Indexed OCR Text
Pages 141-160
أصول الإفتاء ١٤٤ طبقات الفقهاء وروايةُ النّوادر أنّها تُسترقُّ فى دار الإسلام، وتكون فيئاً للمسلمين فيشتريها الزّوج من الإمام أو يصرفُها إليه لوكان مصرفاً. فأفتى كثير من المشايخ بهذه الرّواية وقالوا: "من تصفّح أحوالَ نساءٍ زماننا وما يقعُ منهنّ من موجبات الردّة مكرّراً فى كلِّ يوم، لم يتوقّف فى الإفتاء برواية النّوادر."(١) (ولكن ذكر والدى رحمه الله تعالى أنّه لا يمكن العملُ اليومَ بظاهر الرّواية ولا برواية النّوادر، لعدم قوّةِ المسلمين على العمل بذلك، فلا سبيل إلاّ إلى القول بما أفتى به مشايخ سمرقندوبخارا من أنّ النكاح لا ينفسخ بردّتها.(٢)) وكذلك أفتوا برواية النّوادر فى نذر اللّجاج، وهو النّذر المعلّق على أمرٍ يُريد النّاذر الاجتناب منه، مثل أن يقول: إن شربت الخمرفعلیّ صوم شهر. وظاهرُ الرّواية فيه أنّه إن شرب الخمرَ وجب عليه الوفاء لاغير، وروايةٌ النّوادرأنّه يُخيَّر بين الوفاء بالنّذر والكفّارة، وهو مذهبُ الشّافعيّ ومحمّد رحمهما الله تعالى، وذكر ابن الهُمام أنّه مروىٌّ فى النّوادر وأنّه مختار المحقّقين. (٣) وعليه مشى أصحابُ المتون. (٤) وكذلك حكوا ظاهر الرّواية أنّه يُشترط المصرُ لنفاذ قضاء القاضى. وروايةُ النّوادر أنّه ليس بشرط، ثمّ أفتوا برواية النّوادر، كما حكاه ابن عابدين رحمه الله تعالى عن البزازيّة. (٥) (١) الدرالمختار مع حاشية ابن عابدين٨:٦٤٩ باب نكاح الكافر (٢) جواهر الفقه للعلامة المفتى محمد شفيع رحمه الله تعالى ٢٠١٤٦ (٣) فتح القدير ٤:٣٧٥ (٤) ردالمحتار ١١:٣٢٦ مطلب فى أحكام النذر. (٥) رد المحتار ١٦:٥٧٥ باب كتاب القاضى إلى القاضى أصول الإفتاء ١٤٥ طبقات الفقهاء وكذلك يجب على ظاهر الرّواية على من يشهد على إقرار امرأةٍ بشيئ أن كان رأى وجهَها عند التحمُّل. وروايةُ النّوادر أنّه لا يشترط رؤيةُ وجهها(١) وبه أفتى جمعٌ من العلماء. أمّا إذا كان الحكمُ مسكوتاً عنه فى ظاهر الرّواية، ومذكوراً فى النّوادر، فإنّه يؤخذ به، إلاّ أن يكونَ خلافاً للأصول الثّابتة فى ظاهر الرواية. قال ابن نُجيم رحمه الله تعالى: "المسألةُ حيثُ لم تُذكر فى ظاهر الرّواية وثبتتَ فى روايةٍ أخرى تعيّن المصيرُ إليها. "(٢) ومنه ما رُوى فى النّوادر أنّ الذى شرع فى الرّكعة الثّالثة من سُنّة الظهر أو الجمعة، وقيّدها بالسّجدة، وقامت الصلوة، فإنّه يُتْمِّها أربعاً. وهو الذى اختاره المشايخ. (٣) والمسائلُ من هذا القبيل كثيرة تجدها فى المحيط البرهانىّ كما سيأتى إن شاء الله تعالى. وقال ابن أمير حاج رحمه الله تعالى: "لوؤُجِد بعضُ نُسخ النّوادرفى زماننا، لا يحلُّ عَزْوُما فيها إلى محمّد، ولا إلى أبى يوسف، لأنّها لم تشتهر فى عصرنا فى ديارنا ولم تُتداوَلْ. نعم! إذا وُجد النّقل عن النّوادر مثلاً فى كتابٍ مشهورٍ ١٩(٤) معروفٍ کالهداية والمبسوط، کان ذلك تعویلاً على ذلك الكتاب. مسائل الفتاوى والواقعات والقسمُ الثّالث من مسائل الحنفيّة الفتاوى والواقعات. وقال فيها ابن عابدين رحمه الله تعالى: "هى مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون (١) تكملة رد المحتار ٧:٨٧ (٢) البحر الرائق، باب قضاء الفوائت ٢:١٤٦ (٣) راجع رد المحتار ٤:٣٩٢ باب إدراك الفريضة (٤) التقرير والتحبير لابن أمير حاج، المقالة الثالثة ٣:٣٤٨ أصول الإفتاء ١٤٦ طبقات الفقهاء لمّا سُئلوا عن ذلك، ولم يجدوا فيها روايةً عن أهل المذهب المتقدّمين، وهم أصحابُ أبي يوسف ومحمّد وأصحابُ أصحابِهما، وهلمّ جرًاً، وهم كثيرون، موضعُ معرفتهم كتبُ الطبقات لأصحابنا وكتب التّواريخ. فمن أصحابٍ أبى يوسف ومحمّد رحمهما الله تعالى مثلُ عصام بن يوسف(١)، وابنِ رُستم(٣)، ومحمّد بن سَمَاعة، وأبي سليمان الجوزجانيّ، وأبي حفص البخاريّ، ومن بعدهم مثل محمّد بن سلمة(٣)، ومحمّد بن مقاتلُ، ونُصَيْر بن يحيى (٥)، وأبى النّصر القاسم بن سلام. وبما أنّ الفتاوى والواقعات تشتمل على مسائل لم ينصّ عليها أصحاب (١) عصام بن يوسف بن ميمون بن قدامة، أبو عصمة البلخيّ، الحنفيّ کان صاحب حديث، وكان هو وأخوه إبراهيم بن يوسف شيخى بلخ فى زمانهما. توفي رحمه الله سنة ٢١٥هـ يبلغ كما ذكره الحافظ الذهبيّ، وذكر العلامة القرشيّ أنَّه توفّي سنه ٢١٠هـ. (ملخص من تاريخ الإسلام ١٥: ٢٩٥ و ٢٩٦ والجواهر المضيئة ٢: ٥٢٧) (٢) إبراهيم بن رُستم أبو بكر المروزيّ أحد الأعلام الفقهاء، تفقّه على الإمام محمّد بن الحسن رحمهما الله، وكان من رواة الأحاديث الثّقات، قدم بغداد غير مرّة وحدّث بها فروى عنه الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل وأبو خيثمة زُهير بن حرب، تُوُفّي رحمه الله سنة ٢١١هـ. (ملخص من الجواهر المضيئة ١: ٨٠ إلى ٨٢). (٣) محمد بن سلمة: قال الإمام اللكنويّ رحمه الله: "أبو عبد الله الفقيه البلخيّ، وُلد سنة ١٩٢هـ، وتفقّه على شدّاد