Indexed OCR Text

Pages 101-120

قوله: [يكفي حصولُ فردٍ من أفرادِ الانتفاعاتِ - وهو الاستدلالُ بها على
الصانع تعالى .
قلنا(١)]: لا يمكنُ حملُ الآيةِ على هذا النفع ؛ لأنَّ هذا النفعَ - حاصلٌ
لكلِّ مكلَّفَ من نفسِهِ؛ فإِنَّهُ يمكنُهُ الاستدلالُ بنفسِهِ على الصانعِ . وإذا حصلَ
له هذا النفعُ من نفسِهِ - كان تحصيلُ هذا الجنسِ من النفعِ - من غيرهِ:
ممتنعاً؛ لأنَّ تحصيلَ الحاصلِ محالٌ(٢).
قوله: ((الّلامُ داخلةٌ على الخلقِ، فلم قلتَ: المخلوقُ كذلكَ))؟
قلنا: الخلقُ هو المخلوقُ، لقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾(٣) أي: مخلوقُ
اللهِ .
وبتقدير أن يكونَ الخلقُ - غيرَ المخلوقِ، لكن لا نفعَ للمكلَّفِ في صفةٍ
اللهِ - تعالى: فوجب أن يكونَ المرادُ - ها هنا - من ((الخلق)): المخلوقَ.
قوله: ((مقابلةُ الجمع بالجمع تقتضي مقابلةَ الفردِ بالفردِ)).
قلنا: لا نسلِّمُ أنَّ هذا(*) - مقابلة الجمع بالجمع، بل هذا يجري مجرى
تمليكِ الدار الواحدةِ لشخصين: فكما أنَّ ذلك يقتضي تعلّق [حقِّ(٤)] كلٍّ واحدٍ
منهما، لا بجزءٍ معيَّنٍ - من الدارِ، بل بجميعِ أجزاءِ الدار: فكذا ها هنا.
قوله: ((كلمةُ (في) لا تتناولُ إلّا ما كان(٥) في باطنِ الأرضِ)).
قلنا: لا نسلّمُ؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفةً﴾(٦).
قوله: ((هبْ أَنَّهُ ثبتَ هذا الحكمُ في الابتداءِ، فِلِمَ قلتَ: إنَّهُ يدومُ))؟.
قلنا: لأنَّ الأصل فيما يثبتُ(٧) - بقاؤه.
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من س، آ، ل.
(٢) في آ، ى زيادة: ((أو قليلاً جداً)).
(٣) الآية (١١) من سورة لقمان .
(*) آخر الورقة (٢٥٤) من س.
(٥) في س، آ: ((يكون)).
(٤) سقطت الزيادة من ى.
(٦) الآية (٣٠) من سورة البقرة.
(٧) لفظ آ: ((ثبت)).
- ١٠١ -

قوله: ((هذا الاختصاصُ صفة(١) فلا(*) تقبلُ الدوامَ)).
قلنا: لكنَّ حكمَ اللهِ - تعالى - صفةٌ: فهي واجبةُ الدوامِ.
قوله: ((هبْ أنَّ هذا الحكمَ (٢) ثبتَ للمخاطبين بهذا الخطاب، فلم قلتَ:
إِنَّهُ يثبتُ في حقًّا)»؟
قلنا: لأنَّ الله - تعالى - لمَّا حكم(*) بذلك في حقِّم، وقد(٣) حكم به
الرسولُ - أيضاً -في حقّهم: فوجبَ أن يكونَ قد حكم به - أيضاً-في حقِّنا؛ لقوله
عليه الصلاةُ والسلامُ ((حكمي في الواحدِ، حكمي في الجماعة (٤)).
[قولُه(٥)]: هذا معارضٌ بقوله تعالى: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي
الأَرْض﴾(١).
قلنا: التعارضُ إنّما يثبتُ - أن لو ثبتَ في الموضعين بمعنى واحدٍ، وهو
محالٌ؛ لأنَّ الّذي أثبتناه - في حقّنا - هو الاختصاصُ النافعُ، وذلك في حقِّ اللهِ
- تعالى - محالٌ.
فإذن: لا تعارضَ، بل ذلك الاختصاصُ ليسَ إلّ بجهةِ الخلقِ والإِیجادِ.
المسلك الثاني :-
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيْتِ مِنْ
الرِّزْقِ﴾(٧) أنكرَ الله - تعالى - على من حرَّم زينةَ اللهِ: فوجبَ أن لا تثبتَ حرمةٌ
(١) لفظ ى: ((عرض)).
(*) آخر الورقة (١٢٦) من ی.
(٢) عبارة ى، س: ((هب أنّه ثبت هذا الحكم)).
(*) آخر الورقة (٧١) من ص.
(٣) في ى: ((فقد)).
(٤) تقدم تخريجه الجزء الثاني، ص (٣٩١).
(٥) لم ترد الزيادة في ى.
(٦) الآية (٢٨٤) من سورة البقرة.
(٧) الآية (٣٢) من سورة الأعراف.
- ١٠٢ -

زينةِ اللهِ. وإذا لم تثبتْ حرمةُ(*) زينةِ اللهِ : امتنعَ ثبوتُ الحرمة في كلٍّ فردٍ من
أفرادِ زينةِ اللهِ؛ لأنَّ المطلقَ جزءً من المقيِّدِ، فلو ثبتت الحرمةُ في فردٍ من أفرادِ
زينةِ اللهِ - تعالى - [لثبتت الحرمةُ في زينةِ اللهِ - تعالى(١)]؛ وذلك على خلافٍ
الأصل .
وإذا انتفت الحرمةُ بالكليّةِ: ثبتت الإِباحةُ.
المسلكُ الثالثُ:
أنَّ الله - تعالى - قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيْتُ﴾(٢) وليسَ المرادُ من الطيّبِ
- الحلالَ، وإلّ لزمَ التكرارُ: فوجبَ تفسيرُهُ - بما يستطابُ طبعاً، وذلك يقتضي
حِلّ المنافعِ - بأسرِها.
المسلك الرابع: القياسُ
وهو: أنَّهُ انتفاعٌ بما لا ضررَ فيهِ على المالكِ - قطعاً. ولا على المنتفع -
ظاهراً: فوجبَ أن لا يمنعَ: كالاستضاءة بـ [ضوءِ(٣)] سراج الغيرِ، والاستظلالِ
بظلُّ جدارِهِ (٤).
إنّما قلنا: إنَّهُ لا ضررَ فيهِ على المالكِ؛ لأنَّ المالكَ - هو الله - تعالى -
والضررُ عليه محالٌ.
وأمَّا ملكُ العبادِ - فقد كانَ معدوماً، والأصلُ بقاءُ ذلك العلم ، تركَ العملُ
بهِ فيما وقعَ اتَّفاقُ الخصمِ على كونِهِ مانعاً: فيبقى(*) في غيرِهِ على الأصلِ .
فإن قيلَ: فهذا يقتضي القولَ بإباحةٍ كلُّ المحرَّماتِ، لأنَّ فاعلَها - ينتفعُ
بها، ولا ضررَ فيها على المالكِ. ويقتضي سقوطَ التكاليفِ - بأسرِها: ولا شكَّ
في فساده.
(*) آخر الورقة (١٩٥) من آ.
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ى.
(٢) الآية (٤) من سورة المائدة.
(٣) هذه الزيادة من آ، ى.
(٤) في آ، ى: ((جدرانه)).
(٥) لفظ آ: ((فبقی)).
- ١٠٣ -

