Indexed OCR Text
Pages 201-220
أصول الإفتاء ٢٠٤ الافتاء بمذهب آخر وقد تعقّدت فى عصرنا المعاملاتُ، وكثُرت فيها حاجاتُ النّاس، ولا سيّما بعد حدوثِ الصّناعات الكبيرة، وشيوع التّجارة فيما بين البلدان والأقاليم، فينبغى للمفتى أن يُسهّل على النّاس فى الأخذ بما هو أرفقُ فيما تعمُّ به البلوى، سواءً كان فى غير مذهبه من المذاهب الأربعة، وقد أوصى بذلك شيخُ مشايخنا العلامة رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله تعالى صاحبه الشّيخَ العلاّمة أشرف عليّ التّهانويّ رحمه الله تعالي، وقد عمل بذلك الشّيخ التهانويّ قدّس الله سرّه فى كثير من المسائل فى "إمداد الفتاوى"، فأفتى بقول الشافعيّة فى عدم اشتراط وجود المسلم فيه إلى حلول الأجل، وجوازٍ السّلم الحالّ، وبمذهب المالكيّةِ فى جواز الشّركة بالعروض، وبمذهب الحنابلة فى جواز المضاربة فى منافع الدّابّة.(١). ولكن يجب لجوازٍ الافتاء بمذهبٍ آخر بسبب الحاجة أو عموم البلوى أن تتحقّق شروطٌ آتية: الأول: أن تكون الحاجةُ شديدةً، والبلوى عامّةً، فى نفس الأمر، لا مجرّد الوهم بذلك. الثّانى: أن يتأكّدَ المفتى بمسيس الحاجة، وذلك بمُشاورة غيره من أصحاب الفتوى وأصحاب الخِبْرة فى ذلك المجال. والأحسنُ أن لا يتبادرَ بالإفتاء منفرداً عن غيره، بل يُحاوِلُ بالقدر المستطاع أن يضُمّ معه فتوى غيره من العلماء، وخاصّةً إذا أراد أن ينشُرَ الفتوى على نطاقٍ واسع. (١) راجع لهذه المسائل إمداد الفتاوى بالترتيب ٣:١٠٦ و٣:٢١ و٣:٤٩٥ و٣:٣٤٣ أصول الإفتاء ٢٠٥ الافتاء بمذهب آخر الثّالث: أن يتأكّد ويتثبّت فى تحقيق المذهب الذى يُريد أن يُفتيَ به تحقيقاً بالغاً، والأحسنُ أن يُراجع فى ذلك علماءَ ذلك المذهب، ولا يكتفى برؤية مسألةٍ فى كتابٍ أو كتابين، لأنّ كلّ مذهبٍ له مصطلحاتٌ تخُصّه، وأساليبُ ينفرد بها، وربّما لا يصل إلى مُرادها الحقيقيّ إلاّ من مارَسَ هذه المصطلحات والأساليب. الرّابع: أن لا يكونَ القولُ المأخوذُ به من الأقوال الشاذّة التى تُخالِفُ جماهيرَ فقهاءِ الأمّة، ووقَع منهم الإنكارُ عليها. روى عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ اللهَلاَ يَجْمَعُ أُمَّتِى أَوْقَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلالَةٍ، وَيَدُ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَدَّ إِلىَ النَّارِ. "(١) وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ أُمَّتِىِ لاَتَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ اخْتِلاَفً، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ. (٢) وقد صدَرَتْ من بعض الفقهاء تفرّداتٌ لم يأخذ بها جماهيرُ أهل العلم، بل وقع منهم الإِنكارُ عليها. وإنّ اللّجوءَ إلى تلك التفرّداتِ طلباً للتّيسير وتتبُّعاً للرُّخَص ممّا شنّع عليه السّلف قديماً وحديثاً. (١) أخرجه الترمذى فى الفتن، باب ما جاء فى لزوم الجماعة، حديث ٢١٦٧، وقال: "هذا حديث غريب من هذاالوجه، وسليمان المدنىّ هو عندى سليمان بن سفيان، وفى الباب عن ابن عباس، وقدروى عنه أبوداود الطيالسى وأبو عامر العَقَدى، وغير واحد من أهل العلم. وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه والعلم والحديث.". (٢) سنن ابن ماجه، أبواب الفتن، باب السواد الأعظم برقم ٣٩٥٠ وقال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف لضعف أبى خلف الأعمى ... وقد روى هذاللحديث من حديث أبى ذر وأبى مالك الأشعرى وابن عمر وأبى نصرة وقدامة بن عبدالله الكلابى، وفى كلها نظر. قاله شيخنا العراقى رحمه الله تعالى. (مصباح الزجاجة ج ٤ ص ١٦٩) أصول الإفتاء ٢٠٦ الافتاء بمذهب آخر قال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: "من أخذ بنوادرِ العلماء خرج من الإسلام."(١) وقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى: "ومن تتبّع رُخَصَ المذاهب وزلاتِ المجتهدين فقد رَقّ دينُه، كما قال الأوزاعىّ وغيره: مَن أخذ بقولِ المكّين فى المُتعة، والكوفيّين فى النّبيذ، والمدنيّين فى الغِناء، والشّاميّين فى عصمة الخلفاء فقد جمع الشرّ. وكذا من أخذ فى البيوع الرّبويّة بمن يحتالُ عليها، وفى الطّلاق ونكاح التّحليل بمن توسّع فيه، وشبه ذلك، فقد تعرّض للانحلال."(٢) وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "لو أنّ رجلاً عمِلَ بِكُلّ رخصة: بقول أهل الكوفة فى النّبيذ، وأهل المدينة فى السّماع، وأهل مكّة فى المُتعة، كان فاسقاً." وقال معمر: "لوأنّ رجلاً أخذ بقول أهل المدينة فى السّماع يعنى الغناء، وإتيان النّساء فى أدبارهنّ، وبقولِ أهل مكّة فى المتعة والصّرف، وبقول أهل الكوفة فى المُسْكر كان أشرٌ عبادالله تعالى. " وقال سليمانُ الثَّيْمِىّ: " لوأخذتَ برُخصة كلّ عالم_ أو قال: زلّةٍ كلّ عالم_اجتمع فيك الشركله."