Indexed OCR Text

Pages 181-200

أصول الإفتاء
بيريوم
١٨٤
تلخيص قواعد رسم المفتي
مثل مذهبِ الشّافعيّةِ. فذكرَ ابنُ عابدين رحمه الله تعالى عن اللّباب: "وتعيينٌ
النُّسُك ليسَ بشرط، فصَحّ مُبهماً، وبما أحرم به الغير. "(١) وبمثله ذكر الحَصْكَفِيّ
رحمه الله تعالى فى متنِ الدّرّ المختار من غير ذكر خلافٍ فى الحنفيّة.(٢)
فحكمٌ هذا القِسم أن لا يُعتمدَ على مسائله إذا كانت مخالفةً للكُتبِ
المعروفةِ الموثوقِ بها الّتى ألفتْ لبيانِ المذهب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الأصل السّادس
التّرجيحُ من أصحاب التّرجيح قد يكون صريحاً وقد يكون
التزاماً، فحيثُ لم يُوجَد الترجيحُ الصّريحُ عُمِل بالترجيح
الالتزاميّ، وحيث وُجد التّصريح فهو مقدّم على الالتزام.
قد ذكرنا فيما سبق أنّه إذاختلفتْ أقوالُ أصحابِ المذهب، أو اختلفتِ
الرّواياتُ عنهم، فيؤخذُ منها ما رجّحه أصحابُ التّرجيح. والتّرجيحُ المرويُّ
عنهم علي قسمين: صريحٌ والتزاميّ. أمّا الصّريح، فما كان بألفاظٍ هى صريحةٌ
فى التّرجيح، كقولهم "هو الصّحيح" و"هو الأصح" و "به يُفتي" و "عليه
الفتوى" و "هو المعتمد " وأشباه ذلك. وسيأتي بيانُ مراتبِ هذه الألفاظ فى
الأصل الآتى إن شاء الله تعالى. وأمّا الترجيح الالتزاميّ، فما لم يكن بألفاظٍ
صريحةٍ، وإنّما دلّ عليه صَنِيعُ المؤلّف أو المفتى المعروفِ بذلك الصّنيع.
وله صُورٌ مختلفة:
(١) ردّ المحتار ٧:١٥ فصل فى الإحرام، فقر٥ ٩٨٣٧
(٢) حيث قال: "ثمّ صحّةُ الإحرام لاتتوقّف على نيّة نسك، لأَنّه لو أبهم الإحرام حتّى طاف شوطاً
واحداً صُرٍ ف للعمرة." (الدر المختار مع ردّ المختار ٧:٢٦ و٧:٢٧)

أصول الإفتاء
١٨٥
تلخيص قواعد رسم المفتي
الصورة الأولى: تقديمُ القول الراجح. فقد التزمَ بعضُ المؤلّفين بأنّهم
يذكّرون القول الرّاجح عندهم قبلَ ذكر الأقوال المرجوحة، وهذا هو دأبُ
قاضي خان رحمه الله تعالى فى فتاواه، لأنّه قال فى أوّل الفتاوى: "و فيما
كُثُرَتْ فيه الأقاويلُ من المتأخّرين، اقتصرتُ علي قولٍ أو قولين، وقدّمتُ ما
هو الأظهر، وافتتحتُ بما هو الأشهر، إجابةً للطّالبين وتيسيراً على الراغبين."(١)
وكذلك صاحب "ملتقى الأبحر" التزم تقديم القول المعتمدعلي غيره من
الأقوال(٢) ويظهر من صنيع صاحب البدائع أنّه يفعل ذلك أيضاً فى الغالب.
الصّورة الثانية: تأخيرُ دليل القول الراجح، فإنّ الكُتبَ الّتى التزمَتْ ذكرَ
الدلائل كالهداية، والمبسوط وغيرهما، فإنّ عادتَهم المعروفة أنّهم يذكرون
دليلَ القول الرّاجح فى الأخير، ويُجيبون عن دلائل أقوالٍ أُخر، فالدليلُ
المذكور أخيراً يدلّ علي رُجحان مدلوله عند المؤلّف.
الصّورة الثالثة: ذكرُ دليل القولِ الرّاجح. وهذا إذا ذُكر دليلُ قولٍ واحدٍ
فقط، وأُهْمِلَ دليلُ الآخر. فالراجحُ ما ذُكر دليلُه.
الصّورة الرّابعة: الردّ على الأقوال الأخر، وهذا إذا ذَكَرَ فقية أقوالاً مع
دلائلها، ثم ردًّ على دلائل بعض الأقوال، ولم يردّ على دليل بعضها، فذلك
ترجيح التزاميّ لقولٍ لم يرد على دليله.
الصّورة الخامسة: أن يكون القولُ مذكوراً فى المتونِ المعتبرة، فإنّ ذكرها
فى تلك المتون يكفى بمجرده للدلالة على أنّه هو الرّاجحُ فى المذهب،
(١) مقدمة الفتاوى الخانّة على هامش الهنديّة ١:٢
(٢) مقدمة ملتقى الأبحر ١:١٠