وأيضاً :.
فالقياسُ على الاستضاءةِ والاستظلالِ - غيرُ جائزٍ، لأنّ المالك لو منعَ [من
الاستضاءةِ والاستظلالِ قَبُعُ ذلك منه؛ والله - تعالى - لو منعَ (١)]، من الانتفاعِ
لم یقبحْ .
[و(٢)] الجوابُ عن الأَوَّل:
أنَّا احترزنا عنه بقولنا: ((ولا(*) ضرر على المنتفعِ ظاهراً»؛ وها هنا في فعل
ما نهى الله عنه، وترك ما أمرَ به ضررٌ: أمَّا على قولِ المعتزلة - فلأنَّه لولا اشتمالُ
الفعل والتركِ على جهةٍ، لأجلِها حصلَ النهيُّ، وإلّ لما جازَ ورودُ النهي .
وأمَّ عندنا - فلأنَّ اللّه تعالى(*) - لمّا توعَّدنا بالعقاب عليهِ: كانَ مشتملاً على
الضررِ: فلم يكن وارداً علينا.
وعن الثاني: أنّهِ [لا(٣)] يجبُ أن يكونَ الفرعُ مساوياً للأصلِ من كلِّ
الوجوهِ، بل يكفي حصولُ المساواةِ فيهِ من الوجهِ المقصودِ.
المسلك الخامس :
وهو: أنَّ(٤) الله - تعالى - خلقَ الأعيانَ، إِمَّا لا لحكمةٍ، أو لحكمةٍ.
والأوّلُ باطلٌ، لقولهِ تعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا
لعِبْن﴾(٥)، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثً﴾(٦)؛ [و(٧) لأنَّ الفعلَ
الخاليَ عن الحكمةِ - عبثٌ، والعبثُ لا يليقُ بالحكيمِ ..
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ل.
(٢) هذه الزيادة من جـ، آ، ى.
(*) آخر الورقة (٢١١) من جـ.
(٣) سقطت الزيادة من آ.
(٥) الآية (٣٨) من سورة الدخان.
(٦) الآية (١١٥) من سورة المؤمنون.
(٧) لم ترد الواو في ى.
(*) آخر الورقة (٢٥٥) من س.
(٤) في جـ: (أنه)) .
- ١٠٤ -

[و(١)] أمّا إن كانَ خلَقَها لحكمةٍ - فتلكَ الحكمةُ إمَّا عودُ النفعِ إليهِ، أو
إلينا.
والأوّلُ محالٌ؛ لاستحالةِ الانتفاع عليهِ: فتعيّنَ أنَّه تعالى إنَّما خَلقَها لينتفعَ
بها المحتاجونَ، وهذا يقتضي أن يكونَ المقصودُ من ((الخلقِ)) نفعَ المحتاجِ .
وإذا كان كذلك: كانَ نفعُ المحتاجِ مطلوبَ الحصولِ - أينما كان.
فإن منعَ منه - فإنَّما يمنعُ، لأنَّهُ بحيثُ يلزمُه رجوعُ ضررٍ إلى محتاجٍ .
فإذا نهانا الله - تعالى - عن بعض الانتفاعاتِ: علمنا أنَّه تعالى إنَّما منعُنا
منها لعلمِهِ باستلزامِها للمضارِّ، إمَّا في الحالِ ، أو في المآلِ ؛ ولكن [ذلك (٢)]
على خلافِ الأصلِ .
فثبتَ: أَنَّ الأصلَ - في المنافعِ - الإِباحةُ .
وهذا النوعُ من الكلامِ - هو اللّائقُ بطباع الفقهاءِ، والقضاة(٣).
وإن كانَ تحقيقُ القولِ فيهِ لا يتمُّ إلا مع القولِ بالاعتزالِ .
أمَّا الأصلُ الثاني - وهو أنَّ الاصلَ في المضارِّ الحرمةُ - فهذا يستدعي
بحثين :
أحدهما : البحثُ عن ماهِيَّةِ الضررِ.
والثاني : إقامةُ الدليلِ (٤) على حرمتِهِ.
أمَّا الأوّلُ فـ[قد(٥)] قالوا: ((الضررُ) أَلَمُ القلبِ؛ لأنَّ الضربَ يسمَّى ضَرراً،
وتفويت منفعةِ الإِنسانِ - يسمَّى إضراراً، والشتم [والاستخفاف(٦)] يسمَّى
ضرراً. ولا بدَّ من جعلِ اللفظ اسماً لمعنى مشتركٍ بينَ هذهِ الصور: دفعاً
(١) لم ترد الواو في آ، ى.
(٢) لم ترد الزيادة في آ.
(٣) كذا في ى، وهو صحيح، ولفظ غيرها ((القصّاص))، وهو تصحيف.
(٤) في ى، آ: ((الدلالة)).
(٥) هذه الزيادة من ى، آ.
(٦) هذه الزيادة من ى، آ.
- ١٠٥ -

