّ بعضَ الّذين جاءوا بعده أدخلوا حِلَّ
متروكِ التّسمِية والقضاءَ بشاهدٍ ويمين ممّا يُخالف الكتاب والسنّة، فطبّقوا
قولَ القدوريّ على هذه الجزئيّات، ونُسِب ذلك إلى القدوريّ، مع أنّه
لانستطيع أن نقول إنّ هذه المسائلَ مخالفةٌ للنّصوص القطعيّة فى الدلالة،
ولا يُتصوّرُ من الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى أن يُخالفَ النّصوصَ القطعيّة،
وقد تقرّر فى محلّه أنّه يتمسّك بالأحاديث، وإن وقع الاختلافُ فى تأويلها،
فلا ينبغى أن يُنسَب عدمُ نفاذ القضاء فى هذه المسائل إلى القدوريّ رحمه
الله تعالى. والله سبحانه أعلم.
القضاء بغير المذاهب الأربعة
ثمّ إن قضى القاضى قضاءً خرج به عن المذاهب الأربعة، هل ينفذ
قضاؤه؟ الظّاهرُ من عبارة ابن نُجيم فى الأشباه والنظائر أنّه لا ينفُذ، فإنّه يقول:
"ممّا لا ينفذُ القضاء به ما إذا قضى بشيئ مخالفٍ للإجماع، وإن كان فيه

٢٣٢
الافتاء بمذهب آخر
أصول الإفتاء
خلافٌ لغيرهم، فقد صرّح فى "التحرير" أنّ الإجماع انعقد على عدم العمل
بمذهبٍ مخالفٍ للأربعة لانضباط مذاهبهم وانتشارِها وكثرة أتباعهم."(١)
ولکن فیما قاله ابن نجیم رحمه الله تعالی نظرمن وجوه:
(١) هذا مخالفة لما ذكرنا من قول الشّيخين رحمهما الله تعالى من أنّ
الإجماع الّاحقَ لا يرفعُ الخلافَ السّابق، والظاهر أنّه هوالمعمول به، گما مر
فيما سبق.
(٢) إنّ ابنَ نُجيم رحمه الله تعالى إنما اعتمد فى هذا القول على "التحرير"
لابن الهُمام، ولكنّ ابنَ الهمام رحمه الله تعالى لم يقُلْ إنّ القضاءَ بغير
المذاهب الأربعة غيرُ نافذ، وإنّما قال إنّه لا يجوز اليومَ تقليدُ غير الأئمّة
الأربعة بصفةٍ عامّةٍ، لأنّ مذاهبَ سِواهم غيرُ مدوَّة. وهذا لا يستلزم أن يكونَ
قولُ غيرهم لايُعتبرُ فى كون المسئلةِ اجتهاديّة. وعبارةُ ابن الهمام فى آخر
كتابه "التحرير" هكذا: "نَقَل الإمامُ فى البرهان إجماعَ المحقّقين على منعِ
العوامّ من تقليد أعيانِ الصّحابة، بل من بعدهم الذين سَبَروا ووضعوا ودوّنوا،
وعلى هذا ما ذكر بعضُ المتأخّرين منعَ تقليدٍ غير الأربعة لانضباط مذاهبهم،
وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يُدرَ مثلُه فى غيرهم الآن
الانقراض أتباعهم، وهو صحيح." وقال ابن أمير حاج تحته: "وحاصل هذا
أنّه امتنع تقليدُ غير هؤلاء الأئمّة لتعذّر نقل حقيقةٍ مذهبهم، وعدم ثبوته حقَّ
الثبوت، لا لأنه لايُقلّد.
