Indexed OCR Text
Pages 261-280
كلٌّ أربعةٍ، إذا كانوا صادقينَ - لكانَ يجبُ (١) إذا شهدَ أربعةٌ أنَّهم شاهدوا فلاناً
على الزِّنى أن يستغني القاضي(٢) عن التزكية؛ لأنَّهُم إذا كانوا صادقين: وجبَ
أن يحصلَ لهُ العلمُ بقولهم - وحينئذٍ يستغني عن التزكية .
[وإنْ لم يحصلْ له العلمُ بقولهم: قطعَ بكونهم كاذبينَ - قطعاً - وحينئذٍ
يستغني أيضاً عن التزكية (٢)] ولمَّا لم يكنْ كذلكَ، [بل(٤)] أجمعوا على وجوب
إقامة الحدِّ وإنْ لم يضطرِّ القاضي إلى صدقِهِم: علمنا أنَّ العلمَ لا يحصلُ (٥)
بخيرِ الأربعةِ .
فإنْ قِيلَ : الملازمةُ ممنوعةٌ :
قولُهُ(*): ((لو وقعَ العلم بخبرِ أربعةٍ صادقينَ، ولا يقعُ بخبرِ أربعةٍ [صادقين
آخرین(٦)] - لزم كذا وكذا ... )).
قلنا: لِمَ قلتَ: [إنّه (٧)] يلزم ذلك؟
بیانُه:
أنَّ العلمَ بمخبرِ الأخبارِ [حاصلٌ (٨)] عن فعلِ اللهِ - تعالى - عندَكم؛
(١) لفظ ح: ((بحيث)).
(٢) في ي زيادة: ((أبي بكر))، وهي من طرائف زيادات النساخ، والمراد: مطلق قاضٍ،
هذا: ومن الذاهبين إلى أن العلم يحصل بقول الخمسة فما فوق -: القاضي أبو الطيب
الطبري، ونقله ابن السمعانيّ عن أصحاب الشافعي، وحكاه أبو منصور عن الجبائي،
واستدل بعض القائلين به عليه: بأن الخمسة عدد أولي العزم من الرسل على الأشهر: نوح
وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. انظر إرشاد الفحول ص(٤٢).
(٣) ما بين المعقوفتين سقط كله من ي، ولم ترد كلمة ((له)) في ح، جـ، ولفظ: ((قطع))
في جـ: ((نقطع))، و(أيضا)) لم ترد في آ.
(٤) لم ترد في ي.
(٥) كذا في جـ، ولعله الأنسب، ولفظ غيرها: ((يقع)).
(*) آخر الورقة (٤٦) من ل.
(٧) هذه الزيادة من آ.
(٦) في ي : ((أُخری)).
(٨) هذه الزيادة من ح، ولفظ: ((عن)) - بعدها - في غيرح: ((من))، والعبارة في آ:
((إن حاصل مجرّد الإخبار)).
- ٢٦١ -
وإذا (١) كانَ كذلكَ: جازَ منه - تعالى - أن يخلقَ ذلكَ العلمَ عندَ خبرِ أربعةٍ، ولا
يخلقُهُ(٢) عندَ خبر أربعةٍ أخرى، ولا تجري العادةُ في ذلكَ على طريقةٍ واحدةٍ .
[وإنْ كانتْ العادةُ في أخبارِ الجماعاتِ العظيمةِ جاريةٌ على طريقةٍ واحدةٍ(٣)]،
كما أنَّ التكرارَ على البيتِ الواحدِ [ألفَ مرَّةٍ(٤)] سببٌ لحفظه(*) - في العادة
المطّدةِ.
وأمّا تكرارُهُ مرّتين أو ثلاثاً - [فـ(٦)] قد يكون سبباً لحفظه، وقد لا يكونُ ،
والعادةُ فيه مختلفةٌ .
سلّمنا: أنَّه [يلزم(٧)] من الطِّرادِ العادةِ في شيءٍ اطّرادُها في مثلِهِ، فلم
قلتَ: يلزمُ من حصولِ (٨) العلمِ - عند راويةٍ أربعةٍ - حصولُهُ عندَ شهادةٍ
أربعةٍ؟.
بياتُهُ :
أنَّ الشِّهادة - وإنْ كانتْ خبراً في المعنى - لكنَّ لفظَ الشهادةِ مخالفٌ للفظِ
الخبر - الَّذي ليسَ بشهادةٍ، فلِمَ لا یجوزُ أنْ يُجرِيَ الله - تعالى - عادتَهُ بفعلِ
العلمِ الضروريِّ - عندَ الخبرِ الَّذي لَيسَ فيهِ لفظُ الشهادةِ، ولا يفعلُهُ عندَ لفظٍ
الشهادةِ، وإنْ كانَ الكلُّ خبراً؟
سلّمنا: أنَّ التفاوتَ بينَ [لفظ (٩)] الشهادةِ، وبين [لفظُ ] الخبرِ الَّذي لِيسَ
بشهادةٍ - غيرُ معتبرٍ، فلِمَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: [لمَّا كانَ منُ ١١)] شرطِ الشهادةِ أنْ
يجتمعَ المخبرونَ ـ عند الشهادةِ - وذلكَ الاجتماعُ يُوهُمُ (١٢) الاتّفاقَ على
L
(١) في جـ، ل، ي: ((فإذا)» .
(٢) لفظ ل: ((يختلف))، وهو تحريف.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من ي. (٤) ساقط من ل، ي.
(٥) كذا في ي، ولفظ غيرها: ((الحفظ)» في الموضعين.
(٦) سقطت الفاء من ي، ل، ح.
(٧) سقطت من ل.
(٨) لفظ ي: ((حصوله)).
(٩) لم ترد الزيادة في آ ..
(١٠) انفردت بهذه الزيادة ح.
(١١) ساقط من س، ص، ح.
(١٢) لفظ س: ((يوم))، وهو تصحيف.
- ٢٦٢ -
الكذب: فلا جرمَ لم يُفد العلمَ، بخلافِ الروايةِ(١)؟
سلّمنا: أنَّ ما ذكرتَهُ يوجبُ الجزمَ بأنَّ قِولَ(*) الأربعةِ لا يفيدُ العلمَ، [لكنَّه
يوجبُ الجزمَ بأنَّ قولَ الخمسةِ لا يفيدُ أيضاً]؛ لأنَّ قولَ الخمسةِ لو أمكنَ أن يفيدَ
فإذا شهدوا، فإنْ كانوا صادقينَ: وجبَ أنْ يفيدَ العلمَ الضروريّ .
