Indexed OCR Text

Pages 281-300

مقدوراً للهِ - تعالى - وممكناً - في نفسه - لم يقبحْ من اللهِ - تعالى - فعلُهُ في شيءٍ
من الأوقاتِ، و[بـ (١)] شيءٍ من الجهاتِ؛ فبأنْ قالَ زيدٌ - كاذباً - «أنا رسولُ(*)
اللهِ))، يستحيلُ أن ينقلبَ الممكنُ ممتنعاً، والمقدورُ معجوزاً.
سلّمنا ذلك؛ لكنّ المعجزَ يدلُّ على كونِهِ صادقاً - في ادِّعاءِ الرسالةِ -
فقط، أو على صدقِهِ (٢) في كلّ ما أخبرَ (٣) عنه؟!
[الأوَّلُ مسلَّمٌ، والثاني (٤) ممنوعٌ]؛
بيانُهُ :
أنَّ الرجلَ إذا ادَّعى الرسالةَ، وأقامَ المعجزَ - كان المعجز دالاً على صدقه
فيما أدَّعاء(٥)، وهو كونُّهُ رسولاً، لا على صدقِه في غير ما ادَّعاء: فإنَّ الرسولَ ما
ادَّعى: كونَهُ صادقاً في جميعِ الأمورِ، أو لا يُعلمُ أنَّه ادَّعى الصدقَ في كلِّ
الأمور.
فإذنْ: هذا المطلوبُ لا يتمُّ إلَّ بإقامةِ الدلالةِ على أنَّه ادَّعى: كونَهُ صادقاً
في جميعِ ما يخبرُ عنهُ، ثمّ أقامَ المعجزةَ عليهِ؛ وذلكَ لا يكفي فيه قيامُ المعجزِ
على ادِّعاءِ الرسالةِ، وكيفَ - والعلماءُ اختلفوا في جوازِ الصغائرِ على الأنبياءِ،
بل جوَّزَ بعضهم الكبائرَ عليهم(٦)، واتَّفقوا على جوازِ السهو والنسيانِ !!
بل الصوابُ أنْ يقالَ: إنْ ظهرَ المعجزُ - عقيبَ ادِّعاءِ الصدقِ في كلِّ ما
(١) لم ترد في ي.
(*) آخر الورقة (٤٨) من جـ.
(٢) زاد في ي: «في غير ادعائه)» ..
(٣) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((يخبره.
(٤) عبارة ل: ((الأول ممنوع، والثاني مسلم))، وسقطت من آ، وفي جـ، ي: ((م، ع)).
(٥) عبارة ل: ((في ادعائه».
(٦) عفا الله عن الإمام المصنف فالذين جوّزوا على الأنبياء الكبائر لا عبرة بأقوالهم ولا
دليل معتبر لهم كما تقدم ذلك في الجزء الثالث ص (٢٢٥) وما بعدها من هذا الكتاب.
- ٢٨١ -

يخبرُ عنه: وجبَ الجزمُ بتصديقِهِ في الكلِّ، وإلّ ففي القدرِ المدَّعى [فقط (١)]
الخامسُ:
خبرُ كِلُّ الأمَّةِ عن الشيءِ - يجبُ أنْ يكونَ صدقاً؛ لقيام الدلالةِ على أنَّ
الإِجماعَ حجَّةٌ .
السادسُ:
خبرُ الجمعِ (٢) العظيم (*) عن الصفاتِ القائمة بقلوبهم - من الشهوةِ
والنفرة - لا يجوزُ أنْ يكونَ كذباً.
وأيضاً:
الجمعُ(٣) العظيم البالغ إلى حدِّ التواترِ، إذا أخبر واحدٌ - منهم - عن شيءٍ
[غير (٤)] ما أخبر عنه صاحبُهُ - فلا بدَّ وأنْ يقعَ فيها ما يكونُ صدقاً؛ ولذلك نقطعُ :
بأنَّ الأخبارَ - المرويَّةُ عنهُ - - ◌ٌَّ - على سبيلِ الآحادِ: ما هو قولُه. وإن كنّا(٥)
لا نعرفُ ذلكَ بعینِهِ .
السابعُ :
اختلفوا في [أنّ(٦)] القرائنَ، هل تدلُّ على صدقِ الخبرِ أم لا؟
فذهب النظّامُ وإِمامُ الحرمين والغزاليُّ إلیهِ.
والباقون أنكروه.
احتجَّ(٧) المنكرون بأمورٍ :
أوَّلُها (٨): أنَّ الخبرَ - مع القرائن الَّتي يذكرُها النظّامُ - لو أفادَ العلمَ: لما جازّ
انكشافُهُ عن الباطل ، لكن (٩) قد ينكشفُ عنه؛ لأنَّا قد علمنا أنَّ الخبرَ عن موتٍ
(١) لم ترد الزيادة في ل، آ، ي.
(٣) في ي: «الجمّ)).
(*) آخر الورقة (٣٣) من ي.
(٥) لفظ آ: ((ولكنّنا)).
(٤) سقطت الزيادة من ي .
(٧) زاد في آ، ي: ((و)).
(٦) لم ترد في ي.
(٩) في ي: ((وقد)).
- ٢٨٢ -
(٨) لفظ آ: ((الأول)).
(٢) لفظ ي: ((الجمّ)).