أصول الإفتاء
١٨٦
تلخيص قواعد رسم المفتي
وإن لم تكُن فيها صراحةٌ بترجيحه، وذلك لأنّ المتونَ إنّما وُضِعت لبيان
الرّاجح من المذهب. والمتونُ المعتبرة هى البداية، ومختصر القدوريّ،
والمختار، والنُّقاية، والوقاية، والكنز، والملتقى، كماذكره ابن عابدين رحمه
الله تعالى فى شرح عقودرسم المفتى. وذكر عن العلاّمة قاسم(١) رحمه الله
تعالى أنّه قال: "مافى المتون مصححٌ تصحيحاًالتزاميّاً." وذكر مثلَه عن عدّةٍ
من المشايخ، كماذكرعنهم أنّ التّصحيح الصّريخ مقدّمٌ على الالتزامىّ،
فلوصحّح المشايخ من أصحاب التّرجيح قولاً مخالفاً لما فى المتون، فإنّه هو
الراجح.(٢) ومثاله ماذُكر فى المتون أنّ النّكاح بغير وليّ ينعقد فى غير كفؤٍ، إلاّ
أنّ الوليّ له حقُّ الاعتراض. ولكن رجّح المشايخُ روايةَ الحسن بن زياد
رحمه الله تعالى أنّه لا ينعقد أصلاً.(٣)
(١) هو قاسم بن قطلوبغا أبو الفداء زين الدين الحنفىّ. كان إماما علامة، واسع الباع فى استحضار
مذهبه. مات أبوه وهو صغير، فنشأ يتيما. وحفظ القرآن وكتبا، عَرض بعضَها على العزّ بن جماعة،
وتكسّب بالخياطة وقتا وبرع فيها. ثم أقبل على الاشتغال وأخذ عن الحافظ ابن حجر والعزّ بن عبد
السلام البغدادىّ، وعبد اللطيف الكرمانى وغيرهم رحمهم الله تعالى. واشتدّت عنايته بملازمة الإمام
ابن الهمام بحيث سمع غالب ما كان يُقرأ عنده. و من تلامذته الإمام شمس الدين محمد بن عبد
الرحمن السخاوىّ رحمهم الله تعالى. وقد ترجمه السخاوىّ فى الضوء اللامع ترجمة وافية
شاملة. (٦:١٨٤ إلي ٦:١٩٠) وذكر له تصانيف، منها شرح المجمع، وشرح مختصر المنار وشرح
المصابيح وشرح درر البحار. وقال الإمام اللكنوى رحمه الله تعالى: "قد طالعت من تصانيفه فتاواه،
وشرح مختصر المنار ورسائل كثيرة، كلّها مفيدة شاهدة على تبحره فى فنّ الفقه والحديث وغيرهما."
ومن تصانيفه المشهورة "الترجيح والتصحيح على مختصر القدوري" و"تاج التراجم" فى طبقات
الحنفيّة. توفّي رحمه الله سنة ٨٧٩ هـ. (ملخص من الضوء اللامع ١٨٤: ٦ إلى ٦:١٩٠ كشف
الظنون ٢:١٦٣١ والتعليقات السنّة على الفوائد البهية ص٩٩، والأعلام للزركلى ٥:١٨٠)
(٢) شرح عقود رسم المفتى ص٦٥
(٣) فتح القدير، باب الأولياء والأكفاء ٣:١٥٧ إلى ١٦٠

أصول الإفتاء
١٨٧
تلخيص قواعد رسم المفتي
الأصل السابع
وللتّرجيح الصريح ألفاظٌ بعضُها أقوى من بعض. فأقوى
الصِّيغ فى ذلك: "عليه عملُ الأُمّة"، ثمّ "عليه الفتوى" و "به
يُفتى"، ثمّ "الفتوى عليه"، ثمّ "هو الصّحيح"، ثمّ "هو الأصحّ".
ثمّ الصِّيَغ الباقيةُ متساويةٌ في القوّة، كقولهم: "هو المعتمد" و
"هو الأشبه"، غير أنّ صيغةَ التفضيل فيها راجحةٌ على غيرها.
إنّ اصحابَ التّرجيح يستعملون للتّرجيح ألفاظاً مختلفة. ومراتب قوّتها
مذكورة فى هذا الأصل، غير أنّ العلماء قد اختلفوا في "الصّحيح" و
"الأصحّ" أيُّهما أقوى. فقال بعضهم: إنّ "الأصح" أقوى من "الصّحيح"،
لكونه اسمَ تفضيل. وهو الذى اختاره ابنُ عبدالرزاق فى شرحه على
الدّرّالمختار. وقال الآخرون : إنّ "الصّحيح" أقوى من "الأصح"، لأنّ
"الصّحيح " مقابلُه خطأ، و"الأصحّ" مقابلُه "الصّحيح". وماكان مقابلُه خطأً
آكد ممّا كان مقابله صحيحاً. وهوالذى ذكره البيريّ ناقلاً عن حاشية
البزدويّ، ثم تعقّبه بقوله: "ينبغى أن يُقيّدَ ذلك بالغالب، لأنّا وجدنا مُقابلَ
الأُصحّ الرّوايةَ الشاذّة.(١) والقول الفصلُ فى هذا الباب أنّه إذا كان قائلُ كلا
اللّفظين واحدا، فـ"الأصحّ" مقدّمٌ علي "الصّحيح" بالاتفاق. وأمّا إذا كان
قائلُ "الصّحيح" غيرَ قائل "الأصح"، فهو على الخلاف المذكور. وذكرابنُ
عابدين رحمه الله تعالى أنّ المشهور أنّ "الأصح" مقدّمٌ علي "الصّحيح"
والذى يظهر لهذا العبد الضعيف أنّه لاسبيل إلى القول باطراد أحدٍ من الماذهبين،
(١) شرح عقودرسم المفتى ص ٧٠

أصول الإفتاء
١٨٨
تلخيص قواعد رسم المفتي
فقد يُستعمل لفظُ "الأصحّ" فى مُقابل الخطأ أيضاً، وقد يكونُ فى المسئلة
ثلاثةُ أقوال، فالصّحيح يُستعمل فى مقابل قولٍ ثالث هو خطأ، والأصحّ فى
مقابلٍ هذا القول الذى قيل فيه إنّه صحيح. فالذى قيل فيه: "إنّه صحيح"
يترجّح على القول الثالث، ولكن لا يترجّح على الذى قيل فيه إنّه الأصحّ.
فالوجهُ أن يُنظرَ فى سياقِ الكلام، ويُعرف به مراد القائل، لا أن يُحكّم بترجيحِ
أحدهما كأصل مطّرد، والله سبحانه أعلم.
ثمّ إنّ هذا التّفصيل يجرى فى الأقوال المختلفة، وأمّا إذا استعمِل لفظ
"الأُصحّ" فى ترجيح تصحيحٍ على تصحيح آخر، فلا شكّ أنّ "الأصحّ"
راجحٌ على "الصّحيح"، وهذا كما لو ذكر واحدٌ تصحيحين عن إهامين ثم
قال: "إنّ هذا التصحيح الثاني أصحُّ من الأول" مثلاً، فلا شكّ أنّ مراده ترجيحُ
ما عبّر عنه بكونه أصحّ.
ثمّ الألفاظ الباقيةُ فى مرتبةٍ واحدة وهي: "به نأخذ"، و "عليه فتوى
مشايخنا"، و"هو المعتمد"، و"هو الأشبه"، و"هو الأوْجَه". فجميعُ هذه
الألفاظ متساوية، غيرَ أنّ صِيَغ التّفضيل تجرى علي الاختلاف المذكور فى
"الأصحّ" و"الصّحيح"، والرّاجحُ أنّ اسم التفضيل من بين هذه الألفاظ
أرجحُ علي غيره.
الأصل الثامن
إن وُجد قولان متعارضان، وقد رُجّح كلُّ واحدٍ منهما، فإن كان كلا
التّرجيحين من رجل واحد، عمل بالمتأخّر منهما إن غرف التّاريخ. وإن
لم يُعرف التّاريخ، أو كان التّرجيحان من رجلين مختلفين، رجّح المفتى