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١:١٤٣، الفنّ الأوّل، قاعدة الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد

أصول الإفتاء
٢٣٣
الافتاء بمذهب آخر
ومن ثمّه قال الشّيخ عزّالدين بن عبدالسّلام(١): لاخلاف بين الفريقين فى
الحقيقة، بل إن تحقّق ثبوتُ مذهبٍ عن واحدٍ منهم جاز تقليدُه وفاقاً، وإلاّ
فلا."(٢) فظَهر أنّ ما ذكره ابن الهُمام رحمه الله تعالى لاعلاقة له بمسئلةٍ نفاذ
القضاء الّتى نحنُ فيها.
(٣) قد صرّح عدّةٌ من الفُقهاء الحنفيّة بنفاذ القضاء إذا صادف قولاً لأحدٍ من
المجتهدين السّالفين، وإن كان خلافاً لمذهب الأربعة. فقد اتّفق الأئمّةُ الأربعةُ
على أنّ شهادةَ المرأةِ لاتُقبل فى الحدود، وقد روى عن شريح رحمه الله
تعالى أنّها تُقبل بالنّصاب. وقال الشّيخ أبو المُعين النَّسَفِيَ(٣) فى شرح الجامع
الكبير: " ولو قضى القاضى فى الحدود بشهادة رجل وامرأتين نفذ قضاؤه،
(١) الإمام عزّ ابن عبد السلام: هوعبد العزيز بن عبد السلام بن أبى القاسم بن الحسن السّلمي
الدّمشقي، عزّ الدين الملقّب بسلطان العلماء، فقيه شافعيّ بلغ رُتَبةَ الاجتهاد. وُلد رحمه الله فى
دمشق سنة ٥٧٧ هـ أو سنة ٥٧٨ هـ ونشأ بها وتولىّ الخطابة والتّدريس بزاوية الغزاليّ، ثم
الخطابة بالجامع الأمويّ. كان أستاذَ شيخ الإسلام ابن دقيق العيد رحهم الله تعالى. وكان صدّاعاً
بالحقّ أمام الأمراء، لا يخاف فى الله لومة لائم، ومن عجائب أخباره أنّه لم يثبت عنده حرّية بعض
الأمراء، فكانوا عنده أرقّاء بحكم استصحاب الحال، وفيهم نائب السّلطان، فلم يرض إلا أن
یبیعهم، وغالى فى ثمنهم وبقبضه و صرفه في وجوه الخير، وأعتقهم مشتروهم. يقول الإمام السّبكيّ:
"وهذا ما لم يُسمع بمثله عن أحد." وله تصانيف غالية، منها: "التفسير الكبير" و"قواعد الأحكام فى
إصلاح الأنام" و"مسائل الطريقة" فى التصوّف، و" الإلمام في أدلّة الاحكام " وغيرها. توفّي رحمه
الله ٦٦٠ هـ. (ملخص من الأعلام ٤: ٢١ وطبقات الشافعيّة الكبرى ٨: ٢٠٩ وما بعدها.
(٢) التقرير والتحبير لابن أمیر حاج ٣: ٣٥٣ و٣٥٤
(٣) العلامة أبو المعين النسفيّ رحمه الله تعالى: هو ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول، أبو
المعين النسفى الحنفيّ. وُلد رحمه الله سنة ٤١٨ هـ. كان عالما بالأصول والكلام. کان بسمرقند
وسكن بخارى. من كتبه "بحر الكلام" و"تبصرة الأدلّة" فى الكلام، و"التمهيد لقواعد التّوحيد" و
"العمدة فى أصول الدين" و "العالم والمتعلّم" و"إيضاح المحجة لكون العقل جحّة" و"شرح الجامع
الكبير"، و"مناهج الائمة" فى الفروع. تُوُفّي رحمه الله سنة ٥٠٨ هـ. (ليراجع الأعلام ٧: ٣٤١)

أصول الإفتاء
٢٣٤
الافتاء بمذهب آخر
مور
وليس لغيره إبطالُه، لأنّه قضاءً فى فصل مجتهد فيه. "(١) وبهذا أفتى المتأخّرون
من الحنفيّة. وجاء فى الفتاوى الهنديّة: "والقاضى المطلق(٢) إذا قضى بشهادة
رجل وامرأتين فى الحدود والقصاص، وهو يرى جوازَه نفذ، لأنّ الاختلافَ