بن حكيم، ثمّ على أبي سليمان الجوزجانيّ (رحمهم الله تعالى). مات سنة ٢٧٨ هـ." (الفوائد البهية ص ١٦٨) (٤) محمّد بن مقاتل الرازيّ قاضى الرَيْ من أصحاب الإمام محمد بن الحسن من طبقة سليمان بن. شعيب وعليّ بن معبد رحمهم الله تعالى. روى عن أبي المطيع، وقال الحافظ الذّهبي: "حدّث عن وكيع وطبقته". تُوُفّي رحمه الله سنة ٢٤٨هـ. (ملخص من تهذيب التهذيب ٩: ٤١٤، و٤١٥ والفوائد البهية ص ٢٠١ وميزان الاعتدال ٤: ٤٧) (٥) فى الفوائد البهيّة ص٢٢١: "أخذ الفقه عن أبي سليمان الجوز جاني عن محمّد، مات سنة ٢٦٨ ثمان وستين بعد المائتین." أصول الإفتاء ١٤٧ طبقات الفقهاء المذهب، فإنّها قد تكونُ استنباطاً جديداً من القرآن والسنّة على أصل الحنفيّة، وقد تكونُ تخريجاً أو قياساً على بعض المسائل الّتى نصّوا عليها، وقد تكونُ ترجيحاً لبعض الأقوالِ المرويّة عنهم على بعض. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: "وقد يتّفِق لهم أن يُخالفوا أصحاب المذهب لدلائلَ وأسبابٍ ظهرت لهم. وأوّلُ كتابٍ جُمع في فتواهم فيما بلغنا "كتابُ النّوازل" للفقيه أبى اللّيث السّمرقنديّ، ثمّ جمع المشايخ بعده كتبا أخر، كمجموع النّوازل والواقعات للنّاطفيّ(١)، والواقعات للصّدر الشهيد. ثمّ ذكر المتأخّرون هذه المسائل(٢) مختلطةً غير مميّزة، كما فى فتاوى قاضي خان والخلاصة وغيرهما، وميّز بعضُهم كما فى كتاب المحيط لرضيّ الدين السَّرَخْسِيّ (٣)، فإنّه ذكر أولاً مسائل الأصول، ثم النّوادر، (١) هو أحمد بن محمد بن عمرو (أو عمر كما ذكر الإمام اللكنوى عن القارى رحمهما الله تعالى)، أبو العباس الناطفىّ الطبرىّ رحمه الله تعالى من كبار الفقهاء العراقيّين، وأحد أصحاب الواقعات والنوازل. من تصانيفه الأجناس، والفروق، والواقعات، وجمل الأحكام؛ وله الهداية. تتلمذ على أبى عبد الله الجرجانىّ، وهو تلميذ أبى بكر الجصّاص الرازىّ رحمهم الله تعالى. ونسبته إلى عمل الناطف أو بيعه. وهو نوع من الحلوى كما فى المصباح المنير. مات بالرى سنة ٤٤٦ هـ. ملخص من الفوائد البهية (ص٣٦) والجواهر المضيئة (ج١ ص٢٩٧ و٢٩٨) والأعلام (ج١ ص٢١٣). (٢) يعنى الأقسام الثلاثة من ظاهر الرواية والنوادز والفتاوى. (٣) هو محمد بن محمد بن محمد، رضىّ الدين وبرهان الإسلام السّرخسىّ مصنف المحيط، والمحيط اسم المصنفات للعلامة رضىّ الدين، وقد اختلفت عبارات المترجمين في تعيين عددها اختلافا. فبعضهم ذكروا أن له أربعة مصنفات باسم المحيط، وبعضهم ذهبوا إلى أن له ثلاثة مصنفات بهذا الاسم، والرابعة الّتى فى أربعين مجلّدا تصنيف الإمام برهان الدين ابن مازه وهو المحيط البرهانى. ويفيد كلام بعضهم أن المحيطات خمسة، أربع منها للعلامة رضىّ الدين والخامسة للعلامة برهان الدين. (ليراجع لأبحاث نفيسة فى هذا الموضوع ترجمة رضى الدين السرخسى رحمه الله في الفوائد البهية ص١٨٨ إلى ١٩١ ومقدمة التحقيق للمحيط البرهانى ج١ ص٩٥ إلى ص١٠١) كان إماما كبيرا جامع العلوم العقليّة والنقلّة، أخذ العلم عن الصدر الشهيد حسام الدين عمر. قال فى الجواهر المضيئة: " قال ابن العديم أخبرني = أصول الإفتاء ١٤٨ طبقات الفقهاء ثمّ الفتاوى، ونِعْمَ ما فعل."(١) قال العبد الضعيف عفاالله عنه: هذا ماذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى بالنّسبة لمحيطِ رضىّ الدّين السَّرَخْسِىّ. والظاهر أنّه لم يطّلع عليه بنفسه، ولاعلى المحيط البرهانىّ. والحقيقةُ التى ظهرت بعد طباعةِ المحيط البرهانىّ: أنّ هذاالوصفَ يصدُق عليه دونَ مُحيط رضىّ الدّينِ السََّخْسِىّ. فإنّه قال الإمام برهانُ الدّين فى مقدّمة محيطه: "وجمعتُ مسائلَ المبسوط والجامعين والسّير والزيادات، وألحقت فيها مسائل النّوادر والفتاوى والواقعات، وضممتُ إليها من الفوائد الّتى استفدتُها من سيّدى مولاى والدى تغمّده الله تعالى بالرّحمة، والدّقائقِ الّتى حفظتُها من مشايخ زمانى، وفصّلتُ الكتاب تفصيلاً، وجنّست المسائلَ تجنيساً. "(٢) وذكر محقّقُ الكتاب ابنُ أختى الشّيخ نعيم أشرف حفظه الله تعالى أنّه اطّلعَ على نُسخةٍ من المحيط الرّضوىّ، وقال: "طالعتُ بعضَ المواضع منها، فوجدتُ المسائلَ فيها ممزوجةً غيرَ مرتّبةٍ خلافَ ما سمعتُ ورأيتُ فى كلام بعض المشايخ أنّهم ذكروا أنّ رضىّ الدين السّرخسيَّ ميّز ورتّب المسائل، فذكر أوّلاً مسائلَ = خليفة بن سليمان بن خليفة قال قدم الرضيّ السّرخسي صاحب المحيط حلب وذكر الدرس وكان فى لسانه لكنة، فتعصب عليه الفقهاء وكتبوا فيه رقاعا إلى نور الدين محمود ابن زنكي يذكرون أنهم أخذوا عليه تصحيفا كثيرا, من ذلك أنه قال فى الجباير الخباير فعُزل عن التدريس، فسار إلى دمشق وكان الكاسانيّ صاحب البدائع قد ورد فى ذلك الزمان رسولاً، فكتب له نور الدين خطة بالمدرسة الحلاوية، فمضى فى الرسالة، ثم عاد وتولّى التدريس بها، وتولىّ الرّضيّ بدمشق تدريس الخاتونية، فلمّا مرض فتق كعاب المحيط، وأخرج منه ست مائة دينار، وأوصى أن تُفَرَّق على الفقهاء بالمدرسة المذكورة." (الجواهر المضيئة ج٣ ص٣٥٨) (١) شرح عقودرسم المفتى ص٢٥ (٢) المحيط البرهانى ١:١٥٩ أصول الإفتاء ١٤٩ طبقات الفقهاء ظاهر الرواية، ثم النّوادر والفتاوى والواقعات. بل وجدتُ هذه الميزة تماماً فى المحيط البرهانىّ."