إنسانٍ - مع القرائن التي يذكرها النظّامُ - من البكاء عليه والصراخِ وإحضارٍ
الجنازة والأكفان - قد ينكشف عن الباطل، فيقال: [إنّه (١)] أغمى عليه أو لحقتْهُ
سكتةٌ، أو أظهرَ ذلكَ(*) ليعتقدَ السلطانُ مَوتَهُ، فلا يقتلُهُ.
فثبتَ: أنّ هذه القرائنَ لا تفيدُ العلمَ.
الثاني:
لو كانتْ القرائنُ هي المفيدةُ للعلمِ - لجازَ أنْ لا يقعَ العلمُ عند خبر(٢)
التواتر لعدم (٣) تلك القرائن؛ ولَمَّا لم يجزْ ذلكَ: بطلَ قولُهُ.
الثالث:
لو وجبَ العلمُ - عند خبرٍ واحدٍ - لوجبَ ذلكَ عندَ خبرِ كلِّ (٤) واحدٍ: كما.
أنَّ الخبرَ المتواترَ لمَّا اقتضاهُ في موضعٍ، اقتضاهُ في كلّ موضعٍ .
[و(*)] الجوابُ عن الأوّل:
أنّ الّذي(*) ذكرتموهُ لا يدل إلّ على أنَّ ذلكَ القدرَ(*) من القرائن لا يفيدُ
العلمِ ، ولا يلزمُ منهُ أنْ لا يحصلَ العلمُ بشيءٍ من القرائنِ؛ لأنَّ القدحَ في
صورةٍ خاصّةٍ: لا يقتضي القدحَ في كلِّ الصورِ.
وعن الثاني :
أنَّ النظّامَ يلتزمُ، ويقولُ: خبرُ التواترِ ما لم تحصلْ فيه القرائنُ - لم يفدٍ
العلم
ومن تلكَ القرائنِ: أنْ يُعلمَ أنَّه ما جمعَهم جامعٌ - من رغبةٍ أو رهبةٍ أو
التباسٍ.
(١) لم ترد في ص، ل.
(*) آخر الورقة (٦٩) من س.
(٢) لفظ آ: ((أخبار)).
(٣) في غيرح: ((لفقد)).
(٤) عبارة س، آ: ((عند كل خبر واحد)).
(٥) لم ترد الواو في جـ، س، ص.
(*) آخر الورقة (٥١) من ح.
(*) آخر الورقة (٤٩) من آ.
- ٢٨٣ -

سلّمنا ذلك؛ لكنْ لا يلزمُ من قولنا: القرائنُ تفيدُ العلمَ - قولُنا - إنَّها هي
المفيدةُ. وبتقدير أنْ تكونَ هي المفيدةُ، فلِمَ قلتَ: يجوزُ انفكاكُ خبرِ التواتر
عنها؟!
وعن الثالث :
أنَّ خبرَ الواحدِ إِنَّما يُفيد العلمَ، لا لذاته [فقط(١)] بل بمجموع القرائنِ(٢)
- فمتى حصلَ ذلك المجموعُ، مع أيِّ خبرِ کان: أفادَ العلم.
وأيضاً:
فالعلمُ الحاصلُ - عقيبَ خبرِ التواترِ عندكم - حاصلٌ بالعادةِ، فيجوزُ
- أيضاً - أن يكونَ حصولُهُ - عقيبَ القرائن بالعادةِ.
وإذا كان كذلك: جازَ أنْ تكونَ هذه(*) العادةُ مختلفةً، وإنْ كانتْ مطّردةً في
التواتر.
والمختارُ:
أنَّ القرينةَ قد تفيدُ العلمَ، إلّ القرائنَ لا تفي العباراتُ بوصفِها؛ فقد
تحصلُ أمورٌ يعلَمُ - بالضرورةِ - عندَ العلم بها كونُ الشخص خجلاً أو وجلَا()،
معَ أنَّا لو حاوَلْنا التعبيرَ عن جميعِ تلكَ الأمورِ - لعجزْنا عنهُ، والإِنسانُ إذا أُخبرَ
عن كونهِ عطشاناً - فقد يظهرُ على وجهِهِ ولسانِهِ من أماراتِ العطشِ ما يفيدُ
بكونِهِ صادقاً(٣). والمريضُ إذا أخبرَ عن ألمٍ في بعضِ أعضائِهِ، معَ أنَّهُ يصبحُ
وتُرى عليه علاماتُ ذلكَ الألمِ ، ثُمَّ إِنَّ الطبيبَ يعالجُهُ بعلاجٍ، لَوْلَمْ يكنَ
المريضُ صادقاً في قولِهِ - لكانَ ذلكَ العلاجُ قاتلاً له. فهاهنا يحصلُ العلمُ
بصدقه .
وبالجملةٍ: فكلُّ من استقرأ العرفَ - عرفَ أنَّ مستندَ اليقينِ في الأخبارِ،
ليسَ إلَّ القرائنُ.
فثبتَ أنَّ الَّذِي قالَهُ النظّامُ حقٌّ.
(١) لم ترد الزيادة في جـ، أ.
(٢) لفظ س، آ، جـ: ((المجموع)).
(*) آخر الورقة (٤٩) من جـ.
(*) آخر الورقة (٥١) من لى.
(٣) زاد في آ: «وإنّ)).
- ٢٨٤ -

القولُ
في الطرق الفاسدة
وهي خمسة:
الأوَّل :
إذا أخبرَ واحدٌ - بحضرةِ الرسول _ ◌َ﴾1 - عن شيءٍ، والرسولُ تركَ الإِنكارَ
عليه؛ قالَ بعضُهم: ذلكَ يدلُّ على كونِ ذلكَ الخبر صدقاً.
والحقُّ - أنْ يقالَ: ذلكَ الخبرُ إمّا أنْ يكونَ خبراً عن أمرٍ يتعلَّقُ(١) بالدِّينِ أو
بالدُّنيا.
فإنْ كانَ عن الدين فسكوتُهُ - عليه الصلاة والسلامُ - عن الإِنكارِ(٢) يدلُّ على
صدقه(٣)، لكن بشرطينٍ:
أحدهما:
أن [لا (٤)] يكونَ قد تقدَّم بيان ذلك الحكم.
والثاني :
أنْ يجوزَ تغيُّر ذلكَ الحكمِ عمَّا بيَّنَهُ فيما قبلُ.
وإنَّما وجبَ اعتبارُ هذين الشرطينِ: لأنَّ بيانَ الحكمِ لو تقدَّمَ، وأمِنَّا عدمَ
تغيّرِه - كانَ - فيما سبقَ - من البيانِ ما يغني عن استئنافِ البيانِ؛ ولهذا لا يلزمُهُ
- عليه الصلاةُ والسلامُ - تجديدُ الإِنكارِ حالاً بعدَ حالٍ على الكفّارِ.
(١) لفظ ل، آ: «متعلق)).
(٢) لفظ ح: ((إنكاره)).
(٣) زاد في آ: ((و).
(٤) سقطت هذه الزيادة من ح.
- ٢٨٥ -