وإنْ لم يحصل العلمُ بصدقِهم: وجبَ القطعُ بكذبهم. فهذا يقتضي أن
تَكونَ الخمسةُ كالأربعةِ: في القطع بأنَّها لا تفيدُ.
سلَّمنا ذلك؛ لكن يلزمُكم(٣) أنْ تقطعوا بأنَّ عددَ ((أهلِ القسامةِ)) لا يفيدُ
العلم، لعين(٤) ما تقدّمَ ذكرُهُ(*) في الخمسةِ.
(١) ليس المأخذ في قبول شهادة الأربع في الزنى أنها تفيد العلم أو لا تفيده، وإنما
المأخذ - هو الإِجماع على أنه لا يقبل في الزنى أقل من أربعة شهود رجال عدول أحرار
مسلمين؛ وهذا الإِجماع مستنده قول الله - تعالى -: ﴿لَوْلاً جَاءُو عَلَيهِ بِأُربَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لِمْ
يَأْتُوا بِالشُّهدَآءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللّهِ هُمُ الكذبونَ﴾ الآية (١٣) من سورة النور في آ، ي، سواها،
وما روي عن رسول الله - بَير - أنه قال: ((أربعة وإلّ حد في ظهرك)) في أخبار سوى هذا.
كما أجمعوا على أنه يشترط كونهم مسلمين عدولاً ظاهراً وباطناً، وسواء كان المشهود عليه
مسلماً أو ذمياً. والجمهور على أنه يشترط أن يكونوا رجالاً أحراراً: فلا تقبل شهادة النساء
ولا العبيد. وبه قال مالك والشافعيّ وأصحاب الرأي وشذّ أبو ثور، فقال: تقبل شهادة العبيد)).
انظر المغني: (٥/١٢) فأنت ترى أن محاولة قياس الرواية على الشهادة، وتخريجها عليها
لا تصح فأمر الشهادة أضيقُ، وهي بالاحتياط أجدر. وانظر جمع الجوامع بشرح الجلال
وحاشية البنانيّ وتقريرات الشربينيّ: (١٢٠/٢)، والمستصفى: (١٣٧/١)، وفواتح
الرحموت: (١١٦/٢)، وسلم الوصول: (٦٩٣/٣).
(*) آخر الورقة (٤٤) من جـ.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من ي، جـ، وسقطت كلمة ((لا)) من ل، ولم ترد كلمة.
((أيضاً)) في آ.
(*) آخر الورقة (٤٥) من آ.
(٣) زاد في ي: «عینه».
(٤) كذا في ح، آ، ولفظ غيرهما: ((بعين).
(*) آخر الورقة (٦٤) من س.
- ٢٦٣ -
والجوابُ :
أمَّا الأسئلةُ الثلاثةُ الأولى (١) - فواردةٌ، ولا جوابَ عنها.
وأمَّا المعارضةُ بقولِ الخمسةِ - فالجوابُ: أنَّهُ لا يمتنعُ أنْ يقعَ العلمُ بخيرٍ
خمسةٍ، والحاكمُ إنَّما لم يعلمْ صدقَ هؤلاءِ الخمسةِ .
وإنْ وجبَ عليه إقامةُ الحدِّ؛ لجوازِ أنْ يكونَ أربعةٌ - منهم - شاهدوا ذلكَ،
والخامسُ ما شاهدَهُ: فلزمَ إقامةُ الحدِّ بقولِ أربعةٍ - منهم - وإنْ لم يعرفهم
بأعيانهم - وكان الخامسُ كاذباً: فلا جرمَ وجبَ عليهِ البحثُ عن أحوالهم.
وهذا بخلافِ الأربعةِ؛ فإنَّهُ إذا لم يحصلْ العلمُ بقولهم: وجبَ أنْ يكونَ
واحدٌ - منهم - كاذباً.
وبهذا التقدير(*) تسقطُ الحجَّةُ بقولِهِم، ولزمَ [على(٢)] الحاكم ردُّ قولِهم،
وإقامةُ الحدِّ عليهم: فَظهرَ الفرقُ.
واعلم: أنَّ هذا الجوابَ يقتضي القطعَ بكذبٍ واحدٍ من الخمسةِ، أو
القطعَ بأنَّ قولَ الخمسةِ لا يفيدُ العلمَ أصلاً، أو القولَ بأنَّه لا يلزمُ من كونِ قولِ
الخمسةِ مفيداً للعلمِ أنْ يكونَ قولُ كلِّ خمسةٍ مفيداً للعلمِ .
قولُهُ: ((يلزمُكم أن تقطعوا بأنَّه لا يقعُ العلمُ بخيرِ أهلِ القسامةِ»(٣).
(١) كذا في ح، آ، وفي النسخ الأخرى: ((الأول)) .. (*) آخر الورقة (٤٧) من ح.
(٢) لم ترد هذه الزيادة في ل، آ، ي، وكان الأنسب رفعها لولا تضمّن ((لزم)) معنى
((وجب)) هنا ..
(٣) القسامة: مصدر أقسم قسماً وقسامة - معناه: حلف حلفاً، والمراد بها: الأيمان
المكرّرة في دعوى القتل، وهي ثابتة بالسنّة، ففي حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي
حثمة: أنّ محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل، فقتل
عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود . .)) الحدیث متفق عليه من حديث سهل، ورواه أبو داود
والبيهقي من طريقه، وأخرجه أبو يعلى وغيرهم. انظر تلخيص الحبير: (٣٨/٤-٣٩) ط
يماني، والمغني: (٣/١٠)، وذخائر المواريث: (٢٥٥/١)، وانظر ما سيأتي في ص (٣٢٨)
من هذا الجزء من الكتاب .
- ٢٦٤ -
قلنا: ((أهلُ العراقِ)) يقولونَ : يحلفُ خمسونَ من المدَّعى عليهم؛ كلُّ واحدٍ
- منهم - [على. أنَّه (١)] ما قتلَ، ولا عرفَ قاتلاً، فكلُّ واحدٍ - منهم - يخبرُ عن
غيرِ ما يخبرُ عنهُ الآخرُ.