للاشتراكِ، وألمُ القلب - معنى مشتركٌ فوجبَ جعلُ الّلفظِ حقيقةً فيهِ.
فإن قيلَ: أتعني بألمِ القلبِ الغَمَّ والحزنَ، أم شيئاً آخر.
الأوّلُ باطلٌ ؛ لأنَّ من خِرقَ ثوبَ إنسانٍ، أو خرَّبَ دارهَ - وكانَ المالكُ غافلاً -
عن هذه الحالةِ، يقالُ: ((أَضرَّبِهِ)) مع أنَّه لم يوجد الغمُّ والحزنُ.
وإن عنيتَ بهِ شيئاً آخرَ - فبيِّنْه.
نزلنا عن الاستفسارِ، فلم قلتَ: الضررُ ألمُّ القلبِ.
قولُهُ: ((لا بدَّ من معنى مشتركٍ في مواضعِ الاستعمالِ)).
قلنا: هذا مسلُّمٌ، لكن لمَ قلتَ: إِنَّهُ لا مشتركَ إِلّا أَلمُ القلبِ؛ بل ها هنا
مشتركٌ آخر - وهو: تفويتُ النفعِ. فما الدليلُ على أنَّ ما ذكرتموه - أولى؟
ثمّ الَّذِي يدلُّ على أنَّ ما ذكرناه أولى: أنَّ النفعَ مقابلُ الضررِ، والنفع:
تحصيلُ المنفعةِ - فوجبَ أن يكونَ الضررُ: إزالةَ المنفعةِ.
وإذا ثبتَ ذلك: وجبَ أن لا يكونَ حقيقةً فيما ذكرتموه؛ دفعاً للاشتراكِ.
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتموه - يدلُّ على أنَّ الضررَ - ألمُ القلبِ، لكنَّهُ معارضٌ
بوجهين :
الأوّل:
أنَّ من خرِّبَ دارَ إنسانٍ - وكانَ المالكُ غافلاً عنهُ - يقالُ: ((أَضَرَّبِهِ)) مع أنَّهُ
لم يوجدْ - هناك - ألمُ القلبِ؛ لأنَّ ألمَ القلبِ لا يحصلُ إلّ بعدَ الشعورِ بِه.
الثاني :
قولُهُ تعالى: ﴿قَالَ أَفْتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَالَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ
يَضُرُّكُمْ﴾(١). أخبرَ أنَّ عبادة الأصنامِ - لا تضرُّهم، مع أنَّها تؤلمُ قلوبهم يومَ
القيامةِ؛ لأنَّهم يعاقبونَ بذلك(*).
(١) الآية (٦٦) من سورة الأنبياء.
(*) آخر الورقة (٢٥٦) من س.
- ١٠٦ -

فثبتَ: أنَّ الضررَ ليسَ ألمّ القلبِ.
[و(١)] الجواب:
أنَّ القلبَ- إذانالَهُ غمّ وحزن: انعصرَدمُ القلبِ في الباطنِ، وانعصارُدم القلبِ
في (٢) الباطن - إنَّما يكونُ لانعصارِ القلبِ في نفسِهِ. وانعصارُ العضوِ مؤلمٌ له(٣)؛
لأنَّ أيّ عضَوِ عصرتَه - فإنَّهُ يحصلُ منهُ ألمٌ، فالمرادُ من [ألم (٤)] القلبِ تلك
الحالةُ الحاصلةُ لهُ - عندَ [ذلك(٥)] ا لانعصار.
فظهرَ بهذا: أنَّ ألمَ القلبِ مغايرٌ للغمِّ، وإن كانَ مقارناً له، وغير منفكٌ
عنه .
وأمّا من خرقَ ثوبَ إنسانٍ - فإِنَّما(١) يقال:(أضرِّ بهِ)) على معنى أنَّه أوجدّ ما
لو عرفة - لحصلَ الضررُ لا محالةَ، وهو - في الحقيقة -: إطلاقُ اسمِ المسبّب
على السبب(*) مجازاً.
قولُهُ: ((لم قلتَ: لا مشتركَ سواهُ)).
قلنا: لأنَّ المشتركَ الآخرَ - كانَ معدوماً. والأصلُ بقاوُّهُ على العدمِ(*).
قولُهُ: ((تفويتُ النفعِ - أيضاً مشتركٌ)).
قلنا: لا يجوزُ جعلُهُ مسمَّى ((الضررِ)) لأنَّ البيعَ والهبةً - حصلَ فيهما تفویتُ
النفعِ ؛ لأنَّ البائعَ فوَّتَ على نفسِهِ الانتفاعَ بعين المبيعِ ، مع أنَّ ذلك لا يسمَّى
ضررا.
قوله: ((الضررُ (٧) في مقابلةِ النفعِ)).
قلنا: هبْ أنَّهُ كذلكَ. لكنَّ ((النفعَ)) عبارةٌ - عن تحصيل اللَّذَّةِ، أو ما يكونُ
(١) هذه الزيادة من جـ، آ.
(٢) لفظ ى: ((الى)).
(٤) سقطت الزيادة من ى.
(٦) في ى: «فإنّه)).
(*) آخر الورقة (١٢٧) من ى.
(٣) لفظ آ: ((فإنّ)).
(٥) لم ترد الزيادة في ی، س.
(*) آخر الورقة (٢١٢) من جـ.
(٧) لفظ ى ((ضرر)).
- ١٠٧ -

وسيلةً إليها. و((الضررُ)) عبارةٌ - عن تحصيلِ الألم ، أو ما يكونُ وسيلةً إليه.
وأمَّا الآية - فنقولُ: لا نسلِّمُ أنَّ الاصنامَ تضرُّهم في الدنيا، ولا في الآخرةِ،
بل الَّذي يضرُّهم في الآخرةِ عبادتُها: فزالَ السؤالُ.
المقام الثاني : في إقامةِ الدلالةِ على حرمةِ الضررِ.
والمعتمدُ فيهِ - قولُهُ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا ضَرَرَ ولا إِضرارَ في
الاسلام)»(١).
والكلام على التمسُّك بهذا النصِّ: اعتراضاً وجواباً - مشهورٌ في
الخلافيَّات.
(١) في سائر المراجع: ((ضرار))؟ وهو المشهور وقد وافق ما في الأصل رواية ترتيب مسند
الشافعيّ: (١٣٤/٢)؛ بل ورد هذا اللفظ في بعض روايات ((الموطأ)) وسنن ابن ماجه
والدارقطنيّ، فلا معنى لإنكار ابن الصلاح لها. انظر الفتح المبين (٢١١) الشرفيّة، والمبين
المعين: (١٨٣)، والفتوحات الوهبيّة (٤٦٦)، وجامع العلوم والحكم: (٢٢١) على ما في
آداب الشافعي ومناقبه: (١٦٢) وهامشها، وانظر المقاصد الحديث رقم (١٣١٠)، والكشف:
(٣٠٧٥)، وأسنى المطالب (٢٥٨)، والفتح الكبير: (٣٤٦/٣)، وفيض القدير:
(٤٣١/٦)، الحديث رقم (٩٨٩٩) وقال الحافظ المناويُّ في الشرح: ((لا ضررَ) أي: لا يضرّ
الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقِّه ((ولا ضرار)» فعال بكسر أوّله - أي : لا يجازي من ضرّه بإدخال
الضرر عليه، بل يعفو: فالضرر فعل واحد، والضرار فعل اثنين. أو الضرر: إبتداء الفعل،
والضرار: الجزاء عليه. والأول: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً. والثاني إلحاقها به على وجه
المقابلة - أي: كل منهما بقصد ضرر صاحبه بغير جهة الاعتداء بالمثل. وقال الجراليّ: الضَرُ
- بالفتح والضم -: ما يؤلم الظاهر من الجسم، وما يتصل بمحسوسه في مقابلة الأذى، وهو:
إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمّة في «الصُرّ»: بأنّه عن قهر وعلوّ، والفتحة: بأنّه
ما يكون من مماثل أو نحوه. اهـ. وانظر ما استنبطه العلماء منه وبقية طرقه فيه. وقد تحدث
الإِمام المصنف عن ((اللذة والألم، وتفاصيل اللذائذ الحسيّة والكيفيّات الفسانية، وأسباب
الفرح، والغم وأسباب سائر العوارض» بما لا مزيد عليه في المباحث المشرقيّة: (٣٨٧/١ -
٤١٢)، وراجع: الجزء الأول من هذا الكتاب.
-١٠٨ -