(١) وقد طُبع الكتاب والحمد لله تعالى بتحقيقه، فوجد الأمرُ كما وَصَف. تقسيم الشّيخ ولىّ الله الدّهلوى لمسائل الحنفيّة وقد قسّم الشيخ وليّ الله المحدّث الدِّهْلَوِيّ رحمه الله تعالى طبقاتٍ المسائل على أربعة أقسام: الأوّل: قسمٌ تقرّر فى ظاهر الرّواية. وحكمه أنّهم يقبلونه فى كلِّ حال، وافقت الأصولَ أو خالفت. قال: " ولذلك ترى صاحب الهداية وغيره يتكلّفون بيانَ الفرقِ فی مسائل التجنیس." والقسمُ الثانى: هو روايةٌ شاذّةٌ عن أبى حنيفة وصاحبيه. وحكمُه أن لا يقبلوه إلاّ إذا وافق الأصول. قال:" وكم فى الهداية ونحوها من تصحيح لبعض الرّوايات الشّاذّة لحالِ الدلیل." والقسمُ الثّالث: هو تخريجُ المتأخرين، اتّفق عليه جمهورُ الأصحاب، وحکمه آنّهم يُفتون به علی کلّ حال. والقسم الرابع: هو تخريجُ المتأخرين، لم يتّفق عليه جمهور الأصحاب، وحكمه أنّ المفتيَ يعرضه على الأصول والنّظائر من كلام السّلف، فإن وجده موافقاً للأصول والنّظائر أخذ به وإلاّ تركه.(٢) ونقل الإمامُ عبد الحي اللكنويّ رحمه الله تعالى تقسيمَ الشّيخ وليّ الله الدِّهْلَويّ هذا ثم قال: "لعلّك تتفطّنُّ من هذا البحثِ أنّه ليس كلُّمافى (١) مقدمة التحقيق للمحيط البرهانى ١:٩٣ (٢) عقد الجيد فى أحكام الاجتهاد والتقليد ص ٤١ بيويـ أصول الإفتاء ١٥٠ طبقات الفقهاء. الفتاوى المعتبرة المختلفة، كالخلاصة والظهيريّة وفتاوى قاضي خان وغيرها من الفتاوى التى لم يميّز أصحابها بين المذهب والتّخريج وغيره، قول أبى حنيفة وصاحبيه، بل منها ما هو منقولٌ عنهم، ومنها ما هو مستنبَطُ الفقهاء، ومنها ما هو مخرَّج الفقهاء، فيجبُ على النّاظر فيها أن لا يتجاسرَ على نسبة كلّ ما فيها إليهم، بل يميّز بين ما هو قولهُم وبين ما هو مخرّجٌ بعدهم. ومن لم يميّز بين ذلك وبين هذا أشكل الأمر عليه، ألا ترى فى مسئلة العَشْر فى العَشْر فى بحث الحياض، فإنّ الفتاوى مملوؤة باعتباره، والفتوى عليه، مع أنّه ليس مذهبَ صاحبِ المذهب، وإنّما مذهبُه كما صرَّح به محمّد فى الموطأ وقدماءُ أصحابِنا هو أنّه لو كان الحوضُ بحيثُ لا يتحرّك أحدُ جوانبِه بتحريك الجانب الآخر لا يتنجّسُ بوقوع النّجاسة فيه وإلاَّ يتنجّس. ومن لم يتفطِّنه وظنّ أنّه مذهبُ صاحبِ المذهب، تعسّر عليه تأصيله على أصل شرعيّ معتمدٍ علیه."(١) ثم ذكر الإمام اللكنويّ تقسيماً آخر لمسائل الحنفيّة بحسب قوّةِ الدّليل، وذكر أنّه إذا تبيّن للعالم فى مسألةٍ أنّ مذهبَ إمامه يُعارضُ حديثاً صحيحاً فإنّه يعمل بما وافقَ الحديث، وبهذا لا يخرجُ عن التّقليد. وهذا إنّما يتأتّى فيمن يصلُح للنّظر فى الدلائل وقدّمنا شروطَها وآدابها فى مبحث التّقليد. وأمّا المُفتى الحنفيّ المقلّدُ الذى لا يستطيع النّظرَ فى ذلك يجبُ عليه أن يلتزم بقواعد رسم المفتى الّتى شرحها العلاّمةُ ابن عابدين رحمه الله تعالى فى شرح عقود رسم المفتى. ونُريد الآن أن نأتيّ بتلك القواعد بتلخيصٍ وبشيئٍ من الشّرح والإيضاح من مصادرَ أخرى. والله سبحانه هو الموفّق. (١) مقدمة النافع الكبير شرح الجامع الصغير ص١١ و ١٢ تلخيص قواعد رسم المفتى ٠.٣٦٣ ٠٠٠٠٠٠٠ ها بيد بيبيب بب سي على مذهب الحنفيّة يم مبيـ : أصول الإفتاء ١٥٢ تلخيص قواعد رسم المفتي الأصل الأول: شروط المفتى لا يجوز الإفتاء لمن لم يتعلّم الفقه لدى أساتذة مهرة، وإنّما طالع الكتبَ الفقهيّةَ بنفسه، كما لا يجوز الإفتاءُ لكلّ من تعلّم الفقه لدى الأساتذة، حتى تحصُلَ له مَلَكَةٌ يعرفُ بها أصولَ الأحكام وقواعدَها وعِلَلَها، ويميّز الكتب المعتبرة من غيرها. وهذه المسألة ذكرها ابن عابدين رحمه الله تعالى ناقلاً عن فتاوى العلامة ابن حجر الهَيْتَمِی(١). وما ذكره رحمه الله تعالى يرجعُ إلى شروط أهليّة المفتى، وقد بسطَها الفقهاءُ فى كُتبهم، يتلخّصُ منها أنّ المفتى يُشترط فيه البلوغ والعقل والعلم والتّجربة (١) العلامة ابن حجر الهيتميّ: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر، نسبة على ما قيل إلى جدّ من أجداده، كان ملازماً للصمت فشُّه بالحجر، الهيتميّ السعديّ الأنصاريّ الشافعيّ، الإمام العلامة البحر الزاخر. ولد في رجب سنة ٩٠٩هـ في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربيّة بمصر. ونشأ يتيماً فى كفالة بعض المشايخ، وأكبّ على طلب العلم في الأزهر حتّى برع فى علوم كثيرة من التفسير والحديث والكلام والفقه أصولاً وفروعاً. وأذن له بالافتاء والتّدريس وعمرُه دون العشرين. وله تصانيف كثيرة، منها "تحفة