وعندَ الشَّافعيِّ - رضي الله عنه - [يحلفُ(٢)] خمسونَ من المدَّعين - كلُّ
وأحد [منهم(٣)] بحسب ظنّه، فخبر(٤) كلٍّ واحدٍ - منهم - غيرُ(٥) خبرِ(٦) الآخرِ.
المسألةُ الثانيةُ(٧):
الحقُّ، أنَّ العددَ الَّذي يفيدُ قولُهم العلمَ - غيرُ معلومٍ : فإنَّهُ لا عددَ يُفرَضُ
إلّ وهو غيرُ مستبعدٍ - في العقلِ - صدورُ الكذبِ عنهم، وإنَّ الناقصَ عنهم(٨)
بواحدٍ، أو الزائدَ عليهم(٩) بواحدٍ: لا يتميّز عنهم - في جوازِ الإقدامِ على
الكذب.
ومنهم من اعتبرَ فيه عدداً معيَّناً، وذكروا وجوهاً:
أحدها:
الاثنا عشر(١١)؛ [لقوله - تعالى - ﴿وَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَي عَشَرَ نَقِيباً﴾( ١].
(١) لم ترد الزيادة في ي.
(٢) لم ترد في ل، و((خمسون)) فيها بلفظ: ((خمسين)).
(٣) لم ترد الزيادة في غيرح.
(٤) لفظ آ: ((فمخبر)).
(٥) زاد في ل: ((عن)).
(٦) في آ: «مخبر)).
(٧) لفظ ل، آ، جـ: ((السابعة)).
(٨) لفظ س: ((عليهم)).
(٩) في ل: ((عنهم)).
(١٠) عبارة ي، ح: ((الاثنى عشر نقيباً عدد موسى عليه السلام))، وفي آ، جـ: ((عدد نقباء
موسى)).
(١١) ساقط من ح، والآية (١٢) من سورة المائدة. هذا والنقباء جمع نقيب وهو الذي
ينقّب عن أحوال القوم ويفتش عنها كما قيل له: ((عريف لأنه يتعرفها كذا ذكره الزمخشري في
الكشاف (٤٠٧/١-٤٠٨)، وقال الإِمام المصنف في تفسيره (١٨٤/١١): ((قال الزجّاج:
((النقيب: فعيل، أصله من النقب وهو الثقب الواسع يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن
أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه: المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها =
- ٢٦٥ -
وثانيها :
العشرون - وهو قولُ أبي الهذيل - قالَ: لقوله - تعالى -: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُم
عِشْرونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِأْتَين﴾(١)؛ أوجبَ الجهادَ على العشرين، وإنَّما خصَّهم
بالجهادِ؛ لأنَّهم إذا أخبروا: حصلَ العلمُ بصدقِهِم(٢)(*) .
وثالثُها:
الأربعون؛ لقوله - تعالى -: ﴿حَسْبُكَ الله ومَن أَتُّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٣)
نزلت في الأربعين.
ورابعها:
السبعون؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَأَخْتَار مُوسَى قَومَهُ سَبَعِينَ رَجُلاً﴾ (٤).
ونقبت الحائط. أي: بلغت في النقب إلى آخره. ومنه: النقبة من الجرب لأنه داء شديد
الدخول وذلك لأنه يطلى البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه، والنقبة السراويل بغير
رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها. ويقال كلب نقيب وهو: أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع
صوت نباحه وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف. قال: إذا عرفت هذا.
فنقول: النقيب فعيل والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول. فإن كان بمعنى الفاعل فهو الناقب
عن أحوال القوم المفتش عنها. وقال أبو مسلم: النقيب - هاهنا - فعيل بمعنى مفعول. يعني
اختارهم على علم بهم ونظيره. أنه يقال للمضروب: ضريب والمقتول: قتيل وقال الأصم:
هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم. وفي المصباح: (٨٥٢/٢) :.
((فقبت الحائط ونحوه نقباً من باب ((قتل)) خرقته ونقب البيطار بطن الدابة كذلك. ونقب على
القوم من باب (قتل)) نقابة بالكسر - فهو نقيب أي عريف والجمع نقباء. وانظر تفسير ابن كثير:
(٣٢/٢) لمعرفة أسماء نقباء موسى وأسباطهم.
(١) الآية (٦٥) من سورة الأنفال.
(٢) لفظ س: ((بقولهم)).
(*) آخر الورقة (٤٧) من ل.
(٣) الآية (٦٤) من سورة الأنفال، وانظر تفسير الآية في تفسير الطبري: (٢٦/١٠) وقد
ذهب في تفسيره لها إلى غير ما ذهب إليه الإِمام المصنف وقد نقل المصنف عن سعيد بن
جبير: إنها نزلت بعد أن بلغ عدد المسلمين أربعين بإسلام عمر - رضي الله عنه - وانظر
تفسيره: (١٩١/١٥).
(٤) الآية (١٥٥) من سورة الأعراف.
- ٢٦٦ -
وخامسُها :
ثلاثمائةٍ وبضعةً (١) عشرَ؛ عددَ أهلِ بدٍ (٢).
وسادسها:
عددَ بيعة الرضوانِ(٣).
واعلم: أنَّ كلَّ ذلكَ (٤) تقييداتٌ لا تعلُّقّ للمسألةِ بها (*).
(١) لفظ ي: ((ثلاثة عشر)).
(٢) بدر: موضع بالقرب من المدينة المنورة (على مسافة خمسين ومائة كم في الطريق
منها إلى جدة ومكة المكرمة)، وهي الموضع الذي شهد أول وأهم الوقائع الحربيّة الكبرى
في الإِسلام، والتي سمّاها الله - تعالى - ((بيوم الفرقان)). وقد وقعت في (١٧) من شهر رمضان
من السنة الثانية للهجرة وكان عدد جند المسلمين فيها أربعة عشر رجلاً وثلاثمائة: من
المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الأوس واحد وستون، ومن الخزرج سبعون ومائة رجل، فانظر
أسماءهم ومن استشهد منهم في سيرة ابن هشام: (٣٣٣/٢-٣٦٥) ط الحلبي، والروض
الأنف: (٢٥٣/٥-٣٤٦)، والطبقات الكبرى لابن سعد: (٥/٣) وما بعدها، وغزوة بدر
الكبرى لمحمد أحمد باشميل. ط دار الفكر (١٩٧٤م).
