Indexed OCR Text

Pages 21-40

احتجوا :
بأنَّ العامَّ المخصوصَ لا يمكنُ(١) إجراؤهُ على ظاهرِهِ -: فيجبُ صرِفُهُ عن
الظاهر، وحينئذٍ(*): لا يكونُ حملُهُ على بعضِ المحاملِ أولى من بعض:
فيصير مجملا .
قلنا: لا نسلِّمُ أَنَّهُ ليسَ البعضُ - بأولى(٢) من البعض ، بل - عندنا -: يجبُ
حملُهُ على الباقِي. والله أعلمُ.
المسألةُ الثامنةُ :
قالَ ابنُ سريجٍ : لا يجوزُ التمسُّكُ بالعامِّ، ما لم يُسْتَقِصَ(٣) في طلبٍ (٤)
المخصِّص (٥)، فإذا لم يُوجد (٦) ذلكَ المخصِّصُ -: فحينئذ يجوزُ التمسُّكُ بِهِ
في إثباتِ الحكمِ .
وقال الصيرفيُّ: يجوزُ التمسُّكُ به ابتداءً - مالم تظهرْ دلالةٌ مخصِّصةٌ.
واحتجَّ الصيرفيُّ بأمرين(٧):
أحدهما :
لو لَمْ يجز التمسُّكُ بالعامِّ إلَّ بعدَ طلب أنَّهُ هلْ وجدَ مخصِّصٌ أم لا؟ - لما
جازَ التمسُّكُ بالحقيقةِ إلَّ بعد طلب أنَّه هلَّ وجدَ ما يقتضِي صرفَ اللفظِ عن
طالب. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله، قال: سأل رجل عثمان،
فذكره وصرَّح به علي ..
ثم قال: وفي الباب عن ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة عن طريق ابن سيرين عنه، قال:
((يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد)» وإسناده منقطع، وفيه أيضاً: عبدة عن عمار.
ثم قال: و(في الباب) عن النعمان بن بشير، وابن عمر، وجماعة من التابعين.
وانظر مزيد تخريج لأثر عثمان - رضي الله عنه - فيما سيأتي (الجزء الخامس ص ٣٨٢)
من هذا الكتاب.
(١) لفظ ن، ل: ((يجوز))
(*) آخر الورقة (١٤٢) من ل.
(٢) كذا في آ، وفي غيرها: ((أولى)).
(٤) في ي. زيادة: ((المخصص)).
(٦) في آ، ي، ص، ح زيادة ((بعد)).
(٣) في ص: ((تستقصی)).
(٥) لفظ آ: ((المخصوص)».
(٧) لفظ آ، ص: ((بأمور)).
- ٢١ -

الحقيقةِ إلى المجازِ؟ وهذا باطلٌ: فذاكَ مثلُهُ (١).
بيانُ الملازمةِ: أنَّهُ لو لم يجز التمسُّك بالعامِّ إلَّا بعد طلب المخصِّص -
لكانَ ذلكَ: لأجل الاحترازِ عن الخطأ المحتملِ ، وهذا المعنى قائمٌ في
التمسُّكِ بحقيقةِ اللفظِ: فيجبُ اشتراكُهُما في الحكمِ .
بيانُ أنَّ التمسُّكَ (*) بالحقيقةِ لا يتوقَّفُ على طلبَ ما يُوجِبُ العدولَ إِلى
المجازِ - هو(٢): أنَّ ذلكَ غيرُ واجبٍ في العرفِ؛ بدليلَ أنَّهم يحملونَ الألفاظُ
على ظواهرهَا - من غير بحثٍ عنْ أَنَّهُ هل وُجدَ(٣) ما يُوجِبُ العدولَ، أم لا؟ ..
وإذا (٤) وجبَ ذلكَ - في العرفِ: وجبَ أيضاً - في الشرع؛ لقوله - اَ لر -:
(ما رآه المُسْلِمُونَ حَسَناً، فَهُوَ عِندَ اللهِ حَسَنٌ)) .
وثانيهما :
أنَّ الأصل عدمُ التخصيصِ ، وهذا يوجبُ ظنَّ عدم (٥) المخصّص :
فيكفي في إثباتِ ظنِّ الحكمِ .
(١) في ن، آ، ل: ((مثل)).
(*) آخر الورقة (١٣٠) من آ.
(٢) في غيرح: ((وهو)).
(٣) لفظ ل، ن: ((يوجد)).
(٤) لفظ ص، ح: ((فإذا)) هذا: والحديث الآتي جزءً من حديث أخرجه الإمام أحمد
((في كتاب السنة)) من حديث أبي وائل عن ابن مسعود. كما أخرجه في المسند (وإن كان
صاحب المقاصد قد خطأ من ذكر ذلك).
قال السخاوي: وهو موقوف حسن.
وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في الحلية في ترجمة ابن مسعود منها،
والبيهقي في الاعتقاد عن ابن مسعود أيضاً. انظر: المقاصد الحسنة: (٣٦٧)، ومجمع
الزوائد: (١٧٧/١-١٧٨)، وكشف الخفا: (٢٦٣/٢) ط.حلب قال: (( ... وقال
الحافظ بن عبد الهادي: روي مرفوعاً عن أنس بإسناد ساقط، والأصح وقفه على ابن مسعود»
١٠ هـ.
(٥) في عبارة ي: ((عدم ظن المخصص))، وفي ح: ((التخصيص)).
- ٢٢ -

