Indexed OCR Text
Pages 41-60
وخامسها : أنّ مقتضى الحديث(١): أنَّه لا يجوزُ الاجتهادُ إلّ عند(*) عدم وجدان الكتاب والسنّةِ؛ وهو باطلٌ؛ لأنَّ تخصيصَ الكتاب والسنّةِ بالقياس(٢) جائزٌ. الوجه الثاني - في بيان ضعف الحديث: روي أنّ معاذً لمّا قال: ((أَجتهدُ رَأَيي)) قال له الرسول صلى الله عليه وسلم - ((اكتبْ إِلَيّ، أَكْتُبْ إِليكَ(٣)) وليس لأحد أن يقول: إنَّا نصحِّحُ الروايتين؛ لأنّهما نُقلا في واقعةٍ واحدة فإنه (٤) لا يمكن الجمعُ بينهما. سلّمنا: سلامةً المتن عن هذهِ المطاعنِ، لكن لا نزاعَ بينَ المحدثين في كونِهِ مرسلاً والمرسلُ ليسَ بحجّةٍ - على ما تقدمَّ بيانُهُ. سلَّمنا(*) أنّه ليسَ بمرسلٍ ، ولكنَّهُ وردَ في إثباتِ القياسِ والاجتهادِ، وإنّهُ (*) آخر الورقة (٨٩) من جـ. (١) عبارة ى: ((إن الحديث يقضى)). (٢) لفظ ى: ((والقياس)). (٣) هذا اللفظ لم يرد في أي من الروايتين اللّتين روىَ بهما حديث معاذ من رواه ممن اطلعنا على الحديث - عندهم - كابن عبد البر والخطيب وأبي داود وابن القيم والبيهقي وابن حزم وابن حجر، ولذلك حكم الأصوليّون بأنّها رواية شاذة لا تصلح المعارضة الرواية المشهورة - التي جاء بها الحديث عند كل هؤلاء وقد يكون بعض الأصوليين قد أدرجها من بعض ألفاظ كتاب عمر - رضي الله عنه - إلى شريح أو أبي موسى في بعض ألفاظها، فقد ورد في كتاب عمر - رضي الله عنه - إلى شريح خاصّة نحو هذه العبارة. أنظر الإحكام لابن حزم: (٢٩/٦)، والسنن الكبرى للبيهقي: (١١٥/١٠)، وجامع بيان العلم: (٥٧/٢) وعلى فرض صحتها فإن الأصوليين قد قرّروا إمكان الجمع بينهما: بأن تحمل الرواية بهذا اللفظ على ما إذا اتسع الوقت الواقعة - التي تنزل للمكاتبة فعليه أن يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وينتظر رده. وإن لم يتسع الوقت لذلك وجب عليه أن يجتهد ويقضي. وانظر نبراس العقول: (٨٤/١). وسيشير المصنف إلى هذا في موضعه من الجواب. (*) آخر الورقة (٨٦) من ل. (٤) في ی: ((ولأنه)). - ٤١ - : أصلٌ عظيمٌ في الشرع ، والدواعي تكونُ متوفرةً (١) على نقل ما هذا شأنُهُ، وما يكونُ كذلكَ وجبُّ بلوَغُهُ - في الاشتهارِ - [إلى(٢)] حَدِّ التواتر، فلمّا لم يكن كذلك: علمنا أنَّه ليسَ بحَجَّة . و (٣) الحاصلُ: أَنَّهُ مرسلٌ، فوجبَ أن لا يكونَ حجّةً عند الشافعيّ - رضي الله عنه .. , وأنّه خبر واردٌ (٤) - فيما تعُم بِهِ البلوى -: فوجبَ أن [لا يكون حجَّةٌ عند أبي حنيفة (٥)]. سلّمنا(*): سلامتهُ عن هذا الامر، لكنَّهُ خبرُ واحدٍ، فلا يجوزُ التمسُّكُ بهِ. في المسائلِ القطعيَّةِ . فإن قلتَ: الدليلُ على صحَّتِهِ - أنَّ مثبتي القياس كانوا أبداً متمسكينَ بهِ. في إثباتِ القياسِ ، والنفاةً كانوا مشتغلين بتأويلِهِ؛ وذلكَ يدلُّ على اتّفاقهم على قبولهِ. قلت: [قد(٦)] تقدَّمَ بيانُ ضعفِ هذا الوجِهِ(٧). سلّمنا: صحَّتُهُ، فلِمَ يدلُّ على كون القياسِ حجَّةً؟ أمّا قوله (٨) ((أُجتهدُ رأيي)). قلنا: الاجتهادُ - عبارةٌ: عن استفراغِ الجهدِ في الطلب، فنحملهُ على طلبِ الحكمِ من النصوصِ الخفيّةِ. فإن قلتَ: إِنَّمَا قال: ((أجتهد رأيي)) بعد أن كان لا يجده في الكتاب (١) عبارة س، ص، جـ: ((والدواعي تتوفر). (٢) لم ترد في ی. (٣) أبدلت في ی بالواو. (٤) كذا في ح، وهو الصحيح، ولفظ غيرها: ((واح !.. (٥) سقطت الزيادة من ى. (*) آخر الورقة (١١٥) من س. (٦) هذه الزيادة من ی. (٧) انظر الجزء الرابع، ص ٢٨٩. (٨) زاد في ی: ((و)). - ٤٢ - والسنّة. وما دلت النصوصُ [الخفيّةُ(١)] عليه [لا(٢) يجوزُ أن يقالَ: أنَّه غيرُ موجودٍ في الكتاب والسنّةِ . قلنا: لا نسلِّمُ أنَّ قولهُ: ((فإن لم تَجِدْهِ يقتضي العمومَ؛ بيانُهُ: أَنَّهُ يُصحُّ أن يستفهمَ فيقال: [أ(٣)] تعني بقولك(*) ((فإِنْ لم تَجد)) عَدمَ الوجدانِ - في صرائحِهِ فقط، أم (٤) [فيه و] في جميعِ وجوهِ دلالتِهِ (٥). سلّمنا: أَنَّهُ - بظاهرِهِ - للعمومِ، لكن ها هنا - لا يمكنُ حملُهُ على العموم ؛ لأنَّ العملَ بالقياسِ مفهومٌ - عندكم - من الكتاب والسنّةِ، فكيف يصحُّ حَمَلُ قولِهِ: ((فإِنْ لم تَجِدَّ) على العمومِ . سلّمنا: أنَّهُ يُمكنُ حملُهُ على العمومِ ، لكن قولَهُ: ((أجتهدُ رأيي)» يكفي في العملِ بمقتضاهُ نوعٌ واحدٌ من الاجتهادِ، فنحملُهُ على التمسُّكِ بالبراءةِ الأصليّةِ، أو على التمسُّكِ بما ثبتَ في (٦) العقلِ: من أنَّ الأصلَ - في الأفعالِ -: الإِباحةُ أو الحظرُ. سلمنا: أَنَّهُ لا يجوزُ حملُهُ عليهِ؛ فلمَ قلتم (٧): إنَّهُ لمَّا لم يجزْ حملُهُ على النصِّ الخفيِّ وعلى دليلِ العقلِ - وَجبَ حملُهُ على القياسِ الشرعيِّ، وما الدليلُ على الحصر؟ فإنَّ - ها هنا - طرقاً أخرى سوى القياس: كالتمسُّكِ بالمصالحِ المرسلةِ، والتمسُّكِ بطريقةِ الاحتياطِ - في تنزيلِ اللفظِ على أكثرِ مفهوماتِهِ، أو أقلٌّ مفهوماتِهِ، أو قولِ الشارع: ((احكم فإِنَّكَ لا تحكمُ إِلا بالصوابِ)). (١) سقطت الزيادة من ى. (٢) سقطت الزيادة من ح. (٣) هذا الحرف من ح. (*) آخر الورقة (٩٣) من ح. (٤) في غيرى: ((أو)) والمناسب ما أثبتنا، ولم يرد ما بعدها في ى .. (٥) لفظ ى: ((دلالاته)). .(٦) في غيرآ: ((من)). (٧) في غيرح: ((قلت)). - ٤٣ - ٠٠ وبالجملةِ -: فلا بدّ من دليلٍ [على(١)] الحصرِ. سلمنا: أنَّهُ يتناولُ القياسَ الشرعيَّ، ولكن يكفي في العملِ بمقتضاهً: إثباتُ نوعٍ واحدٍ - من أنواعِ القياسِ الشرعيِّ - ونحنُ نقولُ بِهِ؛ فإنَّ مذهبَ النظّامِ: أَنَّ الشرعَ إذا نصّ على علَّةِ الحكم: وجبَ القياسُ، وَرَدَ الأمرُ بالقیاسِ ، أو لم يردْ. ويجب - أيضاً - قياسُ تحريم الضربِ على تحريمِ التأفيف. سلّمنا: أنَّهُ يدلُّ على جوازِ العملِ بالقياسِ [الشرعيّ(٢)] لكن في زمانٍ حياةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أو بعدهَ - على الإِطلاق؟ الأوّل مسلّم والثاني ممنوع(٣). بيأتُه: أنَّ شرطَ العملِ بالقياسِ عدمُ الوجدانِ في الكتاب والسنَّةِ، وذلكَ إِنَّما يمكنُ في زمانٍ(*) حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعدم استقرارٍ الشرع، فأمَّا بعد نزولِ قولهِ تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) فإِنَّ ذلكَ متعذُّرً(*)؛ لأنّ الدِّينَ إِنَّما يكون كاملا [أن(٥)] لو بيَّنَ فيهِ جميعَ ما يحتاجُ إليهِ، وذلكَ إِنَّما يكونُ بالتنصيصِ على كلِيَّاتِ الأحكامِ . و(٦)إذا كانَ جميعُ الأحكامِ موجوداً في الكتاب والسنَّةِ [و(٧)] كانَ العملُ بالقياسِ مشروطاً بعدمِ الوجدانِ فيهما: لم(٨) يجز العملُ بالقياس - بعد زمان الرسول - صلى الله عليه وسلَّم. (١) لم ترد الزيادة في س، ص، ح، جـ، ولفظ ((دليل)» قبلها في ل، آ، ى، ورد بالألف واللام. (٢) هذه الزيادة من ل، ى، آ، ح. (٣) في س، ی، آ: ((م،ع)). (٥) آخر الورقة (٨٥) من آ. (٤) الآية (٣) من سورة المائدة. (٥) لم ترد في ی، آ، ل. (٧) سقطت الزيادة من ی. (*) آخر الورقة (٩٠) من جـ. (٦) أبدلت الواو في ى بالفاء (٨) في آ، ى زيادة: ((ف). - ٤٤ - [و(١)] الجوابُ: قوله: («هذا الحديث منافٍ (٢)لكتاب الله تعالى)). قلنا: لا نسلّم، وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلَ يَابِسٍ إِلَّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾(٣) وقوله تعالى: [﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِنَ شَيْءٍ﴾(٤)]. قلنا: هذه [الأدلّةُ (٥)] تدلُّ على اشتمالِ الكتابِ على كلِّ الأمورِ إبتداءً أو بواسطةٍ؟ الأوّلُ باطلٌ : لخلِّ ظاهر كتاب الله تعالى عن دقائقِ الهندسةِ والحسابِ، وتفاريع الحيض (*) والوصَّايًا. والثانى : لا يضرُّنًا؛ لأنَّ كتابَ اللهِ - تعالى - لمّا دلَّ على(*) وجوب قبولِ قولٍ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وقولُ الرسولِ دلَّ على أنَّ القياسَ حجَّةٌ، والقياسُ دلَّ على هذهِ الأحكام : كانَ كتابُ اللهِ - تعالى دالاً على هذهِ الأحكام. قوله: ((الحديثُ يدلُّ (٦) على جوازِ الاجتهادِ - في زمانِ الرسولِ - صلَّى الله علیه وسلمٌ)). قلنا [و(٧)]: أيُّ محذورٍ يلزمُ منه؟ فإنَّ الواقعةَ الَّتي لا يمكنُ تأخيرُ الحكمِ فيها إلى مّدةٍ - يذهبُ الرجلُ من اليمن إلى المدينةِ، ويرجعُ عنها - لا يكونُ تحصيلُ النصِّ فيها ممكناً: فوجبَ جوازُ الرجوع إلى القياسِ . (١) لم ترد الواو في س، ص، ل. (٢) لفظ غيرح: ((مناقض)). (٣) الآية (٥٩) من سورة الأنعام . (٤) ساقط من ل، ى، آ، ح والآية (٣٨) من سورة الأنعام. (٥) ترد الزيادة في ل، ولفظ ى: ((الآية)). (*) آخر الورقة (١١٦) من س. (٦) لفظ ى: ((دل)». (*) آخر الورقة (٨٧) من ل. (٧) هذه الزيادة من ى، آ. - ٤٥ - قوله: ((ذكرُ السنّةِ جواباً عمّا به يقضي(١) غيرُ جائزٍ)) . قلنا: لا نسلِّمُ: لأنَّ السنةَ عبارةٌ عن