وأما التعريف في الموضع - نفسه - فراجعه في معجم البلدان: (٣٥٧/١) والمراصد:
(١٧٠/١)، ومعجم ما استعجم (٢٣١/١).
١
(٣) بيعة الرضوان - هي البيعة التي بايع الناس فيها رسول الله - صلية - على الموت، أو
على أن لا يفرّوا - تحت الشجرة، ولم يتخلف عنها أحد ممن حضر إلا الجدّ بن قيس، وذلك
بعد أن بلغ النبيّ - 10 - أن عثمان قد قتل - وكان رسول الله -* - قد بعثه إلى أبي سفيان
وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وذلك عام الحديبية في آخر سنة (٦هـ) وقد روي
عن جابر بن عبد الله أن عدتهم كانت أربع عشر مائة (١٤٠٠) وروي أنهم كانوا (٧٠٠)
سبعمائة. انظر سيرة ابن هشام: (٣٢١/٣) وما بعدها. والصحيح أن عدد أهل بيعة الرضوان
ما بين (١٤٠٠- ١٥٠٠) كما في الصحيحين عن جابر. وانظر: زاد المعاد: (١٢٢/٢-١٢٣)
ط. المطبعة المصرية. الطبعة الثالثة.
(٤) لفظ ص، ل، س: «هذه)).
(٥) وتحكمات فاسدة باردة لا تناسب الغرض، ولا تدل عليه، ولا دليل معتبر على شيء
:
منها، ويكفي تعارض هذه الأقوال دليلاً على فسادها كما قال الغزاليّ، وانظر المستصفى : =
- ٢٦٧ -
فإِنْ قلتَ: إذا جعلتُم العلمَ معرِّفاً لكمالِ العددِ: تعذّرَ عليكُم الاستدلالُ
بهِ على الخصمِ .
قلت: إِنَّا لا نستدلُّ(١) - ألبتَّةَ - على حصولِ العلمِ بالخبرِ(٢) المتواترِ، بل
المرجعُ فيه إلى الوجدانِ - كما تقدَّم بيانُهُ.
فهذه هي الشرائطُ المعتبرةُ - في خبرِ التواترِ، إذا أخبرَ المخبرونَ عنْ
المشاهدة.
فأمَّا إذا نقلوا عن (*) قوم آخرين - فالواجبُ حصولُ هذه الشرائطِ في كلِّ
تلكَ الطبقاتِ. ويعبّر عن (٣) ذلك بـ«وجوب استواء الطرفين والواسطة)).
[و(٤)] أمَّا القسمُ الثاني - وهي الشرائطُ الَّتي اعتبرها قومٌ، مع أنَّها غيرُ
معتبرةٍ - فأربعةٌ(٥):
الأوَّلُ: أنْ لا يحصرَهم عددٌ، ولا يحويهم بلدٌ؛ وهو باطلٌ؛ لأنَّ أهلَ الجامعِ
لو أخبروا(٦) عن(*) سقوطِ المؤذِّنِ عن المنارةِ - فيما بينَ الخلقِ - لكانَ إخبارُهم
مفيداً للعلمِ .
الثاني :
أنْ لا يكونوا على دينٍ واحدٍ - وهذا الشرطُ اعتبرهُ اليهودُ - وهو باطلٌ؛ لأنَّ
= (١٣٧/١-١٣٨)، والمنخول (٢٤٢)، والمعتمد: (٥٦٥/٢)، وشرح مختصر ابن
الحاجب: (٥٤/٢)، والإِبهاج: (١٩٠/٢)، ونهاية السول: (٦٩٥/٣)، وفواتح
الرحموت: (١١٨/٢)، وكشف الأسرار: (٦٨١/٢)، واللمع ص (٤٠)، والتبصرة:
(٣٢٠/٢)، والإحكام للآمدي: (٢٦/٢)، وتيسير التحرير: (٣٤/٣)، والمسوّدة:
(٢٣٥)، وانظر ما قاله صاحب إرشاد الفحول في هذه الأقوال وتضاربها ص(٤٢).
(١) لفظ آ: ((استدل)).
(٢) عبارة ح: ((بخبر التواتر)) ..
(*) آخر الورقة (٣١) من ي.
(٣) عبارة ي: ((ویعبر مع ذلك وجوب))، وهو تحريف.
(٤) هذه الزيادة من ي، جـ.
(٥) عبارة ح: ((هي أربعة)).
(٦) في آ: «أخبرونا)).
(*) آخر الورقة (٤٥) من جـ.
- ٢٦٨ -
التهمةَ لو حصلتْ: (*) لم يحصل العلم - سواءٌ كانوا على دينٍ واحدٍ، أو على
أديانٍ. وإن ارتفعت: حصلَ العلمُ - كيفَ كانوا .
الثالث :
أنْ لا يكونوا من نسبٍ واحدٍ، ولا من بلدٍ واحدٍ (١). والقولُ فيه ما تقدَّمَ.
الرابع :
شرطَ ابنُ الروانديِّ (٢) وجودّ المعصوم في المخبرينَ؛ لئلا يتَّفقوا على
الكذب [وهو باطل(٣)] لأنَّ المفيدَ - حينئذٍ - قولُ المعصومِ ، لا خبرُ أهل التواترِ.
المسألةُ الثالثةُ (٤):
في خبرِ التواترِ - من جهة المعنى -
مثالُهُ :
أنْ يرويَ واحدٌ: أنَّ حاتماً وهبّ عشرةً(٥) من العبيدِ، وأخبرَ آخرُ: أنَّهُ وهبَ
خمسةً من الإِبل (*)، وأخبرَ آخرُ: أنَّه وهبّ عشرينَ ثوباً، ولا يزالُ يَروي كلُّ
واحدٍ - منهم - من هذا الخبرِ شيئاً؛ فهذهِ الأخبارُ تدلُّ على سخاوةٍ (٦) حاتمٍ من
وجهين :
(*) آخر الورقة (٦٥) من س.