(٣) وقال عبدالرحمن بن مهدىّ رحمه الله تعالى: "لا يكون إماماً فى العلم من أخذ بالشاذّ، ولا إماماً فى العلم مَن روى عن كل أحد، ولا يكون إماماً من حدّثَ بكُلّ ماسمع. "(٤). هذا مارأوه فى الأقوال الشاذّة التى صدرت من الفقهاء الكبار الموثوقين الذين شهِد لهم أهلُ العلم بالتفقّه والورع، فما بالك بالأقوال الشاذّة الصّادرةِ (١) تذكرة الحفاظ للذهبى، ترجمة الإمام أبى عمرو عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعى، ص ١٨٠ ج١ (٢) سير أعلام النبلاء للذهبي، ترجمة الإمام مالك ج، ٨ ص ٩٠ (٣) راجع لهذه الأقوال كلها لوامع الأنوار البهية للسفارينى، ج ٢ ص٤٦٦ (٤) جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر، ج ٣ ص ٣٥، فقره٩٧٧ أصول الإفتاء ٢٠٧ الافتاء بمذهب آخر من بعض من لاعلاقة له بالعلم والفقه، وإنّما قال ماقال بناءً على آراءه المتطرّفة، أو عواطفِه النّفسية، أو على ثقافاتٍ أجنبيّةٍ لا تَمُتّ إلى الإسلام بصِلة. فيجب الأخذُ بما هو أرجحُ دليلاً وأقوى حُجّةً بالنّظر إلى مصادر الشّريعة الإسلاميّة ومقاصدها النّبيلة وأقوالِ جماهير الفقهاء. الخامس: أن يؤخذ ذلك المذهب بجميع شروطه المعتبرة فيه، لئلاً يؤدّىَ ذلك إلى التّلفيق فى مسألةٍ واحدة. ومن المناسب أن نذكُرَ هنا بعضَ التّفصيل فى مسألة التّلفيق، والله سبحانه وليّ التوفيق. حكم التّلفیق الذى تلخّص لى فى موضوع التّلفيق أنّ هذا الاصطلاحَ يُقصَدُ به فى عَامّةٍ كلام الفقهاء أن يُختار مذهبان فى مسألةٍ واحدةٍ بحيثُ تحدث منه حالةٌ مركّبة لاتجوز فى أحد المذهبين، مثل أن يأخذَ المرأ بقولِ الحنفيّة فى عدم انتقاض الوضوء بمَس المرأة، وبمذهب الشّافعيّة فى عدمه بالدّم السائل، ويُصلّى بعد ما مسّ امرأةً وسال منه دمٌّ، فإنّ هذه الصّلوةَ لاتصحُّ فى أحدٍ من المذهبين. وقال القرافيّ (١) رحمه الله تعالى: (١) العلاّمة القرافيّ: هو أحمد بن أبى العلاء إدريس بن عبد الرحمن، القرافي المصريّ، المالكيّ، أبو العبّاس شهاب الدّين، الإمام الأصولىّ الّذي عدّه الإمام السيوطيّ من المجتهدين وإن كان منتسبا إلى مذهب الإمام مالك رحمهم الله تعالى، والقرافيّ نسبةٌ إلى بقعة القرافة بمصر التى سكنها الإمام لمدّة يسيرة. ولد رحمه الله سنة ٦٢٦ هـ. وأخذ العلم عن جهابذة علماء عصره كالإمام عزّ الدين بن عبد السلام، والإمام ابن الحاجب، صاحب "الكافية" و "الشافية" وغيرهم رحهم الله تعالى. له تصانيف فى غاية النفع، منها: "الإحكام فى تمييز الفتاوى عن الأحكام"، و "أنوار البروق فى أنواء الفروق"، و"الذخيرة" فى فروع المالكية وغيرها. تُوُفّي رحمه الله سنة ٦٨٤ هـ. (ملخص من مقدمة التحقيق للفروق لفضيلة الشيخ عمر حسن القيّام.). أصول الإفتاء ٢٠٨ الافتاء بمذهب آخر "يتَعيِّنُ على المفتى إذا كان يُجوّز الانتقال فى المذاهب فى آحاد المسائل، أن يَتفَطِّن لما يُفتى به هل فى المذهب المنتقل عنه ما يأباه أم لا؟ مثالُه: إذاكان المفتى الشافعيّ يُجوِّز الانتقالَ مثلاً من مذهب مالك إلى مذهب الشافعيّ، وسُئِل عن تركِ التّدليك فى الغُسل للمالكىّ، فيتعيّنُ عليه أن لا يُبيحَه، لأنّ الصّلاةَ تَصيرُ من المالكىّ باطلةً بإجماعِ الإمامين، لأنّ المالكىّ لا يُبَسْمِلُ، فيُبطِلُها مالكٌ لعدم التّدليك، ويُبطِلُها الشّافعىّ لعدم البَسْمَلة. ولقد سُئِلتُ مرَّةً عن الوُضوء فى السّراميز (١) المخروزةِ بشَعر الخنزير، هل تجوزُ الصّلاةُ بأثر ذلك الماء المباشر لمواضع الخرز؟ وكان السّائلُ شافعيّاً، فقلت له: أمّا مذهب مالك، فشَعْرُ الخنزير طاهرٌ، غيرَ أنّك شافعيٌّ، تَمْسحُ بعضَ رأسك، فيتّفق الإمامان على بُطلان صلاتِك، مالكٌ لعدم مسح جميع الرأس، والشّافعىُّ الكونِ شعْر الخنزير نجساً عنده. وأمثالُ هذه المسائل ينبغي التفطّن لها، فإنّها كثيرةُ الوقوع."(٢). وعلّق عليه شيخُنا العلاّمةُ المحدّث الإمام الكبير الشّيخ عبد الفتّاح أبو غدة (٣) رحمه الله تعالى بقوله: "هذا من المؤلّف جريٌ على الشّائع المشهور (١) هو جمع السّرموزه، كلمة معرّبة من الفارسيّة بمعنى الجورب أو الخفّ. (٢). الاحكام للقرافى رحمه الله تعالى ص ٢٣٣ إلى ٢٣٥ (٣) الإمام النقاد الكبير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: هو عبد الفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبو غدّة، الخالديّ المخذوميّ الحلبيّ الحنفيّ، العلاّمة المحدّث، المحقّق. ينتهى نسبه إلى الصحابيّ الجليل سيِّدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه وعنهم. وُلد رحمه الله تعالى فى مدينة حلب، شمالي سورية سنة ١٣٣٦ من