أصول الإفتاء
١٨٩
تلخيص قواعد رسم المفتي
أحدَهما بمرجّحاتٍ تبدُوله، فإن لم يظهرْ لأحدهما شيئٌ من
المرجِّحات، فالمفتى بالخيار، و يأخذ أحدَهما بشهادة قلبه،
مجتنباً عن التّشهى و طالباً للصّواب من الله تعالى.
هذا الأصل لا تحتاجُ إلى شرح، وإنما المُهمّ معرفةُ المرجّحات التى
يُرجَّح بها أحدُ التّصحيحين على الآخر. وهي مايلي:
الأوّل: إذا كان أحدُ التّصحيحين صريحاً، والآخرُ التزاماً عُمِل بالصّريح.
والثّانى: إذا كان أحدُ التّصحيحين بلفظٍ أقوى بالنّسبة إلى تصحيح آخر رُجّح
ما لفظه أقوى.
والثّالث: إذا كان أحدُهما مذكوراً فى المتون، والآخر مذكوراً فى غيرها،
فالرّاجحُ ما فى المتون، إلاّ إذا صرّح المشايخ من أصحاب الترجيح سببَ
ترجيح غير المتون كماسبق.
والرّابع: إذا كان أحدُهما ظاهرَ الرّواية، والآخرُ غيره، فالراجح ما هو ظاهر
الرواية.
والخامس: إذا كان أحدُهما قولَ الإمام، والآخرُ قولَ صاحبيه، فالرَّاجحُ
قول الإمام.
والسّادس: إذا كان أحدُهما مختارَ أكثر المشايخ، والآخرُ مختارَ قليل منهم،
فالرّاجحُ ما اختاره الأكثرون.
والسّابع: إذا كان أحدُهما قياساً والآخر استحساناً، فالرّاجحُ الاستحسان.
والثّامن: إذا كان أحدهما أوفقَ بالزّمان، كان راجحاً على غيره.
التّاسع: إذا كان أحدُ القولين أقوى فى الدليل عند مفتٍ أهل للنّظر في الدليل،
فهو أولی من غيره.

أصول الإفتاء
١٩٠
تلخيص قواعد رسم المفتي
هذه المرجّحات ذكرها العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى فى "شرح
عقود رسم المفتى"، ويمكن أن تُضاف اليه بعضُ المرجحات الأخرى:
الأوّل: إذا كان أحدُ القولين أنفعَ للفقراء، فهو أولى من غيره فى باب الزكوة.
الثّاني: إذا كان أحدُ القولين أنفعَ للوقف، فهو أولى من غيره.
الثّالث: إذا كان أحدُ القولين أدرأ للحدّ فهو أولى من غيره.
الرّابع: إذا كان التعارض بين الحلّ والحرمة، فالرّاجح هو المحرِّم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذه كلُّها مرجّحاتٌ ذكرها الفقهاء،
واستعملوها فى ترجيح قولٍ علي قول، ولكن ليست هذه الضّوابطُ كلّيّةً ولا
مُطْردةً فى جميع الأحوال، بل ربّما يقع التّضارُب والتّجاذُب بين هذه
المرجّحات، فبينما المرجّح الواحدُ يقتضي ترجيحَ قولٍ، يقوم المرجّحُ الآخر
فيقتضي ترجيحَ غيره، ولا يمكنُ فى مثل هذا ضبطُ قاعدةٍ كلّيّةٍ تطرد في
جميع الصّور، والأمر فى مثلها موكول إلى مذاق المفتى الصّحيح، وملكتِه
الفقهيّة الّتى تتخيّر بين هذه المرجّحات المتضاربة. فربّما يرى المفتي أنّ
الحاجة داعيةً إلى سدّ الذرائع، فيأخذُ بالقول الأحوط، وتارةً يبدو للمفتى أنّ
المسألة ممّا عمت به البلوى، فيأخذُ بما هو الأيسر للنّاس، والثقة فی کلّ ذلك
بالملكة الفقهية التى تعمل بتقوى الله تعالى، دون التشهّي واتباع الهوى. ولا
تحصُّل هذه الملكة عادةً إلاّ بصُحبة أهل هذه الملكة.
الأصل التّاسع
إذا لم يوجد تصحيحٌ من أصحاب التّرجيح فى قولٍ من الأقوال،
فالواجبُ حينئذٍ اتّباعُ ظاهر الرّواية، وإذا وقع الاختلاف بين الرّوایتین،

أصول الإفتاء
١٩١
تلخيص قواعد رسم المفتي
وكلُّ واحدٍ منهما ظاهرُ الرّواية، عُمِل بالمتأخّرة منهما زماناً.
ربّما يقع الاختلاف فيما بين كتب ظاهر الرواية، فحينئذٍ يؤخذ بالكتاب
الذى تأخّر تأليفُه، فيصيرُ خلافُه كالمرجوع عنه، فلابُدَّ إذن من معرفة تاريخ
هذه الكتب الستّة. وقدذكرنا فيما سبق أنّ أوّل هذه الكتب تأليفاً هو
المبسوط، ثمّ الجامع الصغير، ثمّ الجامع الكبير، ثمّ الزّيادات، ثمّ السّير
الصغير، ثمّ السّير الكبير. فإن وقع التعارضُ مثلاً فيما بين المبسوط
والزّيادات، يُختار ما فى الزّيادات، لكونه متأخراً.
وينبغي أن يُعلم أنّ الكتب التى يوجدُ فى آخر أسمائها لفظ "الصّغير"
كلُّها موثّقة من قِبَل الإمام أبى يوسف رحمه الله تعالى أيضاً. وأمّا ما جاء فيه
لفظ "الكبير" فلم يَعْرِضها الإمام محمّد على الإمام أبى يوسف رحمهما الله
تعالى، فليس موثّقاً من قِبَله، كالجامع الكبير والسّير الكبير والمزارعة الكبير
والمأذون الكبير. وكان من أكثر كتب الامام محمّد اعتمادا من قِبّل الإمام أبي
يوسف رحمهما الله تعالى هو "الجامع الصغير". فإنّه آلفه الإمام محمّد بأمر
الإمام أبى يوسف، وقد ذكرنا فى تعريف هذا الكتاب أنّ أبا يوسف رحمه الله
تعالى كان يصحب هذا الكتاب فى سفره وحضره، ولم ينكر منه شيئا إلاّ
ستّ مسائل خطّأ فيها الإمام محمّدا فى رواية قول أبي حنيفة، وقد ذكر هذه
المسائلَ السّة ابنُ نُجيم في باب الوتر والنوافل من البحر الرائق. فاختلف
المشايخ الحنفيّة في التّرجيح بين القولين فى هذه المسائل الستّة. فقال بعض
المشايخ: يرجَّح قولُ محمّد علي قول أبي يوسف، وخالفهم آخرون فرجحوا
قول أبي يوسف. ودليل المشايخ الذين يرجحون قول أبى يوسف رحمه الله
تعالى أنّ محمّدا إنّما روى هذه الأقوالَ عن أبى يوسف، فلمّا أنكر أبو يوسف،
D'S