(١) عبارة ي: ((بلدة واحدة)).
(٢) هو أحمد بن يحيى بن إسحاق زنديق من الزنادقة، كان من المعتزلة، وتحول إلى
الإلحاد والزندقة وله في ذلك مصنفات - منها كتابه ((الفريد)) في الطعن على رسول الله - زَلة : -
هلك سنة (٢٤٥هـ، أو ٢٥٠هـ، أو ٢٩٨هـ)، له ترجمة في ظهر الإسلام: (١٣/٤)،
والكنى والألقاب للقمى: (٢٨٧/١). وروضات الخوانساري: (١٩٣/١).
(٣) لم ترد الزيادة في آ، ي.
(٤) في ا، ل، ي: ((الثامنة)).
(٥) في ل: ((عشرين)).
(*) آخر الورقة (٤٦) من آ.
(٦) لفظ ل: ((سخاء)).
- ٢٦٩ -
الأوَّلُ :
أنَّ هذه الجزئيّاتِ مشتركةٌ - في كلّيٍّ(١) واحدٍ - وهو کونُهُ سخياً؛ والراوي
للجزئيِّ - بالمطابقةِ -: راوٍ للكليِّ المشتركِ فيه - بالتضمُّن(٢)، فإذا بلغوا حدَّ.
التواترِ - صارَ ذلكَ الكليُّ مروباً بالتواترِ.
الثاني :
أنْ نقولَ: هؤلاء الرواةُ - بأسرهِم - لم يكذِبوا، بل لا بدَّ وأنْ يكونَ الواحدُ.
- منهم - صادقاً؛ وإذا كانَ كذلك - فقد صدقَ جزئيٌّ(٣) واحدٌ - من هذه الجزئيَّاتِ.
المرويَّةِ، ومتى صدقَ واحدٌ منها: ثبتَ كونُهُ سخياً(*).
والوجهُ الأوَّلُ أقوى؛ لأنَّ المرّةَ(٤) الواحدةَ لا تُثبتُ السخاوةَ.
(١) كذا في آ، ي، ح، ولفظ ص، ل، جـ، س: ((كلّ)).
(٢) لفظ ل: ((بالتضمين)).
(٣) لفظ ل: ((جزء)).
(*) آخر الورقة (٤٨) من ح.
(٤) في ي: ((بالمرّة».
- ٢٧٠ -
الباب الثاني
فيما عدا التواتر
من الطرق الدالة على كون الخبر صدقاً
القول في الطرق الصحيحة
وهي ثمانية
الأوَّلُ:
الخبرُ الَّذي عُرِفَ وجودُ مخبرِهِ بالضرورةِ.
الثاني :
الخبرُ الَّذِي عُرِفَ وجودُ مخبرِهِ بالاستدلالِ .
الثالثُ:
خبرُ اللهِ - تعالى - [صدق(١)]، باتّفاق أرباب المللِ والأديانِ، ولكنَّهم
اختلفوا في الدلالةِ عليهِ - بحسب اختلافهِم في مسألتي الحسنِ [والقبحِ (٢)]
والمخلوق(٣) -:
أمّا أصحابنا - فقد قالَ الغزاليُّ - رحمه الله -: ((بدلُّ عليه دليلانِ)).
أقواهُما (٤): إخبارُ الرسولِ - وَ لا - عن امتناع الكذب على اللهِ - تعالى -.
والثاني :
أنَّ كلامَهُ - تعالى - قائمٌ بذاتِه، ويستحيلُ الكذبُ في كلامِ النفسِ على
من يستحيلُ عليه(٥) الجهلُ؛ إذ الخبرُ يقومُ بالنفسِ على وفقِ العلمِ ؛ والجهلُ
على اللهِ - تعالى - محالٌ)).
(١) سقطت هذه الزيادة من جـ.
(٢) لم ترد الزيادة في آ، ي، جـ.
(٣) لفظ ح: «وخلق الأعمال)).
(٤) في س، جـ: ((أحدهما)).
(٥) في ل، آ، ي، ح، جـ: ((الجهل عليه)).
- ٢٧٣ -
ولقائلٍ أنْ يعترض على الأوَّلِ : بأنّ العلمَ بصدقِ الرسولِ موقوفٌ على
دلالةِ المعجزةِ على صدقِه(١) - ﴿ - وذلكَ إنَّما كانَ، لأنَّ المعجزَ قائمٌ مقامَ(*)
التصديق بالقول .
وإذا(٢): کان صدقُ الرسول - {#1 - مستفاداً من تصديق الله - تعالى - إيّاهُ.
- وذلك إنَّما يدلُّ [أنْ(٣)] لو ثبتَ أَنَّ الله صادقٌ؛ إذ لو جازَ الكذبُ [عليه(٤)] -:
لم يلزمْ من تصديقِهِ للنبيِّ - ◌َ#1 - كونه صادقاً.
فإذن العلم بصدق الرسول - * - موقوفٌ على العلمِ بصدقِ اللهِ - تعالى -.
فلو استفدنا العلمَ بصدقِ الله - تعالى - من صدقِ الرسولِ - 1 -: [لـ(٥)] لزم
الدورُ.
فإنْ قلتَ: لا نسلِّمُ أنَّ دلالةَ تصديقِ اللهِ - تعالى - للرسول علی کونِهِ
صادقاً يتوقَّفُ على العلمِ بكونِ اللهِ - تعالى - صادقاً؛ لأنَّ قولَهُ للشخصِ
المعيَّنِ: ((أنتَ رسولي(٦) - جارٍ مجرى قولِ الرجلِ لغيرِهِ: ((أُنكَ وكيلي))؛ فإنّ
[هذه(٧)] الصيغة - وإن كانت إخباراً في الأصلِ ، لَكِنَّها إنشاءً في المعنى،
والإِنشاءُ لا يتطرّقُ إليهِ التصديقُ والتكذيبُ.
وإذا كانَ كذلكَ -: فقولُ اللهِ - تعالى - للرجلِ المعيَّن: ((أنتَ رسولي)):
يدل على رسالَتِه، سواءٌ قدَّرَ أنَّ الله - تعالى -(*) صادقٌّ، أولَم يقدِّر ذلكَ. وعلى
هذا ينقطعُ الدورُ.