الطريقةِ - كيفَ كانت. قوله: ((لا يجوزُ نصبُهُ للقضاءِ إلا بعدَ العلمِ بأنَّهُ يعرفُ التمييزَ بينَ ما يجوزُ بهِ القضاءُ، وبينَ ما لا يجوزُ» . قلنا: المرادُ بقولِهِ: ((لَمَّا بعثَ معاذاً [الى اليمن(٢)]) لمّا عزم [على (٣)] أن يبعثه . قوله: ((الحديثُ يمنعُ من تخصيصِ الكتابِ والسنّةِ بالقياسِ )). قلنا: كثير من الناسِ ذهبَ إليهِ (٤). قوله: ((نُقِلَ أَنَّه عليه الصلاة والسلامُ قالَ: اكتبْ إِليَّ، أَكْتَبْ إِليكَ(٥)). قلنا: روايتنا مشهورةٌ، وروايتُكمُ غريبةٌ لم يذكرْها أحدٌ من المحدِّثين - فلا يحصلُ التعارضُ. وأيضاً: فكيفَ يجوزُ أن يقولَ عليه الصلاةُ والسلامُ: ((اكتبْ إِليَّ، [أكتبْ إِليكَ))] وقد يعرضُ من الحكم ما لا يجوز تأخيرُهُ. وأيضاً: : يمكنُ الجمعُ بينهما - وإن وردًا في واقعةٍ واحدةٍ - وهو أن يقالَ: الحادثةُ إن احتملت التأخير: وجب عرضُها. وإن لم تحتملْ: وجبَ الاجتهادُ. قوله: ((إنَّهُ مرسلٌ)) . (١) كذا في ى، آ، ح، وفي النسخ الأخرى: ((يقضي به)). (٢) لم ترد في ح. (٣) لم ترد في ی. (٤) انظر المذاهب في الجزء الثالث، ص ٩٦. (٥) لم ترد الزيادة في ح. - ٤٦ - قلنا: هبْ أنَّهُ كذلكَ، لكنَّه مرسلٌ تلقته الأمَّةُ بالقبول؛ ومثله حجَّةٌ عندنا(١). قوله: ((واردٌ(٢) فيما تعمُّ به البلوى: فوجبَ بلوغُهُ إلى حدِّ التواترِ)). قلنا: ورودُهُ فيما تعمُّ بهِ البلوى لا يوجبُ كونَّهُ متواتراً؛ بدليل المعجزاتِ - المنقولة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم. قولُهُ: ((إِنَّه خبرُ واحدٍ)). قلنا: هبْ أَنَّهُ كذلكَ، لكن [لا(٣)] نثبتُ بِهِ القطعَ بكونِ القياسِ حجَّةٌ، بل ظنَّ كونِهِ حجَّةٌ(٤). (*) قوله: ((نحملُهُ على طلبِ النصِّ الخفيِّ)). قلنا: قولُهُ: ((فَإِنْ لم تجِدْ)» يقتضي نفي النصِّ - جليّاً كان أو خفيّاً. (١) هو حجّة عند الشافعية؛ لأنّه اعتضد برواية أخرى متصلة كما سبق في تخريجه: الجزء الثالث، ص ٩٩. : وهو حجّة عند الحنفية مع وروده فيما تعم به البلوى وعدم تواتره لأنه قد اشتهر برواية الكافة عن الكافة، وتلقته الأمة بالقبول على ما تقدم . (٢) لفظ ى، آ، ح: «ورد)). (٣) سقطت من ى. (*) آخر الورقة (٥٦) من ی. (٤) يريد بهذا: أن المسألة وإن كانت من مسائل الأصول إلا أن المقصود من حجيّة القياس العمل بمقتضاه، فهي وسيلة إلى أحكام عملية فيكتفى فيها بالظن، وليست من المسائل الأصولية التي يتعبد باعتقادها فلا تثبت إلا بالدليل القطعيّ. ثم إن المذاهب في المسألة ثلاثة : الأول: أن الأدلة السمعية قطعية والمسألة قطعيّة كذلك. والثاني: أن المسألة قطعيّة والأدلة عليها ظنية كمذهب المعترض. والثالث: ظنّة المسألة وظنية الأدلة عليها، وانظر شرح الإِسنوي على المنهاج وبحاشيته الإبهاج: (٨/٣ -٩)، والحاصل: (٧٥٦). :(*) آخر الورقة (٩٤) من ح. ۔۔ - ٤٧ - قوله: ((لا نسلِّمُ أنَّ قولَهُ: (فان لم تِجِدْ) للعمومِ)) . . قلنا: الدليلُ [الدالُّ (١)] على أنّه للعمومِ جوازُ الاستثناءِ قوله: (لمّا)) دلَّ الكتابُ والسنَّةُ على العمل بالقياس - كانَ دليلًا(٢) على الحكمِ الثابتِ بالقياسِ)). قلنا: هبْ أَنَّهُ كذلكَ [و(٣)] لكنَّ الحكمَ - الّذي هو مدلولُ القیاس لا یکونُ حاصلاً فيهما؛ وهذا القدرُ يكفي في جوازٍ أنْ يقالَ: إِنَّهُ غيرُ موجودٍ في الكتاب والسنّةِ، وقولُ معاذٍ: ((أَحكمُ بكتاب الله)) - أرادَ بهِ: ما دلَّ عليهِ الكتابُ بنفسِهِ، لا بواسطةٍ؛ إذ لو أراد [به(٤)] كَلَّ ما دلَّ عليهِ الكتابُ - سواءٌ كانَ ابتداءً أو بواسطةٍ: لكانَ القولُ بأنَّهُ إذا لم يوجدْ في الكتابِ - حكمتُ بما في السنّةِ خطأ. قوله: ((نحملُهُ على البراءةِ الأصليَّةِ». قلنا: البراءةُ الأصليّةُ معلومةٌ لكلُّ أحدٍ، فلا حاجةً في معرفتها إلى الاجتهادِ: فلا يجوزُ حملُ قولِهِ ((أجتهدُ)) علیهِ . قولُهُ: ((نحملُهُ على القياسِ الّذي نصَّ الشرعُ على علَّتِهِ، أو على ما يكونُ مثلَ قياسِ تحريمِ الضربِ على تحريمِ التأفيفِ». : قلنا(*): الشرع(*) إنَّما سكتَ - عند قولِهِ ((أَجتهدُ)) - لعلمه بأنَّ الاجتهادَ وافٍ بجميعِ الأحكام (٥)، فلو حملناهُ على ما ذكرتموهُ - من القياس - لم يكنْ ذلكٌ وافياً بمعرفةِ عشرٍ عشير الأحكام : فكانَ يجبُ أن لا يسكتَ عليه، كما [لم(٦)] يسكتْ - عند(٥) قوله: ((أَقضي بالكتاب والسنَّةِ). (١) انفردت بهذه الزیادة ی. (٢) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((دالاً». (٤) لم ترد الزيادة في ی. (*) آخر الورقة (٩١) من جـ. (٦) سقطت من آ. (٣) هذه الزيادة من ح. (*) آخر الورقة (٨٦) من آ. (٥) أبدلت الفاء في آبواو. (*) آخر الورقة (١١٧) من س. - ٤٨ - قوله: ((ما الدليلُ على الحصِ))؟ قلنا: أجمعت الأمَّةُ على الحصرِ: فوجبَ القطعُ بهِ . المسلك الثالث (١): روي أنَّ عمرَ - رضي الله عنهُ - سألَ النبيَّ صلى الله عليهِ وسلَّم عن قبلةٍ الصائم؟ فقالَ: ((أَرْأَيتَ لو تَمَضْمَضْتَ بماءٍ ثمَّ مَجَجْتَهُ أَكْتَ شَارِبَهُ؟!(٢). وجه الاستدلال [به(٣)]: أنّه عليه الصلاة والسلام استعملَ القياسَ، [وذلك (٤)] يوجبُ (٥)كونَ القياس حجَّةً. إنّما قلنا: إنَّه استعملَ القياسَ؛ لأنّه عليه الصلاة والسلام حكمَ بأنَّ القبلة (١) زاد في ى: ((ما)). (٢) أخرج أبو داود عن جابر بن عبدالله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبّلتُ - وأنا صائم - فقلت يا رسول الله: صنعت اليوم أمراً عظيماً. قبّلتُ - وأنا صائم - قال: ((أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم))؟. الحديث رقم (٢٣٨٥): (٧٧٩/٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك: (٤٣١/١)، وصححه على شرط الشيخين وأحمد في المسند: (٢١/١) والبيهقيّ في السنن الكبرى: (٢٦١/٤) وانظر الحديث وشرحه والأحكام المستنبطة منه في نيل الأوطار: (٢٨٧/٤) وما بعدها، وسنن الدارمي: (١٣/٢)، وصححه ابن خزيمة: (١٩٩٩)، (٢٤٥/٣). وقد أورده الغزاليّ في الشفاء، وقال: (( ... إنه تنبيه على أنّ القبلة مقدمة قضاء شهوة الفرج، وليس فيها قضاء شهوة الفرج، كما أن المضمضة مقدمة قضاء شهوة المعدة وليس فيها قضاء شهوة المعدة؛ : فعدم قضاء الشهوة سبب عدم الإفطار؛ لأنّ سبب الإفطار قضاء الشهوة فانتفى الحكم بانتفاء سببه)). فانظر ص (٤٤) منه، وانظر أقيسة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ص (١٩١ - ١٩٢) القياس رقم (١٧٢)، وقوله: ((أكنت شاربه)» هذه العبارة وردت عند معظم الأصولیین، ولا أصل لها فتمّة الحدیث قلت: «لا بأس بذلك)) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ففيم))؛ وعند أبي داود: ((قال: فمه)). .... (٣) لم ترد الزيادة في ل. (٤) لم ترد في ی. (٥) لفظ ى: ((فوجب)). - ٤٩ - من دون الإِنزال لا تفسدُ الصومَ، كما أنَّ المضمضةَ - من(١) دون الازدرادِ - لا تفسدُ الصومَ. وإيرادُ هذا الكلام يدلُّ على أنَّ الجامعَ - بينهما - ما يفهمُهُ كَلَّ عاقلٍ - عندَ سماع هذا الكلامِ : من أنَّهُ لم يحصلْ - عندَ المقدِّمتين - ما هو الثمرةُ المطلوبةُ: فوجب أن لا يكونَ حكمُ المقدِّمِة كحكمِ الثمرةِ المطلوبةِ(٢). وإنّما قلنا: إنّه عليه الصلاة والسلامُ لمّا استعملَ القياسَ - وجبَ أن يكونَ حجَّةً لوجهين : الأول(*): أنّ التَأسِّي [به(٣)] واجبٌ. الثاني : أنّ قولَهُ - صلى الله عليهِ وسلَّم -: ((أرأيتَ)) (٤) خرج مخرج التقرير(٥)، فلولا أنَّهُ عليه الصلاةُ والسلامُ قد مهَّدَ عندَ عمَرَ - رضي الله عنه - التعبُّدَ بالقياس لما قرَّرَ ذلكَ عليهِ !! ألا ترَى أنَّ الإِنسانَ لوحكمَ بحكمٍ من الكتاب - جازّ أنْ يقولَ لمن سأله: [عنه(٦)] أليسَ قد قالَ الله - تعالى -؛ كذا وكذا؟ إذا كانَ الكتابُ عندهُ، وعندَ من يخاطبهُ حجَّةً، ولا يجوزُ أن يقولَ ذلكَ إذا كانَ هو ومن يخاطبُهُ لا يعتقدانِ کونَهُ حجّةً . ولا يقولُ الإِنسانُ في حكمٍ حکمَ بهِ لأجلِ القياس: أليسَ أنَّ(٧) القياس (١) كذا في جـ، أ، ولفظ غيرها: ((بدون)). (٢) كذا في ح، وعبارة غيرها: ((حكم المطلوب)». (*) آخر الورقة (٨٨) من ل. (٣) هذه الزيادة من ح، ى. (٤) لفظ ی: ((یخرج)». (٥) لفظ آ: ((التقريب)). (٦) هذه الزيادة من ی، آ. (٧) لفظ ص، ح: ولأن)). - ٥٠ - يقتضيهِ؟ معَ أنَّهُ ومن خاطبهُ لا يعتقدانِ كونَ القياسِ حجّةً !! فإن قيل : هذا خبرُ واحدٍ، فلا يجوزُ بناءُ المسألةِ العلميَّةِ عليهِ. سلمنا: [ذلكَ؛ لكنْ لم قَلتَ: إِنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَبَّه ـ ها هنا - على العلةِ؟ ومثلُ هذا القياسِ - عندنَا - حجَّةٌ . سلمنا(١)]: دلالةَ الحديثِ على أنَّ القبلةَ تجري مجرى المضمضةِ، لكن ليسَ فيهِ أنّ النصَّ أوجبَ ذلكَ، أو القياسَ؛ وإذا احتملا - لم يجز القطعُ على أحدِهما بغيرِ دليلٍ . [ و(٢)] الجوابُ : قوله : «[ هذا(٣)] خبرُ واحدٍ)). قلنا: سبقَ الجوابُ عنهُ. قوله: (((٤) نبّه على العلّة)). قلنا: إنّه - عليه الصلاة والسلام - ما نصَّ على العلَّةِ، ولكنَّه لم يفعلْ إلّ أنّه (٥) ذكرَ أصل (٦) القياس؛ بلى(٧) العلّةُ متبادرةٌ إلى الإِفهامِ، والتنصيصُ على (١) ما بين المعقوفتين سقط من ل، ى، ولفظ ((لكن)) في آ: ((ولكنّا)) ونحوه في ح لكن من غير واو. (٢) هذه الزيادة من ل، آ، ح. (٣) هذه الزيادة من ى. (٤) زاد في س، ل، جـ،: ((ما))، والأنسب حذفها، لأن المعترض إنّما أراد: أن العلة دل عليها الإيماء، وليست منصوصاً عليها لتكون حجّة. (٥) ربما كان الأنسب التعبير بـ ((لأنّه))، ولكنها وردت هكذا في سائر الأصول. (٦) أراد بهذا: أن خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسيدنا عمر - رضي الله عنه - بهذا القياس دليل على أن قاعدة القياس مقرّرة في الشّريعة فلو راعاها عمر - لفهم الحكم الذي سأل عنه، وهذا أبلغ في الدلالة على حجيّة القياس. من التنصيص على العلة، فهو تنبيه من الشارع عليه السلام على أصل القياس في الشرع وانظر شفاء الغليل (٤٥). (٧) أبدلت في ل بـ (في)). - ٥١ - أصلِ القياسِ لا يكونُ تنصيصاً(*) على العلَّةِ. قولُهُ ((إِنَّه ليسَ في الحديثِ أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ أجرَى القبلةَ مجرى المضمضةِ، لأجلِ نصِّ أو لأجلِ قياسٍ)) !! قلنا: بيًّّا: أنَّ المفهوم من قوله عليه الصلاةُ والسلامُ: ((أَرأيتَ لو تمضمضتَ)) - هو أنَّ كلَّ واحدٍ - منهما - لم يحصل الثمرة المطلوبة (١) بذلك الفعل. ولو أنَّ بعضَ العامَّةِ، فضلًا عن أهل العلم (٢)استفتی فقيهاً- في صائم. قبَّل ولم يُنْزِل، فقالَ لهُ الفقيهُ: ((أرأيت لو تمضمضتَ بماءٍ، ثم مَجَجْتَهُ)) - لاكتفىَ المستفتي بذلك في أنَّ القبلةَ لا تُفسد صومه، ولعلمَ(٣) أنّه(٥) أجرى أحدهما مجرَى الآخر - من الوجهِ الَّذي ذكرناهُ: فبطلَ أن يقالَ: إنَّ هذا الكلامُ لا يدلُّ على الوجهِ الجامعِ بينهما، وأنَّهُ لا يمتنعُ أن يكونَ بعضُ الظواهر (٤) اقتضى الجمعَ . المسلكُ الرابعُ : التمسك بقوله عليه الصلاةُ والسلامُ للخثعميَّةِ: ((أَرأيتِ لو كانَ على أبيكِ دينٌ قضيته، أكان يجزى؟)) فقالت: نعم، قال: ((فدينُ اللهِ أُحقُّ بالقضاءِ(*)). (٥) آخر الورقة (٣١) من ض. (١) في ح: ((لذلك)). (٢) زاد في ى: (لـ))، وهو خطأ. (٣) في سٍ، ل، ج: ((ويعلم)). (٥) آخر الورقة (٩٥) من ح. (٤) لفظ ى: ((يقتضي)). (٥) أخرجه الإمام الشافعيّ في مسنده فانظر بدائع المنن: (٢٨٧/١)، والبخاري فانظره بهامش فتح الباري: (٣٠٠/٣، ٥٦/٤ -٦٠): ومسلم: (٩٧/٩ - ٩٨) ط المصرية. وابن خزيمة في صحيحه: (٣٤٤/٤) وأحمد في المسند فانظر الفتح الربّاني: (٢٣/١١)، ومالك في الموطأ: (٣٥٩/١) ط الحلبي ت محمد فؤاد عبد الباقي وانظر نصب الراية: (١٥٦/٣) والتلخيص الحبير: (٢٢٤/٢) الحديث رقم (٩٦٠) والدراية: (٤٩/٢) الحديث رقم (٥١٨) ونيل الأوطار: (٩/٥). - ٥٢ - و[وجه(١) الاستدلال بِهِ: كما في قبلةِ الصائمِ من غيرِ تفاوتٍ. المسلك الخامس : [الإجماعُ(٢)] - وهو الَّذِي عوَّلَ عليهِ جمهورُ الأصوليِين. وتحريرهُ: أنَّ العمل (*) بالقياسِ مجمعٌ عليهِ - بينَ الصحابةِ - و[كلُّ (٣)] ما 1. كان مجمعاً عليه - بين الصحابة - فهو حقٌّ: [فالعمل بالقياس حقٌّ (٤)]. وقال الغزاليّ - رحمه الله - بعد أن أورد الحديث -: ((فإن قيل: ألا قيس عليه الصوم = والصلاة وكل ذلك دين من جهة الله - عزَّ وجلّ - ثابت في الذمة، وقد ظهر علة جواز القضاء بزعمکم - وهو کونه دیناً. قلنا: لأنّه شبهّه بدين عرف من جهة الشرع تطرّق النيابة إلى أدائه، وعرف - أيضاً - أن الحج أيضاً - تتطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أن الصوم والصلاة لا مدخل للنيابة في تبرئة الذمة عنهما فالأدلة المعرفة للجمع، والفرق في النيابة تخصص العلة بالحج، وتقطع عنه الصوم والصلاة، وليس في ذلك ابطال العمل. وفانظر شفاء الغليل (٤٥ - ٤٦). هذا: وقد ذهب جمهور الفقهاء: إلى أن النيابة في الصوم لا تصح مطلقاً سواء أكان صوم . رمضان أم صوم نذر. وذهب ابن عباس والليث وأبو ثور: إلى صحة النيابة في صوم النذر فقط - وهو المختار لابن قدامة. فانظر المغني: (١٤٢/٣) والأم: (٨٩/٢) والبداية: (٢٥٦/١)، والبدائع: (١٠٣/٢). (١) هذه الزيادة من ح. (٢) سقطت الزيادة من ل، آ، ى، جـ. (*) آخر الورقة (١١٨) من