أصول الإفتاء
١٩٢
تلخيص قواعد رسم المفتي
بطلتْ روايته. ولكنّ أكثر المشايخ على ترجيح قول محمّد، وذلك لوجوه:
الوجه الأول: أنّه قد تقرّر فى أصول الحديث أنّ نسيانَ المرويّ عنه روايته لا
يُبطِلِ الرّوايةَ إذا كان الرّاوى عنه ثقة.
ولكنّ جريانَ هذا الأصل فى المسألة المبحوث عنها مشكلٌ، لأنّ ذلك
الأصلَ فيما إذا نسِي المرويّ عنه. أمّا إذا صرّح المرويُ عنه بأنّه رواه بخلاف
ما روى عنه تلميذُه، وجزم بذلك، فلا يتأتّى هذا الأصل. والأمر فى هذه
المسائل الستّة أنّ أبا يوسف رحمه الله تعالى لم يعترف بنسيانه، وإنّما جزم
بروايةٍ تُخالف روايةَ محمّد رحمه الله تعالى.
الوجه الثاني: أنّ الإمام محمداً رحمه الله تعالى قد أنكر على أبى يوسف
وقال: "حفظتُها ونسِي" وجزمُه هذا يدلّ على أنّه سمع هذه المسائل عن أبى
حنيفة رحمه الله تعالى بلا واسطةٍ أيضاً، فلو بطلتْ روايتُه بواسطةِ الإمام أبي
يوسف، ثبتت روايتُه عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى بلا واسطة.
الوجه الثالث: أنه يمكن أن يكون محمّدٌ خرّج هذه المسائل علي أصل أبى
حنيفة رحمهماالله تعالی، و حينئذٍ لا يؤثر إنکارُ ابی یوسف عليه.
الوجه الرابع: أن المشايخَ ذكروا أنّ روايةَ محمّد استحسان، وروايةُ أبى
يوسف رحمه الله تعالى قياسٌ، والاستحسان راجحٌ على القياس.
وبالرّغم ممّا ذُكرمن أنّه حيثُ لم يوجَدْ ترجيحٌ من أصحاب التّرجيح
يؤخذُ بظاهر الرّواية، فقد ذكر ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى منظومة "رسم
المفتى "ضوابط أخری یُستأنس بها عند الإفتاء، وهى:
١- يؤخذ بقول الإمام أبى حنيفة فى العبادات مطلقاً.
٢- يؤخذ بقول الإمام أبى يوسف فيما يتعلق بالقضاء.

أصول الإفتاء
١٩٣
تلخيص قواعد رسم المفتي
٣- يؤخذ بقول الإمام محمّد رحمه الله تعالى فيما يتعلق بتوريث ذوي الأرحام.
٤- لا يُعْدَلُ عن الدّرایة إذا وافقتْها روایة.
٥- لا يُفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه علی مَحمِل حسن، أو کان فی کُفره
اختلاف، ولو روايةً ضعيفةٌ.
٦- يقدّمُ مافى المتون المعتبرة على الشّروح، ومافى الشّروح على الفتاوى.
والمتونُ المعتبرة مختصر القدوريّ، والمختار، والنُّقاية، والوقاية، والكنز،
والمنتقى، بخلاف متن "الغرر" لملاّ خُسْرو(١)، ومتن "التّنوير " للتُّمُرْتَاشِيّ
الغَزّيّ(٢)، فإنّ فيهما كثيراً من مسائل الفتاوى.
(١) هو محمد بن فرامرز بن عليّ، المعروف بملا - أو منلا أو المولى - خسرو: عالم بفقه الحنفية
والأصول. روميّ الاصل. أسلم أبوه ونشأ هو مسلما، فتبحّر فى علوم المعقول والمنقول، أخذ
العلم عن المولى برهان الدّين حيدر الهرويّ من تلامذة الإمام سعد الدّين التفتازانيّ رحمهم الله
تعالى، وتولىّ التّدريس فى زمان السلطان محمد بن مراد بمدينة بروسة. وولي قضاء القسطنطينية،
وصار مفتيا بالتخت السّلطاني، وعمر عدّة مساجد بقسطنطينّة. من كتبه "دور الحكام فى شرح
غرر الأحكام" فى الفقه الحنفيّ، كلاهما له، وحاشية على "المطوّل" فى البلاغة، وحاشية على
"التّلويح" في الأصول، وحاشية على جزء من تفسير الإمام البيضاويّ. (ملخص من الفوائد
البهيّة ص ١٨٤ والأعلام ٦: ٣٢٨).
(٢) هو محمد بن عبد الله بن أحمد، الخطيب العمري التُّمُرتاشيّ (قال الإمام اللكنويّ فى ترجمة الإمام
ظهير الدّين أحمد بن إسماعيل التُّمُرتاشيّ فى الفوائد البهيّة ص١٥: "التمرتاشي نسبة إلى تُمُرتاش
بضمّ التاء المثناة الفوقية وضمّ الميم وسكون الراء المهملة ... قرية من قُرِى خوارزم ذكره
الطحطاويّ فى حواشى الدرّ المختار.") الغزّيّ الحنفيّ، شمس الدّين، شيخ الحنفية في عصره. من
أهل غزّة، مولده (سنة ٩٣٩ هـ) ووفاته (سنة ١٠٠٤ هـ) فيها. أخذ ببلده أنواع الفنون عن
الشمس محمد بن المشرقي الغزي مفتي الشافعية بغزّة، ثمّ رحل إلى القاهرة أربع مرات آخرها فى
سنة ثمان وتسعين وتسعمائة وتفقّه بها على الشيخ الإمام زين بن نجيم صاحب البحروآخرين، ورجع
إلى بلده وقصده الناس للفتوى. من كتبه "تنوير الأبصار"، و"منح الغفّار" شرح "تنوير الابصار"،
و "الوصول إلى قواعد الأصول" و"معين المفتى على جواب المستفتى" و"الفتاوى" ورسالة =
بيبسييه
ـايســ