[و(١)] احتجَّ ابنُ سریجٍ :
أنَّ بتقدير (٢) قيام المخصِّص - لا يكونُ العمومُ حجةً في صورةٍ
التخصيص - فِقبلَ البحثِ عن وجودِ المخصِّصِ - يجوزُ أنْ يكونَ العمومُ حجَّةً
وأنْ لا يكونَّ.
والأصلُ: أنْ لا يكونَ حجَّةً: إبقاءً للشيءٍ على حكمِ الأصلِ .
[ و (٣)] الجوابُ:
أنَّ ظنَّ كونِهِ حجَّةً - أقوى من ظنِّ كونِهِ غيرَ (٤) حجَّةٍ؛ لأنَّ إجراءَهُ على
العموم - أولى من حمله على التخصيص .
ولما ظهرَ هذا القدرُ من التفاوتِ: كفى [ذلكَ(٥)] في ثبوتِ الظنِّ .
فرعٌ:
إذا قلنا: يجبُ (٦) نفيُ المخصِّص ـ فذاكَ مِمَّا (٧) لا سبيلَ إليهِ إلَّ بأنْ يجتهدَ
في الطلب، ثم لا يجدُ، لكنَّ الاستدلال بعدم الوجدان على (٨) عدمِ الوجودِ،
لا يورثُ إلَّ الظنَّ الضعيفَ(٩) والله أعلمُ .
(١) لم ترد الواو في ص، ح.
(٢) لفظ ن، ص، ل: ((تقديره، من غير حرف الجر.
(٣) لم ترد الواو في ص.
(٥) لم ترد الزيادة في ل، ن.
(٧) لفظ ح: ((ما)).
(٤) في ي: ((غيره)».
(٦) في ن، ي، ل، آ: ((وجب)).
(٨) تكررت في ي .
--
(٩) عبارات أئمة الأصول في هذه المسألة شديدة الاختلاف سواء في صورتها، أو في
أحكامها: فإمام الحرمين في البرهان صورها بأنها مسألة ((الصيغة الظاهرة في العموم إذا لم
يدخل وقت العمل بموجبها، ونقل قول الصيرفيِّ. بأنه يجب اعتقاد العموم فيها على
المتعبدين، ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذلك وإن تبين خصوص بعد التعبد))؛ وعقب
عليه بقوله: وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء، ومضطرب العلماء، وإنما هو قول
صدر عن غباوة واستمرار في عناد ونحن نقول لمن ينتحل هذا المذهب: أيجوز أن يبيّن =
- ٢٣ -

= الخصوص بالآخرة؟ ... )) فانظر البرهان (٤٠٦/١) الفقرات: (٣٠٨-٣١٠). وراجع
الكاشف: (٣٥/٢)؛ وراجع: تمام ما قاله في الكاشف (٢٣٥/٢)، ويتشعب البحث في
المسألة حتى ترتبط بمسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب. أما الحجة الغزالي فقد بحث هذه
المسألة تحت عنوان ((الفصل الثالث: في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه»
فراجع: أقواله ونُقوله في هذه المسألة في المستصفى (١٥٧/٢ -١٦٢). وراجع: نفائس
القرافي (٢/ ١٨٠). وشرح الأسنوي على منهاج البيضاوي وتأمل تعليقات الشيخ بخيت عليه
في (٤٠٣/٢-٤٠٧) تتضح لك جوانب المسألة ولم يصرح الفخر هنا باختياره وإن كان قد
استدل القول الصيرفيِّ، وكذلك لم يصرّح في المنتخب بذلك. انظر الورقة (٦٩ - ب) وأما
صاحب الحاصل فقد صرح باختيار قول الصيرفيِّ - راجع الورقة (٤٧ - ب -٤٨-آ).
- ٢٤ -

[القسم الثالث(١)]
فيما يقتضي تخصيصَ (٢) العموم
والكلامُ في هذا القسم يقع في أطرافٍ أربعةٍ :
أحدُها: الأدلَّة المتَّصلة المخصِّصةُ (٣).
وثانيها: الأدلَّة المنفصلةُ المخصِّصةُ(٤).
وثالثها: بناءُ العامُّ على الخاصِّ.
ورابعها: ما يُظَنُّ أنَّه من مخصِّصات العموم وليسَ كذلكَ.
القول في الأدلّة - المتصلة
وفيه(٥) أبواب
الباب الأول (*)
في الاستثناء
[ وفيه مسائلُ (٦)]
(١) ساقط من آ.
(٢) لفظ ص: ((التخصيص))، ولم يورد كلمة (العموم)).
(٣) في آ: ((المخصصة المتصلة)).
(٤) في آ: ((المخصصلة)).
(٥) زاد في ل، ي، ن: «أربعة)»، وهو وهم فالأبواب ثلاثة كما سيأتي: فالصواب رفعها.
(*) آخر الورقة (١٩٥) من ن.
(٦) لم ترد في غيراً.
- ٢٥ -

..

المسألةُ الأولى:
الاستثناءُ: ((إخراجُ بعضِ الجملةِ [من الجملةِ(١)] - بلفظ (إلَّ)، أو ما أقيمَ
مقامه»(٢) .
أو (٣) يقالُ: ((ما لا يدخلُ في الكلام إلَّ لإِخراجِ بعضهِ بلفظِهِ، ولا يستقلُّ
بنفسِهِ)) (٤).
والدليل على صحة هذا التعريف:
أنَّ الذي يُخرِجُ بعضَ الجملةِ عنها(٥)، إمّا أنْ يكونَ معنويًّا: كدلالةِ العقلِ
والقياس؛ وهذا خارجٌ عن هذا التعريف.
وإمَّا أنْ يكونَ لفظياً - وهو: ((إمَّا(٦)) أنْ يكونَ منفصلاً - فيكون مستقلاً
بالدلالةِ، وإلّ كان لغواً؛ وهذا [ - أيضاً - خارجٌ عن هذا الحدِّ.
أو متَّصلاً - وهو إما التقييدُ بالصفةِ، أو الشرطِ، أو الاستثناءِ، أو الغاية(٧)].
أمَّا التقييدُ بالصفة - فالذي خرجَ لم يتناولْه لفظُ التقييدِ بالصفةِ؛ لأنَّكَ إذا
قلتَ: ((أكرمني بنو(٨) تميم الطوالُ)) - خرجَ(٩) - منهم - القصارُ، ولفظُ ((الطوال))
(١) لم ترد في آ، وفي غير ص: ((عن)) بدل ((من)).
(٢) هذا هو المعنى المصدري للاستثناء، وراجع: تعاريف العلماء الآخرين في
الكاشف (٢٣٧/٢)، وما بعدها.
(٣) في ي: ((ويقال)).
(٤) يمكن أن يقال: ان هذا التعريف هو لأداة الاستثناء.
(٥) في آ، ي، ح: (منها)).
(٦) سقطت الزيادة من آ.
(٧) ساقط من أ، وكلمة ((هذا)) لم ترد في غير ص.
(٨) لفظ ح: (أبو)) .
(٩) لفظ ص: ((يخرج)).
- ٢٧ -