قلتُ: هبْ أنَّ قولَهُ - في حقِّ الرسولِ (٨) المعيِّن، ((إنّهُ رسولي)) -: إنشاءٌ -
(١) كذا في ح، جـ، آ، وفي غيرها: ((صدق الرسول)).
(*) آخر الورقة (٤٨) من ل.
(٢) كذا في ح، وفي جـ، آ، ي: ((فإذا))، ولفظ ل، س، ص: «إذن)).
(٣) لم ترد في جـ، ل.
(٤) لم ترد في ل.
(٥) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٦) عبارة ل، آ: ((إنّه رسولُ الله)).
(٧) لم ترد الزيادة في ي .
(*) آخر الورقة (٦٦) من س.
(٨) لفظ ي: ((الرجل)).
- ٢٧٤ -
ليسَ يحتملُ الصدق والكذبَ، لكن الإِنشاءَ تأثيرُهُ في الأحكامِ الوضعيَّةِ، لا في
الأمورِ(*) الحقيقيّةِ.
وإذا كان كذلكَ: لم يلزمْ من قولِ الله - تعالى - له: «أنتَ رسولي» - أنْ
يكونَ الرسولُ صادقاً في كل ما يقول(١)؛ لأنَّ كونَ [ذلك(٢)] الرجلِ صادقاً أمرٌ
حقيقيٌّ، [والأمورُ الحقيقيّةُ(٣)] لا تختلفُ باختلافِ الجعلِ (٤) الشرعيِّ .
فإذنْ: لا طريقَ (*) إلى معرفةٍ كونِ الرسولِ صادقاً - فيما يخبرُ عنهُ، إلّ من
قبَلِ کونِ اللهِ - تعالی - صادقاً؛ وحينئذٍ: يلزمُ الدورُ.
وعلى الثاني:
أنَّ البحثَ - في أصولِ الفقه - غير متعلَّقِ بالكلامِ القائمِ بذاتِ اللهِ
- تعالى - الَّذِي ليسَ بحرفٍ ولا صوتٍ، بل عن الكلامِ المسموعِ الَّذي هو
الأصواتُ المقطّعةُ؛
وإذا كانَ كذلكَ: لم يلزمْ من كونِ الكلامِ القائم بذاتِهِ - تعالى - صدقاً،
كونُ هذا المسموع صدقاً: فعلمنا أنَّ هذه الحَجَّةَ مغالطةٌ .
وأيضاً - يقال:
لِمَ قلتَ: إِنَّ الكلامَ القائمَ بذاتِهِ - تعالى - صدقٌ؟
قولُهُ: لأنَّهُ - تعالى - ليسَ بجاهلٍ ، ومن لا يكونُ جاهلاً - استحالَ أنْ يخبر
بالكلام (٦) النفسانيّ خبراً كاذباً.
قلنا: هذه القضيَّةُ غير بديهيَّةٍ؛ فما البرهانُ؟
[و(٧)] أَمَّا المعتزلةُ - فهم ظنُّوا: أنَّ هذا البحثَ ظاهرٌ على قواعدِهم،
فقالوا: الكذبُ قبيحٌ، والله - تعالى - لا يفعلُ القبيحَ.
(*) آخر الورقة (٤٦) من جـ.
(١) لفظ ح: ((يقوله)).
(٢) لم ترد الزيادة في ي.
(٣) لم ترد الزيادة في جـ.
(٤) صحفت في ل إلى: ((العمل)).
(٥) في ي زيادة: ((يحمل)).
(٦) في ي: ((عن الكلام)).
(٧) الواو زيادة ص، س، جـ، ي.
- ٢٧٥ -
والاعتراضُ - أنْ نقولَ: [إنَّ(١)] البحثَ عن [أنَّ(٢)] الله - تعالى - لا يصحّ
عليه الكذبُ يجبُ أنْ يكونَ مسبوقاً بالبحثِ عن ماهيَّةٍ(*) الكذب؛ لأنَّ التصديقَ
مسبوقٌ بالتصوُّرِ - فنقولُ:
إمّا أنْ يكونَ المرادُ من الكذب - الكلامَ الَّذي لا يكونُ مطابقاً للمخبر عنهُ
- في الظاهرِ - سواءً كانَ بحيثُ لو أَضمِرَ فيهِ زيادةٌ أو نقصانٌ أو تغييرٌ - صحّ .
وإمّا أنْ(٣) يكونَ المرادُ منه الكلامَ الَّذِي [لا(٤)] يكونُ مطابقاً للمخبّرِ عنْهُ
- في الظاهر - ولا يمكنُ أنْ يُضمَرَ فيه ما عندَه(*) يصيرُ مطابقاً (٥).
فإنْ أردتُم بالكذب: المعنى الأوَّلَ - لم يمكنكُم أنْ تَحكُموا بقبحِهِ، وبأنَّهُ
لا يجوزُ ذلكَ (٦) على اللهِ - تعالى -؛ لأنَّ أكثرَ العموماتِ في كتابِ اللهِ
مخصوص(٧) .
وإذا كانَ كذلكَ: لم يكنْ ظاهرُ العمومِ مطابقاً للمخبرِ عنهُ.
وكذا الحذفُ(٨) والإِضمارُ واقعانِ باتِّفاقِ أهلِ الإِسلامِ - في كتابِ اللهِ
- تعالى - حتَّى إِنَّهُ حاصلٌ في أوَّلِهِ: فإنَّ الناسَ(*) اختلفوا في معنى ﴿بِسْمِ آلِهِ
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فمنهم من قدَّم المضمرَ، وهو الأمرُ أو الخبرُ، ومنهم من
أَخَّرَهُ. وَكَذا ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ - قالوا: معناه قولوا: ((الحمدُ للهِ)) (٩)
(١) هذه الزيادة من ح.
(٢) لم ترد في آ، ي .
(٣) في ل: ((أن لا تكون)).
(*) آخر الورقة (٤٩) من ح.
(*) آخر الورقة (٤٧) من آ.
(٤) سقطت من ل .
(٥) زاد في ي: ((للمخبر عنه في الظاهر).
(٦) عبارة ح: ((على الله - تعالى - ذلك)). (٧) لفظ ي: ((مخصوصة).