المسألة الثانية :
في استصحابِ الحالِ .
المختار - عندنا - أنّه حجَّةٌ. وهو قولُ المزنيِّ وأبي بكرٍ الصيرفيِّ من
فقهائنا - خلافاً للجمهورِ من الحنفيَّةِ والمتكلُّمين.
لنا :
أنَّ العلم بتحقّق أمرٍ - في الحالِ - يقتضي ظنَّ بقائِهِ - في الاستقبالِ ،
والعملُ بالظنِّ - واجبٌ: وَلا معنىَ لكونِهِ حجَّةً إلّ ذلك.
إنَّما قلنا: إنَّ العلمَ(١) بتحقُّقِ أمرٍ - في الحالِ - يقتضي ظنَّ بقائِهِ - في
الاستقبالِ ؛ لأنَّ الباقي مستغنٍ عن المؤثِّرِ، [والحادث مفتقرٌ إليهِ، والمستغني
عن المؤثِّر(٢)] راجحُ الوجودِ بالنّسبةِ إلى المفتقرِ إليهِ.
إنَّما قلنا: إنّ الباقي مستغنٍ عن المؤثِّرِ؛ لأنَّا لو فرضنا له مؤثِّراً - فذلك
: المؤثُِّ، إمّا أن يقال [إنّه(٣)]: صدَّر عنه أثرٌ، أَو ما صدرَ عنه أثرٌ.
والثاني محالٌ؛ لأنَّ فرضَ المؤثِّرِ بدونِ الأثرِ متناقضٌ.
[و(٤)] أمّا الأوّلُ - فأثرهُ. إمّا أن يكونَ شيئاً ما كانَ موجوداً، أو كانَ موجوداً ..
فإن قلنا: إنَّهُ ما كانَ موجوداً: كانَ الأثرُ حادثً، لا باقياً.
وإن قلنا: إنَّه كانَ موجوداً: كان [ذلك(٥)] تحصيلاً للحاصل . وهو محالٌ.
فثبتَ: أنّ الباقيّ مستغن عن المؤثِّر.
(١) كذا في آ، ى، وهو الصحيح، ولفظ غيرهما: ((العمل)).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ى.
(٣) هذه الزيادة من ى.
(٥) هذه الزيادة من آ،ى.
:
(٤) لم ترد الواو في ى.
- ١٠٩ -

وإنَّما قلنا: إنَّ الحادثَ (١) مفتقرٌ إليه؛ لأنَّ إجماعَ المسلمين، بل إجماعَ
جمهورِ العقلاء - منعقدٌ عليهِ، والاستقصاءُ فيهِ مذكورُ في كتابنا المسمّى
بـ «الخلق والبعثِ(٢)).
وإنَّما قلنا: إنَّ المستغني عن المؤثِّرِ - راجحٌ بالنّسبةِ إلى المفتقرِ إلیهِ،
لوجھین :
الأوّل:
وهو: أنَّ المستغنيّ عن المؤثِّر لا بدّ (٣) أن يكونَ الوجودُ بهِ - أولىَ؛ إذا لو
كانَ الوجودُ مساوياً للعدم - لاستحالَ الرجحانُ إلّ بمنفصلٍ (٤)، وكانَ يلزمُ
افتقارُهُ إلى المؤثِّر، لكنَّا فرضناهُ مستغنياً عنهُ؛ هذا خلفٌ.
. فإذن: وجودُ الباقي - راجحٌ على عدمِهِ .
-
وأمَّا الحادثُ - فليسَ أحدُ طرفيهِ(*) راجحاً على الآخر، إذا لو كانَ راجحاً -
الاستحالَ افتقارُهُ إلى المرجّحِ، وإلّ لكانَ ذلكَ المرجّحُ - مرجِّحاً(*) لما هو في
نفسِهِ مترجُّحْ: فكانَ ذلكَ تحصيلاً للحاصل . وهو محالٌ.
فثبت: أنَّ الباقي(*) - أولی بالوجودِ، وأنَّ الحادثَ لیس أولی بالوجودِ، ولا
معنىَ لظنٌّ وجودِهِ إلّ اعتقادُ أنَّ وجودَهُ - أولىَ: فثبت أنَّ الباقيَ راجحُ الوجودِ
بالنسبةِ إلى الحادثِ .
(١) في آ: ((يفتقر)).
(٢) هذا الكتاب من كتب الإمام المصنف ذكره القفطيّ في أخبار الحكماء ص (١٩٢)
وابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء: (٣٠/٢)، والصفدي في الوافي: (٢٥٥/٤)،
والبغدادي في هدية العارفين: (١٠٨/٢)، والكتاب لا يزال مخطوطاً، له نسخة خطية في
مكتبة كوبريلي (١٨٦) عقائد وكلام. وقد تكلمنا فيه في القسم الدراسي من رسالتنا
للدكتوراه .
(٣) في غيرى: ((وأن)).
(٤) في غيرآ: ((بالمنفصل)).
(*) آخر الورقة (٢٥٧) من س.
(*) آخر الورقة (١٩٧) من أ.
(٥) عبارة ى: ((أنّ الباقي راجح فيكون أولى)).
- ١١٠ -