الهجرة النبويّة على صاحبها ألف ألف تحية. بدأ فى طلب العلم فى مدينة حلب، ثم ارتحل إلى مصر حيث التحق بكلية الشريعة فى جامعة الأزهر وتخرّج منها بشهادة العالمية سنة ١٣٦٨ هـ. ثمّ درس فى "تخصّص أصول التدريس" بها وتخرّج سنة ١٣٧٠ هـ. وكان رحمه الله = أصول الإفتاء ٢٠٩ الافتاء بمذهب آخر أنّ التّلفيقَ باطل. وقد حقّق الإمام ابنُ الهمام فى "التّحرير" وتلميذه ابن أمير الحاجّ فى شرحه (٣: ٣٥٠ - ٣٥٣) جواز التّلفيق، وساق عليه الأدلّةَ النّاطقة، وذَكَر قولَ القرافيّ هذا، وعَنَاهُ بقوله: "وقيّده متأخّرٌ بأن لا يترتّب عليه ما يمنعانه كلاهما ... " وأشار بقوله: "متأخّر" إلى أنّه لم يثبتِ المنعُ منه عن أحدٍ من المتقدّمين." وكذلك وقع فى كتاباتِ عدّةٍ من أهل العلم نسبةُ جوازِ التّلفيق إلى ابن الهُمام وابن أمير حاج، ولكن يتبيّن بمراجعة نصوصهما فى "التّحرير" وشرحِه أنّهما لم يؤيّدا جوازه، وإنّما جوّزا تقليدَ مذهبٍ آخر بشرطِ عدم الْتّلفيق، وإنّ ابنَ أمير حاج حمل تَفسيقَ مَن تَتَبَعَ رُخَص المذاهب على من يرتكبُ التّلفيق، وأيّد منعَ التّلفيق بقول الرُّوْيَانِىّ (رحمهم الله جميعاً)، ولم يتعقّبْه بشيئ، ممّا يدلّ على أنّه متّفقٌ معه، فالظّاهر أنّ نسبةَ جواز التّلفيق = لا يقتصر على الاستفادة من علماء الأزهر فقط، بل كان يستفيد من كبار العلماء خارج الأزهر أيضا. ومن أخذ عنه من كبار أهل العلم فى زمانه العلامة محمد زاهد الكوثريّ وغيرهم رحمهم الله تعالى، وكان رحمه الله تعالى من المشغوفين المولَعين بالعلم، ومن العابدين الورعين، وقلّما وجد فى عصره من يدانيه فى سعة الإطلاع ومعرفة الكتب والرجال. وكان له تقدير بالغ لعلماء الهند وباكستان. وله مؤلّفات تزيد على الستين وتعاليق محققة على كتب العلماء السابقين هي فى غاية التّحقيق، وكان له اعتناء خاص بتحقيق مثل هذه الكتب، خصوصا الكتب المعنّة بالحديث وعلومه. منها تحقيقه لكتاب "الرفع والتكميل فى الجرح والتعديل" للإمام عبد الحيّ اللكنويّ ومقدمة إعلاء السنن، المسماة "قواعد فى علوم الحديث" وتحقيقه لكتاب "التصريح بما تواتر فى نزول المسيح" للعلامة أنورشاه الكشميريّ رحمهم الله تعالى. وله أيضا "صفحات من صبر العلماء"، و"العلماء العزّاب الذين آثروا العلم على الزواج." توفّي رحمه الله سنة ١٤١٧ هـ فى الرياض. (ملخص من "إمداد الفتّاح" ثبت العلامة أبو غدة ص١٤١ وما بعدها) أصول الإفتاء ٢١٠ الافتاء بمذهب آخر إليهما غيرُ واضحة.(١) وأمّا الاستدلالُ بقوله "متأخّر" على أنّه لم يثبتِ المنعُ منه عن أحدٍ من المتقدّمين، فغايةُ ما يثبتُ منه أنّه لم يوجدْ بمنعه تصريحٌ قبلَ القرن السّابع، وهذا لا يدلّ على أنّ المتقدّمين لم يمنعوا من التّلفيق، فمِنَ الممكن أنّه روى عن بعضهم ولم نطّلع عليه، أولم يمنعوا من ذلك صراحةً لعدم الدّاعى. ثمّ كما لم يُنقلْ منهم منعُه، لم يثبت عنهم جوازه أيضاً. ثمّ إنّ شيخنا رحمه الله تعالى ذكر أنّه أَلْف فى جواز التّلفيق كتبٌ، من أحسنها: "القول السّديد فى بعض مسائل الاجتهاد والتقليد" لمحمّد عبد العظيم ابن مُنلا فَرُّوْخ المكى(٣) أحد علماء القرن الحادى عشر." (١) وننقل هنا نصّ التحرير وشرحه:" قلت: لكن ما عن ابن عبد البرّ من أنّه لا يجوز للعامىّ تتبّعُ الرُّخَص إجماعاً، إن صحّ، احتاج إلى جواب، ويمكن أن يُقال: لا نسلّم صحّةَ دعوى الإجماع، إذ فى تفسيق المتتبّع للرّخص عن أحمد روايتان. وحمل القاضى أبو يعلى الرّواية المفسّقة على غير. متأوّل ولا مقلّد. وذكر بعض الحنابلة: إن قوي دليلٌ أو كان عاميًّا لا يُفَسَّق. وفى روضة النوويّ: وأصلها عن حكاية الحناطىّ وغيره عن ابن أبى هريرة أنّه لا يفسق به. ثمّ لعلّه محمول على نحو ما يجتمع له من ذلك ما لم يقل بمجموعه مجتهدٌ كما أشار بقوله: (وقيّده) أى جواز تقليدَ غيره (متأخّر) وهو العلامة القرانى (بأن لا يترتّب عليه) أى تقليد غيره (ما يمنعانه) أى يجتمع على بطلانه كلاهما (فمن قُلّد الشافعيّ فى عدم) فرضيّة (الدلك) للأعضاء المغسولة فى الوضوء والغسل (ومالكا فى عدم نقض اللّمس بلا شهوة) للوضوء فتوضّأ ولمس بلا شهوة (وصلّى، إن كان الوضوء بدلك، صحّت) صلاته عند مالك (وإلاّ) إن كان بلا دلك (بطلت عندهما) أى مالك والشافعىّ. وقال الرُّويانىّ: يجوز تقليد المذاهب والانتقال إليها بثلاثة شروط: أن لا يجمع بينهما على صورة تخالف الإجماع، كمن تزوّج بغير صداق، ولا ولّ ولا شهود، فإنّ هذه الصورة لم يقل بها أحد. (التقرير والتحبير ص ٣٥١ و٣٥٢) (٢) العلامة ابن المنلا فرّوخ: قال الزّركلي: "محمّد بن عبد العظيم الملقّب بابن ملا فروخ: فقيه حنفي من أهل مكّة، كان مفتيا بها. له "القول السّديد فى بعض مسائل الاجتهاد والتقليد" رسالة