وأمّا القسم الثاني - وهو الخبرُ عن أمرٍ متعلّقٍ(١) بالدّنيا - فسكوتُهُ .- عليه
الصَّلاة والسلامُ يدلُّ على الصدقِ بأحدٍ شرطين:
أحدهما :
أن يَستشهدَ بالنبيُّ : - وَ(*) -، ويدَّعي عليه عِلمَه بالمخبَرِ عنْهُ.
وثانيهما :
أنْ يعلمَ الحاضرونَ عِلِمَ النبيَّ - وَ﴿ - بتلكَ القصّةِ؛ ففي كلِّ واحدٍ من
هذين الوجهين يجبُ صدقُ الخبر، إذ سكوتُ الرسولِ - وَّرَ ـ هاهنا - يوهُمُ
التصديقَ؛ فلو كَانَ(٢) المخبر كاذباً - لكانَ الرسولُ - وَ﴾.ـ قد أوهمَ تصديقَهُ؛ وأنَّهُ
غیرُ جائزٍ.
وأمَّا(٢) إذا علمنا أنَّ الرسولَ ـ لَ﴾ - لم(٤) يعلم المخبرَ عنهُ - أو جوّزنا ذلك:
لم يلزمْ - حينئذ - من السكوتِ عن التكذيب حصولُ التصديق؛ لأنَّهُ عليه الصلاة
والسلام يجوزُ سكوتُهُ، لاحتمالٍ كونِهِ متوقُّفاً(*) في الأمرِ.
الثاني :
قالوا: إذا أخبر الواحدُ بحضرة جماعةٍ كثيرةٍ عن شيءٍ ۔ بحیثُ لو کان
كذباً - لما سكتوا عن التكذيب - كانَ ذلكَ دليلًا على صدقِهِ [فيه (٦)]؛ لأنَّهم إمّا:
أن يكونوا سكتوا(٧) مع علمهم بكذبِهِ، أو لا معَ علمِھم بكذبِهِ.
والأوّل: باطل؛ لأنَّ الداعي إلى التكذيبِ قائمٌ، والصارفَ زائلٌ؛ ومعَ
(١) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((يتعلّق)) ..
(*) آخر الورقة (٧٠) من س.
(٢) في ل زيادة: ((عنه)).
(٣) كذا في ح، وأبدلت في غيرها بـ: ((ف)).
(٤) كذا في ح، ولفظ غيرها: ((لا)).
(٥) عبارة ل، آ: ((سكت لكونه متوقفاً)).
(٦) هذه الزيادة من ح.
(٧) عبارة ح: ((أن يسكتوا)).
- ٢٨٦ -

حصولٍ هذين الشرطين - يجبُ الفعلُ، فلمَّا لم يوجدْ: دلَّ على أنهم لم يعلموا
كذبه .
وإنَّما قلنا: إنَّ الداعيَ حاصل؛ لأنَّ من استشهدَ على خبرٍ كذب فأراد.
الصبرَ على(١) التكذيب وَجَدَ من نفسِهِ مشقةً على ذلكَ الصبرِ، وذلك يدلُّ على
حصولِ الداعي .
وأمَّا زوالُ الصارفِ(٥) - فإنَّ ذلك(*) الصارفَ إِمَّا رغبةً أو رهبةٌ، والجمعُ
العظيمُ لا يعمُّهُم من الرغبةِ أو الرهبةِ ما يحملُهم على كتمانِ ما يعلمونَ، ولهذا
لا يجتمعون على كتمانِ الرخصِ والغلاءِ العظيمين.
فأمَّا (٢) القسم الثاني - وهو أنْ يقالَ: سكتوا لعدمِ علمِهِم بكذبِ القائلِ -
فباطلٌ؛ لأنَّهُ يبعدُ عن (٣) الجمعِ العظيمِ أن لا يطَّلعَ واحدٌ - منهم - علیهِ.
واعلم: أنَّ هذا الطريقَ لا يفيدُ اليقينَ، بل الظنَّ؛ لأنَّه لا يمكننا القطعُ
بامتناع اشتراكِ الجماعةِ - الذين حضروا - في رغبةٍ أو رهبةٍ مانعةٍ من
السكوت (٤).
وإن سلّمناهُ؛ لكنْ لا يُستبعدُ غفلةُ الحاضرين عن معرفةِ كونِهِ كذباً؛ إذ
ربّما(*) لم يتعلّق لهم به غرض - فلم يبحثوا عنه.
الثالثُ:
زعمَ أبو هاشمٍ والكرخي وتلميذُهما أبو عبد الله البصريُّ: أنَّ الإِجماع على
العملِ بموجّبِ الخبرِ: يدلُّ على صحّةِ الخبرِ. وهذا باطلٌ من وجهينِ(٥).
أحدهما(٦):
أنّ عملَ كلِّ (٧) الأمَّةِ بموجَبِ الخيرِ لا يتوقَّفُ على قطعِهِم بصحَّةِ ذلكَ
(١) لفظ أ: ((عن)).
(*) آخر الورقة (٥٠) من آ.
(*) آخر الورقة (٥٢) من ح.
(٢) في ل، آ: «وأما)).
(٤) في ح: ((عن)).
(٣) لفظ آ: ((في).
(*) آخر الورقة (٥٠) من جـ.
(٦) لفظ ح: ((الأول)).
(٥) في جـ، آ: ((الوجهين)).
(٧) عبارة ل: ((أن كل عمل للأمّة)).
- ٢٨٧ -

الخبر: فوجبَ أنْ لا يدلَّ على صحّةٍ [ذلك (١) ] الخبرِ.
أمَّا الأوَّلُ:
فلأنَّ العملَ بخبر الواحدِ واجبٌ في حقِّ الكلِّ؛ فلا يكونُ عملُهم به متوقّفاً
على القطعِ بهِ.
وأمَّا الثاني :
فلأنَّهُ لَمَّا لم يتوقّفْ عليهِ: لم يلزمْ من ثبوتِهِ ثبوتُهُ.
الثاني (٢):
أنّ عملَهم بمقتضى ذلك الخبر يجوزُ أنْ يكونَ لدلیلٍ آخرَ؛ لاحتمالٍ قیامٍ
الأدلّةِ الكثيرةِ على المدلولِ الواحدِ.
[و(٣)] احتجّوا:
بأنَّ المعلومَ - من عادةِ السلفِ فيما لم يقطعوا بصحَّتِهِ: أنْ يُدَّ(*) مدلولَهُ
بعضُهم، ويقبّلَهُ الآخرونَ .
[و (٤)] الجوابُ:
هذه العادةُ ممنوعةٌ، بدليلِ اتِّفاقِهم على حكم المجوسِ - بخبر عبد
الرحمن .
الرابعُ :
قال بعضُ الزيديَّةِ: بقاءُ النقل ، مع توفّرِ الدواعي على إبطاله
يدلّ على صحَّة الخبر(٥): كخبر الغدير(٦)، والمنزلةِ(٧)؛ فإنَّه
(١) هذه زيادة جـ.
(٢) في غيرح زيادة: ((و))، وهذا ثاني الوجهين.
(٣) لم ترد الزيادة في س، آ، جـ، ح. (*) آخر الورقة (٥٢) من ل.
(٤) لم ترد الواو في س.
(٥) في غيرح: ((الصحّة)).
(٦) سيأتي تخريجه في ص(٢٩٧) وما بعدها.
(٧) سيأتي تخريجه في ص (٢٩٧) ..
- ٢٨٨ -
٠٠