لم يتناول القصارَ: بخلاف قولنا: ((أكرمني(١) بنو تميمٍ إلَّ زيداً))؛ فإِنَّ الخارجَ
- وهو زيدُ - تناولتُهُ(٢) صيغةُ الاستثناءِ. وهذا هو الاحترازُ عن التقييدِ(*) بالشرطِ .
[و(٣)] أمَّا التقييُّذُ بالغايةِ - فالغايةُ قد تكونُ داخلةً - كما في قوله تعالى:
﴿إِلى المَرَافِقِ﴾(٤)، بخلافِ الاستثناءِ: فثبتَ أنَّ التعريفَ المذكور للاستثناءِ
منطبقٌ عليهِ .
المسألةُ الثانيةُ:
يجبُ أنْ يكونَ الاستثناءُ متَّصلا بالمستثنى منهُ(*) - عادةً: واحترزنا بقولِنَا:
((عادةً)) عمَّا إذا طالَ الكلامُ؛ فإنَّ ذلكَ لا يمنعُ [من (٥)] اتِّصالِ الاستثناءِ(١٦)(٧).
وكذلكَ (٨) قطعُ الكلامِ بالنَّفَسِ والسُّعالِ: لا يمنع من اتِّصالِهِ بهِ (٩).
وعن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما -: أنَّه جوَّزً(١٠) الاستثناءَ المنفصلَ.
وهذه الروايةُ - إنْ صحَّتْ - فلعلَّ المراد منها: ما إذا نوى الاستثناءَ متصلاً
بالكلام ، ثم أظهرَ نَّته بعده - فإنَّه يدينِ [فيما ] بينهُ وبينَ اللهِ تعالى - فيما
نواه(١٢).
(١) عبارة ح، ي: ((أكرم بني)).
:(*) آخرِ الورقة (١٣٢) من ح.
(٤) من الآية (٦) من سورة ((المائدة)).
(٥) لم ترد الزيادة في ح.
(٢) في غيرح: ((يتناوله).
(٣) لم ترد الواو في ح.
(*) آخر الورقة (١٤٣) من ل.
(٦) عبارة ي: ((اتصاله من الاستثناء)) وهو تصرف من الناسخ .
. (٧) ذكر الأصفهاني نقلاً عن إمام الحرمين أن الذين قالوا بتجويز الاستثناء المنفصل في
كتاب الله خاصة - قالوه بسبب خيال تخيلوه من مبادىء كلام المتكلمين الصائزين إلى أن
الكلام الأزليَّ واحد، وإنما الترتيب في جهات الوصول إلى المخاطبين ثم قال: وهذا من
هؤلاء اقتحام العمليات ... وفساد هذا مدرك بالبديهة. راجع: الكاشف (٢٣٩/٢).
(٨) لفظ ل، ح: ((ولذلك)).
(٩) هذا متفق عليه بين العلماء.
(١٠) لفظ ص: ((يجوز)).
(١١) لم ترد الزيادة في ل، في .
(١٢) نقل الأصفهاني عن إمام الحرمين قوله: ((والمشكل صحة النقل عن ابن عباس،
والوجه: تكذيب الناقل أو حمله على أنه غلط. ويمكن أن يحمل مذهبه على إضمار الاستثناء =
-٢٨ -

لنا وجهان:
الأول :
لو جازَ تأخيرُ الاستثناءِ - لما استقرَّ شيءٌ من العقود: من الطلاق والعتاقِ،
ولم (١) يتحقَّق الحنثُ (٢) أصلاً؛ لجوازِ أنْ يردَ عليهِ الاستثناء: فيُغيِّرَ (٣) حكمَهُ.
الثاني :
نعلمُ بالضرورةِ أنَّ من قالَ لوكيله (٤) [اليومَ]: «بع داري من أيِّ شخصٍ
كانَ)) ثم قالَ - بعدَ غدٍ -: ((إِلَّ من زيدٍ))؛ فإنَّ أهلَ العرفِ لا يجعلونَ الاستثناءَ
عائداً إلى ما تقدَّم.
احتجُّوا :
بأنَّهُ يجوزُ تأخيرُ النسخ والتخصيص -: فكذا(٥) الاستثناءُ.
والجوابُ:
[أَنَّه (٦)] يبطلُ بالشرطِ، وخبر المبتدأ؛ ثم نطالبهُم بالجامع والله أعلمُ(٧).
متصلاً، ثم البوح بادعاء إضماره متأخراً. وهذا مذهب مزيف، وقد صار إليه بعض أصحاب
مالك الذين قالوا بتجويزه في كتاب الله تعالى خاصة)). راجع الكاشف (٢٣٩/٢).
(١) عبارة ح: ((لزم أن لا))، وعبارة ن، ي، ص، ل: ((وأن لا)).
(٢) لفظ ن: ((الحنق))، وهو تصحيف.
(٣) لفظ ي: ((فتغير))، وفي آ: ((فيعتبر).
(٤) عبارة ن، آ، ل، ص: ((اليوم لوكيله))، وسقطت ((اليوم)) من ح.
(٥) في ي، آ: ((وكذا)).
(٦) سقطت من ن، ي، ل، آ.
(٧) هذا ما ذكره المصنف - رحمه الله - هنا، وأما ما قاله في التفسير فهو: ((قال ابن عباس
- رضي الله عنهما -: لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة، ثم ذكر ((إن شاء الله)) كفى في
دفع الحنث: وعن سعيد بن جبير: بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم. وعن طاووس: أنه يقدر
على الاستثناء في مجلسه. وعن عطاء يستثنى على مقدار حلب الناقة الغزيرة. وعند عامة
الفقهاء: أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً. ثم ذكر احتجاج ابن عباس بقوله تعالى : =
- ٢٩ -