فرغ من كتابتها سنة ١٠٥٢ هـ." (الأعلام ٦: ٢١٠) أصول الإفتاء ٢١١ الافتاء بمذهب آخر وهذه الرّسالة ألّفها الشّيخ محمّدبن عبدالعظيم المكىّ الرُوميّ المُورِيّ الحَنفىّ رحمه الله تعالى الملقّب بابن مُلاّ فَرُّوْخ (١) ونَقلَ فيها جوازَ التّلفيق عن عدّةٍ من علماء الحنفيّة وغيرهم. ومن جمُلتِهم العلاّمة ابنُ نُجيم رحمه الله تعالى، حيثُ قال فى رسالته الثّانية والثّلاثين من الرسائل الزينيّة فى صورةٍ بيعِ الوقف لاعلى وجه الاستبدال :" ويُمكن أن تؤخذ صحّةُ الاستبدال من قول أبى يوسف، وصحّةُ البيع بغبْن فاحش من قول أبى حنيفة بناءً على صحّة التّلفيق فى الحكم من قولين. " ثمّ ذكرابنُ نجيم رحمه الله تعالى عن الفتاوى البزّازيّة ما يدلّ على جواز التّلفيق، وقال: "وماوقع فى آخر تحرير ابن الهمام من منع التّلفيق فإنّما عزاه إلى بعض المتأخّرين، وليس هذا هو المذهب."(٢) ومن أكبر ما استدل به ابن الملاّ فَرُّوْخ ماروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنّه صلّى بالنّاس الجُمعة، ثمّ أُخبِرَ بوجود الفأرة فى بئر الحمّام، وقدكان اغتسل فيه، وكان ذلك بعد تفرق الناس، فقال: "نأخذُ بقول إخواننا أهل المدينة: إنّ الماءَ إذا بلغ قُلْتين لا يحتمل خبثا" وهذه القصّةُ اشتهرت عن الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى، وذكرها غيرُ واحدٍ من الفقهاء الحنفيّة، وقد ذُكرَتْ فى المحيط البرهانيّ منقولةً عن مجموع النّوازل لأحمد الكَشّيّ المتوفىّ فى حدود سنة ٥٥٠ هـ كما فى كشف الظّنون.(٣) ولايُعرف سندُها، (١) ذكر الزركلي أنه فقيه حنفى من أهل مكة، كان مفتيا بها. فرغ من كتابة هذه الرسالة فى ١٠٥٢ هـ (٢) رسائل ابن نجيم (الرسائل الزينية) طبع دار السلام، ص ٣٤٦ و٣٤٧ مسئلة ١٠٣١ إلى ١٠٣٣ (٣) كشف الظنون ٢:١٦٠٦ أصول الإفتاء ٢١٢ الافتاء بمذهب آخر على أنّ أهلَ المدينةِ لم يقصُروالطّهارة على القُلّتين، وإنمّا هو مذهب الشّافعيّ رحمه الله تعالى. ولئن ثبتَتْ، فإنّ غايةَ ما يثبتُ بها جواز العمل بقولٍ مجتهدٍ آخر، ولا يلزمُ منها أنّ الإمام أبايوسف رحمه الله تعالى لفّق بين قولين، لأنّه ليس فى هذه القصّة أنّه خالف فى الغُسل مذهب المالكيّة أو الشافعيّة. والظّاهرُ كونُه مراعياً للخلاف عند إمامة الجمعة، فلا يثبت بها جواز التّلفیق عنده. ثمّ إنّ شيخَنا رحمه الله تعالى ذكر عن العلامة أحمد الطّحطاويّ رحمه الله تعالى أنّه "ارتضى كلام العلامة ابن فَرُوْخ فى أمر التّلفيق واستحسنه، تبعاً الاستحسان المفتى أبى السّعود (١) له أيضا." ولكنّ عبارةَ الطّحطاويّ رحمه الله تعالى على الدّر المختار هكذا: " واعلم أنّ الإفتاءَ بقول مالك، هو عينُ التّقليد، ولا نزاعَ فى جوازه بشرط عدم التّلفيق على ما ذكره الشّيخ حسن، وأفردَه برسالة، ويخالفُه ما ذكره العلاّمة ابنُ المنلا فَرُوْخ، حيث صرّح بجواز العمل بالتّلفيق، وأطالَ فى ذلك على وجهِ التّحقيق، وأفرده برسالةٍ أيضاً، وعزا القولَ بجواز التّلفيق لابن الهُمام فى التّحرير، ولصاحبِ البحر فى بعض رسائله، وأنّه قال، أى صاحب البحر: منعُ العمل بالتّلفيق خلاف المذهب، (١) المفتى أبو السعود: هو محمّد بن محمد بن مصطفى، العماديّ، العلاّمة المفتى، انتهت إليه رئاسة الحنفيّة فى عصره. ولد رحمه الله سنة ٨٩٦ هـ، وقيل ٩٠٤هــ. ولّي القضاء والتدريس فى بلاد مختلفة من الدّولة العثمانية، ومنصب الإفتاء بقسطنطينيّة أكثر من ثلاثين سنةً. وكان حاضر الذهن سريع البديهة، كتب الجواب مرارا فى يوم واحد على ألف رقعة باللّغات العربيّة والفارسيّة والتركيّة، تبعاً لما يكتبه السّائل. وهو صاحب التفسير المشهور باسمه، وقد سمّاه إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم. توفّي رحمه الله سنة ٩٨٢ هـ، ودفن بجوار مرقد الصحابى الجليل أبي أيّب الأنصاري رضي الله عنه. (ملخص من الفوائد البهيّة ص ٨١ و ٨٢ والأعلام ٧: ٥٩) أصول الإفتاء ٢١٣ الافتاء بمذهب آخر ولغير صاحب البحر من علماء خَوارِزم، بل عزا العمل بالتّلفيق لأبی يوسف، ولكنّ كلامَ العلاّمة نُوح آفِندى(١) فى رسالته المتعلّقة بمسائل المسبوق يؤيّدُ ما ذكره الشّيخ حسن، أبو السعوداه "(٢) فتبيّن بهذا أنّه بعد نقل موقفِ ابن المُنلا فَرُوْخ أعقبه بنقل من العلاّمة نوح آفِندى فى معارضته وتأييد قول المنع بالتّلفيق، ونقلَ هذا التّأييدَ من أبى السّعود. فالظّاهرُ أنّ أبالسّعودرحمه الله تعالى أيّد المنعَ دون الإجازة، والله سبحانه أعلم. والحاصلُ من هذه النّقول أنّه جوّز التلفيقَ ابنُ نُجيم وابنُ المنلا فَرُوْخ رحمهمالله تعالى، وقد يُفْهَم من كلام ابن الهمام أنّ المنعَ جاء من المتأخرين. ولكنّ جمهورَ المتأخّرين من المذاهب الأربعة منعوا