أصول الإفتاء
١٩٤
تلخيص قواعد رسم المفتي
ولكنّ هذه الضوابطَ ليست كلّيةً مطردة فى جميع الأحوال، كما لايخفى
على من سَبَر المسائل، وإنّما ذُكرت للاستئناس بها، وإلاّ فالمرجعُ فى مثل
ذلك، كما قدّمنا فى الأصل الثّامن، إلى الملكة الفقهيّة والمذاق الصّحيح الذى
لا يحصُل إلّ بالممارسة الطّويلة وصُحبة المتمكّنين من الفقهاء والمفتين.
الأصل العاشر
إنّ المفهوم المخالف، وإن كان غيرَ معتبرٍ فى النصوص الشرعيّة،
ولكنّه معتبرٌ فى عبارات كتب الفقه، فيصحّ العمل بمفهوم عبارات
الكتب الفقهيّة، بشرط أن لا يكون ذلك المفهومُ المخالفُ معارضاً
لصريح العبارات الأخرى.
إعلم أنّ ما يدلّ عليه لفظٌ من ألفاظِ العِبارة يسمّى "منطوقاً" لتلك العبارة،
وما دلّ عليه شيئٌ غيرُ اللّفظ المذكور فى تلك العبارة يُسمّي "مفهوماً". ثمّ
"المفهوم" علي قسمين:
الأوّل: "مفهوم الموافقة" وهو دلالة العبارة على ثبوتِ حُكم المنطوق
للمسكوت بمجرّدٍ فهم اللّغة، أي بلا توقّفٍ علي رأي واجتهاد كدلالة قوله
تعالى: ﴿فَلَا تَقُل ◌َهُمَآ أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣] على تحريم الضّرب والشّتم.
والثّانى: "مفهوم المخالفة" وهو دلالة العبارة علي ثبوت نقيض حكم
المنطوقٍ للمسكوت، كقولنا: "فى الإبل السائمة زكوة" فمفهومه المخالف
= فى أحكام الدروز والإرفاض، كتاب "شرح العوامل" للجرجانيّ فى النّحو. وكانت وفاته فى
أواخر رجب سنة ١٠٠٤ هـ عن خمس وستين سنة رحمه الله تعال. (ملخص من الأعلام ٦:
٢٣٩ وخلاصة الأثر بأعيان القرن الحادى عشر، حرف الميم، المكتبة الشاملة)

أصول الإفتاء
١٩٥
تلخيص قواعد رسم المفتي
أنّه لا تجبُ الزكوة على الإبل العلوفة. ثمّ المفهومُ المخالف ينقسم الي أقسام:
الأوّل: "مفهوم الصّفة" وهو ما دلّ عليه لفظٌ وقع صفةً لموصوف، كقولنا :"
فى الإبل السّائمة زكوة" ..
الثّاني: "مفهوم الشّرط" وهو ما دلّ علي انتفاء الحكم عند انتفاء الشّرط، كقوله
تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فمفهومُه
المخالف أنّ الإنفاق لا يجب علي المطلّقة المبتوتة الّتى ليست حاملة.
الثالث: "مفهوم الغاية" وهو ما دلّ على أنّ حكمَ المنطوق منتفٍ فيما بعدَ
الغاية، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فإنّ مفهومَه أنّ
ما وراء الكعبين لا يجب غَسْلُه.
الرّابع: "مفهومُ العدد" وهو ما دلّ على أنّ حكم المنطوق مقتصِرٌ على
العدد الملفوظ، ويثبتُ نقيضُ ذلك الحكم علي ما وراءَ ذلك العدد. نحو
قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَسِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فإنّ مفهومَه أنّه لا يُجلد
فوق ثمانین.
الخامس: "مفهوم اللّقب" وهو ما دلّ على أنّ حكمَ المنطوق مقتصِرٌ على
الاسم الجامد المذكور فى العبارة، وأنّ نقيضَه ثابتٌ لغير ذلك الاسم الجامد.
مثل قولنا: "فى الغنم زكوة. " فإنّ مفهومه أنّه ليس في غير الغنم زكوة.
أمّا مفهوم الموافقة، فهو معتبرٌ فى النّصوص الشرعيّة وفى كتب الفقه
جميعاً بالاتفاق. وأمّا المفهومُ المخالف فى القرآن والسنّة، ففى اعتباره
خلاف: فهو معتبرٌ عند الشّافعيّة بجميع أقسامِه، سوى القسم الأخير.
وهو "مفهومُ اللّقب"، وعند الحنفيّة غيرُ معتبرٍ بمعنى أنّ النّصّ لا يدلُّ على

