Indexed OCR Text
Pages 261-280
الفصل الثاني في عدم التأثير وهو: عبارةً عمّا إذا كانَ الحكمُ يبقى - بدونِ ما فرِضَ علَّةٌ له. وأمّا ((العكسُ)) - فهو أن يحصلَ مثلُ ذلك الحكم - في صورة أخرى، لعلّةٍ (١) تخالفُ العلَّةَ الأولى. إذا عرفتَ هذا - فنقول: الدليل على أنَّ عدمَ التأثيرِ - يقدح في [كونِ الوصفِ علَّة(٢) - هو]: أنّ الحكمَ لمَّا بقيَ بعدَ عدمِهِ، وكانَ موجوداً قبلَ وجودِهِ: علمنا استغناءهَ عنه، والمستغنى عن الشيء لا یکون معلّلاً به. واعلم: أنَّ هذا حقَّ - إذا فسَّرنا العلَّةَ بـ ((المؤثِّر)). أمّا إذا فسَّرناها: ب ((المعرُّفِ)) - فلا؛ لجوازٍ أَنَّ(٣) كونَ الحادثِ معرِّفاً لوجودِ ما كانَ موجوداً - قبلهُ - ويبقى موجوداً - بعده -: كالعالَمِ مع الباري تعالى. [ وأمَّا (٤)] أنّ العكسَ غيرُ واجبٍ - في العملِ - فهو قولُنا، وقولُ المعتزلةِ. وأمّا أصحابُنا - فإنَّهم أوجبوا ((العكسَ)) في العلّل(٥) العقليّة، وما(٦) أوجبوا في العلَلِ الشرعيَّةِ. (١) في غيرح: ((بعلّة)). (٢) سقط ما بين المعقوفتين من ى، وورد بدله: ((العلة و)). (٣) عبارة ل: ((فلا يجوز أن يكون)). (٤) سقطت الزيادة من ى. (٥) في غيرى: ((العلة)). (٦) لفظ ى: ((كما)). - ٢٦١ - والدليلُ على عدمٍ وجوبِهِ - في العلل العقليّة -: أنَّ المختلفين يشتركانِ في كون كلُّ واحد - منهما - مخالفاً للآخر، [وتلك المخالفةُ - من لوازم مَاهِيَّتِهِمَا، واشتراكُ اللوازمِ مع اختلافِ (٤)] الملزوماتِ - يدلُّ على قولِنا. والّذي يدل على جواز ذلك - في العللِ الشرعيَّةِ -: أنَّا سنقيمُ الدلالةَ على جوازٍ تعليلِ الأحكامِ المتساوية - بالعِلَلِ المختلفةِ - في الشرعيَّاتِ؛ وذلك يوجبُ القطعَّ - بأنَّ العِكسَ)) غيرُ معتبرٍ. (١) ساقط من ل. - ٢٦٢ - الفصل الثالث في القلب [وفيه مسائل : المسألةُ الأولى: في حقيقته(١)]: وحقيقته: أن يعلّق على العلَّةِ - المذكورة في قياسٍ - نقيضُ الحكمِ المذكورِ فيه، ويردُّ إلى ذلك الأصلِ - بعينِهِ . وإنَّما شرطنا اتِّحادَ(٢) الأصل، لأنَّهُ لو ردًّ إلى أصلٍ آخر - لكان(٣) ذلك الأصلُ الآخرُ - إمّا أن يكونَ حاصلًا في الأصلِ الأوَّلِ . أو لا یکونَ : فإن كانَ الأوَّلَ -: كان ردُّه إليهِ أولى؛ لأنَّ المستدلَّ لا يمكنُهُ منعُ وجودِ تلك العلَّةِ فيهِ، ويمكنُهُ منعُ وجودها في أصلٍ آخرَ. وإن كان الثاني: كان أصلُ القياسِ الآخرِ (٤) نقضاً على تلكَ العلَّةِ لأنَّ ذاك الوصف حاصلٌ فیه - مع عدمٍ ذلك الحكم . المسألةُ الثانيةُ : منهم من أنكرّ إمكانه لوجهين : (١) ساقط من جـ، ل، ی. (٢) في ل: ((إيجاد)). (٣) زاد في ى: ((حكم)). (٤) عبارة ل، ى: ((فإن أصل القياس الأول))، وفي جـ نحو ما أتينا غير أنه أبدل لفظ ((الآخر)» بالأول. - ٢٦٣ - الأوّل : أنَّ الحكمَ الَّذي علَّقه القالبُ على العلَّةِ - لا بدَّ وأن يكون مخالفاً للحكمِ الَّذي علَّقه القائس(١) عليها؛ وإلّ لما كانَ إلّ تكريراً في اللَّفِظِ . ثمّ [إِنَّ(٢)] ذينك الحكمين - إمّا أن يمكنَ(*) انتماعُهما، أو لا يمكن: فإن كان الأوَّلَ: لم يقدح(*) ذلك في العلَّةِ؛ لأنَّه لا امتناعَ في أن يكونَ للعلَّةِ الواحدة حكمان غيرُ متنافيين . والثاني محال؛ لأنَّا بَيْنًا: أنَّ الأصلَ - الذي يردُ إليهِ القالبُ والقائسُ لا بدَّ وأن يكونَ واحداً، والصورةُ الواحدةُ يستحيلُ أن يحصلَ فيها [حكمان(٣)] متنافيان . الثاني : أنَّ العلَّةَ المستنبطةَ لا بدّ وأن تكونَ مناسبةً للحكم ، والوصفُ الواحد يستحيلُ أنْ يكونَ مناسباً لحكمين متنافيين(٤). [و (٥)] الجوابُ (*) عن الأَوَّلِ : أنَّ ها هنا احتمالاً (٦) آخر®» ۔ وهو: أن لا یکون الحکمان متنافیین - فلا جرم - يصحُّ حصولُهما في الأصلِ، لكن دلَّ [دليلٌ منفصلٌ(٧)] على امتناع اجتماعِهما - في الفرع، فإذا بيَّنَ القالبُ: أنَّ الوصفَ الحاصلَ في (*) الفرع - (١) في ل: ((القياس)). (٢) سقطت الزيادة من ل، ى، ولم ترد في جـ، أيضاً. وما بعدها جاء بصيغة الرفع: «ذانك الحكمان». (*) آخر الورقة (١٣٩) من ح. (*) آخر الورقة (١٤٢) من جـ. (٣) لم ترد الزيادة في ح. (٤) كذا في ح، وهو الصحيح، ولفظ غيرها: ((متناقضين)). .(٥) هذه الزيادة من ح، جـ، ى. (*) آخر الورقة (١٣٥) من ل. (٦) لفظ ل: ((احتمالات)). (*) آخر الورقة (٨٨) من ی. (٧) أبدلت في ى يلفظ ((الدليل)). . (*) آخر الورقة (١٧٥) من س. - ٢٦٤ - ليسَ بأن يقتضي أحدَ الحكمين أولى من الآخر: كانَ الأصلُ شاهداً لهما بالاعتبارِ؛ لما بيِّنَّا(١): أنَّه لا منافاة - بينهما - في الأصلِ. : ويقتضي امتناعَ حصولٍ (*) الحكم - في الفرع - لما أنَّه ليسَ حصولُ أحدِهما أولى من الآخرِ، وقد قامت الدلالةُ على امتناع حصولهما - في الفرع. وهذا الكلام - كما أنَّهُ جوابٌ عن شبهةِ المنكرِ(٢)، فهو دليلٌ [ابتداءً(٣)] [على(٤)] إمكانِ القلبِ. وعن الثاني : أنَّ المناسبةَ قد لا تكونُ حقيقيّةً؛ [بل إقناعيَّةً، فبالقلب ينكشفُ أنّها ما كانت حقيقيّة(٥)]. المسألةُ الثالثةُ : القلبُ معارضةٌ، إلّ في أمرين: أحدهما: أنَّه لا يمكنُ فيه الزيادةُ - في العلَّةِ، وفي سائرِ المعارضاتِ يمكنُ(٦). (٧) الثاني: أنَّهُ لا يمكنُ منعُ وجودِ العَّةِ - في الفرعِ والأصل ؛ لأنَّ أَصَلَهُ وفرعَهُ - هو أصلُ المعلِّلِ وفرعُهُ. ويمكنُ ذلك في سائرِ المعارضاتِ. وأمّا فيما وراءَ هذين الوجهين - فلا فرقَ بينَهُ وبِينَ المعارضةِ . فعلى هذا: للمستدل أن يمنعَ حكمَ القالبِ - في الأصلِ - وأن يقدحَ في (١) في غيرح: «بيِّنَاه)). (*) آخر الورقة (١٣٢) من آ. (٢) لفظ آ: ((المنكرين)). (٣) هذه الزيادة في ح. (٤) لم ترد الزيادة في ى. (٥) ساقط من ى. (٦) لفظ ى: ((ممكن)). (٧) زاد في آ، ی: ((و). - ٢٦٥ - تأثير العلَّةِ فيه بالنقض ، وعدم التأثير، وأن يقول بموجَبهِ إذا أمكنهَ - بيانُ أنَّ اللازمَ من ذلك القلب لا ينافي حكمَهُ، وأن يقلبَ قلبَهُ - إذا لم يكن قلبُ القالبُ مناقضاً(١) للحكم، لأنَّ قلبَ القالبِ - إذا فسدَ بالقلبِ الثاني: سلِمَ أصلُ القياسِ من القلب. المسألةُ الرابعة: القالبُ إمَّا أن يذكر القلب لإِثباتِ مذهبه أو لإبطالِ مذهب خصمه (٢). والأولُ مثلُ - أن يقولَ الحنفيُّ في أنَّ الصومَ شرطٌ في صحَّةِ الاعتكافِ: ((لبثُ مخصوصٌ (٣)، فلا يكونُ بدونِ الصومِ قربةً: كالوقوف بعرفةً)»، فيقولُ القالبُ: ((لبثٌ مخصوصٌ (٣)، فلا يعتبرُ الصومُ في كونِهِ قربةً: كالوقوفِ بعرفةً»؛ فالحكمانِ المذكورَانِ . - في الأصلِ والقلبِ - لا