(٨) أبدلت في ل بلفظ: ((المجاز).
(*) آخر الورقة (٣٢) من ي.
(٩) انظر ما قاله الإمام المصنف في معاني البسملة والحمدلة في تفسيره الكبير:
(٥/١-٦). ط مصطفى محمد، ورسالة القاضي / زكريا الأنصاري ((في الكلام على البسملة
والحمدلة)) المنشورة في مجلة المورد على الصفحات (٢٤١-٢٤٨)، العدد الثالث من
المجلد السابع الصادر في سنة (١٣٩٨هـ - ١٩٨٧م).
- ٢٧٦ -
فالإِضمارُ متَّفقٌ عليه.
ولأنَّ المعتزلةَ اتَّفقوا على حسن المعاريض؛ على (١) أَنَّهُ لا معنى لها إلَّ
الخبرُ الَّذي يكونُ ظاهرهُ كذباً، ولكنَّهُ - عند إضمارِ شرطٍ خاصٍّ، وقیدٍ خاصّ -
يكونُ صدقاً.
وإذا كانَ كذلكَ: ثبتَ أَنَّهُ لا يمكنُ تفسيرُ الكذبِ الممتنعِ على اللهِ
- تعالى - بالوجهِ الأوَّلِ .
وأمّا النَّفسيرُ الثاني - فنقولُ: نسلِّمُ أَنَّهُ قبيحٌ بتقديرِ الوقوعِ ، ولكنَّهُ غيرُ
ممكن الوجودِ؛ لأنَّهُ لا خبرَ يفرضُ (*) كونُهُ كذباً [إلَّ(٢)] وهو بحالٍ - متى أُضمرنا
فيه زيادةً أو نقصاناً - صارَ صدقاً(٣).
وعلى هذا التقدير: يرتفعُ(٤) الأمانُ عن جميعٍ ظواهرِ الكتاب والسنَّةِ.
فإِنْ قلتَ: لو كانَ مرادُ اللهِ غيرَ ظواهرها - لوجبَ أنْ(*) يبيّنها، وإلَّ كانَ(٥)
ذلكَ تلبيساً. وهو غیرُ جائزٍ.
ولأنّا لو جوَّزنا ذلكَ - لم يكنْ في كلامِ اللهِ - تعالى - فائدةٌ: فيكونُ عبثاً؛
وهو غيرُ جائٍ.
قلت: الجوابُ عن الأوَّلِ :
مالَّذي تريدُ بكونِهِ تلبيساً؟
إن عنيت به: أنَّهُ(١) - تعالى - فعلَ فعلًا لا يحتملُ إلَّ التجهيلَ والتلبيسَ
فهذا(٧) غيرُ لازمٍ؛ لأنّه - تعالى - لمَّا قرَّر في عقولِ المكلَّفين: أنَّ اللفظَ
المطلقَ جائزٌ(٨) أنْ يُذكَرَ، ويرادَ به المقيَّدَ بقيدٍ غيرِ مذكورٍ معه، ثمَّ اكَد ذلك بانْ
(١) لفظ ل، آ، ي: ((مع)).
(*) آخر الورقة (٤٩) من ل.
(٢) سقطت من ي.
(٤) لفظ ل: ((يقع))، وهو تحريف.
(٥) في في: «لكان».
(٧) لفظ س، ل: ((فهو)).
(٣) لفظ ح: ((صادقا).
(*) آخر الورقة (٦٧) من س.
(٦) في ح: ((أنّ الله)).
(٨) لفظ ح: ((جاز)).
- ٢٧٧ -
بَيّن للمكلِّفِ وقوعَ ذلكَ - في أكثرِ الآياتِ والأخبارِ؛ فلو قطعَ المكلَّفُ بمقتضى
الظاهر: كانَ وقوعُ المكلِّف في ذَلَك(*) الجهل من قبلِ نفسِهِ، لا من قبلِ اللهِ
- تعالى - حيثُ قطعَ، لا في موضعِ القطعِ. وهذا كما يقالُ(١) في إنزال
المتشابهاتٍ: فإنَّها - وإنْ كانتْ موهِمَةً للجهلَ - إِلَّ أنَّها لمَّا لم تكنْ متعيَّنَةً
الظواهِرها، بل كانَ فيها احتمالٌ لغيرِ تلكَ الظواهرِ الباطلةِ - لا جرمَ كانَ القطعُ
بذلكَ تقصيراً من المكلَّفِ، لا تلبيساً من الله - تعالى -.
وعن الثاني(٢) :
[أنّا(٣)] لو ساعدنا على أنَّهُ لا بدَّ للهِ - تعالى - في كلِّ فعلٍ من غرضٍ
معيّنٍ؛ لكن لِمَ قلتَ: إِنَّهُ لا غرضَ من تلك الظواهرِ، إلَّ فَهْمُ معانيها الظاهرةِ؟
أليسٌ أَنَّه لَيسَ الغرضُ من إنزالِ المتشابهاتِ فهمَّ ظواهرِها، بل الغرضُ من
إنزالِها (٤) أمورٌ أخرى؛ فلِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ [الأمرُ(٥)] هاهنا (٦) كذلك؟
فإن قلتَ: جوازُ إنزالِ المتشابهاتِ مشروطٌ - بأنْ يكونَ الدليلُ قائماً على
امتناع ما أشعرَ بهِ ظاهرُ اللفظِ، فما لم يتحقَّق هذا الشرطُ: لم يكنْ إنزالُ
المتشابهاتِ (٧) جائزاً .
قلتُ: لا شكَّ أنَّ إنزالَ المتشابهِ غيرُ مشروط - بأنْ يكونَ الدليلُ المبطلُ
للظاهرِ معلوماً للسامع ، (بل هو مشروطٌ بأنْ يكونَ [ذلك (٨)] الدليلُ موجوداً - في
نفسه - سواءٌ علِمَهُ السَامعُ لذلكَ المتشابهِ، أو لم يعلَمْهُ)(٩).
۔۔
(*) آخر الورقة (٤٧) من جـ.
(١) لفظ ما عدا ل: ((نقول)).
(٢) تفظ ي: ((الثالث))، وهو وهم.
(٣) لم ترد الزيادة في جـ، آ، ي.
(٤) في ح: ((منها)) ..