الثاني :
وهو: أنَّ الباقيَ لا يعدمُ إلّ عندَ وجودِ المانعِ . والمفتقرُ إلى المؤثِّر كما
يعدمُ عندَ وجودِ المانعِ فقد يعدمُ - أيضاً - عندَ عدمِ المقتضي، وما لا يعدمُ
إلّا بطريقٍ واحدٍ: يكونُ أولىَ بالوجودِ ممَّا يعدم بطريقين، ولا معنى للظنِّ إلّ
اعتقاد أنَّهُ أولى بالوجودِ.
[وإنَّما قلنا: إنَّ العملَ بالظنِّ - واجبٌ(١)]؛ لقوله عليه الصلاةُ والسلامُ:
(«نحنُ نحكمُ بالظاهِرِ (٢)).
ولأنَّهُ لو لم يجبْ: لزمَ جوازُ ترجيحِ المرجوحِ على الراجحِ . وإنَّه غيرُ
جائزٍ في بديهةِ العقلِ .
ولأنَّ العملَ بالقياسِ ، وخبرِ الواحدِ، والشهادة، والفتوى، وسائرِ الظنونِ
المعتبرَةِ - إنَّما وجبَ: ترجيحاً للأقوى على الأضعف.
وهذا المعنى [قائمٌ - ها هنا -: فيلزم ثبوتُ الحكم - ها هنا - أيضاً، وهو:
وجوبُ العملِ بهِ .
فإن قيلَ: لا نسلِّمْ أنَّ العلمَ بتحقَّقِ أمرٍ في الحالِ (٣)] - يقتضي ظنَّ بقائِهِ
في الاستقبالِ .
قولُهُ: ((لأنَّ الباقيَ مستغنٍ عن المؤثّرِ».
قلنا: ما المعنيُّ(*) بقولكم: ((الباقي مستغنٍ عن المؤثِّرِ))؟
إن عنيتم به: [أنَّ(٤)] كونَهُ باقياً(*) - مستغنٍ عن الموتِّر، فهذا ممنوعٌ.
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من ی.
(٢) تقدم تخريجه في الجزء الثاني، ص (٨٠) من هذا الكتاب.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من آ.
(*) آخر الورقة (٢١٣) من جـ.
(٤) لم ترد الزيادة في س، ی.
(*) آخر الورقة (٧٢) من ص ..
-١١١ -

وأيضاً:
فهو مناقضٌ لقولكم: ((الحادثُ مفتقرٌ إلى المؤثِّ))؛ لأنَّ كونَه باقياً -لم يكن
حاصلاً - حالَ حدوثِهِ، ثمَّ حصلَ - بعدَ أن لم يكن: فيكونُ حادثاً. وأنتم قد
اعترفتم أنَّ الحادثَ لا بدَّ لهُ من مؤثِّرٍ.
وإن عنيتم بقولكم: ((الباقي مستغنٍ عن المؤثِّ)) شيئاً آخرَ - فبيِّنوه، لننظرً
فيهِ .
نزلنا عن الاستفسارِ؛ فلِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: الباقي له مؤثِّرُ، ولذلك المؤثِّر
أثرٌ؟
قولُهُ: ((ذلك الأثرُ(١) إمّا أن يكونَ شيئاً ما كانَ حاصلاً، أو كان حاصلاً)).
قلنا: لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: ما كانَ حاصلًا؟ وذلك لأنَّهُ لا معنى لبقائِهِ إلّ
حصولهُ - في هذا الزمانِ - بعدَ أن كانَ حاصلاً في زمانٍ آخرَ قبلَهُ، لكنَّ حصولَهُ
في هذا الزمانِ - مَا كَانَ حاصلاً قبلَ حصولِ هذا الزمانِ. فإذنْ: كونُهُ باقياً أمرٌ
حادثٌ - فأثرُ المبقي هو: ذلك الأثرُ.
:
فإن قلتَ: فعلى هذا التقديرِ - يكونُ أثرُ المبقي أمراً حادثاً، فلا يكونُ مبقياً،
بل محدثاً.
قلتُ: مرادُنا من قولِنَا: «الباقي يفتقر إلى المبقي)) - أنَّ حصولَهُ في الزمانِ
الثاني لا بدَّ فيه من شيءٍ آخرَ. وقد ثبتَ أنَّهُ لا يكونُ باقياً ما لم يحصل - في
الزمانِ الثاني، وحصولُهُ في الزمانِ الثاني - مفتقرٌ إلى مؤثّرٍ. فإذن: يمتنعُ أن
يصدقَ عليه كونه [باقياً(٢)] إلّا لمؤثّرٍ.
فيعدُّ ذلك(٣)، البحثُ عن الواقعِ بذلك المؤثِّرِ و [كونه(٤)] أمراً مستمراً،
أو جديداً: بحثاً عن شيءٍ خارجٍ عن المقصودِ.
(١) لفظ آ: ((المؤثر)).
(٢) سقطت الزيادة من آ.
(٣) في آ: ((فعند).
(٤) زيادة لم ترد في الأصول ولا يستقيم الكلام بدونها.
- ١١٢ -

۔
سلَّمنا فسادَ هذا القسم ، فلِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: أَثْرُهُ شيءٌ كانَ حاصلًا؟
قولُهُ: «تحصيلُ الحاصلِ محالٌ)).
قلنا: إن عنيتَ بتحصيلِ الحاصلِ أن(١) يجعلَ عين [الشيءٍ(٢)] الّذي كانَ
موجوداً في الزمانِ الأوَّلِ - حادثاً في الزمانِ الثاني: فلا نزاعَ في أنَّ ذلكَ محالٌ،
لكن لِمَ قلتَ: إِنَّ إسنادَ الباقي إلى المؤثِّر - يوجبُ(*) ذلكَ؟
وإن عنيتَ بِهِ: أنَّ الوجودَ الَّذي صدقَ عليهِ - في الزمانِ الأوَّلِ - أنَّه [إنّما (٣)]
ترجّحَ لهذا المؤثِّرِ: صَدَقَ عليهِ - في الزمانِ الثاني - أيضاً - أنَّه ترجَّحَ لهذا
المؤثِّرِ، فِلِم قلتَ: إِنَّ ذلكَ محالٌ؟
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتموه: يدلُّ على استغناء الشيءِ - حالَ بقائِهِ عن المؤثِّر،
لكنّ - ها هنا - ما يعارضهُ، وذلكَ، لأنَّ هذا الباقي - كانَ بقاءُهُ ممكناً، وكلُّ
ممكنٍ فَلَهُ مؤثِّر: فالباقي حالَ بقائِهِ لهُ مؤثِّرُ.
[و(٤)] إنَّما قلنا: إنَّهُ ممكنٌ؛ لأنَّهُ في زمانِ حدوثِهِ - ممكنُ، وإلّ لم يفتقر
[الى المؤثِّر(٥)]. وإمكانه من لوازم ماهيتَّه، وما كانَ من لوازم الماهِيَّةِ - فهو (٣)
واجبُ الحصولِ في جميعِ زمانٍ تحقَّقِ الماهيَّةِ: فكانَ الإِمكانُ حاصلاً في
زمانِ البقاءِ .
وإنَّما قلنا: إنَّ الممكنَ مفتقرٌ إلى المؤثِّر؛ لأنَّ الممكن قد استوى طرفاه،
وما كانَ كذلكَ: افتقرَ إلى المرجّحِ .
فإن قلت: لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: الإِمكانُ إِنَّما يحوجُ إلى المقتضي بشرطِ
الحدوثِ، وهذا الشرطُ - فائت (٧) في زمانِ البقاءِ: فلا يتحقَّق الافتقارُ.
قلتُ: لا يجوزُ جعلُ الحدوثِ مؤثِّراً في تحقَّق الاحتياج ؛ لأنَّ الحدوثَ
(١) في غيرآً: ((يحصل)).
(*) آخر الورقة (٢٥٨) من س.
(٥) سقطت الزيادة من آ.
(٦) لفظ س، آ، ى: ((كان)».
(٢) لم ترد الزيادة في س، ی.
(٣) هذه الزيادة من آ، ى.
(٤) لم ترد الواو في ى.
. (٧) في ى: ((كان)».
- ١١٣ -