سلِّم (١) نقلُهُما - في زمانٍ بني أميّةَ - مع توفُّرِ دواعيهم على إبطالهما.
وهذا - أيضاً - ليسَ بشيءٍ؛ لاحتمالِ أنه كان من (٢) باب الآحادِ [أولاً (٣)]
ثمّ اشتهر - فيما بينَ الناس - بحيثُ عجز العدوُّ عن إخفائِه.
ولأنَّ الصوارفَ - من جهةِ بني أمِيَّةَ - وإن حصلتْ، لكنَّ الدواعيَ - من جهةٍ
الشيعة - حصلت.
ولأنَّ الناسَ إذا مُنِعوا من إفشاء فضيلةِ إنسانٍ : كانتْ محبّتُهم (*) لهُ وحرصُهم
على ذكرِ مناقبهِ أشدَّ مِمَّا إذا لم يُمنعوا.
الخامس :
اعتمدَ كثيرٌ من الفقهاءِ والمتكلُّمينَ - في تصحيحِ خبرِ الإِجماعِ وأمثالِهِ -
بأنَّ الأمّة فیه علی قولینِ:
منهم من احتجَّ بهِ؛ ومنهم من اشتغلَ بتأويلِهِ؛ وذلكَ يدلُّ على اتّفاقِهم على
قبوله .
وهو ضعيفٌ - أيضاً - لاحتمالِ أن يقالَ: إِنَّهم قبلُوهُ، كما يُقبلُ خبرُ
الواحدِ (٤).
ويمكن أن يجابَ عنه: بأنَّ خبرَ الواحدِ (٥) يُقبلُ في العمليّاتِ، لا في
العلميَّاتِ؛ وهذه المسألةُ علميّةٌ، فلمّا قبلوا هذا الخبرَ فيها - دلَّ ذلك على
اعتقادهم في صحّته.
[و(٦)] الجوابُ:
لا نسلِّمُ أنَّ كلَّ الأمّةِ قبلوهُ، بل كلُّ من لم يحتجِّ به - في الإِجماعِ - طعن
(١) كذا في ح، آ، ولفظ غيرهما: ((يسلّم)).
(٢) كذا في ل، آ، جـ، وفي النسخ الأخرى: ((لجواز أنه من)).
(٣) هذه الزيادة من س.
(*) آخر الورقة (٧١) من س.
(٤) لفظ ح: ((الآحاد)).
(٥) زاد آ، جـ: ((إنّما)).
(٦) لم ترد الواو في جـ، أ.
- ٢٨٩ -

فيه بأنَّه من باب الآحادِ؛ فلا يجوزُ التمسُّكُ به في مسألةٍ علميّةٍ، بل هبْ أنَّهم
ما طعنوا فيه - على التفصيل - لكن لا يلزمُ من عدمِ الطعن من جهةٍ واحدة:
عدمُ الطعن مطلقاً.
- ٢٩٠ -

الباب الثالث
في الخبر الذي يقطع بكونه كذباً
وهو أربعةٌ :
الأوَّلُ:
الخبرُ الَّذي ينافي مَخَبَرُهُ وجودَ ما عِلِمَ بالضرورةِ - سواءً كانَ المعلومُ
- بالضرورة - حسّاً أو وجدانيّاً أو بديهيّاً.
ومن هذا الباب: قولُ القائلِ - الَّذي لم يكذِبْ قطُّ -: ((أنا كاذبٌ))؛ فهذا
الخبرُ كذبٌ؛ لأنَّ المخبرَ عنهُ بكونِهِ كاذباً، إمّا أنْ تكونَ الأخبارُ - الَّتِي وُجِدَتْ
قبلَ هذا الخبرِ، أو هذا الخبر.
والأوَّلُ: باطلّ؛ لأنَّ تلك الأخبارَ ماكانتْ كذباً، فإخبارُهُ عن نفسِهِ - بكونه
كاذباً فیھا ۔ كذبٌ.
والثاني: باطلٌ؛ لأنَّ الخبرَ عن الشيء يتأخَّرُ - في الرتبة - عن المخيّرِ عنْهُ؛
فإِنْ جعلنا الخبرَ عينَ المخبرِ عنهُ: لزمَ تأخْرُ الشيءِ عن نفسهِ - في الرتبةِ (*) - وهو
محال . :
الثاني:
الخبرُ الَّذي يكونُ مَخبرُهُ على خلافِ الدليلِ القاطعِ.
ثمَّ ذلكَ الخبرُ إِمَّا أنْ يحتملَ تأويلاً صحيحاً، أو لا يحتملَهُ؛ فإن احتملَهُ
- فإمَّا أنْ يحتملَ تأويلا قريباً أو تأويلاً متعسِّفاً:
فإنْ كان قريباً - جازَ أن يكونَ النبي - وََّ - قد تكلّمَ به(٥) لإِرادةِ ذلكَ
(٥) آخر الورقة (٥٣) من ح.
(*) آخر الورقة (٥١) من آ.
- ٢٩١ -

المعنى، كما في متشابهاتِ الكتاب.
وإن كان متعسِّفاً - حكم إمّا بكذبهِ، وإمَّا بأنَّه كانَ معهُ زيادةٌ أو نقصانٌ
- يصحُّ الكلامُ معه، معَ أنَّه لم يُنقلْ(*).
وكذا القولُ فيما لا يقبلُ التأويلَ.
الثالث :
وهو - في الحقيقةِ - داخلٌ تحت القسمِ الثاني -: الأمرُ الَّذي لو وَجِدً
لتوفَّت الدواعي على نقلِه - على سبيل التواترِ - إمَّا لتعلَّقِ الدينِ بهِ: كأصول
الشرع ، أو لغرابتهِ: كسقوطِ المؤذِّنِ من المنارةِ، أو لَهما جميعاً؛
كالمعجزاتِ، ومتى(١) لم يوجدْ ذلكَ: دلَّ على كذبهِ.
والخلاف [فيه(٢)] مع الشيعةِ؛ فإنَّهم جُوَّزوا في مثلِ هذا الشيءِ أنْ لا يظهرُ
لأجلِ الخوفِ والتقيَّةِ.
لنا:
لو جوّزنا ذلكَ - لجوَّرْنا أنْ يكونَ بين البصرةِ و[بين(٣)] بغدادَ بلدةٌ أعظمُ
منهما - مع أنَّ الناس ما أخبروا عنها ..
ولجوَّزنا أنْ يكونَ الرسولُ - وَ﴾ - أوجبَ عشرَ صلواتٍ(٤)، لكن الأمَّةَ مَا
نقلتْ إلَّ خمسةً؛ ولمَّا كان ذلكَ باطلًا: فكذا ما أدَّى إليه.
فإنْ قيلَ: هذا الكلامُ ظلمٌ؛ لأنَّ العلمَ بعدمِ هذه الأمورِ، إمّا أنْ يكونَ
متوقِّفاً على العلمِ : بأنَّهُ لو كانَ - لوجبَ نقلُهُ. أو لا يكونَ متوقّفاً عليه.
فإنْ كانَ الأوَّلَ: وجبَ أنْ يكونَ الشاُ - في الأصل - شاكّاً في هذه
الفروع ، لكنّ الناسَ كما يعلمون بالضرورةِ وجودَ بغداد والبصرةِ: يعلمونَ
- بالضرورة - عدمَ بلدةٍ بينهما أكبرُ منهما، والعلمُ الضروريُّ لا يكونُ متوقُّفاً على
العلم النظريِّ .
(٥) آخر الورقة (٥١) من جـ.
(١) زاد في ح، آ: ((ما)).
(٢) لم ترد الزيادة في ح.
(٣) لم ترد في ح، آ.
(٤) زاد في س: ((و).
- ٢٩٢ -

۔۔
وإنْ كان الثاني - فحينئذٍ: العلمُ بعدم هذه البلدةِ غيرُ متوقُّفٍ على العلمِ
بأنَّها لو كانتْ لنُقِلت [فلا يلزمُ من عدمِ هذا عدمُ ذاَ.
سلّمنا توقُّفَ العلمِ بعدمِ هذه الأمورِ على العلمِ بأنَّها لو كانتْ لِنُقِلْت (١)]،
لكن(*) ما ذكرتُمُوه مثالَّ واحدً، ولا يلزمُ من حصولِ الحكمِ في مثالٍ واحدٍ
- على وفق قولِكُم - حصولُه في كلِّ الصورِ - على وفق قولكم؛ فإن قِستُم سائرٌ
الصورِ على هذه الصورةِ - فقَدْ بيّنًا: أنَّ(*) القياسَ لا يفيدُ اليقينَ؛ لاحتمالٍ أنْ
يكونَ ما بهِ فارقَ الأصلُ الفرعَ شرطاً في الأصلِ ، أو مانعاً في الفرعِ .
ثمَّ الَّذي يبِّنُ (٢): أنَّ الأمرَ ليسَ كذلكَ في كلِّ الصورِ (٣) - أمورٌ:
أحدها:
أنَّ إفرادَ الإِقامةِ وتثنيتها من أظهرِ الأمورِ وأجلاها؛ ثمَّ إنَّ ذلكَ لم ينقلْ
بالتواتر.
وثانيها :
القولُ في هيئات الصلاةِ: من رفع اليدين والجهر بالتسميةِ، كل ذلكَ أمورٌ
ظاهرةً، مع أنَّها لم تُنقلْ نقلاً متواتراً.
انشقاقٌ
ـر (٤)،
القمـ
وثالثها :
(١) ما بين المعقوفتين سقط من جـ، س، ص، ي.
(*) آخر الورقة (٧٢) من س.
(*) آخر الورقة (٥٣) من ل.
(٢) لفظ غيرح: ((بيّن)).
(٣) لفظ ل: ((صورة)).
(٤) قال الله - تعالى -: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقُ القَمَرُ وإِنْ يَرَوا ءَايَةٌ يُعْرِضوا ويَقولُوا سِحْرٌ
مُسْتَمِّرَّ﴾ الآية (١، ٢) من سورة القمر، قال القاضي عياض: ((أخبر - تعالى - بوقوع انشقاقه
بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آية؛ وأجمع المفسرون وأهل السنّة على وقوعه))، ثم نقل
حديث البخاريّ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((انشق القمر على عهد رسول الله
- *- فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله - { * -: اشهدوا)). انظر الشفاء:
- ٢٩٣ -