من ذلك، فقد عرفتَ ما قاله القرافيّ المالكيّ، وارتضاه ابنُ العطّار من الشّافعيّة. والّذى يظهر لى -والله سبحانه أعلم -أنّ المنعَ من التّلفيق هو الرّاجح، لأنّ الذی اتّفق علیه الجمیعُ أنّ التّلاعب بالمذاهب بالتشھی اتباع للهوی، وهو ممنوعٌ بنصّ القرآن الكريم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [سورة ص ٢٦] ولئن قُتِح بابُ التّلفيق بمصراعيه لأدّى ذلك إلى اتّباع الهوى وانحلال رِئقة التكليف. ولكنّ التّلفيقَ الممنوع هو أن يختارَ الإنسانُ فى قضيّةٍ واحدةٍ مذهبين بما يؤدّى إلى حالةٍ (١) فى كشف الظنون تحت "الملل والنحل": "وترجمة الملل والنحل" للشهرستاني : لنوح أفندي بن مصطفى الرومى المصري الحنفى سنة: ١٠٧٠، سبعين وألف. "(كشف الظنون ٢: ١٨٢١) (٢) حاشية الطحطاوىّ على الدّرّ المختار ٢:٢١٧ باب العدّة أصول الإفتاء ٢١٤ الافتاء بمذهب آخر لا يُجوّزها أحدٌ فى تلك القضيّة بخصوصِها. فأمّا إذا اختار المرا فى مسئلةٍ قولاً بخلاف مذهبه، فلايجب عليه أن يلتزم بذلك المذهب فى المسائل الأخرى أيضاً. ومثالُه الذى استدلّ به العلاّمةُ ابنُ فَرُّوْخ رحمه الله تعالى ما أفتى به كثيرٌ من متأخرى الحنفيّة من جواز القضاء على الغائب أخذاً بقول الأئمّة الثلاثة لمصلحةٍ تبدو للقاضى. قال ابنُ عابدين رحمه الله تعالى ناقلاً عن جامع الفصولين: "ففى مثل هذا (أى فى مواضع الحرج فى إحضار الغائب) لو بَرْهَن على الغائب، وغلب على ظنّ القاضى أنّه حقٌّ لا تزويرٌ، ولا حيلة فيه، فينبغى أن يحكم عليه وله، وكذا للمفتى أن يُفتى بجوازه دفعاً للحرج والضّرورات، وصيانةً للحقوق عن الضّياع، مع أنّه مجتهدٌ فيه، ذهب إليه الأئمّة الثّلاثة، وفيه روايتان عن أصحابنا، وينبغى أن يُنصبَ عن الغائب وكيلٌ يُعرف أنّه يُراعى جانب الغائب ولا يُفرّط فى حقه. اهـ وأقرّه فى نورالعين. قلت: ويؤيّده ما يأتى قريباً فى المسخّر (١)، وكذا مافى الفتح من باب المفقود: "لايجوز القضاءُ على الغائب إلاّ إذا رأى القاضى مصلحةً فى الحكم له وعليه، فحَكَمَ، فإنّه ينفذ، لأَنّه مجتهَكٌ فيه. " قلتُ: وظاهره ولوكان القاضى حنفيّاً، ولو فى زمانِنا، ولا يُنافى مامرّ(٢) لأنّ تجويزَ هذا للمصلحة والضّرورة.(٣)" وعلى هذا، لو اختار القاضى مذهب الجمهور فى القضاء على الغائب، فلا يجبٌ عليه أن يلتزم بمذهبهم فى جميع القضايا، فلو قضى بالشُّفعة للجارِ مثلاً، (١) المسخّر من نصبه القاضى وكيلاً عن الغائب. (٢) إشارة إلى ما سبق من أن القاضى فى زمانه رحمه الله كان مقيدا من قبل الأمير أن لا يخرج عن مذهب الحنفية، فلو قضى بغير مذهبه لم ينفذ لكونه معزولا عن القضاء بغير مذهب الحنفية. (٣) رد المحتار" كتاب القضاء، قبيل مطلب فى المسخر ٥:٤١٤ أصول الإفتاء ٢١٥٠ الافتاء بمذهب آخر والمدّعى عليه غائبٌ، فلا يؤدّى ذلك إلى التّلفيق الممنوع، لأنّ مسألةَ القضاء على الغائب ومسألةَ الشُّفعة للجار مسئلتان مستقلّتان من بابين، ولا يلزمُ أنّه إن أخذ بقولِ الشّافعيّ رحمه الله تعالى فى بابٍ أن لا يأخذَ بمذهب الحنفيّةِ فى بابٍ آخر. ويؤيّدُه ما جاء فى الهنديّة عن الذّخيرة: "ونظيرُ هذا ما قلنا فيمن قضى بشهادةِ الفُتاق على الغائبٍ أو بشهادة رجل وامرأتين بالنّكاح على الغائبِ ينفُذ قضاؤه، وإن كان من يُجوِّز القضاءَ على الغائب يقولُ: ليسَ للنّسوانِ شهادةٌ فى باب النّكاح، وليس للفاسقِ شهادةٌ أصلاً، ولكن قيل: كلُّ واحدٍ من الفصْلين مجتهدٌ فيه، فينفُذ القضاءُ من القاضى باجتهاده فيهما.(١) وهذا بخلافٍ مَن أخذ بمذهب الشافعيّة فى عدم انتقاض الوضوء بالدّم السائل، وبمذهب الحنفيّة بعدمه بمس المرأة، فإنّ المسئلتين من بابٍ واحد، فلايُعَدُّ متوضئاً على أحدٍ من المذهبين. وهذا ما جعله شيخ مشايخنا التّهانويُّ رحمه الله تعالى أعدَلَ الأقوال فى مسئلةِ التّلفيق حيث قال ما ترجمته: "إنّ أعدلَ الأقوالِ من بين هذه الأقوال عندنا أن لايُباحَ التّلفيقُ فى عملٍ واحد الذى هوخارقٌ للإجماع. أمّا إذا كانا عملين مختلفين، فيُباحُ التّلفيق، ولولزم منه خرقٌ للإجماع فى الظّاهر، فمَن توضّأ خلافَ التّرتيب، لم يصح وضوءُه عند الشّافعيّة، وإن مَسَح أقلّ من ربع الرأس فى ذلك الوضوء، لم يصحّ وضوءُه عند الحنفيّة، فإن توضأ خلافَ التّرتيب ومسحَ أقلّ من رُبع الرّأس، لم يصحّ وضوءُه عند أحد. وهذا تلفيقٌ خارقٌ للإجماع. ومَن مَسْح أقلّ من رُبع الرّأس فى الوضوء، ثمّ صلّى خلف الإمام ولم يقرأ الفاتحة، (١) الفتاوى الهندية، ٣:٣٥٩ كتاب القضاء، الباب التاسع عشرفى القضاء فى المجتهدات ٢١٦ الافتاء بمذهب آخر أصول الإفتاء فإنّه وإن كان يلزمُ منه خرقُ الإجماع فى الظّاهر، حيثُ توضّأ على مذهب الشّافعيّة وصلّى على مذهب الحنفيّة، ولكن