المسألةُ الثالثةُ :
استثناءُ الشيءِ من غيرِ جنسِهِ - باطلٌ على سبيل الحقيقةِ؛ وجائزٌ على سبيل
المجاز.
والدليلُ(١) الأوَّل:
أنَّ الاستثناءَ من غير الجنسِ [الأوَّلِ (٢)] لو صحَّ: لصحَّ إمَّا من اللفظِ، أو
[من(٣)] المعنَى.
والأوَّل باطلٌ؛ لأنَّ اللفظَ الدالَّ على الشيء - فقط - غيرُ دالٌ على ما
يخالفُ جنسَ مسمَّاهُ وَاللَّفظُ إذا لم يدلُّ على شيءٍ لا يحتاجُ إلى صارفٍ يصرفُهُ
[عنهُ(٤)].
والثاني - أيضاً - باطلٌ؛ لأنَّه لو جازَ حملُ اللَّفظ على المِعْنى المشترَكِ بَيْنَ
- ﴿وَاذْكُر ربَّك إذا نَسيتَ﴾ الآية (٢٤) من سورة الكهف. باعتبار المراد منه ما تقدم، وباعتباره
غير مقيد بوقت. وعقب على استدلال ابن عباس: بأنه استدلال ظاهر في أن الاستثناء لا
يجب أن يكون متصلاً، ثم ذكر ما احتج به للفقهاء في المحصول، وقال: فثبت أن الذي
عولوا عليه ليس بقوي، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون الاستثناء متصلاً: بأن الآيات
الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد قال تعالى: ﴿أوفوا بالعقودِ﴾، الآية (١) من
سورة المائدة، وقال: ﴿وأُوْفُوا بالعهدِ﴾، الآية (٣٤) من سورة الإسراء: فالآتي بالعهد يجب
عليه الوفاء بمقتضاه، لأجل هذه الآيات، خالفنا هذا الدليل فيما كان متصلاً لأن الاستثناء
مع المستثنى منه كالكلام الواحد ... الخ راجع: التفسير (٤٧٣/٥). ط الخيرية.
ولا يخفى أن الآية المذكورة فيها قيد النسيان، فراجع شرح المحلى على جمع الجوامع
(١٢/٢)، ونقل عن الأشعري - رضي الله عنه - أنه قال: لوصح مذهب ابن عباس: لما عدل
عنه إلى الإِجزاء ((بأن أخذ ضغثاً)) على ما ذكر في الآية بل كان يكفيه الاستثناء ولو بعد حين،
انظر الكاشف (٢٤٠/٢ - ب). أما الغزالي فقد قال عن قول ابن عباس - ولعله لا يصح عنه
النقل إذ لا يليق ذلك بمنصبه. راجع: المستصفى (١٦٥/٢) وانظر شرح الاسنوي
(٤١٠/٢). ط السلفية ..
(١) زاد في غيرآ: ((على).
(٣) لم ترد الزيادة في ص.
(٢) لم ترد الزيادة في غيرح.
(٤) لم ترد الزيادة في ح.
- ٣٠ -

مسمَّاهُ وبِينَ المستثنى - ليصحَّ الاستثناءُ - [لجازَ استثناءُ كلِّ شيءٍ من كلِّ شيءٍ]
لأنَّ كلَّ شيئين لا بدَّ (١) وأن يشتركا في بعضِ الوجوهِ - فإذا حُملَ(*) المستثنى
على ذلك المشتركِ: صحَّ الاستثناءُ.
ولما علمنا (٢): أنَّ العربَ لم يصحِّحوا استثناءَ كلِّ شيءٍ من كلِّ شيءٍ(*):
علمنا بطلانَ هذا القسمِ (٣) .
احتجُوا: بالقرآن، والشعر، والمعقولِ :
(١) لفظ ص: ((فلا).
۔ ۔
(٢) في ح: ((عرفنا)).
(*) آخر الورقة (١٩٦) من ن.
(*) آخر الورقة (١٣١) من آ.
(٣) ثمرة الخلاف في هذه المسألة تظهر فيما إذا قال: ((لفلان عليَّ ألف درهم إلا ثوباً))
فالإِمام الشافعي - رضي الله عنه - يرى وجهاً معقولاً في استثناء قيمة الثوب من الألف.
وأما الإِمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - فإنَّه لا يقبل هذا الاستثناء، ولا يرى فيه هذا
الوجه، وإن كان قد جوّز استثناء المكيل بعضه من بعض وإن اختلفت الأجناس، ناظراً إلى
الوجه الذي رآه الشافعي في استثناء الثوب من الدراهم على معنى القيمة. هذا ما نقله
الأصفهاني عن إمام الحرمين في الكاشف (٢٤٠/٢)، ثم قال إمام الحرمين: والأصح: أن
لا يعتقد ثبوت الاستثناء من غير الجنس، وإن جرى لفظ ((إلا)» في كلام فصيح: لم يكن
: استثناء - كان ذلك بمعنى ((لكن)) وانظر المسألة في البرهان: (٣٩٧/١-٣٩٩) الفقرتين:
: (٢٩٦، ٢٩٧). وقال الغزالي: اختيار القاضي أن الاستثناء من غير الجنس حقيقة ثم قال:
: والأظهر عندي: أنه مجاز: راجع المستصفى (٢ /١٧٠)، وهو اختيار أبي الحسين فراجع:
: المعتمد (٢٦٢/١).
وخلاصة القول: أن المذاهب في هذه المسألة كما يلي :
١ - أن الاستثناء من غير الجنس لا يجوز؛ وإن وقع فإنه لا يسمى استثناء، بل هو استدراك.
٢ - هو استثناء - على سبيل المجاز.
٣ - هو استثناء حقيقة، وهؤلاء اختلفوا فمنهم من اعتبره من قبيل المتواطىء، ومنهم من قال
: إنه مشترك.
٤ - التوقُّف على معنى أن حكمه في اللغة غير معلوم؛ وهو اختيار القاضي، وتبعه الإِمام
المصنف - على ما سيأتي ص(٤٥). وبذلك يكون مجموع المذاهب في هذه المسألة
. أربعة.
- ٣١ -

أمَّا القرآن - فخمسُ آياتٍ .
إحداها (١):
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ومَا كَانَ لمُؤمِنٍ أَن يقْتُلَ مُؤمِناً إلَّ خَطَئاً﴾(٢).
وثانيها :
[قولهُ تعالى(٣)]: ﴿فسجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّ إبليسَ﴾ (٤) وهوَ ما كانَ
منهم، بل كانَ من الجِنِّ.
وثالثُها :
[قوله تعالى(٥)]: ﴿لَ تَأْكُلُوا أَمْوْلَكُم بِينَكُم بالبطِلِ إلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَنْ
تَراضٍ مِنْكُم﴾
ورابعها :
[قوله تعالى(٧)]: ﴿مَالَهُم بِهِ مِنْ عِلمٍ إلَّ اتِّبَاعَ الظّنّ﴾(٨) [والظُّ (٩)] لَيْسَ
مِن جنسِ العلمِ .
وخامسها: [قوله تعالى(١٠)]
﴿لَا يَسْمَعُون فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ﴾ إلَّ قِيلًا سَلَماً سَلَماً﴾(١١)
والسلامُ ليسَ من جنسِ اللَّغوِ.
(١) لفظ آ: ((أحدها).
(٢) الآية (٩٢) من سورة (النساء).
(٣) لم ترد في آ، ي، ح.
(٤) الآية (٣٠-٣١) من سورة ((الحجر).
(٥) لم ترد في غيرح.
(٦) الآية (٢٩) من سورة ((النساء)).
(٧) لم ترد في غيرح، آ.
(٨) الآية (١٥٧) من سورة (النساء).
((٩) سقطت من ن، ل.
(١١) الآيتان (٢٥، ٢٦) من سورة ((الواقعة)).
(١٠) لم ترد في غيرآ، مخ.
- ٣٢ -