فى حُجّة القضاء، ومِنَ النّاس مَن يجوّز ذلك، وهو شريح. كذا فى التتار
خانيّة. وفى فتاوى القاضى ظهير الدين: ولو قضى بشهادة النّساء فى حدٍّ
أوقصاص نفذ قضاؤه، ولیس لغيره أن يُبطِله إذا طُولب منه ذلك، فإنه رُوی
عن شريح وجماعةٍ من التّابعين رجمهم الله تعالى أنهم جوّزوا ذلك. كذا فى
الفصول العماديّة. "(٣) وجاء فى الدُّرّ المختار: "ولو قضت (أى المرأة) فى
حدٍّ وقَوَدٍ فرُفع إلى قاض آخرَ يرى جوازَه، فأمضاه، ليس لغيره إبطالُه
لخلاف شريح، عينيّ " (٤) وهذه المسائل كلُها تدُلّ على أنّ نفاذَ القضاءِ لیس
خاصّاً بالمذاهب الأربعة، بل ينفذ إذا وافق أحد المجتهدين المعتبرين، ..
بشرط أن كان قولهم ثبت بطريق موثوق. والله سبحانه أعلم.
هل يُشترط أن يكون القاضى عالماً بالخلاف؟
وهل يُشترطُ لنفاذ القضاء أن يكونَ القاضى عالماً بالخلاف؟ فيه روايتان.
جاء فى الفتاوى الهنديّة: "قضاءُ القاضى فى المجتهدات نافذ، لكن ينبغى أن
يكون عالماً بمواضع الخلاف، ويترك قولَ المخالفِ ويقضى برأيه حتى
يصحَّ على قول جميع العلماء. وإن لم يعرف مواضع الاجتهاد والاختلاف،
(١) رد المحتار ٤٤١: ٥ باب كتاب القاضى إلى القاضى
(٢) يعنى القاضى الذى لم يقيّده الإمام بالقضاء بمذهب معيّن بل أطلقه بإجازة القضاء حسب ما رآه.
(٣) الفتاوى الهندية، ٣:٣٦١ كتاب القضاء باب ٩
(٤) رد المحتار ٥:٤٤١

أصول الإفتاء
مصر
٢٣٥
الافتاء بمذهب آخر
ففى نفاذ قضاءه روايتان، والأصحّ أنه ينفذ. كذافى خزانة المفتين.(١) وقد
أطال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى شرح هذه المسئلة، وذكر أنّ العلاّمة
قاسم رحمه الله تعالی ألف فيها رسالةً، وذکر خلاصتها وأيّدها بأنّ كلامه فى
غاية التّحقيق. ولكنّ ما علّق عليه الرّافعيّ رحمه الله تعالى فى بيان المسئلة
أوجزُ وأوجه، فليُراجَعْ لتحقيق هذه المسئلة، (٢) وليس هذا موضع بسطه.
قضاء القاضى المقلّد بخلاف مذهب إمامه
كلُّ مامرّ من التّفصيل بالنّسبة لنفاذ القضاء فى المجتهدات يجرى فى
حالتين اتفاقا: الحالة الأولى أن يكون القاضى مجتهدا، ووقع قضاؤه موافقاً
لاجتهاده. والحالةُ الثّانية: أن يكون مقلّدا، وقد قضى بمذهب إمامه، فينفذ
قضاؤه على الجميع، سواءً كان المقضيُّ عليهم مجتهدين ورأيُهم يُخالف
رأىَ إمام القاضى، أو مقلّدين لإمام آخر. أمّا إذا كان القاضى مقلّداً لإمام معيّن،
ثمّ قضى بخلاف مذهبه، فقد ذكروا أنّه لا ينفذ. وقد اختلفت عباراتُ القوم فى
تعليله. فعلّله فى فتح القدير بقوله: "فأمّا المقلّد، فإنّما ولاه ليحكُم بمذهب
أبى حنيفة مثلاً، فلا يملك المخالفة، فيكونُ معزولاً بالنّسبة إلى ذلك
الحكم. " وعلى هذا، عدمُ نفاذ قضاءه مبنيٌّ على أنّ الإمامَ إنّما جعله قاضياً
بشرط أن يَقْضى بمذهب أبى حنيفة، فإن خرج عن مذهبه، صار معزولاً
فى ذلك القضاء، فلم ينفُذْ. ومقتضى هذا التعليل أنّ الإمامَ إن لم يُقيِّده
بمذهبٍ معيّن، نفذ قضاؤه فى المجتهدات، وإن خالف مذهبَ إمامه.