بما أنّ الوضوءَ عملٌ والصّلوةَ عملٌ آخر، فإنّ هذا ليس من التّلفيق الممنوع. "(١) وكذلك أفتى الإمام التّهانويُ رحمه الله تعالى بمذهب الحنفيّة فى ثبوت المصاهرة، وبمذهبٍ المالكيّة فى جواز فسخ النكاح بجماعة المسلمين، لأنّهما قضيّتان مختلفتان،(٢) فلا يلزم منه التّلفيق الممنوع. والله سبحانه أعلم وعلمه أتمّ وأحكم. وقد صدر بمثل ذلك قرارٌ من مجمع الفقه الإسلامىّ الدّوليّ فى دورته الثامنة، ونصّه ما يلي: ٥- حقيقةُ التّلفيقِ فى تقليد المذاهب هي أن يأتي المقلّدُ فى مسألةٍ واحدةٍ ذاتِ فرْعَين مترابطَين فأكثر، بكيفيّةٍ لا يقول بها مجتهدٌ ممّن قلّدهم فى تلك المسألة. ٦- يكون التّلفيقُ ممنوعًا فى الأحوال التالية: أ - إذا أدّى إلى الأخذ بالرُّخَص لمجرّد الهوى، أو الإخلالِ بأحد الضّوابط المبيّنة في مسألة الأخذ بالرخص. ب- إذا أدّى إلى نقضٍ حكم القضاء. ج - إذا أدّى إلى نقض ما عُمل به تقليدً فى واقعةٍ واحدة. د - إذا أدّى إلى مخالفة الإجماع أو ما يستلزمُه. هـ - إذا أدى إلى حالةٍ مركّبةٍ لا يُقرُها أحد من المجتهدين. (٣) (١) مقدمة الحيلة الناجزة للحليلة العاجزة، حاشية ص ١٥ (٢) الحيلة الناجزة، المختارات فى مهمات التفريق والخيارات، حاشية ص ٨٨ (٣) قرار رقم: ٧٤ /١ /٨٥ بشأن الأخذ بالرخصة وحكمه أصول الإفتاء ٢١٧ الافتاء بمذهب آخر ٢. الإفتاء بمذهب آخر لرجحان دليله الحالة الثانية: الّتى يجوزُ فيها العملُ والافتاءُ بمذهب الغير أن يكونَ المفتى متبحّراً فى المذهب، عارفاً بالدلائل، له نظرٌ عميقٌ فى القرآن والسنّة، وإن لم يبلُغ درجةَ الاجتهاد، ولكنّه يطلع على حديثٍ صحيح واضح الدلالة، ولا يجدُ له معارضاً إلاّ قولَ امامه، فحينئذٍ يسوغُ له الأخذُ بقول مجتهدٍ عمل بذلك الحديث، كما فصّلنا فى مبحث التقليد والتّمذهب. وهذا الّذى ذكرناه موافقٌ لما حكاه العلامة ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى "شرح عقود رسم المفتى"عن شرح الأشباه للبِيْرِىّ رحمه الله تعالى عن شرح الهداية لابن الشّحْنَة الكبير (١): "إذا صحّ الحديث وكان على خلاف المذهب، عُمِل بالحديث، ويكونُ ذلك مذهبَه، ولا يخرجُ مقلّده عن كونه حنفيّاً بالعمل به، فقد صحّ عن أبي حنيفة أنّه قال: "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي. " وقد حكى العلامة ابن عبد البرّ عن أبى حنيفة وغيره من الأئمّة، و نقله أيضاً الإمامُ الشَّعْرانيّ عن الأئمّة الأربعة. قلت: ولا يخفى أنّ ذلك لمن كان أهلاً للنّظر فى النّصوص ومعرفةِ مُحكمها من منسوخها، فإذا نظر (١) ابن الشحنة الكبير: هو محمد بن محمد بن محمود، أبو الوليد، محب الدين، ابن الشحنة الكبير الحلبي وهو والد أبى الفضل محمد ابن الشحنة الصغير. وآل الشحنة، نسبتهم إلى جد لهم اسمه محمود، كان شحنة حلب، وهو ما نسميه اليوم رئيس الشرطة أو مدير البوليس. (الحاشية على الأعلام ٧:٥١) فقيه حنفي، له اشتغال بالأدب والتاريخ، من علماء حلب. ولي قضاءها مرات، واستُقضِي بدمشق والقاهرة. له كتب، منها: "روض المناظر في علم الأوائل والأواخر" اختصر به تاريخ أبي الفداء، وذيل عليه إلى سنة ٨٠٦هــ، وكتاب فى السّيرة النّبويّة، ومنظومة، وشرحها، و"نهاية النهاية" في شرح الهداية. توفّى رحمه الله تعالى سنة ٨١٥هـ. ٢١٨ الافتاء بمذهب آخر أصول الإفتاء أهلُ النّظر فى الدّليل وعملوا به، صحّ نسبته إلى المذهب بكونه صادراً بإذن صاحبِ المذهب، اذ لا شكّ أنّه لو عِلِمْ بضعفٍ دليله رجَع عنه، واتّبع الدلیل الأقوى."(١) ومِنَ الغَريبِ ما أتبعه العلاّمة ابن عابدين رحمه الله تعالى من قوله : "وأقول: أيضاً ينبغى تقييدُ ذلك بما إذا وافق قولاً فى المذهب، إذلم يأذنوا فى الإجتهاد فى ما خرج عن المذهب بالكلّية ممّا اتّفق عليه أثمتُنا، لأنّ اجتهادهم أقوى من اجتهاده، فالظّاهرُ أنّهم رأوا دليلاً أرجحَ ممّا رآه حتىّ لم يعملوا به، ولهذا قال العلامة قاسمٌ فى حقّ شيخه خاتمةِ المحقّقين الكمال ابن الهمام: "لا يُعْمَلُ بأبحاث شيخِنا التى تُخالفُ المذهب." وقال فى تصحيحه على القُدوريّ: "قال الإمام العلامة الحسن ابنُ منصور بن محمود الأَوْرُ جَنْدِيّ رحمه الله تعالى المعروف بقاضى خان فى كتاب الفتاوى: "(٥سمُ المفتى فى زماننا من أصحابنا إذا استفتي عن مسألةٍ، إن كانت مرويّةً عن أصحابنا فى الرّوايات الظّاهرة بلا خلافٍ بينهم، فإنّه يميلُ اليهم، و يُفتی بقولهم، ولا يخالفُهم برأيه وإن كان مجتهداً مُتْقِناً، لأنّ الظّاهرَ أن يكونَ الحقُّ مع أصحابنا ولا يَعْدُوهم، واجتهادُه لا يبلغ اجتهادَهم، ولا يُنظَرُ إلى قولِ مَن خالفهم، ولا تُقبلُ حجْتُه أيضاً، لأنّهم عرفوا الأدلّةَ وميّزوا بين ما صحّ وثبت وبین ما ضدُّه. "(٢) (١) شرح