يتنافيَانِ - في الأصل، ويتنافيانِ - في الفرعِ . وأما الثاني : فإِمَّا أن يدلَّ القالبُ على فسادٍ مذهبهِ - صريحاً، أوضمناً - وهو أن يدلَّ على فساد لازمٍ من لوازم مذهب الخصمِ .. مثال الأوّل :- قول الحنفيٍّ في المسحِ : ((ركنٌّ من أركانِ الوضوءِ، فلا يكتفى فيه بأقل ما (٤) يقعُ (٥) عليهِ الاسمُ: كالوجهِ))، فيقولُ القالب: ((فوجبَ أن لا يتقدَّرَ الفرضُ فيهِ بالربعِ : كالوجهِ))؛ وهذانِ الحكمانِ لا يتناقضان في ذاتيهما(٦)؛ لأنَّهما حَصَلا في الوجهِ، ولكن(*) يتنافيان - في الفرع - بواسطةٍ اتّفاق الإِمامین (١) عبارة ل: ((إذا لم يقلب القالب لزمنا قضاء الحكم)). (٢) لفظ : ((الخصم)). (٣) لفظ ى ((محض)) في الموضعين. (٤) لفظ ل: ((مما)). (٥) في ى: ((يسمّى)). (٦) لفظ ص، ى: ((لذاتيهما)). (*) آخر الورقة (٤٧) من ص. - ٢٦٦ - مثال الثاني - قولهم في بيع الغائب: ((عقدُ معاوضةٍ، فيعقدُ مع الجھلِ بـ [الـ(١)] -عوض كالنكاح»، فيقولُ القالبُ: ((فلا يثبتُ فيه خيارُ الرؤيةِ: کالنكاح ؛ ویلزمُ من فسادِ خيار الرؤيةِ - فساد البيعِ))؛ وهذان الحكمانِ غير متنافيين - في الأصلِ - لأنّهُ اجتمعَ في النكاحِ الصحَّة وعدمُ الخيارِ، لكن لا يمكنُ اجتماعُهما في الفرع . وقال بعضُهم: هذا النوعُ من القلب (٢) - غيرُ مقبولٍ؛ لأنَّ دلالةَ الوصفِ على ثبوتِ الحكمِ ، لا بواسطةٍ - أظهرُ من دلالتِهِ على انتفاءِ الحكمِ بواسطةٍ. واعلم: أنَّهُ يقعُ - في هذا النوع - شيءٌ يسمَّى ((قلب التسويةِ (٣) - مثاله أن يقولَ الحنفيُّ في طلاق المكره: ((مكلَّفٌ مالكٌ للطلاقِ، فيقعُ طلاقُهُ: كالمختارِ»، فيقولُ القالب(*): ((فوجب أن يستوي (٤) حكمُ إيقاعِهِ وإقرارِهِ: کالمختار)» . وبعضُهم - قدحَ فِيهِ بأنْ قالَ: ((الحاصلُ اعتبارُهما - معاً - [في الثبوتِ فِي الأصل (٥)] وفي الفرع عند القالب: عدمُ وقوعِهما - معاً - فكيفَ تتحقَّقُ التسویةُ))؟ (١) كذا في ص، ولم ترد الألف واللام في غيرها. ولفظ ى: ((بعوضة)). (٢) لفظ ل: ((العلة)) وهو تحريف. ولمعرفة أقسام القلب وأمثلة كل منها ارجع إلى شرح الإِسنوي وبحاشيته الإبهاج: (٨٢/٣ ,٨٤) ومع تعليقات الشيخ بخيت: (٢١٢/٤) وجمع الجوامع يشرح الجلال: (٣١٤/٢) والمنخول: (٤١٤)، وإحكام الأحكام: (١٠٥/٤) وما بعدها ط الرياض والبرهان فق: (١٠٣٢ - ٥٢) والحاصل: (٨٥٣). (٣) راجع البرهان فق (١٠٤٦، و١٠٥١، و٥٢)، لمعرفة حقيقة هذا النوع والمذاهب فیه . (*) آخر الورقة (١٤٣) من جـ. (٤). كذا في ل، آ، ى، ولفظ غيرها: ((يسوِّي)). (٥) ساقط من ل، آ، ى، جـ. - ٢٦٧ - جوابُهُ : أنّ عدم الاختلاف بين الحكمين - حاصلٌ في الفرع والأصل (*)، لكن في الفرع - في جانبِ العدمِ ، وفي الأصل - في جانب الثبوتٍ: وذلك لا يقدحُ - في الاستواءِ - في الأصلِ. (*) آخر الورقة (١٧٦) من س. - ٢٦٨ - الفصل الرابع في القول بالموجَب(١) وحدُّه: تسليمُ ما جعلَهُ المستدلُّ موجَبَ العلّةِ، مع استبقاءِ الخلافِ. وهو يقعُ(*) ۔ في جانبِ النفي على وجهٍ، وفي جانبِ الإِثباتِ على وجهٍ آخرَ. : أمّا في جانب النفي - فإذا كانَ المطلوب نفي الحكم ، واللازمُ من دلیلِ المعلِّل - كونُ شيءٍ (٢) معيّن غير موجِبٍ (*) لذلك الحكمِ : كما لو قالَ الشافعيُّ في المثقّل: ((التفاوتُ في الوسيلةِ - لا يمنعُ وجوبَ القصاصِ: كالتفاوتِ في المتوسَّل إليهِ))، فيقول السائلُ: ((إنَّ التفاوتَ في الوسيلةِ لا يمنعُ(٣) وجوبَ القصاص، فلِمَ لا يمتنع وجوبُ القصاصِ بسببٍ آخرَ))؟ ثمّ أنَّ المستدلَّ لوبيَّنَ - بعدَ ذلك -: أنَّهُ يلزمُ (٤) من تسليم ذلك الحكمِ - ٠ (١) ((الموجّب)) بفتح الجيم: ما يقتضيه الدليل، وبكسرها الدليل نفسه. وقد ذكر الإمام له قسمين: في جانب النفي، وفي جانبِ الإِثبات، وقد رفض ابن السبكي عدّه من مبطلات العلة، فانظر ما قاله في الإِبهاج: (٨٥/٣) ونهاية السول الموضع نفسه، وجمع الجوامع بشرح الجلال: (٣١٧/٢)، وتعليقات الشيخ بخيت: (٢٢٤/٤)، والتلويح مع التوضيح: (٩٤/٢)، وإحكام الأحكام: (١١١/٤)، والحاصل (٨٥٤). واحرص على النظر فيما قاله إمام الحرمين في البرهان فق (٩٦٥). (*) آخر الورقة (١٤٠) من ح. (٢) كذا في ح، أ، جـ، ى، وفي غيرها: ((الشيء). (*) آخر الورقة (١٣٦) من ل. (٣) زاد في ح: ((من)). (٤) في آ: ((يلزمه)). - ٢٦٩ - تسليمُ محلّ النزاع : كان منقطعاً - أيضاً - لأنَّه ظهرَ أنَّهُ ما ذكرَ الدليلَ، بل ذكرَ أحدَ أجزاءِ الدليلِ . وأمّا في جانب الثبوتِ - فكما لو كانَ المطلوبُ إثباتَ الحكمِ - في الفرع (*) - والّلازمُ من دليلِ المعلِّل ثبوتُهُ - في صورةٍ مَّا من الجنس كما لو قالَ - في وجوب الزكاةِ في الخيل -: ((حيوانٌ تجوزُ المسابقةُ عليهِ، فيجبُ فيهِ الزكاة: قياساً على الإِبل))، فقالَ: ((أقولُ بموجَبِهِ إِنَّهُ(١) تجبُ فيهِ زكاةُ التجارةِ، والخلافُ واقعٌ في زكاةٍ العين، ومقتضى دليلك: وجوبُ أصلِ الزكاةِ». (*) آخر الورقة (١٣٣) من آ. (١) في آ، ى: (لأنّه)). - ٢٧٠ - الفصل الخامس في الفرق(١) والكلام فيه مبنيّ على أنّ تعليل الحكم الواحد بعلّتين - هل يجوز أم لا؟ وفيه مسألتان(٢): المسألةُ الأولى : يجوزُ تعليلُ الحكمِ الواحدِ بعلتين منصوصتين: خلافاً لبعضهم(٣). لنا : أنَّ الرِدَّةَ والقتلَ والزِّنى- كلُّ واحدٍ - منها - لو انفردَ: كانَ مستقلاً باقتضاءٍ حلِّ القتلِ ثمّ إنَّهُ يصحُّ اجتماعها، فعند(٤) اجتماعها ۔ یکونُ حلّ الدمِّ حاصلاً بها جميعا . فإن قيل: لا نسلِّمُ أنَّ - هناك - حكماً واحداً، بل أحكاماً كثيرةً: فإنَّ حِلَّ (١) اختلفت عبارات الأصوليّين في تعريف الفرق، كما اختلفوا في كونه قادحاً، والذي عليه جمهورهم: أنّه سؤال صحيح قادح في العلّية، وهو نوعان: أحدهما: اعتبار تعيّن الأصل جزءاً من العلّة. وثانيهما جعل خصوص الفرع مانعاً من ثبوت الحكم فيه. فراجع شرح الإِسنوي وبحاشيته الا بهاج: (٨٦/٣)، والبرهان فق (١٠٧٧) وما بعدها، وإحكام الأحكام: (١٠٣/٤) ط الرياض، والمنخول: (٤١٧)، وجمع الجوامع: (٣١٩/٢)، وشرح المختصر: (٢٧٠/٢). ويسمى ((الفرق)) بسؤال ((المعارضة)) و((المزاحمة)) كما في البحر: (١٩٩/٣ - ب). (٢) لفظ جـ، آ: ((مائل)). (٣) لفظ ى: ((لبعض)). (٤) في آ ابدلت الفاء واواً. - ٢٧١ - القتلِ بسبب الرِدَّةِ - غيرُ حلَّهِ بسبب القتل ؛ والدليلُ عليه وجهانِ : الأوَّلُ: أنَّ الرجلَ إذا عادَ إلى الاسلام - زالت الإِباحة الحاصلةُ بسبب الردَّة، وبقيت الإِباحة الحاصلة بسبب القتلُ والزّنى . [ثم إذا عفا وليُّ الدم - زالت الإباحة