المحتاج" شرح منهاج النووي، و"الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان" و"الفتاوي الهيتمية أربع مجلدات" (ولعلها تشتمل على "الفتاوى الحديثّة" والفتاوى الفقهيّة الكبرى" اللّتان اشتهرتا فى عصرنا. الناقل). توفّي رحمه الله محاورا بمكّة سنة ٩٧٤هـ أو ٩٧٣ هـ. (ملخص من شذرات الذهد ١٠: ٥٤١ إلى ٥٤٣ والأعلام ١: ٢٣٤ و٢٣٥) أصول الإفتاء ١٥٣ تلخيص قواعد رسم المفتي والعدالة وثِقَةُ العُلماء به. ونذكر فيمايلى بعضَ التّفاصيل لهذه الشروط: شروط أهليّة المفتى فأمّا العقل والبلوغ، فهُما من الصّفاتِ العامّة الّتى لابُدَّ من وجودهما لصحّةٍ أَىِّ تصرّفٍ ذى شأن. ولا تشترط الذّكورة والحرّيّة، نصّ عليه الفقهاء، ولذلك جاز الإفتاءُ للمرأة والعبد إن توافرت فيهم الشّروطُ الأخرى. قال ابن الصّلاح رحمه الله تعالى: "ولا يُشترط فى المفتى الحرّيّة والذكورة، كما فى الرّاوى. وينبغى أن يكون كالرّاوى أيضاً فى أنّه لا تؤثّرُ فيه القرابةُ والعداوةُ وجرُّ النّفع ودفعُ الضّرر، لأنّ المفتىَ فى حكم من يُخبر عن الشّرع بما لا اختصاصَ له بشخص، وكان فى ذلك کالزاوی، لاکالشّاهد، وفتواه لا يرتبط بها إلزامٌ، بخلاف القاضى."(١) وأمّا العلم، فلقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ولقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهَ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتّىَّ إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوْساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوْ فَأَقْتَوْ بِغَيْرٍ عِلْم، فَضَلُّواْ وَأَضَلُّوا." (٢) (١) أدب الفتوى ص ٥٦ وماذكره ابن الصلاح رحمه الله تعالى هو أصل الحكم، ولكن ينبغى للمفتى أن يتقى مواضع التهم ما أمكن تفويض الفتوى إلى غيره إذا خاف التهمة، والله سبحانه أعلم. (٢) أخرجه البخارى فى العلم، (رقم ١٠٠) عن عبدالله بن عمرو بن العاص أصول الإفتاء ١٥٤ تلخيص قواعد رسم المفتي ولقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَفْتِىَ بِغَيْرٍ عِلْم كَانَ إِنْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاه."(١) على أنّ اشتراط العلم للفُتيا أمرٌ بديهىّ لايحتاج إلى كثير تدليل. ولكن ماهى الدَّرَجةُ المطلوبة من العلم حتى يتأهلَ المرء للإفتاء؟ فيه كلامٌ طويلٌ للأصوليّين. وقد اشترط المتقدّمون أن يكونَ المفتى مجتهداً، فذكر جمعٌ مّن الفقهاء أنّ من شروط المفتى أن يكون مجتهداً، فلايجوز لمقلّدٍ أن يُفتى غيره، وإنّما يجوزله العمل لنفسه بالتّقليد. فقد ذكر الحافظ ابن الصّلاح عن الإمام الحَلِيْمِىّ إمام الشافعيّين بما وراء النّهر، والقاضي أبى المحاسن الرُّوْيَانِيّ (٣). صاحب "بحر المذهب"(٣) وغيرهما رحمهم الله تعالى أنّه لا يجوز للمقلّد أن يُفتيّ بما هو مقلَّدٌ فيه. ثمّ توسّعَ الفقهاءُ فى ذلك نظراً لحاجة الزّمان، (١) أخرجه أبوداود فى العلم، حديث ٣٦٥٧، وسكت عليه هووالمنذرى فى تلخيصه ٥:٢٥١ وأخرجه ابن ماجه، حديث ٥٣، والحاكم فى المستدرك (١:١٨٤) كل من حديث أبي هريرة وصححها الحاكم، ،وسكت عليه الذهبى. ،وفيه أبوعثمان مسلم بن يسار الطُّنبذي،تكلم فيه الدارقطنى، فقال: مجهول متروك، ،وذكره ابن حبان فى الثقات، كما فى تهذيب الكمال للمزي ٢٢:٢٧١. (٢) هو عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو المحاسن الرُّويانيّ (نسبة إلى رُويَان بضمّ الراء بلدة بنواحى طبرستان كما فى الأنساب)، الطبري ، القاضي العلامة، فخر الإسلام، شافعيّ عصره. ولد رحمه الله. آخر سنة ٤١٥ هـ، وتفقّه ببخارى مدة. وارتحل فى طلب الحديث والفقه جميعا، وبرع فى الفقه، ومهر، وناظر، وصنف التّصانيف الباهرة. وكان يقول: "لو احترقت كتبُ الشّافعيِّ، لأَمَلَيْتُها من حفظي." وحدّث عنه أئمة مثل إسماعيل بن محمد التّيميّ، وأبى طاهر السِّلَفي (بكسر السين وفتح اللام) وعدّة رحمهم الله تعالى أجمعين. وله كتاب " البحر" فى المذهب من مطوّلات الفقه الشافعيّ وكتاب "مناصيص الشّافعيّ"، وكتاب "حلية المؤمن"، وكتاب "الكافي". استشهده رحمه الله بعض الإسماعيليّة يوم الجمعة فى محرّم سنة ٥٠١ هــ بآمل بعد فراغه من مجلس الإملاء. (ملخص من سير أعلام النبلاء ١٩: ٢٦٠ إلى ٢٦٢ ومعجم السفر للعلامة أبى طاهر السِّلَفيّ برقم ٥٨٣ و ٥٨٤ (المكتبة الشاملة)، وليراجع أيضاً الأنساب ٣: ١٠٦) (٣) هو كتاب اسمه "بحر المذهب فى الفروع" للرويانيّ رحمه الله تعالى المتوفى سنة ٥٠٢ هــ وهو بحر كاسمه (كشف الظنون ١:٢٢٦) أصول الإفتاء ١٥٥ تلخيص قواعد رسم المفتي ونُدْرةِ المجتهدين أو فُقدانهم، فأجازوا الفتوى لغير مجتهدٍ على طريق التّخريج على مذهبٍ مجتهد. وذكر الشّيخ أبو محمّد الجُوَيْنيّ فى شرحه الرسالة الشّافعيّ عن شيخه أبي بكر القفّال المَرْوَزِيّ(١) أنّه يجوز لمن حَفِظَ مذهبَ صاحبٍ مذهبٍ ونصوصَه أن يُفتيَ به، وإن لم يكن عارفاً بغوامضه وحقائقه. وخالفه الشّيخ أبو محمّد، وقال: لا يجوز أن يُفتي بمذهبٍ غيره إذا لم يكن متبحّراً فيه، عالماً بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامي الذى جمع فتاوى المفتين أن يُفتي بها، وإذا كان متبحّراً بها جاز أن يُفتي بها. (١) الإمام أبو بكر القفّال المروزيّ: أبو بكر، عبد الله بن أحمد بن عبد الله، المروزيّ الخراساني، القفّال، الإمام العلامة الكبير، شيخُ الشّافعية، حذق فى صنعة الأقفال حتىّ عَمل قُفلاً بآلاته ومفتاحه وزنه أربعُ حبّات، ثمّ أكبّ على طلب العلم والتفقّه حين بلغ الثلاثين من عمره، فبرع وفاق الأقران. وهو صاحبُ طريقة الخراسانّين فى الفقه الشافعيّ، كما أنّ الإمام أيا حامد الإسفرايينيّ هو صاحبُ طريقة العراقيّين، وعنهما انتشر المذهب الشافعيّ. حكى القاضي حسين عن القفّال أستاذه أنّه كان في كثير من الأوقات يقع عليه البكاء حالةَ الدّرس، ثم يرفع رأسه ويقول: "ما أغفَلَنا عمّا يُراد بناء" تُوُفّي رحمه الله سنة ٤١٧ هـ عن تسعين سنة، وليتنّه أنّ صاحب هذه الترجمة يُعرف بالقفّال الصّغير وهو المروزيّ، وأمّا الإِمام أبو بكر القفّال الشاشيّ (المتوفّى سنة ٣٦٥ هـ) فُيُعرف بالقفّال الكبير. وأوضح الإمام النوويّ رحمه الله فى تهذيب الأسماء التّمييز بينهما فقال: "القفّال الشاشيّ مذكور فى موضع واحد من المهذّب فى كتاب النكاح ... ولا ذكر له فى الوسيط، وإنّا الّذى فى الوسيط القفّال المروزيّ ... وذكر الشّاشيّ فى الرّوضة فى مواضع كثيرة ... ويُعرف هذا بالقفّال الشّاشي الكبير، والّذى فى الوسيط، والنهاية، والتّعليق للقاضى حسين، والإبانة، والنتمّة، والتهذيب، والعدة، والبحر، ونحوها من كتب الخراسانيّين، هو القفّال المروزيّ الصّغير، ثمّ إنّ الشاشىّ تكرّر فى كتب التّفسير، والحديث، والأصول، والكلام، والجدل، ويوجد فى كتب الفقه للمتأخّرين من الخراسانيّين، واشترك القفّالان فى أنّ كلّ واحد منهما أبو بكر القفّال الشّافعيّ، لكن يتميّزان بما ذكرنا من مظانهما، ويتميّزان أيضًا بالاسم والنسب، فالكبير شاشىّ، والصغير مروزى، والشّاشيّ اسمه محمّد بن على بن إسماعيل ... "انتهى. وقد ذُكر أن القفّال المروزيّ اسمه عبد الله بن أحمد. رحمهم الله تعالى أجمعين. (ملخص من سير أعلام النبلاء ١٧: ٤٠٥ إلى ٤٠٨، و ١٧: ١٩٤، وتهذيب الأسماء واللّغات للإمام النوويّ رحمه الله تعالى ٢: ٢٨٢) أصول الإفتاء ١٥٦ تلخيص قواعد رسم المفتي وكذلك حكى ابن القيّم رحمه الله تعالى الخلاف، ثمّ رجّح أنّه يجوز الإفتاءُ لغير المجتهد عند الحاجة وعدم العالم المجتهد.(١) وقال ابنُ دقيق العيد رحمه الله تعالى: "توقيفُ الفُتيا على حصولِ المجتهد يُفضى إلى حرج عظيم، أو استرسالِ الخَلْق فى أهْوِيَتهم، فالمختارُ أنّ الرّاويَ عن الأئمّة المتقدّمين، إذا كان عدلاً متمكّناً من فهم كلام الإمام، ثمّ حكى لمقِّدٍ قولَه، فإنّه يُكتفى به؛ لأنّ ذلك ممّا يغلب على ظنّ العامّيّ أنّه حكمُ الله عنده، وقد انعقد الإجماع فى زماننا على هذا النّوعِ من الفُتيا. هذا مع العلم الضروريّ بأنّ نساءَ الصّحابةِ كُنّ يرجِعْن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يُخبر به أزواجُهنّ عن النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكذلك فعل عليٍّ رضي الله عنه حين أرسل المقداد بن الأسود فى قصّة المذي، وفى مسألتنا أظهر، فإنّ مراجعةَ النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ ذاك ممكنةٌ، ومراجعةُ المقِلِّد الآن للأئمّة السّابقين متعذّرة، وقد أطبقَ النّاس على تنفيذ أحكام القُضاة، مع عدم شرائطِ الاجتهاد اليوم. انتهى."(٢) ولكنّ جوازَ الإفتاء للمقلّد معناه أنّه ناقلٌ لفتوى إمامِه، وليس مفتياً بنفسه. قال ابن الصّلاح رحمه الله تعالى: "قولُ من قال لا يجوز أن يُفتي بذلك، معناه أنّه لا یذکژه فى صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يُضيفه إلى غيره، ويَخكيه عن إمامه الذى قّده، فعلى هذا مَنْ عددناه فى أصناف المفتين من المقلّدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنّهم قاموا مقامَ المفتين، وأدَّوا عنهم، فعُدّوا معهم. وسبيلُهم فى ذلك أن يقولَ مثلاً: مذهب الشّافعيّ كذا وكذا، (١) إعلام الموقعين ١:٥٦ هل تجوز الفتوى بالتقليد (٢) إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول - ٢: ٢٤٨ ١٥٧ تلخيص قواعد رسم المفتي أصول الإفتاء أو مقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك. ومن ترك إضافةَ ذلك إلى إمامه، إن كان ذلك منه اكتفاءً بالمعلوم عن الحال عن التّصريح بالمقال، فلا بأس."