عقود رسم المفتي ص٤٤ (٢) شرح عقود رسم المفتى ص٤٨ أصول الإفتاء ٢١٩ الافتاء بمذهب آخر وقد ردّ عليه العلاّمةُ ابنُ قاضى سَمَاوَة الحنفيّ(١) رحمه الله تعالى فى جامع الفصولين ج١ ص١٥ وقال: " أقول: هذا من حُسن الاعتقاد، وإلاّ فمالك رحمه الله أقدمُ منهم، ولا دليلَ أنّهم أضبطُ وأحرزُ وأكثر تتبعاً للأخبار والآثار من الشافعيّ ومالك، ولم يكن الحديث مدوّناً فى زمان أبى حنيفة رحمه الله وصاحبيه مثل ما دُوّن بعدهم، إذ الكتب السّة دُوّنت بعدهم. وأيضاً رأيُ المجتهد لو خالف رأيهم، لا كتاباً ولا سنةً ولا إجماعاً ولا صحابةٌ ولا تابعيّاً، قُبِل فتواه فى زمان الصّحابة، كشُريح مثلاً فيجب عليه أن يعمل برأيه لا برأي غيره إن يزعمْ أنّه حقٌّ راجحٌ على غيره، فكيف يحلّ له العملُ بغيره؟ وقد ذكر فى المحيط: يجب على المجتهد العمل باجتهاده وحرم عليه تقلیدُ غیرہ."(٢) ولهذا قال ابنُ عابدين رحمه الله نفسُه بعد نقل قول قاضى خان المارّ الّذى ردّ عليه ابن قاضى سَمَاوَه: "لكن ربّما عدلوا عمّا اتّفق عليه أئمتنا لضرورةٍ ونحوها، كما مرّ فى الاستئجار على تعليم القرآن ... فحينئذٍ يجوز الإفتاءُ بخلافٍ قولهم كما نذكره قريباً عن الحاوى القدسيّ." (١) العلامة ابن قاضي سماوة: هو محمود بن إسرائيل بن عبد العزيز، العلامة الشيخ، الشهير بابن قاضي سماوة (وقيل سماونة، وليراجع الأعلام وحاشيته للتفصيل). ولد رحمه الله فى قلعة سماوة من بلاد الرّوم حين كان أبوه قاضيا بها، وأخذ فى صباه عن والده، وحفظ القرآن، وقرأ بقونية بعضاً من العلوم، وارتحل إلى الدّيار المصريّة، وقرأ هناك مع السيّد الشريف وبرع فى جميع العلوم. ومن كتبه: "جامع الفصولين" جمع فيه بين فصول العماديّ وفصول الاستروشيّ، و "لطائف الإشارات" وشرحه "التسهيل" فى الفقه، و"مسرّة القلوب" فى التّصوّف، و "عنقود الجواهر" شرح المقصود فى الصرف. كانت وفاته رحمه الله سنة ٨١٨ هـ تقريبا. (ملخص من التعليقات السنية على الفوائد البهيّة ص١٢٧، والشقائق النعمانية ص ٣٤ ط المكتبة الشاملة، والأعلام ٧: ١٦٥ و١٦٦) (٢) جامع الفصولين ج١ ص١٥ أصول الإفتاء ٢٢٠ الافتاء بمذهب آخر ثّ صحّح ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى مسئلة الإفتاء بالضعيف أنّه يجوز للعالم الذى يعرفُ معنى النّصوص والأقوال، وهو من أهل الدِّراية أن يعملَ لنفسه فى مثل هذا بقولٍ غيرِ إمامه، ولكن لا يجوزُ الإفتاءُ بذلك في جميع هذه الصُّور. وذلك لأنّ المستفتىَ إنّما جاءه يسألُ عمّا ذهب إليه أئمّةُ الحنفيّة، لا عن رأي نفسِه. " ومقتضى هذا التّعليل أنّه لو أفْصَح للمستفتى أنّه لا يُفتى فى هذه المسألة بمذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وإنّما يُفتى بقول غيره، ينبغى أن يجوزَ ذلك، فإنّه حكى العلامة ابنُ عابدين عن القفّال رحمهما الله تعالى من أئمّة الشافعيّة أنّه كان إذا جاء أحدٌ يستفتيه عن بيع الصُّبرة يقول له: "تسئلُنى عن مذهبى أو عن مذهب الشّافعيّ رحمه الله تعالى؟" وكان أحياناً يقول: "لو اجتهدتُ فأدّى اجتهادى إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى فأقول: مذهب الشّافعي رحمه الله تعالى كذا، ولكنّی أقول بمذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى."(١) ٣. إذا قضى القاضى بغير مذهبه إذا ولّى الإِمامُ قاضياً ولم يقيِّده بمذهبٍ بعينه، وكان القاضى مجتهداً، فقضى بما خالف مذهب غيره، نفذ قضاؤه مادامت المسألةُ مجتهداً فيها، فلو سُئل المفتى أجابَ بنفاذ قضاءه، ولو كان القضاءُ خلافَ مذهبه. فهى الصّورةُ الثّالثةُ من الصُّور التى يُفتى فيها المفتى بغير مذهبه. وذلك لما اتّفق عليه الفقهاءُ من أنّ حُكمَ الحاكم أو قضاءَ القاضى رافعٌ للخلاف. (١) شرح عقود رسم المفتى ص٩٤ أصول الإفتاء ٢٢١ الافتاء بمذهب آخر والأصلُ فى ذلك مارُوى أنّ عُمر رضى الله تعالى عنه قلّد القضاءَ . أباالدّرداء رضى الله تعالى عنه، واختصم إليه رجلان، فقضى لأحدهما، ثمّ لقىَ المقضيُّ عليه عُمرَ رضى الله تعالى عنه، فسأله عن حاله، فقال: "قضى عَلَيَّ". فقال عمررضى الله تعالى عنه: "لوكنتُ أنا مكانَه لقضيتُ لك." فقال المقضيُّ عليه: "وما يمنعك من القضاء؟" قال: "ليس هُنا نصّ، والرأى مشترك."(١) وكذلك أخرج ابن أبى شيبة وغيره عن الحكم بن مسعود قال: "شهدتُ عمر أشرك الإخوةَ من الأب والأمَّ فى الثّلث، فقال له رجل: قد قضيتَ فى هذه عامَ الأوّلِ بغير هذا. قال: وكيف قضيتُ؟ قال: جعلتَه للإخوة من الأمّ، ولم تجعل للإخوة من الأب والأمّ شيئاً. فقال: "ذلك على ما قَضَيْنا، وهذا على ما نَقْضى."