وأمَّا الشَّعْرِ ه) [فقوله (١)]:
إلَّ اليَعافِيرُ وإلا الْعِيسُ(٢)
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ
(*) آخر الورقة (٨٩) من ي.
(١) سقطت من ن، ل، آ، ي.
(٢) بهذه الألفاظ ورد البيت في المستصفى (١٦٨/٢) ولم يورده أبو الحسين، واكتفى
ببيت النابغة في المسألة، وورد في الحاصل (٤٨ - ب) والمنتخب (٧٠ - ب)، وفي التحصيل
أورده بالمعنى (٦١ - ب).
والبيت معزوٌّ لـ ((عامر بن الحارث)) المعروف بـ ((جران العود)) راجع: العيني (١٤٧/٢)
- الشاهد (٣٤٣)، والإنصاف (٦٥)، وتنزيل الآيات (٧٣) وديوان الشاعر (٥٣) ضمن
مقطوعة رجز، وليس بهذه الألفاظ بل :
قد ندع المنزل يا لميس يعس فيه السبع الجروس
الذئب أو ذو لبد هموس بسابسا ليس بها أنيس
کنوس
ملمع
إلا اليعافير وإلا العيس وبقر
کأنما هن الجواري المیس
وقد ورد البيت كما في المحصول في اللسان مادة (الا)، والكتاب (١٣٣/١)،
و(٣٦٥)، وشرح شواهده (١٣٣/١)، والطبري (١٧٨/٥)، (٢٨/١٢)، (٣٩/٢٧)،
والكشاف (٢٧٧/٣)، ومشاهد الإنصاف (٦٥) والتنزيل (٧٣) وتفسير المصنف (٥٩٤/٨)
ط الخيرية، والبحر المحيط (٤٨٤/٨)، والنيسابوري (٨/٢٠)، وروح المعاني
(٢٠٨/٣)، (١٧٣/١٤)، (٩/٢٠)، (١٥٢/٣٠)، ومجاز القرآن (٢٣٧/١)، والخزانة
(١٢١/٤)، وشرح المفصل (٨٠/٢)، (٥٢/٨)، وشرح شذور الذهب (٢٦٥)، وشرح
الأشموني (١٤٧/٢)، وأوضح المسالك (٢٦١/٢)، وشرح الكافية (٢٥٤)، ومفتاح العلوم
(١٩٨)، (٢٧٠)، والإِيضاح (١٦٣)، وهامش التلخيص (٣٠٦)، وعروس الأفراح
(٦٧/٤)، والهمع (٢٢٥)، والدرر (١٩٢/١)، وشرح التصريح (٣٥٣/١)، وفي معاني
القرآن (٢٨٨/١)، و(١٥/٢) بلفظ: ((وبلد ليس به أنيس))، وكذلك في مجاز القرآن
(٧٨/٢)، وفي معاني الشعر (٢٨):
يا ليتني وأنت يا لميس * ببلد ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس، وفي مجالس ثعلب .
(٣٨٤) :
=
- ٣٣ -

[وقول النابغة :
:٠
﴿ وَمَا بِالدَّارِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّ أَوَارِيَّ*
والأواري: ليس من جنس الأحد](١).
= دار لليلى خلق لبيس * ليس بها من أهلها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس، وفيه أيضاً (٢٦٢).
كما في معاني الشعر.
(١) ما بين المعقوفتين سقط كله من أ، وهو بهذا الحرف في ص، ي، ح، وفي ل،
ن، آ لم ترد كلمة ((من))، والنص بعد ذلك مزيج من جزأين: أولهما قوله: ((وما في الدار من
أحد)) وصوابه كما في جميع المراجع: التي اطلعنا عليها: ((وما بالربع من أحد)) وهو جزء من
عجز بيت وثانيهما قوله: ((إلا أواري))، وهو الرواية المعروفة في أكثر المراجع، وهو جزء من
صدر البيت التالي لما ورد في القسم الأول، والبيتان هما قول النابغة الذبياني :
وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيَّتْ جواباً وما بالربع من أحد
إلا أواري لأياً: ما أبيِّنها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
كما في ديوانه ص(٣٤) ط بيروت، وقد ورد البيتان منسوبين إليه وبألفاظ الديوان ذاتها
في الخزانة (٥/٤)، وشرح المفصل (٨٠/٢)، والطبري (٦١/١) والطبرسي (١٣٤/٥)،
والإنصاف (٢٦٩)، والكتاب (٣٦٤/١)، وشرح شواهد الكتاب (٣٦٤/١)، والحيوان
(٣٣١/١)، والهمع (٢٢٣)، والدرر اللوامع (١٩١/١)، وفيهما: ((أصيلالا)) بدلاً من
((أصيلانا)) و((الأواري)) بدلاً من ((أواري)) وتكررورودهما في الهمع (٢٢٥)، والدرر (١٩١/١)
بلفظ ((طويلا كي أسائلها)) بدل ((أصيلانا أسائلها))، كما وردا في معاني القرآن (٢٨٨/١)؛
إلا أن في ((ما أن لا أبينها)) بدلا من ((لأيا ما أبينها)) وفي مختار الشعر الجاهلي (١٤٩/١)،
وفيه (الأوارى)). وفي اللسان مادة ((أصل)) ورد البيت الأول، وكذلك في الصحاح، والأشموني
(٤ /٢٨٠) الشاهد رقم (٩٤٧).
وورد البيت الثاني منهما في شرح الشافية (٥٤/٢)، والتنبيه (٩٨)، والضرائر (٣٢٥)
وشرح المفصل (١٢٩/٨)، والطبري (١٨٦/١)، واللسان مادة ((جلد)) والهمع (١٥٨)
والدرر (٢٢٢/٢).
وورد موضع الشاهد من البيتين في معاني القرآن (٤٨٠/١)، الخزانة (١٢١/٤)،
الشاهد (٢٧٢)، وشرح المفصل (١٢/٨)، (١٤٣/٩)، الطبري (١٤٦/٣)، (١٧٨/٥)،
(١١٧/١١)، واللسان مادة ((إلا)) ومادة ((عيا)) وأوضح المسالك (٣٧/٤).
وقد ورد موضع الشاهد، ويلفظ «الأواري)) في شرح الشافية (٥٤/٢)، والضرائر =:
- ٣٤ -