(١) والمراد أنّه إذاكان المفتى معروفاً بأنّه يُفتى على مذهب أبى حنيفة أو الشّافعىّ، فلا داعىَ لذكر ذلك تصريحاً كلَّ مرّة. ولابن الهمام وتلميذه ابن أمير حاج (٢) كلامٌ طويل فى الموضوع. والذى وصل إليه ابن أمير حاج فى الأخير هو نفسُ ما ذكره ابن الصّلاح رحمه الله تعالى، قال: "هذا، وفى شرح الهداية للمصنّف (يعنى ابن الهمام رحمه الله تعالى) بعد أن حكى أنه ذُكرأنه لايُفتى إلاّ المجتهد قال: وقد استقر رأى الأصوليّين على أنّ المفتىَ هو المجتهد. فأمّا غيرُ المجتهد ممّن يحفظ أقوال المجتهدين، فليس بمُفْتٍ، والواجب عليه إذاسُئل أن يذكُر قولَ المجتهد كأبى حنيفة على جهة الحكاية، فعرف أنّ ما یکون فی زماننا ليس بفتوى، بل هو نقلُ كلام المفتى، ليأخذ به المستفتى. وطريقُ نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين: إمّا أن يكون له سندٌ فيه إليه، أو يأخذه من كتابٍ معروف تداولَتْه الأيدى، نحو كتب محمّد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين، (١) أدب الفتوى لابن الصلاح ص ٥٠ و٥١ (٢) العلامة ابن أمير حاج : محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي، الحلبيّ الحنفيّ، يعرف بابن أمير حاج وبابن الموقت. وُلد رحمه الله سنة ٨٢٥ هـ بحلب ونشأ بها. ثمّ أكبّ على طلب العلم فلازم ابن الهمام في الفقه حتى برع. من كتبه "التقرير والتحبير" ثلاث مجّدات فى شرح التحرير. لابن الهمام، فى أصول الفقه، و "ذخيرة القصر في تفسير سورة والعصر" و"حلبة المحلي" شرح منية المصلّى. وعمل منسكا سماه "داعي منار البيان لجامع النسكين بالقرآن" وغير ذلك. قال العلامة السخاويّ رحمه الله: "قد سمعت أبحاثه وفوائده وسمع من بعض القول البديع وتناوله مني." مات في ليلة الجمعة رجب سنة ٨٧٩ هـ. (ملخص من الضوء اللامع للعلامة السخاوي رحمه الله ٩: ٢١٠ و٢١١ والأعلام ٧: ٤٩) أصول الإفتاء ١٥٨ تلخيص قواعد رسم المفتي لأنّه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم والمشهور. هكذا ذكر الرّازى."(١) هل يُشترط للمفتى بمذهبٍ أن يعرف دليله؟ وقد روى عن الإمام أبى حنيفة وغيره من المجتهدين رحمهم الله تعالى أنّهم قالوا: "لا يحلُّ لأحدٍ أن يُفتى بقولنا حتّى يَعْلمَ مِن أين قلنا؟"(٢) وذكرابنُ عابدين رحمه الله تعالى احتمالين فى تفسير هذا القول، الأول: أنّ مخاطب هذاالقول مجتهد مطلق، فلا يجوز له تقلید إمام إلاّ بعد ظهور دليله عليه، والثانى: أنّ مخاطبَه مجتهدٌ فى المذهب، ولا يجوز له أن يُخرّج مسائلَ جديدةً على مذهب إمامه إلاّ بعد ما يتحقّقُ لديه دليلُ إمامه فى القول الذى يُخرِّج عليه مسألةً جديدة. وهذا ظاهرٌ، لأنّ التّخريجَ لا يمكن بدون معرفة الدّليل والعلّة التى بُنى عليهما الحكم المخرّج عليه. والحقيقةُ أنّه لاتعارضَ بين الاحتمالين، فيمكن أن يكون كلا الأمرين مراداً لهم. فالصّحيح أنّ الإفتاءَ بالمعنى الحقيقىّ لا يتحقّق إلاّ فى المجتهد، سواءٌ كان مجتهداً مطلقاً، أو مجتهداً فى المذهب. أمّا مَن لم يكن مجتهداً فى المذهب، فليس بمُفْتٍ حقيقةً، وإنّماهو ناقل لفتوى الإمام، كما صرّح بذلك ابنُ الصّلاح وابنُ الهمام وغيرهما رحمهم الله تعالى (٣) ما يشترط للمفتى المقلّد عند نقل فتوى الإمام ولكن حينما يَحْكى المفتى غيرُ المجتهد قولاً لإمامه، فإنّه ليس نقلاً عَشْوائيّاً، (١) التقرير والتحبير لابن أميرحاج، المقالة الثالثة فى الاجتهاد وما يتبعه ٣:٣٤٧ (٢) البحر الرائق كتاب القضاء ٤٥٢:٦ (٣) قد مرّت عبارة ابن الصلاح قريبا. أماابن الهمام رحمه الله تعالى فقد صرّح بذلك فى تحرير الأصول. راحعه مع شرحه التیسیر لأمیر بادشاه ٤:٢٤٩ أصول الإفتاء ١٥٩ تلخيص قواعد رسم المفتي وإنّما يحتاجُ إلى علم وفِطْنةٍ ومَلَكةٍ فقهيّةٍ لا يُمكن أن تستقيم الفتوى بدونها، وذلك لأمور: الأمر الأوّل: لابدَّمن تنقيح مذهب المجتهد، والتّأكّد من صحّة نسبته إليه. فقد يوجدُ أغلاطٌ فى النّقل عنه، وقد ذكرابنُ عابدين رحمه الله تعالى عدّةَ أمثلةٍ لمثل هذه الأغلاط فقال: "وقد يتّفِق نقلُ قولٍ فى نحو عشرين كتاباً من كتب المتأخرين، ويكون القولُ خطأً أخطأبه أوّلُ واضع له، فيأتى مَن بعده وينقُله عنه، وهكذا ينقُل بعضهم عن بعض. " وقد ذكر رحمه الله تعالى عدّةً أمثلةٍ لذلك. فمنها: أنّه وقع فى السّراج الوهاج والجوهرة شرح القدوريّ أنّ المفتى به صحّةُ الاستئجار على تلاوة القرآن، ونقل ذلك كثيرٌ ممّن جاءوا بعدهم، مع أنّ ذلك خطأ، فإنّ المفتى به هوصحّةُ الاستئجار على تعليم القرآن، وليس على تلاوة القرآن، لأنّ فتوى الجواز مبنىٌّ على الضرورة فى التّعليم والإمامة والأذان، ولا يتعدّى إلى مالاضرورةً فيه. ومنها: ما ذُكر فى البزّازيّة من أنّ مذهب الحنفيّة عدمُ قبول توبةِ سابٌ الرّسول صلّى الله عليه وسلم، وذلك على أساس ماذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى فى "الصارم المسلول"، ونقل عنها ابنُ الهمام وغيره كذلك، ولكنّ المذهبَ المذكور فى كتب المتقدّمين من الحنفيّة مثل "كتاب الخراج لأبى يوسف " وشرح الطّحاوىّ، والنُّتَف