(٢) فلمّا لم يُغيِّر عمر رضى الله تعالى عنه قضاءَه السّابقَ مع تغيُّر رأيه السّابق، لكون المسئلة مجتهداً فيها، فلأن لايُغيّرَ القاضى الجديدُ قضاءَ القاضى السّابق أولى. والحكمةُ فى ذلك أن القضاءَ عُهِد فى الشّريعة قاطعاً للنّزاع، فوجب أن يقْطعَ النِّزاعَ مهْما أمكن. ولمّا كانتِ المسئلةُ تختلفُ فيها آراءُ المجتهدين، (١) ذكره الزيلعيّ رحمه الله تعالى فى تبيين الحقائق، كتاب القضاء ٥:١٠٨ طبع البازمكة المكرمة، وقال: "وقد صحّ أن عمر رضى الله عنه لما كثر اشتغاله قلّد القضاء أبا الدرداء ... "فذكره، ولم أجده فى تتبعی القاصر فی کتب الحدیث، ولکن جزم الزيلعيّ بأنه صحّ عنه مما يوثق به. (٢) مصنّف ابن أبى شيبة بتحقيق الشيخ محمد عوّامة، كتاب الفرائض ١٦:٢٣٢ رقم ٣١٧٤٤ وقد توقف البخاريّ رحمه الله تعالى فى سماع وهب من الحكم، كما نبّه عليه محقّقه. ٢٢٢ الافتاء بمذهب آخر أصول الإفتاء فلو فتحنا بابَ نقض القضاء على أساس الآراء المختلفة، لَبِقِى النِّزاعُ إلى ما لانهايةَ له، فكلُّ قاض جديدٍ يمكن أن ينقُض قضاءَ السّابق على أساس رأيه. وبما أنّ المذاهبَ المختلفةَ لايُقطعُ فى أحدها بالبطلان المحض، فإنّ الرّأىَ المقضيَّ به ترجَّح على غيره بالقضاء الرافع للنّزاع، فيبقى كما هو، إلاّ إذا كان مخالفاً للنّصوص القطعيّة أو الإجماع، فلاسبيل إلى إقراره، لأنّه يدخلُ حينئذٍ فى الحكم بغيرما أنزل الله تعالى. ولكن فى المسئلة تفصيل مبعثرٌ فى كُتب الفقه بجزئيّاته المختلفة، فلنذكرها بشيئ من التفصيل، والله سبحانه هو الموفق للصّواب. قد فصّل ملك العلماء الكاسانيّ(١) رحمه الله تعالى هذه المسئلة، فنحكى أولاً عبارتَه بتمامها، ثمّ نذكُر إن شاء الله تعالى ما يتلخّص منها بشيئ من الإيضاح والتّفصيل . قال رحمه الله تعالى فى "البدائع": " وأمّا بيانُ ما يَنْفُذ من القضايا وما يُنْقَض منها إذا رُفع إلى قاضٍ آخر، فنقول وبالله التوفيق: قضاءً القاضي الأول لا يخلو إمّا أن وقع فى فصل فيه نصّ مفسَّرٌ من الكتاب العزيز والسّنة المتواترة والإجماع، وإمّا أن وقع فى فصل مجتهدٍ فيه من ظواهر النّصوص والقياس. فإن وقع فى فصل فيه نصّ مفسَّرٌ (١) العلّامة الكاسانيّ: هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد، علاء الدّين، مَلك العلماء الكاسانيّ، نسبةٌ إلى بلدة كبيرة بتركستان خلف سيحون. تفقّه على العلامة محمد بن أحمد السمرقنديّ، صاحب "تحفة الفقهاء" الّذى شرحه صاحب الترجمة باسم "بدائع الصنائع" فصار من أجلّ مراجع الفقه الحنفيّ. وقيل إن صاحب "التحفة" زوّج ابنته فاطمة من العلامة الكاسانيّ لمّ عرض شرح التحفة عليه، وجعل المهر هذا الشرح. حتى اشتهر فيه أنه "شرح تحفته وتزوّج ابنته" وأرسله السلطان نور الدين ابن زنكي إلى الحلاوية بحلب للإفادة. توفّي رحمه الله تعالى فى عاشر رجب سنة ٥٨٧ هـ، ودفن بظاهر حلب عند قبر زوجته فاطمة. واشتهر أن الدّعاء عند قبرهما مستجاب. (ملخص من الجواهر المضيئة ٤: ٢٥ إلى ٢٨، والفوائد البهيّة ص٥٣). أصول الإفتاء ٢٢٣ الافتاء بمذهب آخر من الكتاب أو الخبر المتواتر أو الإجماع، فإن وافق قضاؤه ذلك، نفذ ولا يحلّ له النقض، لأنّه وقع صحيحاً قطعاً، وإن خالفَ شيئاً من ذلك يُرُدّه، لأنّه وقع باطلاً قطعاً. وإن وقع فى فصل مجتهٍَ فيه، فلا يخلو إمّا أن كان مُجْمَعاً على کونه مجتهداً فیه، وإمّا أن كان مختلفاً فی کونه مجتهداً فیه. فإن كان ذلك مجمعاً على كونه محل الاجتهاد، فإمّا أن كان المجتهد فيه هو المقضيّ به، وإمّا أن كان نفس القضاء، فإن كان المجتهدُ فيه هو المقضيَّ به فرفع قضاؤه إلى قاض آخر، لم يردّه الثانى، بل ينفّذه لكونه قضاءً مجمعاً على صحّته، لِمَا عُلم أنّ النّاس على اختلافهم فى المسألة اتّفقوا على أنّ للقاضى أن يقضي بأيٍّ الأقوال الذى مال إليه اجتهاده، فكان قضاءً مُجمّعاً على صحّته. فلو نَقَضه إنما ينقُضه بقوله، وفى صحّته اختلافٌ بين النّاس، فلا يجوزُ نقضُ ماصحّ بالاتفاق بقولٍ مختلفٍ فى صحّته، ولأَنّه ليس مع الثّانى دليل قطعيّ، بل اجتهاديٌ، وصحّةُ قضاءِ القاضي الأوّل ثبت بدليل قطعيّ، وهو إجماعُهم على جواز القضاء بأي وجهٍ اتّضح له، فلا يجوز نقضُ ما مضى بدليل قاطع بما فيه شبهة، ولأنّ الضرورةَ توجب القولَ بلُزوم القضاء المبنيّ على الاجتهاد، وأن لا يجوزَ نقضُه، لأنّه لو جاز نقضُه، يرفعه إلى قاض آخر يرى خلاف رأي الأوّل، فينقُضه، ثمّ يرفعُه المدّعى إلى قاض آخر يرى خلافَ رأي القاضى الثّاني، فينقُض نقضَه، ويقضى كما قضى الأول، فيؤدى إلى أن لا تندفع الخصومة والمنازعةُ أبداً، والمنازعة سبب الفساد، وما أدّى إلى الفساد فساد. فإن كان ردّه القاضى الثّانى، فرفعه إلى قاض ثالث، نفّذ قضاءَ القاضي الأوّل، وأبطل قضاءَ القاضى الثّانى، لأنّ قضاءَ الأوّل صحيحٌ، وقضاءَ الثّاني بالردّ باطل ... "