الحاصلة بسبب القتل، وبقيت الإِباحة الحاصلة بسبب الزنى(١)]. الثاني : أنَّ القتلَ المستحقَّ بسبب القتلِ - يجوزُ العفو عنهُ لوليّ الدمِ ، والقتلَ. المتسحَقّ بسبب الردَّةِ - لا يتمكّنُ الوليُّ من إسقاطِهِ: وذلك يدلُّ على تغاير(٥). الحكمين. سلّمنا: أنَّ الحكم واحدٌ، ولكن لا نسلِّم أنَّه (٢) يمكنُ حصول هذه الأسباب الثلاثةِ - دفعةً واحدةٌ - ولم لا يجوزُ أن يقالَ: لا بدَّ وأن يحصلَ منها واحدٌ - قبلَ حصولِ البواقي؟ وحينئذٍ: يكونُ الحِكمُ محالاً على السابقِ. سلّمنا: إمكانَ حصولها (٣) - دفعةً واحدةً، لكن لِمَ لا يجوزُ أن يقال: إنّها بأسرها - مشتركةً في وصفٍ واحدٍ، والعلَّةُ هو ذلك المشتركُ : فتكونُ علَّةُ الحكمِ شيئاً واحداً. سلّمنا: أنَّه ليسَ هناك قدرٌ مشترك لكن لِمَ لا يجوز أن يقال: شرطُ کونٍ كلِّ واحدٍ - منها - عِلَّة مستقلةً - انتفاء الغير، فإذا وجدَ الغير: زالَ شرط الاستقلالِ بالعليَّةِ ، فحينئذٍ: لا يكون كلَّ واحدٍ - منها - علَّةٌ تامَّةً - عندَ الاجتماع بل يصيرُ كلّ (١) ما بین المعقوفتین من ازیادات جـ، آ. (*) آخر الورقة (٨٩) من ى. (٢) زاد في ى: ((لا)). (٣) في آ: ((حصوله)). - ٢٧٢ - واحدٍ - منها - عندَ الاجتماع - جزءَ العلَّةِ، والمجموعُ هو العلَّةُ التامَّةُ . سلّمنا: أنَّ ما ذكرتَهُ - يدلُّ على تعليلِ الحكمِ الواحدِ بعلَتَّين، ولكن - معنا - ما يمنعُ منهُ، وهو وجوهُ ثلاثةٌ: الأُوّل : أنَّ جوازَ تعليلِ الحكمِ الواحدِ بعلَّتين(١)] - يفضي إلى نقضِ العَّةِ، وذلك باطل - على ما مرّ - فما أفضى إليه مثله. بيانٌ(*) الملازمةِ(*): أَنَّه إذا كانَ للحكمِ الواحدِ عِلل كثيرةٌ، فإذا وجدَ منها واحدةٌ حتى حصلَ الحكمُ، ثمّ وجدت العلَّةُ الثانيةُ - بعدَ ذلك - فهذه الثانيةُ، إِمَّا أن توجبَ حكماً يماثلُ الحكمَ الأوَّلَ، أو يخالفهُ، أو لا توجبَ حكماً أصلاً. والأوّل يقتضي اجتماعَ المثلين، وهو محالٌ. والثاني والثالث - يوجبُ النقض؛ لأنَّهُ وجدت تلك العلَّةُ من غيرِ ذلك [الحكم(٢)]. الثاني : أنَّ العَّةَ الشرعيَّةَ مؤثّرةٌ بجعلِ الشرعِ إياها مؤثِّرَةٌ - في ذلك الحكم ، فإذا اجتمعَ على المعلولِ الواحدِ علَّانِ - فإمَّا أَنْ تكونَ كلُّ واحدةٍ من العلَّتينِ - مؤثرةً في بعضِ ذلك الحكم ، أو في كلِّه. والأوّلُ محال؛ أمَّا أَوَلاً - فلأنَّ الحكمَ الواحدَ لا يتبعَّضُ. وأمَّا ثانياً - فلأنَّ ذلك إخراج لكلِّ واحدةٍ من العلتّين عن أن تكونَ موجبةً للحكم . (١) ما بين المعقوفتين ساقط من جـ. (*) آخر الورقة (١٤٤) من جـ. (*) آخر الورقة (١٧٧) من س. (٢) لم ترد الزيادة في ی. - ٢٧٣ - وأمَّا ثالثاً - فلأنَّ على هذا التقدير، معلولُ كلُّ واحدةٍ - منهما غيرُ معلولٍ : الأخرى. وأمّا الثاني - فباطلٌ أيضاً؛ لأنَّ الحكمَ لمّا وقع بإحدى العلَّتين - استحالَ وقوعه(*) بالأخرى، لاستحالة إيقاع الواقعٍ . الثالث : أنَّ العلَّةَ لا بدَّ وأن تكونَ مناسبةً للحكم ، فلو كانت علَّةٌ لحكمين: لكانت مناسبةٌ لشيئين مختلفين: فيلزمُ كونُ الشّيءِ الواحدِ مساوياً لمختلفین، والمساوي لمختلفين - مختلفٌ: فالشيءُ الواحدُ يكون مخالفاً لنفسِهِ. وهو محال. [و(١)] الجوابُ: قوله: ((لا نسلِّمُ وحدةَ الحكمِ)). قلنا: الدليلُ عليهِ: أنَّ إبطالَ حياة الشخصِ الواحدِ - أمرٌ واحد؛ وهذا الأمرُ الواحدُ - إمّا أن يكون (*) ممنوعاً عنه [من(٢)] قبلِ الشرع - بوجهٍ مّا - أو لا یکون ممنوعاً عنه - بوجهٍ مّا . والأوّل هو الحرمةُ، والثاني هو الحلُّ : فإذا كانت الحياةُ واحدةً - كانت إزالتُها - أيضاً - واحدةً: فكان الإِذنُ في تلك الإِزالةِ واحداً . فإن قلتَ الفعلُ الواحد يجوزُ أن يكونَ حراماً من وجهٍ، حلالاً من وجهٍ، وإذا (*) آخر الورقة (١٤١) من خ. (١) هذه الزيادة من جـ، آ، ى. (*) آخر الورقة (١٣٤) من آ. (٢) لم ترد الزيادة في آ. - ٢٧٤ - كانَ كذلك: جازَ أن يتعدَّدَ(١) الحلُّ، لتعدُّد جهاتِهِ، فيكونُ الشخصُ الواحدُ - مباحَ الدمِ من حيثُ إنَّه مرتدًّ، ومن حيث إنَّه زانٍ، ومن حيثُ إنَّه قاتلٌ. قلت: القول بأنَّ الفعلَ الواحدَ حرامٌ من وجهٍ، حلالٌ من وجهٍ غيرُ معقولٍ ؛ لأنَّ الحلّ(٢) - أن يقولَ الشارعُ: ((مكَّنْتُكَ من هذا الفعلِ ، ولاتبعةَ عليك في فعلِهِ - أصلاً))، وهذا المعنى إنَّما يتحقَّقُ إذا لم يكن [فيه (٣)] وجهٌ يقتضي المنعَ - أصلاً؛ بل ليسَ من شرطِ الحرمةِ أن يكونَ حراماً - من جميع جهاتِهِ؛ لأنَّ الظلمَ حرامٌ، مع [أنْ(٤)] كونَّهُ حادثً وحركةً وعرضاً - لا يقتضي الحرمةَ. إذا ثبتَ ذلك - فنقولُ: حلّ الدم - على هذا الوجهِ - يستحيلُ أن يتعَّددَ(٥)، والعلمُ بذلك ضروريٌّ . قولُهُ: ((الدليلُ على التغايرِ - أنَّهُ لو أسلمَ: زالَ أحدُ الحلّينِ، وبقي الآخر)). قلنا: لا نسلّمُ أنَّهُ يزولُ أحدُ الحلَّين، بل يزولُ كونُ ذلك الحلّ (٦) معّلاً بالرِدِّة: فالزائلُ ليس هو نفسُ الحلِّ، بل وصفُ كونِهِ معلَّلاً بالرِدَّةِ . فإن قلت: إذا كان الحلُّ باقياً - سواءً وجدت الردَّةُ أو زالت - كانَ ذلك الحلُّ غنّاً - في نفسِهِ - عن الرِدَّةِ، والغنيُّ عن الشيءٍ لا يكونُ معلَّلاً به. قلتُ: لما كانت العلَّةُ - عندي - عبارةً عن ((المعرِّف)): زالَ عنيّ الإِشكالُ. قوله: ((وليُّ الدمِ مستقلٍّ بإسقاطِ أحدِ الحكمين)). قلنا: لا تسلُّمُ، بل هو متمكِّنُ من إزالةِ أحدِ الأسباب، فإذا زال ذلك السببُ: زالَ انتسابُ ذلك الحكمِ إلى ذلك السببِ. فأمَّا أن يزولَ الحكمُ - نفسُهُ - فهذا ممنوعٌ . (١) زاد في ى: ((حكم))، ولفظ ((الحل)) في آ: ((الحكم)). (٢) لفظ ى: ((الحكم)). (٣) انفردت بهذه الزيادة آ. (٤) لم ترد الزيادة في آ. (٥) زاد في جـ، ى: ((لأنّ هذا الإِطلاق يستحيل أن يتعددٌ)). (٦) لفظ ى: ((الحكم)). - ٢٧٥ - قوله: ((لا نسلم جواز(*) اجتماع هذه العلل)». قلنا: هذا مكابرةٌ؛ لأنَّهُ لا منافاةَ بين ذواتِ هذه الأمورِ - فيصحُ اجتماعُها، ونحن نبني الكلام على تقديرِ وقوع ذلك الجائزِ. قولُه: ((العلّةُ - هي القدرُ المشتركُ بينَ كلِّ هذه الأمور)). قلنا: هذا باطلٌ؛ لأنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على أنَّ الحيضَ - من حيثُ هو حيضٌ- مانعٌ من الوطءِ، وكذا العِدَّةُ والإِحرامُ؛ والقولُ بأنَّ العلّةَ - هي القدرُ المشتركُ: مخالفٌ لهذا الإِجماع . وأمّا ثانياً - فلأنَّ الحيضَ وصفٌ حقيقيٍّ، والعدَّةَ أمرٌ شرعي، والأمرُ الحقيقيُّ - لا يشارُ الأمرَ الشرعيَّ إلّا في عمومٍ أنَّهُ أمرٌ، فلو كانَ هذا القدرُ- هو العلّة للمنعِ من الوطءِ: لانتقضَ بالطَّمِّ والرَّمْ (١). قوله: ((شرطُ كونٍ كلِّ واحدٍ منها علَّةٌ مستقلةً: عدمُ الآخرِ)). قلنا: هذا باطلٌ (*)؛ لأنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ - على أنَّ الحيضَ يمنعُ من الوطِ: شرعاً، وذلك يقتضي أن تكون علَّةُ - سواء وجد هذا القيدُ العدميُّ، أم(٢) لا؟ أمَّ المعارضة الأولى - فجوابُها: أنَّ الحكمَ الحاصلَ بالعَّةِ السابقةِ - إنَّما يمتنعُ حصولُهُ بالعلّةِ الّلاحقةِ، إذا فسَّرنا العلَّةَ بـ((المؤثّر)). أمّا إذا فسَّرناها بـ ((المعرِّفِ)) - فلِمَ قلتَ: إِنَّهُ يمتنعُ؟ وأمَّا الثانيةُ - فهي مبنيّةٌ على أنَّ ما لا يكونُ مؤثراً في الحكمِ لذاتِهِ: يجعلهُ (*) آخر الورقة (١٧٨) من س. (١) قال القرافي في النفائس: (٩٧/٣ - ب) ((الطّم والرمُ - بالفتح: مصدران من ((طمّ يطمّ طمّاً)) إذا ردم حفرة، وهرمٌ يرمُ)) - إذا صار رميماً - أي: درست عظامه بالبلى. وبالكسر - هو الشيء المرموم والمطموم به؛ قال: وهو مثل لمن جاء بجمع التراب الذي طم، والرميم الذي طمّ عليه التراب فلم يدع في القبر شيئاً - ألبثّة - وصيِّرَ ذلك مثلاً لمن جاء بالعدم المستوعب، فهو مثلٌ للكثرة العظيمة)). ١هـ - وانظر المصباح (٣٢٧ و٥١٧). (٢) لفظ ى: ((أو). (*) آخر الورقة (١٤٥) من جـ. - ٢٧٦ - الشارعُ مؤثراً فيهِ. وقد تقدَّم إبطالُ هذه القاعدةِ. وأمَّا الثالثةُ - فلا نُسلِّمُ أنَّ((المناسبةَ)) شرطُ العِلَِّّةِ، ولو سلِّمناها - فلِمَ لا يجوزُ(*) أن يشتركَ الحكمان - في جهةٍ واحدةٍ، ثمّ إنَّ العَّةَ تناسبهُما - بحسب ذلك [الوجهِ(١)] الواحدِ؟ واعلم: أنَّه يمكنُ فرضُ الكلامِ - في صورةٍ يسقطُ عنها كثيرٌ من الأسئلةِ، وهي: مَا إذا جمعتَ لبنَ زوجةِ أخيكَ وأختِك، وجعلتَه في حلقِ المرتِضَعةِ: دفعةً واحدةً - فإنَّها تحرمُ عليكَ؛ لأنَّكَ خالُها وعمّها، ولا تتوجَّه - في هذه الصورة - أكثرُ تلك الأسئلةِ(٢). المسألةُ الثانيةُ(٣) (*) الحق: أنَّهُ لا يجوزُ تعليلُ الحكم الواحدِ بعلتين مستنبطتين، والدليلُ عليهِ وجهان . الأوّل: أنَّ الإِنسانَ - إذا أعطى فقيراً فقيهاً، احتمل أن يكونَ الداعي له إلى الإِعطاءِ (*) آخر الورقة (٩٠) من ی. (١) لم ترد الزيادة في ل. (٢) راجع تفاصيل أقوال العلماء وأدلتهم في مسألة تعليل الحكم بعلتين في المستصفى: (٣٤٢/٢)، والبرهان فق (٧٧٧ - ٧٩٥) وقد رجح إمام الحرمين جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين عقلاً وتسويغاً، ومنع ذلك شرعاً. وراجع المنخول (٣٩٢)، والمعتمد: (٧٩٩/٢)، والمسودة: (٤١٦)، وجمع الجوامع بشرح الجلال: (٢٤٥/٢ و٣٥٧)، والحاصل (٨٥٧)، واللمع (٥٩)، وشرح المختصر: (٣٧٣/٢)، والكشف: (٤٥/٤)، وشرح المسلّم: (٢٨٢/٢)، وشفاء الغليل: (٥١٤)، ونفائس الأصول: (٩٧/٣ - آوب) والروضة (٣٣٣)ط الرياض، وإحكام الآمدي: (٢٣٦/٣)، ومجموع فتاوى ابن تيمية: (٢٧٣/١٨ و٢٧٤، ١٦٧/٢٠). (٣) لفظ ى: ((الثالثة))، وهو وهم. (*) آخر الورقة (١٤٢) من ح. - ٢٧٧ - كونُّهُ فقيراً - فقط، أو [كونُهُ(١)] فقيهاً - فقط، أو مجموعَهما، أولا لواحدٍ منهما. فهذه الإحتمالات الأربعة متنافيةً؛ لأنَّ قولنا: الداعي له إلى الإِعطاءِ هو الفقرُ لا غيرُ: ينافي أن يكونَ غيرُ الفقر داعياً، أو جزءاً من الداعي . وإذا كانت هذه الاحتمالاتُ متنافيةً، فإن بقيت على حدِّ التساوي(*): امتنع الحصولُ ظنٍّ حصولٍ (٢) كلٍّ واحدٍ - منها - على التعيين: فلا يجوزُ الحكِمُ بكونِهِ علَّةٌ .. وإن ترجّحَ بعضُها، فذلك الترجيحُ - يحصلُ بأمرٍ وراءَ ((المِنْاسبَةِ والاقترانِ))؛ لأنَّ ذلك مشترك بين الأربعة. وحينئذٍ : يكونُ الراجحُ هو العلَّةِ (٣) دون المرجوح. الثاني : أنَّ الصحابةَ أجمعوا - على قبولِ الفرقِ؛ لأنَّ عمرَ لَمَّا شاورَ عبد الرحمن - في قضيّة المجهضةِ (٤) - قالَ: ((إِنَّكِ مؤدِّبٌ، ولا أَرى عليك شيئاً)) فقال عليّ: (١) لم ترد في جـ. (*) آخر الورقة (١٣٥) من آ .. (٢) كذا في آ، جـ، ولفظ غيرهما: ((كون)). (٣) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((تكون العلّة هي الراجح)). (٤) زاد في ح: ((وهي أن عمر ضرب امرأة حتى ألقت جنيناً ميتاً)) وليست هذه هي القصة وما كان لسيدنا عمر - رضي الله عنه - أن يضرب أحداً دون حق، والقصة كما أخرجها عبد الرزاق في المصنف الحديث (١٨٠١٠) (٤٥٨/٩) قال: ((أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة مغيبة (أي: زوجها غائب عن المدينة ضمن جند المسلمين). كان يُدخل عليها، فأنكر ذلك، فأرسل إليها، فقيل لها: اجيبي عمر، فقالت: ((يا ويلها ما لها ولعمر؛ قال: فبينما هي في الطريق فزعت، فضربها الطلق، فدخلت داراً، فألقت ولدها، فصاح الصبيّ صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبيّ - صلی الله عليه وسلم - فأشار عليه بعضهم: أنه ليس عليك شي، إنما أنت وال ومؤدب، قال: وصمت عليّ، فأقبل عليه، فقال: ما تقول؟ قال. : إن كانوا قالوا برأيهم - فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى: أنّ ديته عليك؛ فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها بسببك قال: فأمر علياً أن يقسم عقله على قريش = - ٢٧٨ - ((إنْ لم يجتهد - فقد غشّك، وإِن اجتهد - فقد أخطأ، أَرى عليك الغرّة)). وجه الاستدلال به: أنّ عبد الرحمن شبَّهه بالتأديب المباح ، وأنَّ عليّاً فرّق بينه وبين سائر التأديباتٍ: بأنَّ التأديبَ الَّذي يكونُ من جِنسِ التعزيراتِ - لا تجوز فيه المبالغةُ المنتهيةُ إلى حدِّ الإِتلافِ؛ وذلك يدلُّ على إجماعهم على قبول الفرق. وهو يقدحُ في جوازِ تعليلِ الحكمِ الواحدِ بعلّتين مستنبطتين(١). والله أعلم. = (يعني يأخذ عقله من قريش: لأنه خطأ). وانظر ((١٨٠١)، وراجع المغني لابن قدامة (٥٧٩/٩)، وأما ابن حزم - فقد صرّح بأن هذه المسألة مما اختلف فيه الصحابة، والواجب ردّها إلى ظواهر النصوص، وعمر - رضي الله عنه أرسل إليها بحق، ولم يضربها، أو يباشر فيها شيئاً، ولذلك فإنه لا دية عليه. فانظر المحلى: (٢٤/١١) المسألة (٢١٢). (١) من التكلّف الظاهر التمثيل بما ذكر لعدم جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستنبطتين، فالصحابة - رضوان الله عليهم - مالاحظوا هذا فالأولون ذهبوا إلى عدم مؤاخذة سيدنا عمر لأنه لم يفعل إلا ما هو مأمور به، والامام عليّ ربما أراد فيما ذهب إليه: أنَّ على الامام أن يتحرى أرفق الطرق في تحقيق ما أمر به، والا فهو مؤاخذ. - ٢٧٩ -