عبارةٌ: عن مسبوقيَّةِ وجودِ الشيءِ بالعدمِ ، ومسبوقيَّةُ الوجودِ بالعدم - صفةٌ ونعتُ
له، وصفةُ الشيءِ متوقّفةٌ على الشيءِ: فالحدوثُ متوقّفٌ على الوجودِ المتأخِّر(*)
عن تأثير المؤثِّرِ فيه(*) - المتأخِّرِ عن احتياجِ المؤثِّر إليه، المتأخِّر عن علَّةٍ
احتياجهِ إليه، فلو كانَ الحدوثُ مؤثِّراً في ذلك الاحتياج - إمَّا بأن يكونَ علَّةٌ،
أو جزءً علَّةٍ، أو شرطَ عِلَّةٍ : لزمَ الدورُ. وهو محالٌ.
سلَّمنا استعناءَ الباقي عن المؤثّرِ، وافتقارَ الحادثِ إليه - فلِمَ قلتَ: إنَّ
المستغنَى راجحٌ عن المفتقرِ؟
قولُه - في الوجهِ الأوُّلِ -: ((إنَّ الباقيَ أولى بالوجودِ، والحادثَ ليسَ أولى،
ولا معنىَ للظنِّ إلا اعتقادُ أنَّهُ أولى)).
قلنا: إن عنيتَ بهذه الأولويَّةِ - أنَّ العدمَ عليهِ ممتنع، فهذا باطلٌ؛ لأنَّ هذا
الباقيَ يقبلُ العدمَ.
وإن عنيتَ بهِ أمراً آخرَ - فلا بدَّ من بیانِهِ .
فإن قلتَ: المرادُ منها درجةٌ متوسّطةٌ - بينَ الاستواء، الَّذي هو مسمَّى.
الإِمكانِ، والتعيينِ(١) المانع من النقيضِ - الَّذي هو مسمّى الضررِ(٢).
قلتُ: هذا محالٌ؛ لأنَّ معَ ذلك القدر من الأولويَّة، إن امتنعَ النقيضُ - فهو
الضرورةُ؛ وقد فرضنا أنَّهُ ليسَ كذلك(*).
وإن لم يمتنع، فمعَ ذلكَ القدرِ - من الأولويَّةِ - يصحُّ عليهِ الوجودُ تارةً؛
والعدمُ أخرى، فحصولُ أحدِهما بدلاً عن الآخر، إن توقَّفَ على انضمامِ قيدٍ
إليهِ: لم يكن الحاصلُ - قبله - كافياً في تحقَّقِ الأولويَّةِ .
وإن لم يتوقّف: كانت نسبةُ ذلك القدرِ - من الأولويَّةِ - إلى طرفي الوجودِ
والعدمِ : على السويَّةِ، فترجيحُ أحدِهما على الآخر، لا لمرجِّحٍ زائٍ: يكونُ
(*) آخر الورقة (١٢٨) من ی.
(*) آخر الورقة (١٩٨) من آ.
(١) في جـ، آ: ((واليقين)).
(٢) في س، آ: ((الضرورة)).؟
:(*) آخر الورقة (٢١٤) من جـ.
- ١١٤ -

ترجيحاً لأحدٍ طرفي الممكنِ على الآخرِ، لا لمرّجِّحَ. وهو محالٌ.
[و(١) ] أمَّا الوجه الثاني - فغايةُ ما في البابِ: أنَّه يُمكنُ تحقَّقُ عدمِ الحادثِ
بطريقين، ولا يمكنُ تحقّق عدمِ الباقي إلّ بطريقٍ واحدٍ، فلِمَ قلت: إنّ هذا
القدرَ يقتضي أن يكونَ الباقي - راجحاً في الوجودِ على الحادثِ؟
سلَّمنا أنَّ ما ذكرتموه - يقتضي رجحانَ الباقي على الحادثِ من ذلك الوجهِ،
لكنَّهُ يقتضي عدمَ الرجحانِ من وجهٍ آخرَ.
بیانه :
أن الباقي (٢) لا يصدقُ عليه كونُهُ باقياً، إلاّ إذا حصلَ في الزمان [الثاني(٣)]،
فحصوله(*) في الزمان [الثاني(٤)] - أمر حادث، فإذا لم يكن وجودُ الحادثِ
راجحاً(٥)، فالمتوقُّفُ على ما لا يكونُ راجحَ الوجود: لم يكنْ - هو أيضاً-راجحَ
الوجودِ: فيلزمُ أن لا يكونَ الباقي راجحَ الوجود.
سلَّمنا أنَّ الباقي راجحُ الوجودِ، ولكن ما لم يتحقَّق كونُهُ باقياً - لا يتحقّق
كونُهُ راجحَ الوجودِ. وهو إنَّما يصدقُ عليهِ كونُهُ باقياً - إذا حصلَ في الزمانِ
الثانى .
فالحاصلُ: أنَّا ما لم نعرفْ وجوده في الزمانِ الثاني - لا نعرفُ كونُّهُ راجحَ
الوجودِ. وأنتم جعلتم رجحانَ وجودِهِ - دليلاً على وجودِهِ في الزمانِ الثاني:
فيكونُ دوراً.
سلَّمنا: أنَّ الباقيَ راجحٌ في الوجودِ الخارجيِّ على الحادثِ، فِلِمَ قلتَ:
يجبُ أن يكونَ راجحاً عليهٍ في الظنِّ؛؟ لا بدَّ لهذا من دليلٍ.
سلّمنا: حصولَ هذا الظنِّ، وأنَّ العملَ بهِ واجبٌ، ولكنَّهُ معارضٌ بدليلٍ.
آخرَ - يمنعُ من التمسُّكِ بالاستصحاب، وهو: أنَّ من سوَّى بين الوقتين في
(١) لم ترد الزيادة في جـ، آ.
(٢) لفظ آ: ((المسمّى)).
(٣) سقطت الزيادة من س، ی.
(*) آخر الورقة (٢٥٩) من س.
(٤) سقطت الزيادة من س، ی.
(٥) أبدلت الفاء في آبواو.
- ١١٥ -