للسُّغْدى(١) هوقبولُ توبته، (١) الإمام السُّغديّ: هو عليّ بن الحسين، ركن الإسلام أبو الحسن السُّغديّ، نسبته إلى سُغد بضمّ السين وسكون الغين، ناحية من نواحى سمرقند، تلميذ شمس الأئمّة السرخسيّ رحمه الله تعالى [قال الإمام اللكنويّ رحمه الله تعالى فى الفوائد البهيّة: "أخذ الفقه عن شمس الأئمة السرخسيّ وروى عنه شرح السير الكبير."] وصاحب "النَّف" فى الفتاوى. كان إماماً فاضلاً فقيهاً مناظراً. سكن بخارى وتصدّر للإفتاء وولي القضاء. انتهت إليه رئاسة الحنفيّة، ورُحل إليه فى النوازل والواقعات تكرّر ذكرُه فى فتاوى قاضيخان وسائر مشاهير الفتاوى. تُوُفّي رحمه الله سنة ٤٦١ هــ. (ملخص من الفوائد البهيّة ص١٢١) أصول الإفتاء ١٦٠ تلخيص قواعد رسم المفتي وأمّا عدم قبول توبته، فذكره ابنُ تيميّة رحمه الله مذهباً لغير الحنفيّة. ومنها: ماوقع فى الدُّرر وشرح المجمع لابن مَلَك(١)، وتبعه فى التّنوير من أنّ المرتهن إن ادّعى هلاكَ الرّهن بلا برهانٍ، فإنّه يضمنه، وإن برهن على ذلك، فلا يضمَنُ شيئاً، مع أنّ المذهبَ ضمانُه بالأقلّ من قيمته ومن الدّين، بلافرقٍ بين ثبوتِ الهلاك ببرهانٍ وبدونه، ونبّه عليه ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى حاشيته على الدّرّ المختار. وقد التزم ابنُ عابدين رحمه الله تعالى فى هذه الحاشية بمراجعة أصل الكتب المتقدّمة الّتى هى مأخذُ المذهب، ولهذا كانت حاشيته من أحسن المآخذ المعتبرة للفقه الحنفيّ، فجزاه الله تعالى خيراً. الأمر الثاني: أنّ الكُتبَ الفقهيّةَ لها أسلوبٌ يخصّها، فربما يذكرُ الفقهاءُ كلاماً مطلقاً، ويقصدون بذلك شيئاً مقيّداً اعتماداً على ذكر تلك القيود في مواضع أخرى، أو على فهم القارئ العالم، فمجرّدُ مطالعة كتاب الفقه ربّما يؤدّی (١) ابن مَلَك رحمه الله تعالى: عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا الكرمانيّ، الشهير بابن ملك، نسبةٌ إلى جدّه فرشتا. من الفقهاء الحنفيّة المبرّزین، کان یسکن ويدرّس في بلدة تیره، من مضافات ازمير من بلاد تركيا. وكان معلّماً للأمير محمد بن آيدين أيّام السلطان مراد. له تصانيف كثيرة فى فنون متنوّعة، من أشهرها "مبارق الأزهار فى شرح مشارق الأنوار" وهو كتابٌ جامع للأحاديث على ترتيب أنيق، وله شرح "المنار" للإِمام النسفيّ فى أصول الفقه، وشرح "مجمع البحرين" للعلامة ابن السّاعاني، في الفقه. وله أيضاً شرحٌ على الوقاية، لكن سُرقت النسخة الّتى بيّضها، فنقله ابنه محمد من المسوّدة وزاد عليه فوائد، وليراجع كشف الظنون والفوائد البهيّة لمزيد التفصيل. ونسب إليه الزركليّ شرحاً ل "تحفة الملوك" ، لكن حقّق الدكتور عبد المجيد الدّرويش الذي اعتنى بتحقيق ودراسة هذا الشرح، أنّه لابنه محمد بن عبد اللطيف ونسبتة إلى أبيه خطأ. هذا وقد وقع اختلاف فى تاريخ وفاته رحمه الله، وعوّل الزركليّ على قول صاحب هديّة العارفين الّذي قال: " .. تُوُفيّ سنة ٨٠١. وأرّخوا وفاته ب "برهان الأتقياء." ( ملخص من الفوائد البهيّة ص ١٠٧ و ١٠٨، وهديّة العارفين ١: ٦١٧ والأعلام ٤: ٥٩، وكشف الظنون ٢: ٢٠٢١، ومقدمة المحقق لشرح كتاب تحفة الملوك. والبدر الطالع ١: ٢٦٠ و ٢٦١) ١٦١ تلخيص قواعد رسم المفتي أصول الإفتاء إلى خلاف المقصود. وأمّا من قرأها لدى أساتذةٍ مَهَرةٍ، فإنّه يتنبه على مثل ذلك، فلا يقع فى خطأ، ولهذا لا يكفى معرفة اللّغة العربيّة فقط، بل يجب التفقُّه على أستاذ ماهر. الأمر الثالث: أنّه ربما توجدُ رواياتٌ مختلفة عن المجتهد، ولابدّ من ترجيحِ بعضِها على بعض، إمّا بقوّة النّقل وشهرته، وإمّا بترجيح أصحاب التّرجيح على أساس قوّة الدليل، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. فلابد للمفتى، وإن كان ناقلاً، من أن يتثبّت فى ماهوراجح. ونقل ابنُ عابدين رحمه الله تعالى عن خير الدّين الرَّمْلِيّ(١) رحمه الله تعالى قال: "ولاشكّ أنّ معرفةَ راجح المختلف فيه من مرجوحِه، ومراتِه قوّةً وضعفاً هو نهاية آمال المُشَمِّرين فى تحصيل العلم. فالمفروضُ على المفتى والقاضى التثبّتُ فى الجواب وعدمُ المجازفة فيهما، خوفاً من الافتراء على الله تعالی." والأمر الرّابع: أنّه لايكفى للمفتى، ولوكان ناقلاً، أن يعرف القولَ الصّحيحَ الراجح المرويّ عن المجتهد، وإنّما يحتاج بعد ذلك إلى تنزيل ذلك القولِ على الواقعة الجزئيّة الّتى سُئل عنها. ويجبُ لذلك الفهمُ الصّحيح والملكةُ الفقهيّة، فإنّ مثل هذا المفتى، وإن لم يكن مجتهداً فى معرفة الأحكام الشّرعيّة، ولكنّه لامحيصَ له من نوع من الاجتهاد، وهو الاجتهاد فی تعیین (١) العلّامة خير الدّين الرملّي: هو خير الدين بن أحمد بن علي الأيوبي العليمي الفاروقي الرملي، ولد فى أوائل رمضان برملة فلسطين. فقيه حنفي ،مفسر ، محدث لغوي ، مشارك فى أنواع من العلوم . رحل إلى مصر ودرس بالأزهر ثم عاد إلى بلده، وأخذ فى التعليم