أصول الإفتاء
١٩٦
تلخيص قواعد رسم المفتي
نقيض الحكم لغير المنطوق، فيبقى المفهومُ مسكوتاً عنه، فإن دلّ دليل على
أنّ حكمه حكمُ المنطوق، عُمِل بهِ، وإن دلّ دليلٌّ على أنّ حكمَه مناقضٌ
لحُكم المنطوق عُمِل به. وممّا يدلُّ على ذلك أنّ المسكوتَ يبقى على أصلِه،
فإن كان الأصلُ نقيضاً لحكم المنطوق، ثبت انتفاءُ الحكم فى المسكوت، لا
لكونِ المفهوم معتبراً، بل لبقاء المسكوت على الأصل. مثاله: ماورد عن النبيّ
الكريم صلّى الله عليه وسلّم: "لاَيَحِلُّ لاِمْرَاةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ
عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أُرْبَعَةَ أُشْهُرٍ وَعَشْراً"(١) فإنّ حكمَ الإحداد
على الزّوج فى الحديث مقتصر على امرأةٍ مؤمنة. ولذلك ذهب الحنفيّة إلى
أنّه لا يجبُ الإحداد على الصّغيرة والذّمّيّة، خلافاً للشّافعيّة. وزعم الحافظ ابنُ
حجر رحمه الله تعالى أنّ استدلالَ الحنفيّة بهذا الحديث استدلالٌ بالمفهوم
على خلاف ما أصّلوه. والحقّ أنّه ليس استدلالاً بالمفهوم، بل الخطابُ فى
الحديث إنّما وجّه إلى امرأةٍ مؤمنة. فأمّا الصّغيرة والذّمّيّة، فقد سكت
الحديثُ عن خطابها، فَتَرْجعان إلى أصلِهما، وهو عدمٌ وجوب الإِحداد، لأنّ
وجوب الإحداد لابدّله من دليل، ولا دليلَ ههنا.
وأمّا فى كتب الفقه، فمفهومُ المخالفة معتبر عند الحنفيّة أيضاً، وكذلك
فى المعاملات الجارية بين النّاس. ووجه الفرق بين النّصوص الشرعيّة
والعباراتِ الفقهيّة أنّ نصوص القرآن والسنّة تحتوى على عباراتٍ بليغةٍ
حكيمة، فربّما تُذكر فيها ألفاظٌ للتّأكيد، أو التوبيخ والتّشنيع، أو الوعظ والتّذکیر،
(١) الحديث أخرجه الشيخان، وهذا اللفظ لمسلم، باب وجوب الإحداد فى عدّة الوفاة،
. حديث ٣٧٠٦

أصول الإفتاء
١٩٧
تلخيص قواعد رسم المفتي
ولا تكونُ قيداً لما سبق كقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُواْ بِشَايَتِى ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ [البقرة: ٤١]
فإنما أضيف لفظ "قليلاً" للتّشنيع على هذا العمل، ولا يدلّ على أنّ الاشتراء
بالثّمن الكثير جائز. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَواْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةً .
[آل عمران: ١٣٠] فإنّه لا يدلّ على جواز الرّبوا إذا لم يكن ضعف الأصل.
. أمّا كتب الفقه، فإنّ مقصودها تدوينُ الأحكام على طريقةٍ قانونيّة، وليس
فيها شيئٌ من التّأكيد والتّشنيع وغير ذلك، فلا بدّ من اعتبارٍ مفهوم المخالفة
فيها. فماثبت بمفهومها المخالف يؤخذ به، إلاّ إذا كان معارضاً لمنطوقٍ
عبارةٍ أخرى.
الأصل الحادى عشر
لا يجوزُ العملُ أو الإفتاءُ بالرّواياتِ الضّعيفة أو المرجوحة،
إلاّ لضرورةٍ تبدُو لمفْتٍ عارفٍ متبحّر.
قدّمَنَا أنّ الواجبَ على المفتى المقدّد أن يأخذَ من الأقوال والرّوايات ما
صحّحها أصحابُ التّرجيح. وأمّا ما يُوجد فى كتب الفقه من أقوالٍ و رواياتٍ
ضعيفة صرّح أصحاب الترجيح بضعفها، أو علم ضُعفُها بعباراتهم ضمناً
والتزاماً، فلا يجوزُ العمل عليها والإفتاءُ بها. وقال العلاّمة قاسم بن قطلوبغا
رحمه الله تعالى: "إنّ الحكم والفُتيا بما هو مرجوحٌ خلاف الإجماع، وإنّ
المرجوحَ فى مُقابلة الرّاجح بمنزلة العدم، والتّرجيحُ بغير مرجِّحٍ فى
المتقابلاتِ ممنوع، وإنّ مَن يكتفى بأن يكون فتواه أو عملُه موافقاً لقولٍ أو
وجهٍ فى المسألة، ويعملَ بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظرٍ فى التّرجيح،

أصول الإفتاء
١٩٨
تلخيص قواعد رسم المفتي
فقد جهِل وخَرَقَ الإجماع"(١)
ولكن صرّح عدّةٌ من الفقهاء بأنّه قد يجوزُ العمل أو الإفتاء بروايةٍ ضعيفةٍ
أو قولٍ مرجوح لضرورةٍ اقتضتْ ذلك. وحاصلُ كلامهم أنّه لا يجوز الأخذ
بالأقوال الضّعيفة بالتّشهّى، ولكن إذا ابتُلي الرّجل بحاجةٍ مُلحة، وسِع له أن
يعملَ لنفسه بقولٍ ضعيفٍ أو روايةٍ مرجوحة. وقد ذكر العلاّمة ابنُ عابدين
فى "شرح عقود رسم المفتى "عدة أمثلةٍ لهذه الحاجة:
الأوّل: المذهب المفتى به عند الحنفيّة أنّ المنيّ إذا انفصل عن مَقَرّه بشهوةٍ
يجب الغسلُ، سواءٌ كانت الشّهوةُ فَتَرَتْ عند خروجه من الآلة أم لا، فلو
أمسك رجل ذَكَرَه عندما أحسّ بالاحتلام إلى أن فَتَرتْ شهوتُه، ثمّ أرسله،
فخرج المنيّ بعد فُتورها، وجبَ الغُسل عند أبى حنيفة ومحمّد رحمهما
الله تعالى، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يجب الغُسل إلاّ إذا كانت
الشّهوةُ باقيةً عند الخروج. وقد أفتى أصحابُ التّرجيح بقول الطّرفين،
فصار قول أبى يوسف لا يُعمل به. ولكن إذا كان الرّجل مسافراً أو كان ضيفاً
عند رجالٍ يُخاف عليه الرِّيبةُ، وسِعَ له فى مثل ذلك أن يعمل بقول أبى
یوسف رحمه الله تعالى.
الثّاني: المذهب المفتى به عند الحنفيّة أنّ الدّمَ إن ظهر بِقَشْر نفطةٍ، إن سال
عن رأس الجُرح نقض الوضوءَ، وإن لم يسِلْ لم ينقضْ. والسّيلان أن ينحدر
عن رأس الجرح. وإن علا على رأس الجرح وانتفخ ولم ينحدر، لم يكن
سائلاً، وإن كان أكثر من رأس الجرح. وفى هذه الحالة إن مسحه الرجل
(١) ذكره العلامة ابن عابدين عن العلامة قاسم رحمهما الله تعالى فى شرح عقود رسم المفتى ض ٩٠