(١) الفتاوى الهنديّة ٣:٣٥٧ كتاب القضاء، باب ٩
(٢) راجع ردّالمحتار، كتاب القضاء، فصل فى الحبس ١٦:٤١٧ فقره ٢٦٢/٨١ وكلام الرافعيّ تحت
قوله: "وهذا كلامٌ فى غاية التحقيق."

أصول الإفتاء
٢٣٦
الافتاء بمذهب آخر
ولكن قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى: "قلت: وتقييدُ السّلطان له بذلك غيرُ
قيد، لما قاله العلاّمة قاسمٌ فى تصحيحه من أنّ الحكم والفتوى بما هُو
مرجوحٌ خلافُ الإجماع. وقال العلاّمة قاسمٌ فى فتاواه: وليس للقاضى
المقلّد أن يحكُم بالضّعيف، لأنّه ليس من أهل التّرجيح، فلا يعدل عن
الصّحيح إلاّ لقصدٍ غير جميل، ولو حكم لا ينفذ، لأنّ قضاءه قضاءً بغير الحقّ،
لأنّ الحقّ هو الصّحيح. وما وقع من أنّالقول الضعيف يتقوّى بالقضاء، المرادبه
قضاءُ المجتهد، کما یّن فی موضعه. "(١)
وهذا يدلّ أنّ عدم نفاذ القضاء من المقلّد ليس مبنيّاً على كونه مأموراً من
السّلطان بالقضاء على مذهبٍ معيّن، بل الحُكم كذلك وإن لم يُقيّده السّلطانُ
بذلك. وعلّةُ عدم الّفاذ أنّه بحكم كونه مقلّداً مأموربأن يجكُم بصحيح
مذهبه. ولكنّ هذا إذا كان القاضى التزمَ لنفسه مذهباً معيّناً ويراه حقّاً، ثمّ
قضى بمذهب غيره عامداً خلاف مايراه حقّاً، فإنّ هذا القضاءَ لا ينفذ، مع كونه
فى مسئلة مجتهد فيها، وذلك لأنّه فى حكم المجتهدِ الَّذى يقضِى بخلاف
رأيه، ولا يَنفُذ مثل هذا القضاء عند أصحابِنا الثلاثة، لأنّه قضاءً بما ليس حقّاً
عنده، فهو متّبعٌ فيه هواه. فكذلك المقلّكُ لمذهبٍ معيّن. أمّا إذا قضى بمذهب
غيره ناسياً مذهبه، نَفذ عند أبى حنيفة رحمه الله، ولم ينفُذْ عند الصّاحبين،
لأَنّه خطأً عنده، وذكر صاحبُ الهداية أنّ الفتوى على قولهما، وفى الفتاوى
الصُّغرى أنّ الفتوى على قول أبى حنيفة، وذكر ابنُ الهمام رحمه الله تعالى
أنّ الوجهَ فى هذا الزّمان أن يُفتى بقول الصاحبين، لأنّ التاركَ لمذهبه لا يفعلُه
إلاّ لهوىّ باطلٍ، لالقصدٍ جميل. (٢)
(١) رد المحتار، كتاب الفضاء، فصل فى الحبس ١٦:٤٦٧، فقره ٢٦٣٥٧
(٢) فتح القدير، باب كتاب القاضى إلى القاضى ٦:٣٩٧

أصول الإفتاء
٢٣٧
الافتاء بمذهب آخر
أمّا أذا كان القاضى غير مجتهد، ولم يُقيِّده السلطانُ بمذهبٍ معيّن ولاالتزم هو
بمذهبٍ بعينه، فقضى فى مسئلةٍ بتقليد أيِّ فقيهٍ معتبر، فالظاهر أنّه ينفذُ قضاؤه.
وذلك لما جاء فى الفتاوى الهنديّة: "ذكر فى شرح الطحاويّ وجامع الفتاوى:
القاضى إذالم يكن مجتهِداً، ولكنّه قضى بتقليد فقيهٍ، ثمّ تبيّن أنّه خلافُ مذهبه،
ينفذ وليس لغيرِه نقضُه، وله أن ينقُضه. هكذا رُوى عن محمّد رحمه الله تعالى.
وقال أبويوسف رحمه الله تعالى: ماليس لغيره أن ینقُضه، ليس له نقضُه "(١)
ولأنّ المتأخّرين من الفقهاء الحنفيّةِ أجازوا تقليدَ الجاهل القضاءَ بأن يقضىَ
بفتوى غيره، كما فى الهداية، ولم يُقيّدُوه بأن يلتزم مذهباً معيّناً.("
وكذلك إن كان القاضى المقلِّد ملتزماً بمذهبٍ معيّن، ولكنّه عالمٌ متبحّر،
فيتأتّى فيه ماذكرنا فى المفتى المقلّد الذى يُفتى بمذهبٍ آخر فى بعض
الحالات بشروطٍ فصّلناها فى مسئلة الإفتاء بمذهبٍ آخر. ولايُخرجه ذلك
عن كونه مقلّدا. فالظّاهرُ أنّه لو قضى فى مسئلةٍ معيّنةٍ بخلاف قولِ إمامه
وبرأي فقيهٍ آخر يراه حقّاً فى تلك المسئلة بالشُّروط التى قدّمناها هناك، ينفُذ
قضاؤه، ولا يتأتّى فيه ماذكره ابن الهُمام وغيره مِن أنّ التاركَ لمذهبه لا يفعلُه
إلّ لهوىّ باطلٍ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
أمر السُّلطان أو الأمير فى مسئلةٍ مجتهَدٍ فيها
وما ذكرنا من نفاذ قضاء القاضى فى المجتهدات مبنيٌّ على أنّه مُولَئ
(١) الفتاوى الهنديّة ٣:٣٥٧ كتاب القضاء، باب ٩
(٢) الهداية، كتاب أدب القاضى مع فتح القدير ٦:٣٥٩ وأطال ابن الهمام رحمه الله تعالى تحته، وانتهى
إلى أنّه لا يجب عليه التزام مذهب معيّن.

٢٣٨
الافتاء بمذهب آخر
أصول الإفتاء
من قِبَل السُّلطان. والأصلُ فيه أنّ طاعةَ السُّلطانِ واجبةٌ فيما ليس بمعصية،
فإن أصدرأمراً فى الأمور المجتهد فيها، وجبت إطاعته. ولذلك رُوِی عن
الإمام أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى أنّهما كبّرا فى صلوة العيد فى
الأولى سبعاً، وفى الثّانية سّاً على مذهب عبدالله بن عباس رضى الله تعالى
عنهما، مع أنّ مذهبَهما أنّ التّكبيراتِ الزّوائدَ فى العيد ستّةٌ على مذهب
عبدالله بن مسعود رضى الله تعالى عنه. يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى:
"قال فى الظّهيرية: وهو تأويلُ ما رُوى عن أبى يوسف ومحمّد، فإنّهما فَعَلا
ذلك لأنّ هارون أمرهما أن يكبّرا بتكبير جدّه، ففعلا ذلك امتثالاً له، لا مذهباً
واعتقاداً. قال فى المعراج: لأنّ طاعةَ الإمام فيما ليس بمعصيةٍ واجبة. "(١)
والظّاهرُ من هذا أنّه لوصدر هناك أمرٌ أوقانونٌ من حاكم مسلم فى مسئلةٍ
مجتهدٍ فيها، وجب امتثالُه على العامّة، ولو كان خلاف مذهبهم الفقهيّ، فيُفتى
. المفتى العامّةَ بامتثاله، والله سبحانه وتعالى أعلم.