س. (٣) سقطت الزيادة من س. (٤) ساقط من س، ى؛ أو يقال - في تقريره -: القياس مجمع على العمل به بين الصحابة، وكلما كان كذلك فهو حجة يجب العمل بمقتضاه: فالقياس حجّة يجب العمل بمقتضاه. · أما الصغرى فدليلها: أن القياس ثبت العمل به أو القول به من بعض الصحابة، ولم يظهر من أحد منهم إنكار، فهو مجمع على العمل به بينهم : فالقياس مجمع على العمل به بینهم أما صغری هذا الدليل فتضمّن مقدمتين: إحداهما: أنّ بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس. - ٥٣ - = أمّا المقدِّمةُ الثانيةُ - فقد مرَّ تقريرُها في بابِ الإِجماعِ . وأمّا المقدَّمةُ الأولى (*) - فالدليلُ عليها: أنَّ بعضَ الصحابةِ ذهبَ إلى · العمل بالقياس(١) والقول به، ولم يظهرْ من أحدٍ منهم الإِنكارُ على ذلكَ،. ومتى كانَ كذلكَ: كانَ الإِجماعُ حاصلاً. فهذه مقدِّمات ثلاث (٢): المقدمة الأولى (٣): في بيانٍ أَنَّ بعضَ الصحابةِ ذهبَ إلى (*) العملِ بالقياسِ والقولِ بهِ والدليلُ عليهِ وجوهُ أربعةٌ . [الوجه (٤)] الأوّل: ما روي عن عمرَ بن الخطّاب - رضي الله عنه -: أنّه كتبَ إلى أبي موسى. الأشعريّ في رسالتِهِ المشهورةِ ((اعرفب الأشباه والنظائرَ، وقس الأمورَ برأيك(٥). وهذا صريح في المقصود. = والثانية: أنّه لم ينكر عليه أحد من الباقين. وكبراء مقدمة، فهذه ثلاث مقدمات تتوقف صحة الصغرى على إثباتها والكبرى مقدمة: فيكون مجموع ما تتوقف صحة دليل الإجماع عليه أربع مقدمات. وسيتكلم الإمام المصنف على كل مقدمة من هذه المقدمات الأربع. (٥) آخر الورقة (٩٢) من جـ. (١) في جـ، ى: ((أو)) . (٢) لفظ ما عداح، جـ: ((ثلاثة)). (٣) لم ترد الزيادة في ى. :(*) آخر الورقة (٨٧) من آ. (٤) هذه الزيادة من آ. .. (٥) هذه جزء من خطاب عمر - رضي الله عنه - الذي يعتبر منهجاً في آداب القضاء وقد أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (١٣٥/١٠)، وجامع بيان العلم: (٦٦/٢)، والفقيه: (٢٠٠/١)، وإعلام الموقعين: (٨٥/١ - ٨٦) ثم شرحه شرحاً مليئاً بالفوائد استغرق بقية: الجزء الأول و(١٨٢) صفحة من الجزء الثاني، وأدب القاضي: (١٣٤/١، ٥٧٠)، = - ٥٤ - الوجه الثاني : أنّهم صرّحوا بالتشبيه؛ لأنّه روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّه أنكرَ على زيدٍ قوله: ((الجدُّ لا يحجبُ الإِخوةَ)) فقال: ((أَلا يَتَّقي الله زيدُ بن ثابتٍ يجِعُل ابنَ الابن ابناً، ولا يجعلُ أَبَ الأَب أَباً(١))؟. ومعلوم أنَّه ليسَ مرادهُ تسمية الجدِّ ((أبا)؛ لأنَّ ابن عباس - رضي الله عنهما = والمحلّى: (٣٩٣/٩) وانظر هامش الجزء الخامس، ص ٣٨ من هذا الجزء من هذا الكتاب. (١) زاد في غيرى: ((لا)) فصارت: ((ألا لا يتقي))، وهو الموافق لمعظم الروايات الواردة في كتب الأصولِين، ورفعها هو الموافق للفظ أبي عمر. الآتي وبهذا اللفظ أو قريب منه لم أعثر على هذا الأثر في كتاب الفرائض من سنن البيهقي كما أشار إلى ذلك كثير من الأصوليّين، فانظر: (٢١٠/٦ - ٢٦٣) منه. كما لم أجده في مظانّه من كتب الآثار - التي استطعت الرجوع اليها، ولكني وجدت قول ابن عباس في الجد -: ((هو أب)) فانظر مصنف عبد الرزاق - الحديث: (١٩٠٥٤، و١٩٠٥٦، و١٩٠٥٩)، ونحوه في سنن البيهقي: (٢٤٦/٦)، كما وجدت ما روي عن زيد بن ثابت - من أنه يجعله أخا، ولذلك يقاسم الإخوة في النصف - أيضاً -: (١٩٠٥٨، ١٩٠٥٩ و١٩٠٦٣)، ونحوه في السنن: (٢٤٩/٦). وقد أورد الأثر بلفظ قريب من لفظ المخطوط ابن عبد البرفي جامع بيان العلم: (١٠٧/٢) حيث ورد وبدون إسناد قوله: «ليتق الله زيد أيجعل ولد الولد بمنزلة الولد، ولا يجعل أب الأب بمنزلة الأب؟ إن شاء باهلته عند الحجر الأسود))، وقد ورد ذكر المباهلة دون ذكر زيد في المصنف والحديث (١٩٠٢٤) وفي سن الدارمي: (٣٥٦/٢)، وراجع المعرفة خلاصة مذاهب العلماء في توريث الجد مع الإخوة حاشية الجزء الرابع ١٢٨-١٢٩ من كتابنا هذا. وينبغي أن لا يحمل - هذا الذي روي عن ابن عباس في زيد - على ظاهره - فيما لو صح - فإنهما كليهما - من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلّم - الذين وصفوا بالنص القاطع بأنّهم «رُحَمَاءُ بْنُهُمْ)) فلا يقدح في ذلك مثل هذه الروايات. والثابت عن ابن عباس قوله حین توفي زيد: ((هكذا يذهب العلم)). انظر إعلام الموقعين: (١٨/١) وفي رواية البيهقي: (هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير): السنن: (٢١١/٦)، ولقد أخذ ابن عباس بركاب زيد فقال له زيد: «تنحّ يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)» فقال: ((إنّا هكذا نفعل بكبرائنا وعلمائنا)) المرجع نفسه. فرضي الله عن أصحاب رسوله أجمعين. - ٥٥ - - لا يذهبُ عليه(١) مع تقدِّمه - في اللّغة -: أنّ الجدَّ لا يسمَّى ((أباً)) حقيقةً؛ ألا ترى أنّه ينفي عنه هذا الاسمَ - فيقالُ: ((إنَّه ليسَ أباً للميّتِ، ولكنَّهُ جدُّه؟ فلم يبقَ إلاّ أنَّ مراده(٢) أنّ الجدَّ بمنزلةِ الأبِ - في [حجبِهِ(٣)] الإخوةَ: كما أنَّ ابْنَ الابنِ بمنزلةِ الابنِ [في حجبهم(٤)]. وعن عليّ وزيد أنّهما شَبَّهاهما بغصني شجرةٍ(*)، وجدولي نهرٍ - فعرفا(٥) بذلكَ قربهما من المُيِّتِ، ثمّ شرِّكا بينهما في الميراثِ(٦). الوجه الثالثُ: أنَّهم اختلفوا في كثير من المسائل، وقالوا فيها أقوالاً ولا يمكنُ أن تكونَ تلكَ الأقوالُ إلّ عن [الـ(٧)] -قياس. واعلم أنَّ الأصوليّينّ أكثروا من تلك المسائل إلا أنَّ أظهرهَا أربع (٨). إحداها: مسألة ((الحرام)) فإنّهم قالوا فيها خمسة أقوال: فنقلَ(٩) عن علّيٍ وزيدٍ وابن (١) كذا في ل، ي، ولفظ غيرهما: ((إليه). (٢) زاد في ى: «هو» (٣) لم ترد في ی. (٤) في ح، ى: ((حجية)). (*) آخر الورقة (٥٧) من ی. (٥) لفظ ل، ى: ((فعرفوا)). (٦) وتشبيه الإِمام عليّ - كرم الله وجهه - الجد والاخوة بسيل سال فانشعبت منه شعبة ثم انشعبت منه شعبتان تجده في سنن البيهقي: (٢٤٧/٦ و٢٤٨). وأما تشبيه زيد بن ثابت - رضي الله عنه - لهم بالغصن من الشجرة فانظره في المرجع نفسه ايضاً، وانظر التشبيهين - أيضاً - في مصنف عبد الرزاق: (١٩٠٥٨)، (٢٦٥/٨)، وإعلام الموقعين: (٦٣/١). (٧) لم ترد في ح، ى. والقصد من كل ما ذكر في هذا الوجه إثبات وقوع الخلاف بين الصحابة في هذه المسائل للدلالة على أن هذا الخلاف بناء على القياس فلو كان نصّ لرجعوا إليه، ولما لم يحدث واستمر الخلاف: كان ذلك دليلاً على أخذهم بالقياس. (٩) لفظ ی: «فروی)». (٨) في ج، آ: ((أربعة أوجه)). - ٥٦ - عمرَ - رضي الله عنهم - أنَّهُ في حكم (١) التطليقاتِ الثلاثِ. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنَّهُ في حكمِ التطليقةِ الواحدة، إمّا بائنة أو رجعيّة - على اختلافٍ بينهم. وعن أبي بكرٍ وعمرَ وعائشةَ - رضي الله عنهم -: أنّه يمين تلزمُ(٢) فيه الكفّارةُ . وعن ابن عبّاس - رضي الله عنه - أنّه في حكم (٣) الظهار. وعن مسروق - رحمه الله -: أنَّه ليسَ بشيءٍ، لأَنَّه تحريمٌ لما أحلَّهُ الله - تعالى - فصارَ كما لو قالَ: «هذا الطعامُ عليَّ حرامٌ». ۔۔ والمرتضى روى هذا القولَ عن عليٍّ (٤) - رضي الله عنه . وثانیتھا : أنَّهم اختلفوا في الجدِّ معَ الإِخوةِ: فبعضهُم ورَّثَ الجدَّ مع الإِخوةِ. وبعضهُم أنكرَ ذلكَ. والأوَّلونَ اختلفوا: فمنهم من قالَ: ((إنّه يقاسمُ الإِخوةَ ما كانت (٥) المقاسمةُ (١) عبارة ى: ((أنهم حكموا في)). (٢) كذا في ى، ولفظ غيرها: ((تلزمه)». (٣) عبارة ى: ((حكم بالظهار)). (٤) مذاهب العلماء من الصحابة ومن بعدهم في هذه المسألة كثيرة أوصلها بعضهم إلى اثني عشر مذهباً كابن حزم في المحلى: (١٢٤/١٠) وما بعدها وبعضهم إلى خمسة عشر: مذهباً كابن القيم في الإعلام: (٦٤/٣ - ٧٢) فانظر تفاصيل هذه المذاهب وأدلة أصحابها فيما ذكرنا وفي فتح الباري: (٢٨٩/٩)، وأحكام القرآن للجصاص: (٥٧٢٣/٣)، ومصنف عبد الرزاق: (١١٣٥٧ - ١١٣٩١)، (٣٩٩/٦ -٤٠٥) وسنن البيهقي: (٣٥٠/٧ -٣٥٣)، والمغني: (٣٠٤/٨)، ونيل الأوطار: (٥٦/٧ - ٦٠) وعمدة القارىء: (٢٤٠/٢٠) والمدونة: (٧٥/٥)، ومغني المحتاج: (٢٨٢/٣)، والتلخيص الحبير: (٢١٥/٣ - ٢١٦) وشرح صحيح مسلم للنووي: (٧٣/١٠ - ٧٨) ط المصرية. (٥) في ح: ((ما دامت)). -٥٧ - خيراً لهُ من الثلثِ))، فأجراه مجرَى الأمّ، ولمُ ينقِصْ حقَّه عن حقِّها؛ لأنَّ له معَ الولادة تعصيباً. ومنهم من قالَ: ((إنَّهُ يقاسم الإِخوةَ ما كانت المقاسمةُ خيراً له من السدسِ » وأجرَاه مجرى الجدة(١) - في أن لا ينقص(٢) حقّها من السدس. وثالثتها : اختلافُهم في مسألةِ ((المشرّكة)) - وهي: زوجٌ وأمّ وإخوةٌ لأمٍ وإخوةٌ لأبٍ وأمٍ؛ حكم عمرُ - رضي الله عنهُ - فيها بالنصف للزوجِ ، وبالسدسِ للأمّ، وبالثلثِ للإِخوةِ من الأمُّ، ولم يعطِ للإِخوةِ من الأب والأم شيئاً - فقالوا: ((هبْ أنَّ أبانا كان حماراً، ألسنا من أمٍ واحدٍة؟ فشرّك بينهم وبين الإِخوة من الأمُّ في الثلثِ(٣). ورابعتها : اختلافهمُ في ((الخلع)) هل يهدم من الطلاق شيئاً، أو (٤) يبقى عدد الطلاق على ما كان(٥). ففي إحدى الروايتين عن عثمانَ - رضي الله عنه -: أنّه طلاقٌ. والرواية (١) لفظ آ: ((الجدة))، وهو خطأ. (٢) في ل، آ: ((ينقصها)). (٣) راجع مذاهبهم في هذه المسألة في المغني: (٢١/٧) وما بعدها، وتفسير ابن كثير: (٤٦٠/١)، والقرطبي: (٧٩/٥)، وسنن البيهقي: (٢٣٢/٦)، وانظر مصنف عبد الرزاق: (١٩٠٠٥، ١٩٠٠٦، ١٩٠٠٧)، وبداية المجتهد: (٢ /٢٧٦) ط امبابي ١٣٨٦هـ .. ولمعرفة مذهب الشافعية - خاصة - مغني المحتاج: (١٧/٣ -١٨) وانظر الرحمة في اختلاف الأئمة (١٩٣). (*) آخر الورقة (١١٩) من س .. (٤) لفظ ى: ((أم)). (٥) كذا في ل، آ، ح، ولفظ غيرها: ((كما كان)). - ٥٨ - الأخرى: أَنَّهُ ليسَ بطلاقٍ. وهو محكيُّ عن ابن عبّاسٍ(١) [و(٢)] إذا عرفتَ هذه المسائلَ - فنقولَ: إمَّا أن يكونَ ذهابُ كلِّ واحدٍ منهم إلى ما ذهب إليهِ، لا عن طريقٍ، أو عن طريقٍ (*). والأوّل باطل(*) لأنَّ الذهابَ إلى الحكمِ ، لا عن طريقٍ - باطلٌ. فلو اتَّفقوا عليهِ كانوا متَّفقين على الباطل (٣)، وأنّه غير جائز. وأمَّا إن ذهبوا إليها عن طريقٍ : فذلك الطريقُ، إمّا أن يكون [هو (٤)] العقل - أو السمع -: والأوّل باطل(*) لأنَّ حِكمَ العقلِ - في المسألةِ - شيءٌ واحدٌ، وهو البراءةُ الأصليّةُ؛ وهذه أقاويلُ مختلفةٌ، أكثرُها يخالفُ حكمَ العقلِ . [و(٥) أمّا الثاني - فلا يخلو، إمّا أن يكونَ ذلكَ الدليلُ نصاً أو غيرَه: أمّا النصّ - فسواءٌ (٦) كانَ قولا أو فعلاً، وسواءٌ (٦) كانَ جلياً أو خفيّاً - فالقولُ بهِ باطلٌ؛ لأنَّهم لو قالوا بتلك الأقاويلِ لنصِّ لأظهروهُ، ولو أظهروهُ لاشتهرَ، ولو اشتهرَ لنقلَ، ولو نقلَ لعرفَهُ الفقهاءُ والمحدّثونَ، ولمّا لم يكنْ كذلك: علمنا (٧) أنَّهم لم يقولوا بتلكَ الأقاويل لأجل نصِّ(٨). (١) راجع المغني: (١٨٠/٨) ورحمة الأمة: (٢١٥)، والبداية (٧٥/٢)، ونیل الأوطار: (٣٨/٧)، والمحلى: (٢٣٩/١٠)، وتفسير ابن كثير: (٢٧٦/١)، والمصنّف الأحاديث: (١١٧٤٧) - وما بعدها). والسنن الكبرى: (٣١٦/٧)، والقرطبي: (١٤٣/٣). (٢) هذه الزيادة من ح. (*) آخر الورقة (٩٦) من ح. (٤) هذه الزيادة من ى. (٥) لم ترد الواو في آ. (٧) في ح، ص، س: ((عرفنا)). (٣) لفظ غيرح: ((الخطأ)). (*) آخر الورقة (٩٣) من جـ. (٦) زاد في ى: ((إن)» في الموضعين. (٨) لفظ س، آ، ل: ((النص). - ٥٩ - نا :[و(١)] إنَّما قلنا: إنَّهم لو قالوا بتلكَ الأقاويل لـ [أجل(٢)] نصٍّ - لأظهروه: لأنَّا نعلمُ [بالضرورة(٣)] أنَّهُ كانَ من عادتهم إعظامُ نصوص الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستعظامُ مخالفتِها حتَّى نقلوا منها ما لا يتعلَّق (٤) به حكمٌ: كقوله عليه الصلاة والسلام: ((نِعمَ الإِدامُ الخلُّ (٥). (*) وكانَ من عادتِهم - أيضاً - التفخُّصُ عن نصوص الرسول - عليه الصلاة والسلام - والحثُّ على نقلها إليهم ليتمسكُّوا بها - إن كانتْ موافقةً لمذاهبهم، أو ليرجعوا عن مذاهبهم - إن كانت مخالفةً لها؛ وليسَ يجوزُ فيمن هذه عادته(٦) أن يحكمّ في قضيَّةٍ بحكمٍ لنصٍّ، ثم يسكتُ عن ذكرِ ذلكَ النصِّ، وذلكَ معلومٌ بالضرورة . ويهذا الطريق ثبتت (٧) المقدَّمةُ الثانية - وهي قولنا: ((لو أظهرَ النصُّ - لا شتهرَ ولو اشتهرَ لَنُقِلَ، ولو نُقلَ لعرَفَهُ الفقهاءُ والمحدّثونَ)). وأمّا أنَّ ذلكَ لم ينقل - فلأنّا (٨) بعد البحث التامِّ، والطلب الشديد، والمخالطةِ للفقهاء والمحدّثينَ ما وجدنا في ذلكَ ما يدلُّ على نقِلها [وذلكَ يدلُّ علىَ عدمها(٩)]. (١) هذه الزيادة من آ. (٢) لم ترد الزيادة في آ، ل، س. (٣) هذه الزيادة من ل، آ، ح. (٤) في ح: ((بها)). (٥) حديث صحيح، بهذا اللفظ أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة وأحمد في المسند عن جابر، ومسلم والترمذي عن عائشة، وبزيادة: ((اللهم بارك لنا في الخلِّ فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يقفر بيت فيه خلِّ)). على ما في الفتح الكبير: (٢٦٣/٣)، والجامع الصغير: (٣٣٠/٢)، وانظر قصة الحديث في الكشف: (٢٨٢٥) (٤٤٣/٢) والمقاصد: (١٢٥٣)، ص (٤٤٧). (*) آخر الورقة (٨٨) من آ. (٦) لفظ ى: ((حالته)). (٧) في ى، آ: ((تثبت)). (٨) كذا في ح، آ، ولفظ غيرهما: ((فلأنّ)). (٩) انفردت بهذه الزيادة ح. - ٦٠ -