وتسبيحُ الحصى(١)، وإشباعُ الخلقِ(٢) الكثيرِ من الطعامِ القليل ،
= (٣٩٧/١) وانظر البخاري بهامش شرحه الفتح (٤٧٤/٨) وقال في نسيم الرياض (٣/٣) قال
السبکیّ : إنّه متواتر لا يجوز إنكاره، وردوا قول الماوردي: إن الجمهور على خلافه، وتأويل
ينشق بمعنى سينشق فإنّه لو وقع - لم يبق أحد إلا رآه، ولم يعتدّ المصنف القاضي بهذه
المقالة، وهي لا تخرق إجماع السلف - من أهل السنّة، والماورديّ ليس من أهل التفسير،
بل من أهل التأويل. وقد كان ذلك بمكة قبل الهجرة على ما رواه ابن الجوزي في ((الوفا))
عن ابن عباس.
وقد أخرج البخاري نحوه عن ابن عباس وعن أنس فانظر هذه الأحاديث في البخاريّ
بهامش الفتح (٤٧٤/٨-٤٧٥) كما ورد في ((باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - {# - آية
فأراهم انشقاق القمر)) فانظر الأحاديث بهامش الفتح (٤٦٤/٦) قال الحافظ الشارح: وقد ورد
انشقاق القمر - أيضاً - من حديث علي وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم، فأما أنْس
وابن عباس فلم يحضرا ذلك لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين وكان ابن عباس
إذ ذاك لم يولد، وأما أنس فكان ابن أربع أو خمس بالمدينة، وقد أخرج مسلم - أيضاً -
أحاديث الانشقاق فانظر: (١٤٣/١٧-١٤٥). ط المصريّة، والترمذي في سننه:
(٣١/٩-٣٢) الأحاديث رقم (٣٢٨١، و٨٢، و٨٣، و٨٤، و٨٥) وانظر مسند أحمد:
(١٦٥/٣).
(١) قال أنس - رضي الله عنه -: ((أخذ النبيّ - 18 - كفاً من حصى فسبحن في يد رسول
الله - {چ ۔ حتی سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في بد أبي بكر - رضي الله عنه - فسبحن، ثم
في أيدينا فسبّحن)). الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه. وروى مثله أبوذر، وذكر: أنهنّ
سبّحن في كف عمر وعثمان وحديث أبي ذر رواه الطبراني والبيهقي والبزار. وانظر الشفاء:
(٤٣٠/١-٤٣١)، وهامشهما، وانظر شرحيه نسيم الرياض وبهامشه شرح القاري:
(٦٦/٣).
(٢) عقد القاضي عياض فصلاً في معجزاته - عليه الصلاة والسلام - بتكثير الطعام ببركته
- زَال * - ودعائه وقد روى منها أحاديث من صحيحي البخاري ومسلم فمن رواية البخاري
حديث أبي طلحة المشهور وإطعامه - 3# - ثمانين أو سبعين رجلاً من أقراص من شعير جاء
بها أنس تحت يده - أي إبطه - فأمر بها ففتّت، وقال فيها ما شاء الله أن يقول. أخرجه البخاري
في: (٢٣٤/٤) ط محمد علي صبيح في القاهرة وانظره بهامش فتح الباري : =:
- ٢٩٤ -

ونبوعُ(١) الماءِ من بين الأصابعِ - أمورٌ عظيمةٌ، ثمَّ(٢) إِنَّها لم تُنقَلْ بالتواتِ(٣).
فإنْ قلتَ: ذلكَ لأنّهم استغنوا بنقلِ القرآن عن نقلِها.
قلت: لا نسلِّمُ حصولَ الاستغناءِ بنقلِ القرآن؛ لأنَّ كونَ القرآن معجزاً أمرٌ
لا يعرفُ إلَّ بدقيقِ النظر، والعلمُ بكونِ هذه الأشياءِ معجزاتٍ علمٌ ضروريٍّ،
فكيفَ يقومُ أحدُهما مقامَ الآخرِ؟
فإن قلتم: لا نزاعَ في حصولِ التفاوتِ - من هذه الجهةِ، ولكنْ لمَّا كانَ
القرآنُ دليلاً قاطعاً جازَ [أنْ يصيرَ(٤)] ظهورُهُ واشتهارُهُ سبباً لفتور الدواعي عن نقل
سائرِ المعجزاتِ، وإن كانتْ أظهرَ من القرآن.
فنقولُ :
لِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: إِنَّ دلالةَ قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا وِلِيُّكُمُ آالله ورَسولُهُ﴾(٥)،
= (٤٢٩/٦-٤٣٢)، وانظر روايات الحديث الأخرى ومعانيه، وما قاله الحافظ الشارح في
معانيه.
وحديث جابر في إطعامه - 183 - يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق. وهو في
البخاري: (١٣٨/٥) ط صبيح وعند الترمذي في: (٥٩٥/٥) ط الحلبي ١٩٣٧م.
قال جابر - في آخره -: «فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإنّ برمتنا لتغطّ كما هي،
وإن عجيننا ليخبز)). فانظر هذا ونحوه في الشفاء: (١ /٤١٠-٤٢٠)، وانظر شرحيه:
(٢٨/٣-٤٥).
(١) أحاديث نبع الماء بين أصابعه - 18 - وتكثير القليل منه ببركته أحاديث كثيرة جداً،
وتكررت كثيراً، ورويت بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود،
ورويت في الصحيحين وغيرهما فانظر الشفاء: (٤٠٢/١-٤١٠) وشرحيه: (١٤/٣-٢٨)،
والبخاري (٢٣٣/٤) وانظر ما جاء في باب علامات النبوة في الإسلام بهامش فتح الباري
(٤٢٥/٦-٢٩) و(٢٣٤/٤) وما قاله الحافظ في الشرح. ط صبيح. وصحيح مسلم الحديث
(١٧٨٣)، و(١٧٦٣) ط عيسى الحلبي ١٩٥٥م، والترمذي (٥٩٦/٥) ط الحلبي، والموطأ
(١٤٤) ط عيسى الحلبي ١٩٥١م.
(٢) لفظ آ: ((إلا)).
(٣) في ح: ((متواتراً).
(٤) ساقط من ل.
(٥) الآية (٥٥) من سورة المائدة وفي تفسير الإمام المصنف للآية قال: ((المسألة =
- ٢٩٥ -