وأمَّا المعقولُ فهو: أنَّ الاستثناءَ تارةً يقعُ عمّا يدلُّ اللفظُ عليهِ ((دلالةً
المطابقةِ) أو(١) ((التضمّن)).
وتارةً عمَّا يدلُّ عليهِ (دلالةَ الالتزام ))؛ فإذا قالَ ((لفلانٍ عليَّ ألفُ دينارٍ، إلَّ
ثوباً)) - فمعناه: [إلَّا(٢)] قيمةَ ثوبٍ.
[و(٣)] الجوابُ:
أمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يقتُلَ مُؤْمِناً إِلَّ خَطَئاً ﴾(٤) [فجوابُهُ: أَنَّ
((إلَ) ها هنا بمعنى لكن، أو يقالَ: وما كانَ لمؤمن أن يقتلَ مؤمناً إلاّ إذا
أخطأ](٥)، فغلبَ على ظنَّ أَنَّه (٦) ليسَ من المؤمنينَ إمَّا بأَنْ يختلطَ بالكفارِ: فيظنُّ
الرجلُ أنَّهُ منهم(٧)، أو(٨) بأنْ يراهُ من بعيدٍ - فيظنُّهُ صيداً، أو حجراً(١).
وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ﴾ (١٠)- فقيل إنَّهُ كَانَ من الملائكةِ - ولا بدَّ من
الدلالةِ على أنَّ كونَّهُ من الجنّ - ينفي كونَهُ من الملائكةِ.
سَلَّمْنا: أَنَّه ليسَ من الملائكةِ، لكنْ إِنَّما حسُنَ الاستثناءُ؛ لأنّه كانَ مأموراً
بالسجودِ - كما أنَّ الملائكةَ(*) كانوا مأمورينَ بذلكَ. فكأنَّه(١١) قال: ((فسجَدَ
= (٣٢٥)، والإنصاف (٢٦٩)، والدرر (٢٢٢/٢).
وورد الشطر الثاني من البيت الثاني من غير ما عزوله في الحيوان (٢٨٠/٥).
(١) في آ، ح، ص: ((و))، وفي ن، ل: ((والتضمين)).
(٢) سقطت الزیادة من ن، آ، ل، ص.
(٣) لم ترد الواو في ص.
(٤) الآية (٩٢) من سورة (النساء)).
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من ن، ل، وسقطت كلمة ((الا)) من آ، وقوله ((بمعنى)) في
ح («بمعناه))، وقوله: ((أخطأ)) فيها: ((خطأ)).
(٦) لم ترد الزيادة في غير ص.
(٧) في ل، ن: ((منهما)).
(٨) لفظ ل، ن: «وبان)».
(٩) راجع: هذين الوجهين وغيرهما من الوجوه التي حمل المصنف عليها الآية في حالة
اعتبار الاستثناء متصلاً، أو منقطعاً، وكذلك لمعرفة وجوه إعراب قوله ((خطأ)) - تفسير الإمام
(١٠) الآية (٣١) من سورة ((الحجر)).
المصنف (٢٨٤/٣-٢٨٥). ط الخيرية.
(*) آخر الورقة (٤٩) من ص.
(١١) لفظ ي: ((وكأنه)).
- ٣٥ -

المأمورونَ بالسجودِ إلَّ إبليسَ))(١).
وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِلَّ أنْ تَكونَ تِجارةً﴾(٢)، ﴿إلَّ اتِّبَاعَ الظَّنّ﴾(٢) فقد اتفقت
النحاةُ(٤): على أنَّه ليسَ باستثناءٍ(٥)؛ ثم فسَّره البصريُّون بقولهم(٦): ولكن (٧)
اتّباعَ الظنِّ؛ والكوفُّونَ بِقولهم (4): ((سوى اتباع الظَّنِّ).
والجوابُ (٩) عن الشعرِ:
أنَّ ((الأنيس)) - سواءٌ فسَّرناهُ بالمُؤْنس أو بالمبصر: أمكنَ إدخالُ(*) اليعافير
والعيسِ فيهِ (١٠)
· (١) راجع أقوال العلماء في كون إبليس من الملائكة أو الجن، وهل هما جنس واحد،
أو هما مختلفان، واستدلالات كل على مذهبه، وأقوالهم في هذا الاستثناء في التفسير
(٢٨٨/١-٢٨٩). ط الخيرية.
(٢) الآية (٢٩) من سورة ((النساء)). (٣) الآية (١٥٧) من سورة ((النساء).
(٤) لفظ أ: ((التجارة)). وهو من غرائب التصحيف.
(٥) لفظ آ: ((استثناء)» :.
(٦) في ن، ل: ((بقوله))، وفي ي: ((يقولونه)).
(٧) لفظ ل: ((ولكن)»،
. (٨) في ن، ل: ((بقوله))، ولفظ ص: ((يقولون)). وراجع: أقوال الفريقين في الآية،
في الإنصاف (١٧٤/١) ط: الاستقامة.
(٩) لفظ ص: ((الجواب)).
(*) آخر الورقة (١٤٤) من ل.
(١٠) قال الأصفهاني: وأما الجواب عن الآية والشعر فمنع أنه استثناء من غير الجنس قال
صاحب التنقيح: ولا أرى لهذا الاعتذار معنى، فإن اللفظ إذا لم يتناول ما بعد ((إلا)»: لم يكن
لا تناولا، ولا إخراجاً، فإن مكان الاستثناء هو الإخراج وحرف ((إلا) صيغته الموضوعة له : :
فهذا مجاز قطعاً، وإلا فليغير حد الاستثناء أو يدعى الاشتراك. وعقب الأصفهاني على قول .
صاحب التنقيح بقوله: واعلم أن هذا كلام مبين ويصلح أن يجعل دليلاً في أصل المسألة .
راجع: الكاشف (٢٤١/٢ - ب - ٢٤٢ - أ).
وعن قوله تعالى: ﴿إِلَّ قِيلًا سلاماً سَلاما﴾ أجاب القرافيُّ: بأنَّه اسثناء متصل لأن هذا"
القول يقال في الآخرة، ولما حصل الأمان فيها لأهل الجنة ، صار السلام لغواً. فراجع :..
نفائسه (١٨٤/٢)، وهذا تكلف منه ظاهر. ورجّحَ المصنف أنه منقطع وأن ((إلا)) بمعنى لكن
-٣٦ -

وعن(*) الثالث(١):
أَنَّهُ لوصحَّ الاستثناءُ من المعنَى: لزم [صحَّةُ(٢)] استثناءِ كلِّ شيءٍ مِن كلِّ
شيءٍ، على ما بَيِّناه. والله أعلمُ.
المسألةُ الرابعةُ :
أجمعوا على فسادِ الاستثناءِ المستغرقِ.
ثمَّ(٣) من الناس من قالَ: شرطُ المستثنى أنْ لا يكونَ أكثرَ ممَّا بِقِي، بل
يجبُ أَنْ يكونَ(٤) مساوياً، أو أقلّ.
[و(٥)] قالَ القاضي: [بل(٦)] شرطُهُ(٧): أَنْ لا يكونَ أكثرَ ولا مساوياً بل أقلَّ.
ويدلُّ على فسادِ القولين -: أَنَّ الفقهاءَ أجمعوا على [أَنَّ (٨) من قالَ:
((لفلانٍ عليَّ عشرةٌ إلَّ تسعةً)) - يلزمُهُ(٩) واحدٌ، ولولا أنَّ هذا الاستثناءَ صحيحٌ:
لغةً وشرعاً وإلَّ: لما كان كذلك.
ويدلُّ على فساد القول الثاني - خاصَّةً - قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّ مَن أَتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾(١٠)، وقال - حكايةً عن إبليسَ -:
﴿لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعَيْن ◌َ إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾(١١)؛ فلو كان المستثنىّ أقلّ
من المستثنىَ منه *: لزم - في أتباع إبليسَ وفي المخلصين - أَنْ يكونَ كلُّ واحدٍ
فراجع التفسير (٥٢/٨). ط الخيرية.
(*) آخر الورقة (١٣٣) من ح.
(٢) سقطت الزيادة من ح، ي.
(٤) في ن، ي، ل، ح: ((كونه)).
(٦) لم ترد الزيادة في غيرآً، ص.
(١) أي عن الاحتجاج بالمعقول.
(٣) لفظ ن، ي، ل، أ: ((ومن)).
(٥) لم ترد الواو في ن، ل.
(٧) في ن، ل، آ: ((بشرط))، ولفظ ي: ((يشترط)).
(٨) سقطت الزيادة من ي .
(٩) لفظ ن، ل: «لزمه)).
(١١) الآيتان (٣٩، ٤٠) من سورة ((الحجر)).
(١٠) الآية (٤٢) من سورة ((الحجر)).
(*) آخر الورقة (١٩٧) من ن .
- ٣٧ -

منهما أقلّ من الآخرِ؛ وذلكَ محالٌ.
حجَّةُ القاضي - رحمه الله -: أنَّ المقتضيَ لفسادِ الاستثناءِ قائمٌ، وما لأجلِهِ
تُركَ العملُ به في الأقلّ(١) غيرُ موجودٍ في المساوي والأكثرِ : - فوجبَ أنْ يفسُدَ
الاستثناءُ في المساوي والأكثرِ.
بيانُ مقتضَى الفسادِ (٢): [أنَّ(٣)] الاستثناءَ - بعدَ المستثنَى [منه (٤)] - إنكارٌ
بعدَ الإِقرارِ؛ وأنَّه غيرُ مُقبولٍ.
بيانُ الفارقِ: أنَّ الشيءَ القليلَ يكونُ في معرضِ [النسيانِ(٥)]: لقلّةِ
التفاتِ النفسِ إليهِ، والكثيرُ(٦) يكونُ متذكَّراً محفوظاً؛ لكثرةِ التفاتِ القلبِ إليهِ؛
فإِذَا(٧) أقرَّ بالعشرةِ - فربَّما كانتْ تلكَ العشرةُ بنقصانِ شيءٍ قليل - وإنْ كانتْ
تأمَّةً، لكنه أدَّى منها شيئاً قليلاً (٨)، ثم إنَّه نَسِيَ ذلكَ القدرَ لقلَّتِهِ(٩) -: فلا جرَمَ
أقرَّ بالعشرةِ الكاملةِ، ثم إنَّهُ بعدَ الإِقرارِ (١٠) تذكَّر ذلكَ القدرَ: فوجبَ أنْ يكونَ
متمكِّناً من استدراكِهِ فلأجل هذا (١١) شرعنا استثناءَ الأقلِّ من الأكثر، ولم يُوجَدْ
هذا المعنى في استثناء المثلِ أو الأكثر؛ لما ذكرنا: أنَّ الكثرةَ مظِنّةُ الذكر.
وإذا ظهرَ الفارقُ: بقيَ المقتضي سليماً عن المعارضِ .
والجواب - عندنا :
[أن ] الاستثناءَ - مع المستثنَى [منه٢] - كاللَّفظ الواحدِ الدالٌّ على ذلكَ
(١) لفظ ن: ((الأول))، وهو تحريف. (٢) عبارة آ: ((المقتضي للفساد)).
(٣) سقطت الزيادة من ي، وقال إمام الحرمين في البرهان: (٣٩٦/١) فق (٢٩٥) معقباً
على كلام القاضي: (( ... ولم يتمسّك إلَّ باستبعاد لا يليق بمنصبه التعلق بمثله)).
(٤) سقطت الزيادة من ص.
(٥) سقطت الزيادة من ن، ل.
(٦) لفظ آ: ((والكبير)).
(٧) لفظ ن، آ، ل، ي: ((وإذا)).
(٨) في آ: «بشيء قليل)).
(٩) في ن، ل زيادة (فكذلك))، وفي آ: ((بذلك)).
(١٠) عبارة ح: ((تذكر بعد)) وفي ص: ((يتذكر))، وفي آزيادة ((ذلك)) عقب كلمة ((بعد)).
(١٢) هذه الزيادة من آ.
(١١) في غيرح: ((ذلك)).
(١٣) كذا في ح، وفي ص: ((عنه))، وسقطت من النسخ الأخرى.
- ٣٨ -