!
تلخيص قواعد رسم المفتي
١٩٩
أصول الإفتاء
بخرقةٍ بحيثُ لو تركه سال، فإنّه ناقضٌ للوضوء.(١) ولكن هناك قولٌ ضعيفٌ
نقله صاحب الهداية بأنّ ذلك ليس بناقض، وهذا قولٌ شاد مرجوح. ولکن
ذكر العلاّمة ابنُ عابدين رحمه الله تعالى أنّه يسوغ للمعذورِ تقليدُ هذا القول
عند الضّرورة، وأنّه كان قد ابتُلي مرّةً بكيّ الحمّصة(٢) ولم يجد ما تصحّ به
صلاتُه على مذهب الحنفيّةِ بغير مشقّةٍ شديدةٍ إلاّ على هذا القول. ويقول
العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: "فاضطررتُ إلى تقليد هذا القول، ثمّ
لمّا عافانى الله تعالى منه أعَدتُ صلوةَ تلك المدة"(٣)
وكذلك ذكرابنُ نُجيم رحمه الله تعالى فى "البحر " أقوالاً ضعيفةً فى بحث
ألوان الدّماء، ثم قال: "وفى معراج الدراية(٤) مَعْزيّاً إلى فخر الأئمة (٥): لو أفتى
(١) رسائل ابن عابدين، الفوائد المخصصة بأحكام كيّ الحمصة ١:٥٤
(٢) كيّ الحمّصة طريقةٌ لعلاج بعض الجراحات أو النفطات، يكوى فيها الجرح أوّلا، ثمّ توضع فيه
الحمّصة، ويوضع فوقها ورقة ويُشدّ عليهما بخرقة، تارةً يكون الخارج منه رَشحاً تتشربه الحمّصة
والورقة، وربّما وصل إلى الخرقة، ولكن ليس فيه قوّة السّيلان بنفسه لو تُرك، وإنّما هو مجرّد
رطوبة ونداوة تجذبها الحمّصة والورقة كما تجذبه لووُضعت على أرض نديّة، وتارةً يكون الخارج
منها سائلاً بنفسه إذا قويت المادّة لعارض فى البدن، وكلّ ذلك يُعرف بالظنّ والاجتهادّ. كذافى
رسالة ابن عابدين رحمه الله المسمّاة "الفوائد المخصّصة بأحكام كيّ الحمّصة" فی جملة رسائل ابن
عابدين ١:٦٣ وراجعَ الرّسالة لتفصيل الأحكام.
(٣) شرح عقود رسم المفتى ص ٩٢
(٤) "معراج الدراية إلى شرح الهداية "للشيخ الإمام قوام الدين محمد بن محمد البخاري الكاكيّ، المتوفى:
سنة ٧٤٩ ، تسع وأربعين وسبعمائة، فرغ من تأليفه : في ٢١ ، إحدى وعشرين محرم سنة ٧٤٥،
خمس وأربعين وسبعمائة. ذكر فيه : أنه أراد بعد فقدان كتبه أن يجمع الفرائد من فوائد المشايخ
والشارحين ليكون ذلك المجموع كالشرح، وبيّن فيه أقوال الأئمة الأربعة من الصحيح والأصح
والمختار والجديد والقديم ووجه تمسّكهم. (كشف الظنون - (٢ / ٢٠٢٢) بتصرّف یسیر)
(٥) محمد بن علي بن سعيد أبو بكر المطرزي البخاري المشهور بفخر الأئمة، (الجواهر المضيئة
للقرشى ٣ / ٢٦٠) وهو من علماء القرن السادس، أستاذ الإمام شرف الدين عمر بن محمد بن
عمر العَقيلي المتوفى سنة ست وسبعين وخمس مائة (٥٧٥ ٥) الجواهر المضيئة ج٢ ص٦٦٧) . =

أصول الإفتاء
٢٠٠
تلخيص قواعد رسم المفتي
مُفتٍ بشيئ من هذه الأقوال فى مواضع الضّرورة طلباً للتّيسير كان حسناً. "(١)
وقال ابنُ عابدين بعد نقله: "وبه علِم أنّ المُضطرَّ له العمل بذلك لنفسه كما
قلنا، وإنّ المفتى له الإفتاءُ به للمُضطرّ، فمامرّ من أنّه ليس له العملُ بالضّعيف
ولا الإفتاءبه محمولٌ على غير موضع الضّرورة."(٢)
وحاصلُ ماذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى أنّ العمل بالمرجوح يحوزُ
فى حالتين: الأولى: حالةُ الضّرورة ورفع الحرج الشّديد، والثّانية: إذاكان
المفتى من أهل الاحتهاد فى المذهب، ولو كان اجتهاده جزئيّاً، فإنّه يُرجِّح ما
هو مرجوحٌ فی المذهب على أساس قوّةٍ دلیله عنده، فیصیر راجحاً حسب
رأيه. وهذا معنى قول البيريّ فى شرح الأشباه: "هل يجوز للإنسانِ العمل
بالضّعيف من الرّواية فى حقّ نفسه؟ نعم! إذا كان له رأى. " وماجاء فى خزانة
الروايات: "العالمُ الَّذى يعرف معنى النّصوص والأخبار، وهو من أهل
الدراية، يجوزله أن يعمل عليها، وإن كان مخالفاً لمذهبه.؟"(٣)
= وقمن يلقّب بفخر الأئمّة من الحنفيّة، صاحب "البحر المحيط" المسمّى بمنية الفقهاء. وهو بديع
بن منصور الحنفي (كشف الظنون ١:٢٢٦) وقال فى هدية العارفين - (١ / ٦١): "بديع الدين
فخر الأئمة الحنفي أستاذ مختار الزاهري كان مقيماً بسيواس توفي سنة ٧٩٤ أربع وتسعين
وسبعمائة صنف البحر المحيط المسمى بمنية الفقهاء." ولكن قال الإمام اللكنوى فى التعليقات
السنّة على الفوائد البهيّة فى الحاشية على ترجمته: "ذكره شمس الدين محمد بن علىّ الداودىّ
المالكىّ، تلميذ السيوطىّ فى طبقات المفسّرين، وسّاه بأحمد بن أبى بكر بن عبد الوهّاب أبو عبد
الله بديع الدّين القزوينيّ الحنفىّ. وقال كان مقيما بسيواس سنة ٦٢٠." (ص٥٤) محمد تقي
(١) البحر الرائق، باب الحيض ج١ ص٣٣٥
(٢) شرح عقودرسم المفتى ص٩٢
(٣) حكاهما ابن عابدين رحمه الله تعالى فى شرح عقود رسم المفتى ص٩٣ ثم قال: "وتقييده بذى
الرأى أى المجتهد فى المذهب مخرج للعاميّ کما قال، فإنّه يلزمه اتباع ما صححوا، لكن فى غير
موضع الضرورة کما علمته آنفا."