= الثانية): قالت الشيعة: هذه الآية دالّة على أنَّ الإمام بعد رسول الله
#- هو عليّ بن أبي طالب قال: وتقريره - أن:
نقول: هذه الآية دالّةٌ على أنّ المراد بهذه الآية إمام، ومتى كان الأمر كذلك - وجب أن يكون:
ذلك الإِمام هو عليّ بن أبي طالب؛ وقد ذكر استدلالهم بها على ذلك وبنائه على الروايات
الواردة في سبب نزول الآية عن ابن عباس وأبي ذرّ، وكلّها في الإِمام عليَّ كرّم الله وجهه
ورضي عنه، وكذلك الاستفادة من معنى الولاية وحصره بالنصرة والتصرّف، ثم ناقش هذه.
الاستدلالات وردّها فانظر تفسيره الكبير: (٢٥/١٢-٣١). وقد ذكر الطبرسيّ في ((مجمع
البيان)) أسباب النزول التي ذكرها المصنف، ثم قال: (( ... وهذه الآية من واضح الدلائل
على صحّة إمامة عليّ بعد النبيّ بلا فصل))، ثم بين الوجه في ذلك. فانظر: المجلد الثاني
(١٢٤/٦- ١٣٠).
(١) خبر الغدير - واحد من أخبار كثيرة ومتعدّدة وردت من طرق كثيرة في فضائل الإِمام
عليّ كرّم الله وجهه ورضي عنه وأرضاه - فمن حديث زيد بن أرقم ورد من طرق عدّة - منها
قال: استشهد عليّ الناس، فقال: أنشد الله رجلاً سمع النبي - وَلّم - يقول: ((اللّهم من كنت
مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه قال: فقام ستة عشر رجلاً فشهدوا»
أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، لما رواه الإمام أحمد في المسند انظر الفتح الرباني :..
(١٢٥/٢٣) ونحوه عن رباح بن الحارث ونحوه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وفيه: فقام
اثنا عشر بدريّاً - كأني أنظر إلى أحدهم - فقالوا: نشهد إنّا سمعنا رسول الله - 14 - يقول يوم
غدير خم ... الحديث ورجاله ثقات. المرجع نفسه.
وقد أخرجه الإمام أحمد وولده عبد الله في زوائده على المسند من طرق أخرى.
وقال السيوطيّ في ((الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة)): حديث (من كنت مولاه
فعليّ مؤلاه) أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، وأحمد عن عليّ وأبي أيوب الأنصاريّ، والبزار
عن عمرو وأبي هريرة وطلحة وعمّار وابن عباس وبريدة، والطبراني عن ابن عمر ومالك بن:
الحويرث وحبشي بن جنادة وجرير وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس، وأبو نعيم.
عن جندع الأنصاريّ وقد خصص الهيثميّ في مجمع الزوائد له سبع صفحات فانظر :.
(١٠٣/٩-١٠٩)، وقال المناويّ في ((فيض القدير)»: (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه - أي: وليّه
وناصره - ولاء الإِسلام)، ونقل: أنّ ابن حجر قال: ((حديث كثير الطرق جداً استوعيها ابن:
عقدة في كتاب مفرد، منها صحاح، ومنها حسان قال ذلك يوم غدير خم)). فانظر الفتح.
الزباني: (١٢٥/٢٣-١٢٨) وهامشها وكنز العمال: (١٠٤/١٣-١٠٥) الأحاديث رقم :=
- ٢٩٦ -

ودلالةَ خبرِ الغديرِ(١)، والمنزلةِ(١) - على إمامةٍ عليّ بن أبي طالب
- رضي الله عنه - وإن كانت خفَيَّةً(٢)، إلَّ أنَّ ذلكَ صار سبباً لفتورِ الدواعي: عن
نقلِ النصّ الجليّ؟
ورابعها:
أنَّ أقاصيصَ الأنبياءِ المتقدِّمين والملوكِ الماضين ما نُقِلَتْ نقلاً متواتراً؛
وهو يقدح في قولِكُم.
[و(٣)] الجوابُ:
قولُهُ: ((العلمُ بعدم الواقعةِ [العظيمةِ(٤)]، إمّا أنْ يتوقَّفَ على العلم بأنَّها
لو كانتْ - لِنُقِلت، أو لاَ يتوقَّفَ))(٥).
قلنا: يتوقّفُ عليه .
قوله: ((العلمُ بعدمِ بلدةٍ بينَ البصرةِ وبغدادَ أكبرَ - منهما - علمٌ ضروريٍّ،
وهذه القاعدةُ نظريّةٌ والضروريُّ(*) لا يستفادُ من النظريِّ)).
(٣٦٣٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤).
هذا وقد كتب الشيخ الأمينيّ النجفي كتاباً ضخماً في ((الغدير)» بعنوان: ((الغدير في
الكتاب والسنة والأدب)، طبع منه أحد عشر مجلّداً دون أن يتم !! فتأمل. وانظر ص (١٧٠)
من هذا الجزء من الكتاب.
(١) المراد ((بالمنزلة)) الحديث الذي فيه: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))
- الحديث. عن سعيد بن المسيب ... عن سعد بن أبي وقاص قال: ((خلّف رسول الله
- * - علياً بالمدينة في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله أتخلّفني في المخالفة في النساء
والصبيان؟! فقال: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))؟!
الحديث رواه مسلم وغيره والإِمام أحمد. وقد روي من طريق ابن عباس - أيضاً - بنحوه.
فانظر صحيح مسلم: (١٧٤/١٥-١٧٥)، والفتح الرباني: (٢٠٤/٢١ -٢٠٥)،
و(١٢٨/٢٣-١٢٩)، والكنز: (١٠٥/١٣) (٣٦٣٥١)، ومجمع الزوائد: (١٠٩/٩-١١١).
(٢) لفظ آ: ((حقيقة))، وهو خطأ.
(٣) لم ترد الواو في ل.
(٥) زاد جـ: «عليه)).
(٤) لم ترد الزيادة في آ.
(*) آخر الورقة (٥٤) من ح.
- ٢٩٧ -

قلنا: لا نسلِّمُ أنَّهُ ضروريٍّ، ولذلك فإنّ كلَّ(١) من ادَّعى نفيَ هذه البلدةِ،
إذا قيلَ لهُ: كيفَ عرفتَ عدمَها؟ فلا بدَّ وأنْ(*) يقولَ: لأنَّها لو كانتْ موجودةٌ
- لا شتهرَ خبرُها، كما اشتهرَ خبرُ بغداد والبصرةَ: فعلمنا أنَّ ذلكَ العدمَ(٢) مستقادٌ
من هذا الأصلِ .
قولهُ: ((ما ذكرتَهُ مثالٌ واحدٌ)).
قلنا: لم نذكرْ ذلكَ المثالَ لاختصاص دليلِنا بهِ، بل للتنبيه(٣) على القاعدةِ
الكلية .
قوله: ((ينتقضُ بالإقامةِ».
قلنا: اختلفَ أصحابُنا في الجواب عنهُ - على وجهين:
الأوَّل:
،وهو قول القاضي أبي بكر: لعلَّ المؤذِّنَ كان يُفرِدُ مرَّةً، ويثَنِّي أخرى.
فإن قلتَ: فكانَ يجبُ أنْ ينقلَ بالتواتر كونُهُ(*) كذلكَ.
قلتُ: يحتملُ أنَّ الراوي روى بعضَ ما رأى وأهملَ الباقي؛ لاعتقادِهِ أنَّ (٤)
التساهلَ - في مثل هذا الباب - سهلٌ، ولا يتعلَّقُ به غرضٌ - أصلًا(٥) - في
الدين: نفياً وإثباتاً.
۔۔
والثاني :
لعلَّهم عرفوا أنَّ هذه المسألةَ من الفروع - الَّتي لا يوجبُ الخطأُ فيها كفراً
ولا بدعةً - فلذلكَ تساهلوا(*) فيها، ولما تساهلَوا فيها - نَسُوا ما شاهدوه، لا سيَّما
وكانوا مشتغلِينَ بالحروب العظيمةِ، والّذين شاهدوها في زمان الرسول - 5﴾ -
(١) لفظ ل: ((كان)).
(*) آخر الورقة (٥٢) من جـ.
(٢) في جـ: ((العلم)).
(٣) في س، ص، جـ، ي، ل زيادة: ((به)) .
(*) آخر الورقة (٥٢) من آ.
(٤) لفظ ح: ((لاعتقادهم)).
(٥) في س، آ: ((أصلي)).
(*) آخر الورقة (٧٣) من س.
- ٢٩٨ -