القدر؛ وعلى هذا الفرض يسقطُ ما ذكرتُم (١). والله أعلمُ.
المسألةُ الخامسةُ :
الاستثناءُ من الإثباتِ نفيٌ، ومن النفي إثباتٌ.
مثال الأول قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِم أَلْف سنةٍ إلَّ خَمسينَ عاماً﴾ (٢)، ومثال
الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِىَ لَيْسَ لَكَ عَليهِمْ سُلْطَنٌ إِلَّ مَن اتَّبَعَكَ﴾(٣).
وزعم (٤) أبو حنيفةً - رحمه الله -: أنَّ الاستثناءَ من النفي لا يكونُ إثباتاً،
قالَ: لأنَّ بينَ الحكمِ بالنفي [وبينَ(٥)] الحكمِ بالإِثباتِ واسطةٌ - وهي: عدمُ
الحكم .
فمقتضى الاستثناءِ بقاءُ المستثنى غيرَ محكومٍ عليه(٢)، لا بالنفيٍ ولا
بالإثبات .
لنا :
لَوْلَمْ يكن الاستثناءُ في النفي إثباتاً - لما كانَ قولُنا(٦): ((لا إلهَ إلَّ الله)) موجباً
ثبوتَ الإِلهِيَّة [للهِ جلَّ جلاله(٧)]، بل كانَ معناهُ نفيَ الإِلهِيَّةِ عن غيرِهِ، وأمَّا (٨)
ثبوتُ الإِلهِيَّةِ [له (٩)] - فلا. ولو كان كذلكَ - لما تمَّ الإِسلامُ؛ ولمَّا كانَ ذلكَ (١٠)
باطلًا: علمنا أنَّه يفيدُ الإِثباتَ.
احتجَّ(١١) أبو حنيفةً - رحمه الله - بقوله بَير: ((لا نكاحَ إلَّ بوليٍّ))(١٢)، و((لا
(١) في ن، ل: ((ذكرتموه))، وفي آ، ي، ح: ((ذكرته)).
(٢) الآية (١٤) من سورة ((العنكبوت)).
(٣) الآية (٤٢) من سورة ((الحجر)).
(٥) لم ترد الزيادة في ص، ح.
(٦) لفظ ي: ((قوله)).
(٨) في ن، ل: ((فأما)).
(١٠) عبارة ن، ي، ل، ١: ((ولما تم الإِسلام)).
(٤) لفظ ن، ي، ل: ((فزعم)).
(*) آخر الورقة (١٣٢) من آ.
(٧) لم ترد هذه الزيادة في ص.
(٩) سقطت الزيادة من ص.
(١١) لفظ ح: ((واحتج)).
(١٢) هو حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند (٦٦/٤): ط المعارف، وأبو داود في
السنن (٢٢٩/٢)، والترمذي (٢٠٤/١)، وابن ماجة (٢٩٧/١).
- ٣٩ -
=

صلاةَ إلَّ بطهورِ) (١) .. ولم يلزم منه تحقَّق النكاحِ عندَ حضورِ الوليِّ، و[لا(!)]
تحقَّقُ الصلاةِ عندَ [حضورِ(٣)] الوضوءِ، بل يدل على عدم صحَّتِهِمَا - عنْدَ
عدم هذين الشرطينِ (٤) والله أعلمُ.
= كما أخرجه الحاكم في المستدرك (١٦٩/٢-١٧٢)، والمجد ابن تيمية في المنتقى
(٥٠٣/٢) ط الرحمانية، والشوكاني في نيل الأوطار (١٠١/٦)، و(١٠٧)، ١٠٨) ط المنيزية
والحلبي. وانظر أيضاً السنن الكبرى (٥٦/٧، ١٠٤ و١١١، و١٤٨/١٠). وراجع الكلام
عليه في شفاء الغليل (٨٤-٨٥)، والمحلى (٤٦٥/٩)، ونصب الراية (١٦٧/٣). على مافي
هامش الشفاء ص(٨٥).
(١) أخرج المجد ابن تيمية في المنتقى (١١٧/١) ط مصطفى الحلبي: ((عن أبي هريرة
عن النبي - * - قال؛ لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)). رواه
أحمد وأبو داود وابن ماجة. ثم قال ولأحمد وابن ماجة من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد
مثله، وراجع ما قاله الشارح الشوكاني (١١٧-١١٩).
وبهذا اللفظ ومن طريق أبي هريرة أيضاً: رواه أحمد في المسند وأبو داود وابن ماجة
والحاكم في المستدرك على ما في الفتح الكبير (٣٤٥/٣).
وبه رواه ابن ماجة عن سعيد بن زيد. على ما في الفتح الكبير أيضاً.
(٢) سقطت الزيادة من ص.
(٣) سقطت الزيادة من آ.
(٤) قال المصنف في التفسير - وهو يتحدث عن الإشكال في حمل الاستثناء في قوله
تعالى: ﴿إِلَّ خطأ﴾ على الاستثناء المتصل -: ((إلا أن هذا الإشكال إنما يلزم إذا سلمنا أن
الاستثناء من النفي إثبات، وذلك مختلف فيه بين الأصوليِّين، والصحيح: أنه لا يقتضيه، لأن
الاستثناء يقتضي صرف الحکم عن المستثنی، لا صرف المحكوم به عنه، وإذا کان تأثیر
الاستثناء في صرف الحكم فقط: بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات)».
فراجع: التفسير (٢٨٥/٣)، وهذا يدل على أنه مال في التفسير إلى رأي الإمام أبي حنيفة
- رحمه الله - وكذلك في ((المعالم)) على ما نقله الأصفهاني في (٣/٣]) كما نقل عنه
اعتراضه على الحجة التي احتج بها هنا وقال: إن الإِقرار بالإِله حاصل بالفطرة . ولكنّه خالفه
هنا. وقد خرر الجلال المحلي موضع النزاع ولكنه بشكل فائق الحسن وزاد تحريره أيضاً:
المحشي البناني فراجعه في شرح الجلال على جمع الجوامع بحاشية البناني (١٥/٢-١٦)،
يغنك إن شاء الله عما أفاض به القرافيُّ من نقول وأقوال في نفائسه (١٨٨/٢).
- ٤٠ -