والإفتاء والتدريس . أخذ عنه العلماء الكبار والمفتون والمدرسون . من تصانيفة "الفتاوى الخيريّة لنفع البريّة" و"مظهر الحقائق الخفية من البحر الرائق"؛ و "حاشية علي الاشباة والنظائر. " تُوُفيّ رحمه الله فى ٢٧ رمضان سنة ١٠٨١ هـ. (ملخص من الأعلام ٢: ٣٢٧ ومعجم المؤلّفين ٤: ١٣٢) أصول الإفتاء ١٦٢ تلخيص قواعد رسم المفتي الواقع المسئول عنه، وتنزيل الحُكم عليه. وهذا النّوع من الاجتهاد جارٍ إلى يوم القيامة. وقد بسط الإمام الشّاطبيّ(١) رحمه الله تعالى فى تفصيل هذا النوع، فُتُورد كلامه هنا بلفظه لمافيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى: "الاجتهاد على ضربين: أحدهما: لا يمكن أن ينقطعَ حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام السّاعة. والثّاني: يمكن أن ينقطعَ قبل فناء الدّنيا. فأمّا الأول: فهو الاجتهاد المتعلّقُ بتحقيق المناط،(٢) وهو الذى لا خلاف بين الأمّة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمُدرَكه الشّرعيّ، لكن يبقى النّظر فى تعيين محلّه، وذلك أنّ الشّارع إذا قال: ﴿وَأَشْهِدُ واْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وثبت عندنا معنى العدالة شرعًا، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصّفة، وليس النّاسُ فى وصف العدالةِ على حدٍّ سواء، بل ذلك يختلف اختلافاً متبايناً، فإنّا إذا تأمّلنا العُدول، وجدنا لاتّصافهم بها طرفين وواسطة ... وهذا الوسط غامض، (١) الإمام الشاطبيّ: هو إبراهيم بن موسى بن محمّد اللّخميّ الغرناطيّ، أبو إسحاق، الشهير بالشاطبيّ المالكيّ، الإمام العلامة، المحدّث، الفقيه الأصوليّ اللغويّ، أحد مجدّدي عصره فى الأندلس. كان من أفراد العلماء المحقّقين، له تصانيف قد بلغت الذروة فى التحقيق والإبداع. منها "الموافقات" الذى طبّقت شهرته الآفاق، وصار من أوثق المراجع فى موضوع مقاصد الشريعة؛ و"الاعتصام" الّذى ردّ فيه عن البدع الّتى ظهرت فى عصره غير خائف فى الله لومة اللائمين، وعدوان المعتدين. تُوُفّي رحمه الله سنة ٧٩٠ هـ. فائدة: ليتنبه أنّ صاحب هذه الترجمة هو الإمام أبو إسحاق الشاطيّ، والإمام الشاطبيّ صاحب القصيدة الشاطبيّة فى علم القرآآت أقدم منه بكثير، وهو الإمام أبو محمد القاسم بن فيره الشاطبيّ الضرير، المتوفىّ بالقاهرة سنة ٥٩٠ هــ. رحهما الله تعالى. (ملخص من مقدمتي التحقيق للموافقات والاعتصام، وليراجع أيضا كشف الظنون، تحت "حرز الأمانى" ١: ٦٤٦) (٢) قال الشيخ عبدالله دراز فى حاشية الموافقات: "قال فى المنهاج: تحقيق المناط هو تحقيق العلة المتفق عليها فى الفرع، أى إقامة الدليل على وجودها فيه، كما إذا اتفقا على أن العلة فى الربا هى القوت، ثم يختلفان فى وجودها فى التين، حتى يكون ربويا اهو ... إنه لا يندرج فيما يُسمّى قیاسا، بل هو مجرّد تطبيق الكلي على جزئياته. أصول الإفتاء ١٦٣ تلخيص قواعد رسم المفتي لا بدّ فيه من بلوغ حدّ الوُسع، وهو الاجتهاد. فهذا ممّا يفتقر إليه الحاكم فى كلّ شاهد، كما إذا أوصى بماله للفقراء؛ فلا شكّ أنّ من النّاس من لا شيء له، فيتحقّق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصيّة، ومنهم من لا حاجة به ولا فقرَ، وإن لم يملك نصاباً، وبينهما وسائط ... فينظر فيه: هل الغالب عليه حكم الفقر أو حكم الغِنى؟ وكذلك فى فَرْض نفقات الزّوجات والقرابات، إذ هو مفتقرٌ إلى النّظر فى حال المنفَق عليه والمنفِق، وحالِ الوقت، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها، فلا یمکن أن يُستغنىَ ههنا بالتّقليد، لأنّ التّقليدَ إنما يُتصوّر بعد تحقيق مناط الحكم المقلّد فيه، والمناطُ هنا لم يتحقّق بعدُ، لأنّ كلّ صورةٍ من صوره النّازلة نازلةٌ مستأنفةٌ فى نفسها لم يتقدّم لها نظيرٌ، وإن تقدّم لها فى نفس الأمر فلم يتقدّم لنا، فلا بدَّ من النّظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أنّه تقدّم لنا مثلُها، فلا بدّ من النّظر فى كونها مثلَها أو لا، وهو نظرٌ اجتهاديّ أيضاً ... ويكفيك من ذلك أنّ الشّريعة لم تنُصَّ على حكم كل جزئيّة على حدتها، وإنمّا أتت بأمورٍ كُلِيَّةٍ، وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك، فلكلّ معيّن خصوصيةٌ ليست في غيره، ولو فى نفس التّعيين، وليس ما به الامتياز معتبراً فى الحكم بإطلاق، ولا هو طرديٌّ بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى الضّربين، وبينهما قسمٌ ثالث يأخذ بجهة من الطّرفين؛ فلا يبقى صورةٌ من الصّور الوجوديّة المعيّنة إلّ وللعالم فيها نظر سهل أو صعب، حتى يحقّق تحتَ أيّ دليل تدخل، فإن أخذتَ بشبهٍ من الطَّرفين، فالأمر أصعب، وهذا كلّه بيّنٌ لمن شدا فى العلم ... فالحاصل أنّه لا بدّ منه بالنّسبة إلى كلّ ناظرٍ وحاكمٍ ومُفْتٍ، بل بالنّسبة إلى كلّ مكلّفٍ فى نفسه ... ولو فُرض ارتفاع هذا الاجتهاد،