قُتِلوا [وقلُوا(١)]: فصارت الروايةُ من باب الآحادِ.
وأمَّا اختلافُھم ۔ في الجھرِ بالتسمية(٢) - فعنه(٣) - أيضاً - جوابانٍ:
الأوَّلُ:
لعلّ فعلَهُ فيه كان مختلفاً(٤).
الثاني :
أَنَّهُ ـ ◌َ﴿ - كانَ إذا ابتدأ بالقراءةِ أخفى صوتَهُ، ثمّ يعلو صوتُهُ على
التدريج . وعلى هذا التقديرِ: يجوزُ أنْ يسمعَ - جهرَهُ بالتسميةِ - القريبُ، دونَ
البعيدِ. [و(٥)] أمّا سائرُ المعجزاتِ - قلنا: لعلّ الَّذِين شاهَدوا تلكَ الأشياءَ كانوا
قليلينَ - فلا جرمَ ما حصلَ النقلُ المتواترُ.
فأمَّا الَّذين سمعوا النصَّ الجليَّ - في الإِمامةِ - فإن كانوا قليلينَ: صارت
الروايةُ من الآحاد: فلا تكونُ حجَّةٌ قطعيَّةً.
وإنْ كانوا بالغينَ حدَّ التواترِ: وجبَ ظهورُ النقلِ .
وأمَّا أقاصيصُ سائر الأنبياءِ - فإنَّما لم تُنقَلْ بالتواترِ؛ لأنَّهُ لا يتعلَّقُ بروايتِها
غرضٌ أصليٍّ(٦) - في الدين - بخلاف [النصّ(٧)] الجليِّ في الإِمامةِ.
الخبرُ الَّذي يُروى في وقتٍ قد استقرَّتْ فيه الأخبارُ، فإذا فُتُّشَ عنهُ فلم يُوجَدْ
في بطونِ الكتبِ، ولا في صدورِ الرواةِ: علمَ أنَّهُ لا أصلَ لهُ.
وأمَّا في عصرِ الصحابةِ - حينَ لم تكنْ قد استقرَّتْ الأخبارُ - فإِنَّهُ يجوزُ أنْ
الرابعُ :
(١) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٢) في آ: ((في التسمية)).
(٣) لفظ ل، آ: ((ففيها)).
(٤) عبارة آ: ((لعل فعله كان مختلفاً فيه)).
(٥) هذه الزيادة من ح.
(٦) لفظ ح: ((كلي)»، المراد بالأصليّ الاعتقاديّ، والكلّ مقابل الجزئي أو الفرعيّ،
وعلى هذا فكلا التعبيرين صحيح .
(٧) لم ترد الزيادة في ل.
- ٢٩٩ -

يَروِيَ أحدُهم ما لم يوجدْ عندَ غيرِهِ.
مسألة :
في أنَّ الأخبارَ المرويَّةَ عن الرسولِ - وَلَ - بالآحادِ [قد(١)] وقع فيها ما يكونُ
كذباً.
ثم في بيانِ الداعي إلى وضعِ الكذبِ عليه - [فهما مقامان (٢)]:
أمَّا المقامُ الأوَّلُ - فالَّذي يدلُّ عليهِ وجوهٌ:
أحدها:
ما روي عنه(*) عليه الصلاةُ والسلامُ: ((سيُكْذَبُ عليَّ) (٣)؛ فهذا الخبرُ إِنْ
(١) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٢) لم ترد الزيادة في ح، جـ.
(*) آخر الورقة (٥٤) من ل.
(٣) هذا الحديث وطريقة المصنّف بالاستدلال به منقولة نصّاً عن المعتمد فانظر ذلك
في (٥٥٠/٢) وقد أورده بهذا اللفظ العجلونيّ في الكشف رقم (١٥٢٢) - (٥٦٥/١)،
وقال: قال ابن الملقّن في تخريج أحاديث البيضاويّ: هذا الحديث لم أره كذلك، نعم في
أوائل مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله - 8# - قال: ((يكون في آخر الزمان دجّالون
كذابون» وقد يكون البعض تصرّف بلفظ من ألفاظ ما صح في الكذب على رسول الله ليساعد
ذلك في ترتيب الملازمة المنطقيّة، واعتبروه كالرواية بالمعنى ولكنه كان من الواجب الحذر
من ترويج هذا النوع من الروايات غير الصحيحة.
ومن الأحاديث التي ضحت في التحذير من الكذب على رسول الله 180 - حديث: ((من
كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار» وهو حديث جاء في رواية مائة من الصحابة بدرجات
متفاوتة فيها الصحيح والحسن والضعيف والساقط، وفيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه
-* - من غير تقييد بهذا الوعيد الخاص. (وكان بإمكان الأصوليين أن يختاروا من الروايات.
الصحيحة والحسنة ما يتناسب مع موضع الشاهد بدلاً مما ذكروا).
وقد نقل النوويّ: أن حديث ((من كذب عليّ ... )) جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل
كثرة طرقه أطلق عليه جماعة أنه متواتر، وقد جمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب
(الموضوعات)) فجاوز التسعين وقال الصيرفيُّ: رواه ستون نفساًمن الصحابة. فانظرهذاوفوائد
أخرى في ((فتح الباري)) (١٧٨/١-١٨٢) وانظركنز العمال (٦٢٥/٣-٦٢٧) الأحاديث -
- ٣٠٠ -