(٥) لم ترد هذه الزيادة في ي.
(٦) لفظ ح، ي: ((هنا)).
(٧) في س، آ، ي: ((المتشابه)).
(٨) انفردت بهذه الزيادة ي.
(٩) أبدل ما بين القوسين في ل بقوله: ((لذلك المتشابه لأن التشابه وارد علم الدليل أو
لم يعلمه».
- ٢٧٨ -
وإذا كانَ كذلك: فما لم يعلمِ السامعُ أنَّهُ ليسَ في نفسِ الأمرِ دليلٌ مبطلٌ
لذلكَ الظاهر: لا يمكنـ[ـه(١)] إجراؤه على ظاهره.
ثم لا يكفي - في العلمِ بعدمِ الدليلِ العقليِّ المبطلِ للظاهرِ - عدمُ
العلمِ بهذا الدليلِ المبطلِ ؛ لأنَّا بَيًِّا - في الكتب(٢) الكلاميَّةِ - أَنَّهُ لا يلزمُ من
عدمِ العلمِ بالشيء، العلمُ بعدمِ الشيءٍ.
إذا كانَ كذلكَ: فلا ظاهرَ نسمعُهُ إِلاَّ ويجوزُ أنْ يكونَ - هناك - دليلٌ عقليَّ
أو نقليُّ يمنعُ من حملِهِ على ظاهرهِ؛ وإذا كان هذا التجويزُ قائماً: لم يقع الوثوقُ
بشيءٍ من الظواهرِ - على مذهبِ المعتزلةِ (٣) [ألبتَّةَ(٤)].
ولمّا بَيِّنَّا: ضعفَ هذه [الطرق(٥)] - فالَّذي - نعوُّل(٦) عليه في المسألةِ: أنَّ
الصادقَ أكملُ من الكاذب، والعلمُ به ضروري، فلوكان الله [تعالى جدُّه، وتقدّست
أسماؤه](*) - كاذباً: لكانَ الواحدُ - منَّا - حالَ كونِهِ صادقاً - أكملَ وأفضلَ من اللهِ
- تعالى - وذلكَ معلومُ البطلانِ - بالضرورةِ -: فوجبَ القطعُ بكونِ اللهِ - تعالى -
صادقاً؛ وهو المطلوبُ.
الرابعُ :
خبرُ الرسول - ◌َ﴾(٩).
قال الغزاليُّ - رحمه الله : (([دليلُ صدقِهِ(٧)] دلالةُ المعجزةِ على صدقِهِ - مع
استحالةِ ظهورٍ على [يد(٨)] الكذّابين - لأنَّ ذلكَ لو كانَ ممكناً: لعجزَ الله
- تعالى - عن تصديقٍ رسِلِهِ))(٩).
(١) لم ترد في س، ص.
(٢) في ل: ((كتبناه، كالمحصّل والمعالم، ونهاية العقول وهذا مما لا نزاع فيه.
(٣) عبارة ل: ((على ما يذهب المعتزلة إليه)). (٤) هذه الزيادة من جـ، آ، ي.
(٥) هذه الزيادة من ح، ل.
(*) آخر الورقة (٤٨) من آ.
(٧) سقطت من ي.
(٨) انفردت بهذه الزيادة ح.
(٦) في غيري، ح: ((يعوّل)).
(*) آخر الورقة (٥٠) من ح.
(٩) انظر المستصفى: (١٤١/١).
- ٢٧٩ -
ولقائل أن يقولَ: إذا(١) كانَ يلزمُ - من اقتدارِ اللهِ - تعالى - على إظهار
المعجز على [يد(٢)] الكاذب - عجزُهُ - تعالى - عن تصديقِ الرسولِ: فكذا يلزمُ
من الحكمِ بعدمِ اقتدارِهِ عليه - عجزُهُ؛ فلِمَ كانَ نفيُ أُحدِ العجزينِ - عنه -
أولى من الآخر؟
وأيضاً(*):
إذا فرضنا: أنَّ الله - تعالى - قادرٌ على إقامةِ المعجزةِ على [يدِ(٣)] الكاذب
- فمع هذا الفرضِ - إمّا أنْ يكونَ تصديقُ الرسولِ ممكناً، أو لا يكونَ .
فإنْ أمكنَ - بطلَ قوله: ((إِنَّهُ يلزمُ من قدرةِ اللهِ - تعالى - على إظهارٍ
المعجز(٤) على يد الكاذب عجزُهُ عن تصديقِ الرسولِ))(*).
وإن لم يكنْ ذلك ممكناً - لم يلزمُ (٦) العجزُ؛ لأنَّ العجز إنَّما يتحقَّقُ عمّا (٧)
يصحُّ أنْ يكونَ مقدوراً - في نفسِهِ - ألا ترى أنَّ الله لا يُوصفُ بالعجزِ عِن خلقٍ
نفسه .
وأيضاً:
فإذا استحالَ بقدِر الله - تعالى - على تصديق رسلِهِ، إلّ إذا استحالَ منهُ
إظهارُ المعجزةِ على يدِ الكاذب: وجبَ (٨) أنْ يُنظَرَ أَوَّلاً - أنَّ ذلكَ هل هو محالٌ،
أم لا؟ وأنْ لا يستدلَّ باقتدارهِ على تصديقِ الرسل على عدم قدرته على(*)
إظهارِهِ على يد الكاذب؛ لأنَّ ذلكَ تصحيحُ الأصلِ بالفرع . وهو دورٌ.
وأيضاً:
. إذا تأمَّلنَا - علمنا أنَّ ذلكَ غيرُ ممتنعٍ؛ لأنَّ قلبَ العصا (٩) حيَّةً لمَّا كانَ
(١) في غيرح: ((لو)).
(٢) سقطت من س، آ.
(٣) سقطت الزيادة من ل، آ، ي.
(٥) لفظ آ: ((الرسل)).
(٧) في ح، آ: ((يتقرّر)).
(*) آخر الورقة (٥٠) من ک.
(*) آخر الورقة (٦٨) من س.
(٤) في ي: «المعجزة)).
(٦) لفظ ي: ((یلزمه)).
(٨) لفظ ي: ((فيجب)).
(٩) صحفت في آ إلى: ((المصلحة)) ..
- ٢٨٠ -