الحكم ، فإمَّا أن يقال: إنَّما سوَّى - بينهما - لاشتراكهما فيما يقتضي ذلك
الحكم، أو ليسَ الأمرُ كذلك.
فإن كانَ الأوّلَ ۔ فهو قیاس.
وإن كان الثاني: كانَ ذلك تسويةً بين الوقتين في الحكمِ من غيرِ دليل
وإِنَّهُ باطِلٌ بالإِجماعِ .
[و(١)] الجوابُ:
قوله: ((ما المرادُ من قولكم: الباقي مستغنٍ عن المؤثّر)»؟
قلنا: لا شك [في(٢)]، أنَّ الباقيَ - هو الّذي حصلَ في زمانٍ، بعد أن كانَ -
بعينه - حاصلاً(٣) في زمانٍ آخر قبلَهَ.
وهذا يقتضي أن تكونَ الذاتُ الحاصلةُ في هذا الزمانِ - عينَ الذاتِ
الحاصلةِ في ذلك الزمانِ الآخرِ.
إذا ثبتَ هُذا - فنقولُ:
هذه الذاتُ الَّتي صدقَ عليها: أنَّها حصلت - بعينِها - في الزمانين، إمَّا أَن
يقالَ: حصلَ فيها في الزمانِ الثاني - أمرٌ لم يكن حاصلاً في الزمانِ الأَوَّلِ ، أو
لم يحصلْ.
فإن كانَ [الأوّل: كانَ(٤)] الأمرُ المتجدِّدُ - مغايراً للذاتِ الباقيةِ: فيكونُ:
الباقي - في الحقيقةِ - هو الذات، لا هذه الكيفيَّةُ المتجدِّدةُ. فنحن ندَّعي: أنَّ:
ذلك الشيءَ - الذي هو الباقي يستحيلُ إسنادُه إلى المؤثِّر، حالَ بقائِهِ.
وعلى هذا التقدير: لا يكونُ إسنادُ تلك الكيفيَّةِ المتجدّدةِ قادحاً في قولنا:
((الباقي غير مستندٍ إلى المؤثّر))؛ لأنَّ أحدَهما غير الآخر(٥).
وإن قلنا: إنَّه لم يحدثْ - في الزمانِ الثاني - أمرٌ متجدَّدٌ، بل الحاصلُ في
(١) زاد في جـ، ا: ((و).
(٢) لم ترد الزيادة في ى، آ.
(٣) زاد في آ: ((بعينه)).
(٤) سقطت الزیادة من ی.
(٥) كذا في آ، ولفظ ى: ((المؤثر)) وفي غيرهما: ((الأوّل)).
١١٦٠ -

الزمانِ الثاني - ليسَ إلّ الذاتَ الَّتي كانت حاصلةٍ في الزمان الأوَّلِ . فعلى هذا
التقدير: بطلَ قولُهم: إنَّ كونَه باقياً كيفيّةٌ حادثةٌ، وأنَّها مفتقرةٌ إلى المؤثِّرِ.
:
فثبتَ: [أنّ(١)] على التقديرين(٢) السؤال (٣) ساقطٌ.
قولُهُ: ((حصولُهُ في الزمانِ الثاني - كيفيَّةٌ زائدةٌ على الذاتِ، وهي مفتقرةً إلى
المؤثِّر».
قلنا: هذا باطلٌ. وبتقديرِ ثبوتِهِ [فهو(٤)] غيرُ قادحٍ في دليلنا.
أمّا أنَّه باطلٌ - فلأنَّ حصولَه في الزمانِ الثاني، لو كانَ كيفيَّةً زائدةً على
الذات - لكانَ حصولُ ذلك الزائدِ في ذلك الزمانِ - كيفيَّةً(*) أخرى: فلزم
التسلسلُ. وهو محالٌ.
[و(٥)] لأنَّ العدمَ قد يصدقُ عليهِ أنَّهُ باقٍ، فلو كانَ تحققُّهُ في الزمانِ الثاني
- كيفيَّةً ثبوتيَّةٌ: لزمَ قيامُ الصفةِ الموجودةِ بالموصوفِ - الذي هو نفيٌ محضٌ. وإِنَّهُ
محالٌ.
وأمّا [أنَّ(٦)] بتقدير(*) ثبوتِهِ - فالمقصودُ حاصلٌ، فذلكَ لأنَّ حصولَهُ في
الزمانِ الثاني - لما كان أمراً حادثاً: كانَ إسنادهُ إلى المؤثِّر - إسناداً للحادثِ إلى
المؤثّر، لا(*) [إسناداً(٧)] للباقي؛ وكلامُنا ليسَ إلّ في الباقي.
قوله: ((ما الذي تعني بتحصيلِ الحاصلِ)»؟
قلنا: نعني به - أنَّ الشيءَ الَّذي حكمَ العقلُ عليهِ بأنَّهُ كانَ حاصلاً قبلَ
ذلك: يحكمُ عليهِ بأنَّ حصولَه - الآنَ - لأجلِ هذا الشيءٍ.
وهذا محالٌ - بالبديهةِ - لأنَّهُ لمَّا كانَ حاصلاً قبلَ ذلك، فلو أعطاهُ - الآن -
(١) سقطت الزيادة من ى.
(٣) في جـ: ((فالسؤال)).
(*) آخر الورقة (١٩٩) من آ.
(٦) هذه الزيادة من جـ، أ.
(*) آخر الورقة (٢٦٠) من س.
(٢) عبارة آ: ((هذه التقديرات)).
(٤) هذه الزيادة من آ، ى.
(٥) هذه الزيادة من ی.
(*) آخر الورقة (٢١٥) من جـ.
(٧) سقطت الزيادة من ى، آ.
- ١١٧ -

هذا المؤثِّر حصولاً: لكانَ قد حصلَ نفسُ ما كانَ حاصلاً. وإنّه محال.
قوله: ((الباقي حالَ بقائِهِ ممكن، والممكنُ(١) مفتقرٌ)) .
قلنا: لا نسلِّمُ أنَّ الممكنَ - إنَّما يفتقرُ إلى المؤثِّرِ بشرطِ كونِهِ حادثاً.
قوله: ((الحدوثُ متأخِّرُ).
قلنا: لا نريدُ بهِ أَنَّ كونَهُ حادثاً شرطٌ للافتقارِ، بل نريدُ به : أنَّ كونَهُ بحيثُ
لو وقعَ بالمؤثِّر - لكانَ حادثاً، بشرطِ افتقارِ الأثرِ إلى المؤثّرِ. وكونُّهُ بهذهِ الصفةِ(٢)
أمرٌ متقدَّمٌ.
قوله: ((ما المرادُ من الأولويَّةِ» .
قلنا : : درجةٌ متوسطةٌ بين التساوي والتعيينِ المانعِ من النقيضِ .
قوله: ((هذا محالٌ؛ لأَنَّه يقتضي ترجيحَ أحدِ المتساويين على الآخرِ، لا
لمرجع ».
قلنا: لا نسلِّمُ أنَّ ذلك ممتنعٌ - مطلقاً، بل ذلك إنَّما يمتنعُ بشرطِ
الحدوث.
قوله - على الوجهِ الثاني -: ((لم قلتَ: إِنَّهُ لمّا أمكنَ حصولُ عدم الحادثِ
بطريقينِ، وعدمُ الباقي لا يحصلُ إلّ بطريقٍ(٣): كانَّ وجودُ الحادثِ مرجوحاً» ..
قلنا: لأنَّ عدمَ حصولِ الحادثِ - أكثرُ من عدمِ الباقي؛ لأنَّهُ يصدقُ على
ما لا نهاية له: أنَّه لم يحدثْ.
وأمّا عدمُ الباقي - بعد حدوثِهِ - فمشروطٌ بوجودِهِ: فإذا كانَ الوجودُ متناهياً:
كانَ العدمُ - بعدَ الوجودِ - متناهياً.
وإذا كانَ عدمُ حدوثِ الحادث أكثرَ من عدمِ الباقي - بعدَ وجودِهِ، والكثرةُ
موجبةٌ للظنُّ: ثبتَ أنَّ عدمَ حدوثٍ (٤) [الحادثِ - غالبٌ على عدمِ الشيءٍ ، ولا
(١) عبارة می: «وكل ممكن)).
(٢) في ى، آ: ((الحالة)).
(٣) زاد في س، آ، ى: «واحد)).
(٤) لفظ ى: ((ثبوت)).
- ١١٨ -