أمّا الأميرُ الذى ولاّه السُّلطان فى منطقةٍ مخصوصةٍ، أو ولاَّه قيادةَ عَسْکرٍ
من عساكر المسلمين، فحكمه كذلك لمن هو تحت إمارته. قال الحَصْگفِيّ
فى الدّرّالمختار: "وأمّا الأمير، فمتى صادف فصلاً مجتهداً فيه، نفذ أمرُه، كما
قدّمناه عن سِيَر التّتار خانيّة. " وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى تحته: "الّذى
رأيتُه فى سِيَر التّتار خانيّة: قال محمّد: وإذا أمر الأميرُ العسكرَ بشيئ، كان على
العسكر أن يُطيعوه، إلاّ أن يكون المأموربه معصيةً.اهـ فقولُ الشّارح:
"نفذ أمره بمعنى وجب امتثالُه، تأمّل "(٢)
(١) ردالمحتار، باب العيدين، ٥:١٢١
(٢) ردالمحتار، كتاب القضاء، فصل فى الحبس ١٦:٤٦٨ فقره ٢٦٣٥٩

تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان

أصول الإفتاء
٢٤٠
تغير الأحكام بتغير الزمان
قد عُرف فى عباراتِ الفُقهاء أنّ الأحكام تتغيّر بتغيّر الزّمان.(١) وليس هذا
الأصلُ كلّيًا بأن يتغيرَّ به جميعُ الأحكام الشّرعيّة، كما زعمه بعضُ الإباحيّين
فى عصرنا. وإنّما المرادُ بهذالأصل أنّ بعضَ الأحكام تتغير بتغيرِ الزّمان،
وأنّما يقع هذا التغيُّر بأحد الوجوه الأربعة الآتية:
الأوّل: أن يكونَ الحكمُ معلولاً بعلّةٍ. فإن فاتتِ العلّة بتغيُّر الزّمان، تغيّر
الحكم بفَواتها.
والثّانى: أن يكونَ الحكمُ مبنياً على العرف والعادة، فلو تغيرَّ العرفُ تغيّرَ
الحكم. وهذا فى الحقيقة يرجعُ إلى الوجه الأوّل، لأنّ تغيُّرَ العرفِ إنما يُغيّر
الحكم إن كان الحکمُ السّابقُ معلولاً بالغرف.
والثّالث: أن يتغيّرَ الحكمُ لضرورةٍ شديدةٍ، أو لعموم البلوى. ويقعُ التغير بقدر
الضَّرورة.
والرّابع: أن يتغيّر الحُكم لسَدَّ الذّرائع.
ونُريد ههنا أن نَشْرحَ هذه الوجوه الأربعةَ بشيئ من التّفصيل. والله
ے
الموفّق للصّواب.