الافتاء بمذهب آخر

أصول الإفتاء
٢٠٢
الافتاء بمذهب آخر
الأصلُ للمفتى المقلّد أن لا يُفتيَ إلاّ بمذهب إمامه حسبَ القواعدِ الّتى
ذكرناها عن "عقود رسم المفتى". ولكنّ الذى يجبُ أن لايُغْفَلَ عنه ما فصّلنا
فى مبحث التّقليدِ والتّمذهب من أنّ تقليدَ إمام معيّن فتوىَّ مبنيّةٌ على سدّ
الذّرائع والمصالح الشّرعيّة، لئلا يقعَ النّاسُ فى اتّباع الهوى، فإنّالتقاطَ رُخَص
المذاهب بالهوى والتشهّي حرام، وإلاّ فالمحقّق أنّ جميع مذاهب المجتهدین
تفسيراتٌ للشريعة نفسِها، لا سبيلَ للطّعْن فى أحدٍ منها، لأنّ كلّ مجتهدٍ بذل ما
فى وُسْعه من جُهدٍ فى الوصول إلى مُراد النّصوص، واستخراج الأحكام منها،
فليستِ الشّريعةُ مُنحصرةً فى مذهب إمامٍ واحد، بل كلُّ مذهبٍ جزءٌ من
أجزاءِ الشّريعة، وطريقةٌ من طُرُقَ العمل بها. وإنّما الشّرْعُ المنزّل دائرٌ بين
سائر المذاهب، ومَن ظنّ أنّ الشّريعةَ منحصرةٌ فى مذهبٍ واحدٍ من هذه
المذاهب، فإنّه مُخطئٌ بيقين. ومن هذه الجهة رُبّما يجوز لمفتى مذهبٍ
واحٍ أن يختارَ قولَ المذهب الآخر للعمل أو الفتوى، بشرط أن لا يكونَ
ذلك بالتّشهّى واتّباع الهوى. وإنّما يجوزُ ذلك فى ثلاث حالاتٍ نذكرها
بشيئ من التّفصيل فيمايلى، ونسأل الله سبحانه التّوفيقَ للسّداد والصّواب.
١. الإفتاء بمذهب آخر لحاجة عامة
الحالة الأولى: الضّرورة أو الحاجة. وذلك أن يكونَ فى المذهب فى مسألةٍ
مخصوصةٍ حرجٌ شديدٌ لا يُطاق، أو حاجةٌ واقعيّةٌ لا محيص عنها، فيجوز
أن يُعمل بمذهبٍ آخرَ دفعاً للحرج وإنجازاً للحاجة، وهذا كما أفتى علماء

أصول الإفتاء
٢٠٣
الافتاء بمذهب آخر
الحنفيّة بمذهب الشافعيّة فى جواز الاستئجار على تعليم القرآن، وبمذهب
المالكيّة في مسألة زوجة المفقود والعنّين والمتعنّت. (١) وكذلك يدخلُ في
هذا النّوع ما عمّ فيه البلوي. ومثالُه أنّ المتأخرين من علماء الحنفيّة قد أفتَوا
بمذهب الشافعيّ في مسألة الظّفر (٢) في أنّه يجوز للظّافر أخذُ حقّه من أيّ
مالٍ كان، سواء كان من جنس الواجب أو من خلاف جنسه، وذلك لتغيّر
الناس في مداومة العقوق. صرّح به ابن عابدين في كتاب الحجر.(٣)
وكذلك أفتى المتأخرون من الحنفيّة بمذهب مالك رحمه الله تعالى في
مسألة خيار المغبون فى أنّه يجوز ردّ المبيع بغبن فاحش إذا كان فيه غرور،
صرّح به ابن عابدين فى رد المحتار تحت باب المرابحة والتّولية(٤) وابنُ
نُجيم رحمه الله تعالى فى شرح الأشباه والنظائر تحت قاعدة "المشقّة تَجْلِبُ
التّيسيير."(٥)
وكذلك أفتى الفقهاءُ الحنفيّة بمذهب الشّافعيّة بضمانِ منافع المغصوب
فى مال اليتيم، ومالِ الوقف، وما أُعِدّ للاستغلال. بل اقترح ابنُ أمير حاجٌ
رحمه الله تعالى أن يُفتى بضمان المنافع بالغصب مطلقاً.(٦)
(١) رد المحتار، أوائل كتاب المفقود، مطلب فى الإفتاء مذهب مالك، ج١٣ ص٢٤٦ و٢٤٧
(٢) هى أن يظفر الدّائن بمال المدين المماطل، فهل يجوز له أن يستوفى حقّه بالمال المظفوربه. ومذهب
الحنفيّة فى الأصل أنه يجوز ذلك إن كان المال المظفوربه من جنس حقه، مثل أن يكون الدّين
دراهم، فيظفر بدراهم المدين. أمّا إن كان المال المظفوربه من جنس آخر، مثل أن يكون حقه فى
الدراهم وظفر بدنانير المدين، فلايجوز أن يستوفى حقه منها، لأنّ ذلك يؤدّى إلى بيع ما لايملك.
(٣) ردّ المختار، كتاب الحجر قبيل مطلب: تصرّفات المحجور بالدّين، ٦:١٥١ (ط: سعيد)
(٤) رد المحتار، باب المرابحة والتولية، مطلب فى الكلام على الرد بالغبن الفاحش ج ٥ ص١٤٣ (ط: سعيد)
(٥) الأشباه والنظائر، الفنّ الأوّل، القاعدة الرابعة من النوع الأوّل: المشقة تجلب التيسير، ١:٢٣٦
(ط: إدارة القرآن)
(٦) التقرير والتحبير ٢:١٣٠