معنى للظنِّ إلّا (١)] ذلك.
واعلمْ: أَنَّهُ يمكنُ الاستدلالُ بهذهِ النكتةِ - ابتداءاً.
قولُهُ: ((كونُهُ باقياً يتوقّفُ على [حدوثِ حصولِهِ في الزمانِ الثاني، فكونُه
باقياً يتوقَّفُ على(٢)] الحدوث الَّذي ليسَ براجحٍ : والموقوفُ على ما لا يكونُ
راجحاً ليس براجحٍ)).
قلنا: هذا إنَّما يلزمُ لو كانَ حصولُهُ في الزمانِ الثاني - كيفيَّةٌ وجوديَّةٌ؛ وقد
دللنا على أنَّ ذلك محالٌ؛ لأنَّهُ يوجبُ التسلسلَ.
ثُمّ إن سلّمنا(*) صحّةَ ذلك، لكنّا نقولُ: لمّا ثبتَ أنَّ الحدوثَ مرجوحٌ،
فالذاتُ إذا كانت حادثةً، فهناك أمرانِ حادثانٍ: أحدهما الذاتُ. والآخر ۔
حصولُ الذاتِ في ذلك الزمانِ.
وأمّا إذا كانت الذاتُ باقيةً، والحادثُ أمرٌ واحدٌ - وهو حصولُهُ في ذلك
الزمانِ. أمَّا الذاتُ - فهي ليست [بـ(٣)] حادثةٍ في نفسِها.
فإذنْ: الحادثُ مرجوحٌ من وجهين، والباقي من وجهٍ واحدٍ : فوجبَ أن
يكونَ الباقي راجحاً على الحادثِ - من هذا الوجه .
قوله: ((ما لم(*) يُعرفْ كونُهُ باقياً، لا يثبتُ رجحانُهُ)).
قلنا: لا حاجةً إلى ذلك، بل نقولُ: هذا الّذي وجدَ - لا يمتنعُ عقلاً أن
يوجدَ في الزمانِ الثاني، وأن يعدمَ، لكنَّ احتمالَ الوجودِ راجحٌ على احتمالِ
العدم - من الوجهِ الذي ذكرناه: فالعلمُ(٤) بوجوده - في الحالِ - يقتضي اعتقادَ
رجحانِ وجودهِ على عدمِهِ في ثاني الحالِ . فإذن: العلمُ بالأولويَّةِ - مستفادٌ من
العلمِ بوجودهِ في الحالِ .
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، ولم ترد كلمة ((حدوث)) في ى.
(*) آخر الورقة (١٢٩) من ى.
(٢) زادها ی.
(*) آخر الورقة (٧٣) من ص.
(٣) أبدلت الفاء في ی، آ بواو.
(٤) لفظ ى: ((باقي)).
- ١١٩ -

وعلى هذا التقدير: يسقط(*) الدورُ.
قولُه: ((هبْ أنَّ الباقيَ راجحٌ على الحادثِ - في الوجودِ الخارجيِّ، فِلِمْ
قلتَ: يجبُ أن يكونَ زاجحاً عليهِ في الذهن)»؟
قلنا: لأنَّ الاعتبارَ الذهنيَّ - مطابقٌ للاعتبارِ الخارجيِّ وإلّ كانَ جهلاً.
قولُهُ: ((التسويةُ بينَ الزمانين - إن لم تكن بالقياس: كانَ ذلك تسويةً بين
الزمانين من غيرِ دليلٍ».
قلنا(١): القياسُ دليلٌ واحدٌ من أدلَّةِ الشرع، وليسَ يلزمُ من عدمِ دليلٍ
معيَّنِ عدمُ الدليل بالكلّيَّةِ، بل نحنُ سوَّيْنَا بينَ الزمانين - في الحكمِ بناءً على
ما ذكرنا(٢): من أنّ العلمَ بثبوتِهِ في الحالِ - يقتضي ظنَّ ثبوتِهِ على ذلك الوجهِ.
في الزمانِ الثاني، والعملُ بالظنِّ واجبٌ.
واعلم: أنَّ القولَ ((باستصحاب الحالِ)) - أمرٌ لا بدَّ منه في الدينِ والشرع.
والعرفِ(*).
أُمَّا في الدِّين - فلأَنَّهُ لا يتم [الدِّين(٣)] إلّ بالاعترافِ بالنبوّةِ، ولا سبيلَ إليهِ
إلا بواسطةِ المعجزةِ(٤)، ولا معنى للمعجزة إلّ فعلٌ خارقٌ للعادةِ، ولا(*) يحصلُ
فعلٌ خارقٌ للعادةِ إلّ عندَ تقُّرِ العادةِ، ولا معنى للعادةِ إلّ أنَّ العلمَ بوقوعِهِ -
على وجهٍ مخصوصٍ في الحالِ - يقتضي اعتقادَ أنَّه لو وقعَ - لِمَا وَقَعَ إلّ على
ذلك الوجهِ. وهذا(٥) عينُ ((الاستصحاب)).
وأمَّا في الشرع - فلأنَّا إذا عرفنا أنَّ الشرعَ تعبَّدنَا بالإِجماع ، أو بالقياسِ ،
(*) آخر الورقة (٢٦١) من س.
(١) لفظ آ: ((قلت)).
(٢) في آ: ((ذكرناه)).
(*) آخر الورقة (٢١٦) من جـ.
(٣) لم ترد في آ.
(٤) في ى، آ: ((المعجزات).
(*) آخر الورقة (٢٠٠) من آ.
(٥) في ی، آ: ((وهو)) ..
- ١٢٠ -