١- تغير الحكم بتغيرّ العلّة
3
مِنَ المسلّم لدى الفُقهاء أنّ الحكمَ يدورُ علي العلّة وجوداً وعدماً،
(١) ذكره الفقهاء فى عدّة مواضع، فمثلاً ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى فى باب الوتر والنوافل،
فقال: "فقد تتغيّر الأحكام لاختلاف الزّمان فى كثير من المسائل على حسب المصالح. " (رد المحتار٤:
٣٧٠ فقره ٥٩١٦)

أصول الإفتاء
٢٤١
تغير الأحكام بتغير الزمان
فإن وُجدتِ العلّةُ ثبت الحكم، وإن انْعدمت انتفي الحكم. ثمّ قد تكونُ علّةُ
الحكم دائمةً لا تنقطع أبداً، وحينئذٍ لا يتغير الحكم فى زمن من الأزمان،
كحرمة الزّنا، والسّرقة، وشرب الخمر، وأكل الخنزيرفى غير حالات
الاضطرار. فإنّ عِلَلَ هذه الأحكام دائمةُ لا تنقطع أبداً. وقد تكونُ علُّ
الحكم قابلةً للتغيّر والانقطاع، فحينئذٍ يتغير الحكم بتغيرّها.
الفرق بين العلّة والحكمة
ولكن يجب ههنا معرفةُ أصل مُهمّ. وهو أنّ الحُكمَ الشرعيَّ إنّما يدورُ
على علّته الشّرعيّة، لا على حكمته. ورُبمًا يلتبس علي بعض النّاس الأمر
فيظُنّ الحكمةَ علّةً، ويزعُم أنّ فُقدان الحِكمةِ مؤثّرٌ فى تغيرُ الحكم، مع أنّ
بينَ العِلّة والحكمة فرقاً عظيماً لا بدَّ من استحضاره. وهُو أنّ العلّةَ وصفٌ
يكون علامةً لوجود الحكم. وأمّا الحكمة، فهي الفائدةُ الّتي يُتوقّع حصولها
من العمل بالحكم. وهذا مثلُ حُرمة شرب الخمر، فإنّ حرمةَ الشرب حكمٌ،
وكونُ المشروب خمراً علّة، وصيانةُ الإنسان عمّا يُذهِب عقله حكمة. فيدورُ
حكمُ الحرمة علي عّته، يعنى كونَ المشروب خمراً، فمهما وُجدت الخمرُ
ثبت حكم الحرمة، ولا يدور مع الحكمة. فلو وُجد رجلٌ لا يذهب عقلُه
بشرب الخمر، لا ينتفى حكمُ الحرمةِ فى حقّه، لأنّ العلّة، وهي كونُ
المشروب خمراً، باقية. وكذلك حكمُ قصْرِ الصّلاة علّتُه السّفر، وحكمته
الاحتراز عن المشقّة. فيدورُ الحكم علي علّته وهو السّفر، دونَ حكمته وهي
المشقّة، فلو وُجد مسافرٌ لم تحصل له أيّة مشقّةٍ كما يقعُ كثيراً فى عصرنا
فى سفر الطّائرات والسيّارات السّريعة، لا ينتفي حكمُ القصر، لأنّ العلّة باقيةٌ

أصول الإفتاء
٢٤٢
تغير الأحكام بتغير الزمان
وهي السّفر. وبالعكس، لو حصلت لرجل مشقّةٌ شديدةُ في بلده أو وطنه
الأصليّ، لا يجوزله أن يقصر الصّلاة، لأنّ العلّة منتفية، وهي السّفر.
و يتّضح ذلك بمثالٍ حِسّيّ. وهو أنّنا نرى فى عصرنا على مُلتقيات
الشّوارع إشاراتٍ كهربائيّةً تحمرٌ تارةً وتخضر أخرى، وذلك لضبط نظام
المرور. فالقانونُ يفرض علي كلّ سيّارةٍ أن تقف كلّما رأت إشارةً حمراء
وتسيرَ إذا رأتها خضراء، فالأمرُ بالوقوف عند رؤية الإشارة الحمراء حكمٌ،
وكونُها حمراءَ عِلَّةٌ، وحكمةُ هذا الحكم صيانةُ المرور عن حوادث
الاصطدام. فحكمُ الوقوف إنّما يدورُ على عِلّته، وهي حُمرةُ الإشارة، دون
حكمته وهي مظنّة الاصطدام. فلو جاءت سيّارة، وليس على الشّارع سيّارةٌ
غيرها، ولكنّها رأت إشارةً حمراء، وجب عليها الوقوف، وإن لم توجد
الحكمةُ فى خصوص هذه الواقعة.
فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الحكم لا يتغيّر بفقدان الحكمة فى خصوص بعض
الجزئيّات. وإنّما يتغيّر بفقدان العلّة. ومثالُ ذلك ما ذكره الفقهاءُ من أنّ بيعَ
الماء لسقْي المزارع ممنوع، ولكن علّلوا هذا المنعَ بعدم ضبط مقدار الماء.
فقال ابن الهُمام رحمه الله تعالى: "ثمّ بتقدير أنّه (أى الشرب) حظّ من الماء،
فهو مجهولُ المقدار، فلايجوز بيعُه. وهذا وجهُ منع مشايخ بخارى بيعَه
مفرداً. "(١) وعبارة البَابَرْتِيّ أصرح، حيث يقول: "وإنّما لم يجُزْ بيعُ الشِّرب
وحده فى ظاهر الرواية للجهالة، لا باعتبار أنّه ليس بمال."(٢)
(١) فتح القدير ٦٥: ٦ باب البيع الفاسد، طبع المكتبة الرشيدية مع الكفاية
(٢) العناية بهامش فتح القدير ٦:٦٤

أصول الإفتاء
٢٤٣
تغير الأحكام بتغير الزمان
واليومَ قد وُجدت عدّاداتٌ يمكن ضبطُ مقدار الماء بها، فحيثُ
وُجدت هذه العدّادات، انتفَتْ علّةُ المنع، فجاز بيعُ الماء إذاكان منضبطَ
القدر بالعدادات.
ثمّ إنّ الحكمة وإن کان الحکم لا يدور عليها، ولكنّها ربّما يُستمَدُّبها فى
استخراج العلّة الّتى لم ينصّ عليها الشّارع. ومثالُه تحريمُ ربا الفضل، فإنّ علّةَ
هذا الحكم ليست منصوصةً من قِبَل الشّارع عليه السلام، فاختلفت أنظار
الفقهاء فى استخراج هذه العلّة، فقال المالكيّة: هي الاقتيات والادخار مع
الثمنيّة، وممّا احتُجّ به على ذلك أنّ ربا الفضل إنمّا حُرِّم سداً للذّريعة، لكى لا
يتدرّج به المرأ إلى الرّبا الذى حرّمه القرآن الكريم. وذلك إنّما يتحقّق فيما
كان ثمناً، كالذّهب والفضّة، أو جارياً مجرى الأثمان، كالحنطة والشعير
والتّمر والملح. لأنّ أهل الرِّيْفِ والبوادى لم يكونوا يتبايعون بالذّهب والفضّة
عموماً، وإنّما كانوا يتبادلون بما تيسّر لهم من الأقوات. فكونُ الشيئ جارياً
مجرى الأثمان لا يتحقّق إلّ فى الأقوات التى يمكن ادّخارُها، وهو الوصف
الجامعُ بين الأشياء الأربعة الّتى ذُكرت فى الحديث ما عدا الذّهب والفضّة.
فسدُّ ذريعةِ الرّبا حكمةٌ لتحريم ربا الفضل، واستمدّ بها المالكيّةُ فى استخراج
عّة الحكم. ولكن لما تعيّن الاقتيات والادخارُ علّةً، يدور الحكم عندهم على
هذه العلّة، دون الحكمة.
وأمّا الحنفيّة، فالعلّةُ عندهم الكيل والوزن مع الجنس. وحجتهم فى ذلك
إضافةً إلى بعض الأحاديث، أنّ حكمة تحريم ربا الفضل سدٌّ لذريعة الربا.
ولمّا لم تكن العلّةُ منصوصةً، فالأنسبُ أن يُناط الحكم بالعلّة الّتى هي أشملُ