Indexed OCR Text

Pages 241-260

۔۔
سلمنا أنَّ التعذيبُ على تركِ الصلاةِ، لكنّ(١) قولَهُ: ﴿لمْنَكُ مِنَ
المُصَلِّينِ﴾(٢) يجوزُ أنْ (٣) يكونَ إخباراً عن قومٍ ارتدُّوا - بعد إسلامِهم - مع أنّهم
ما صلّوا حالَ (٤) إسلامهم لأنّه(٥) واقعةُ حالٍ، فيكفي في ضدقِهِ صورةٌ واحدةٌ.
سلّمنا عمومَهُ - في حقِّ الكفّارِ، [و(٦)] لكنَّ الوعيدَ ترتّبَ على فعلِ الكلِّ
- فِلِمَ قلتَ: إنّهُ حاصلٌ على كلٍّ واحدٍ (٧) من تلكَ الأمورِ؟.
[و(٨)] الجوابُ: أنَّ الله - تعالى - لَمّا حكّى عن الكفّارِ تعليلَهُمْ دخولَ النارِ
بتركِ الصلاةِ -: وجبَ أنْ يكونَ ذلكَ صدقاً؛ لأنّهُ لو كانَ كذباً - مع أنّه تعالى ما
بَيّنَ كذبهم [فيها(٩)]: لم يكن في روايتِهَا فائدةٌ، وكلامُ اللهِ - تعالى - متى أمكن
حملُهُ على ما هُوَ أكثرُ فائدةً؛ وجبَ ذلكَ.
وأما المواضعُ التي كذّبُوا فيها - مع أنَّ الله تعالى - ما بيّنَ كذبهم فيها: فذاكَ
لاستقلالٍ(١٠) العقلِ بمعرفةٍ كذبهم فيهَا (١١): فتكونُ الفائدةُ من(١٢) [ذكر(١٣)] تلكَ
الأشياءِ بيانَ نهايةِ مكابرتِهِم وعنادِهم في الدنيا والآخرةِ.
وأمّا ها هنا - فلمّا لمْ يكن العقلُ مستقلاً بمعرفة كذبهم(١٤)، والله - تعالى -
(١) لفظ ي: ((ولكن)».
(٢) الآية (٤٣) من سورة المدثر.
(٣) آخر الورقة (٦٩) من ي.
(٤) لفظ ص: ((بعد)).
(٥) لفظ ل، ن: ((لأنها)).
(٦) لم ترد الواو في ص، ح.
(٧) في ح، ل، آ: تكررت كلمة ((واحد).
(٨) لم ترد الواو في ح.
(٩) لم ترد الزيادة في ل، ن، آ، ي.
(١٠) في ي: ((الاستقلال))، وهو تصحيف.
(١١) في ل، ن: تقدمت ((فيها)) على قوله: ((بمعرفة)).
(١٢) لفظ ن: ((في)).
(١٣) لم ترد الزيادة في ذ، ل، ي.
(١٤) آخر الورقة (١٠٣) من ح. وآخر الورقة (١٥٢) من ن.
- ٢٤١ -

لم يُبيِّنْ لنا ذلكَ فلو كانوا كاذبين(١) فيهِ -: لم يحصلْ منهُ غرضٌ أصلاً: فتكونُ
الآيةُ عربَةً عن الفائدةِ.
قولُهُ: ((العلّةُ هي(٢) التكذيبُ بيوم الدين)).
" قلنا: لو كانَ كذلكَ -: لكانَ سائرُ القيودِ عديمَ الأثر في اقتضاءِ [هذا (٣)]
الحكم، وذلكَ باطلٌ ؛ لأنَّ الله - تعالى - رتّبَ الحكمَ عليها [أولا(٤)] في قوله
تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكَ مِنَ المُصلِّينِ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسِكِينَ﴾(٥).
قولُهُ: ((لمّا وُجدَ السببُ المستقلُّ: لم يجزْ إحالةُ الحكمِ على غيرِهِ))(٦)
قلنا: لِعلِّ الحصولَ في الموضعِ المعيّنِ - من الجحيم - ما كانَ لمجرَّدٍ
التكذيب، بل لمجموع هذه الأمورِ(٧)، وإنْ(٨) كانَ [مجرَّدُ (٩)] التكذيب سبباً
لدخولٍ(١٠) مطلقٍ الجحيم.
قوله: ((المرادُ من قولِهِ: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصلِّينَ﴾ - أي: لم نكُ مِن
المؤمنين))(١١).
قلنا: هذا التأويلُ لا يتأتّى(١٢) في قوله: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسِكِينَ﴾.
قوله: ((أهلُ الكتاب صلُّوا، وأطعَمُوا)).
(١) عبارة ن، ل، ي: ((فلو لم يبين الله تعالى كذبهم لنا)، وفي آ، ح نحوه إلا قوله:
((كذبهم لنا)) ففيهما: ((لنا كذبهم)».
(٢) لفظ ل: ((في)).
(٣) هذه الزيادة من ص، ح.
(٤) هذه الزيادة من ص.
(٥) الآيتان (٤٣، ٤٤) من سورة المدثر.
(٦) لفظ ح: ((غيرها).
(٧). آخر الورقة (١١١) من ل.
(٨) لفظ ل: ((فان)).
(٩) سقطت الزيادة من ن.
(١٠) لفظ آ: ((لوجوب))، وهو تحريف.
(١١) في ح: ((من أهل الصلاة)).
(١٢) لفظ ن، ل، ي: ((يأتي))، وفي آ: ((ينافي))، وهو تحريف.
- ٢٤٢ -
...-

قلنا: الصلاةُ - في عرف الشرع - عبارة: عن الأفعال المخصوصةِ التي في
شرعنا، لا التي في شرع (١) غيرنا.
قوله: ((جازَ أنْ يكونَ المرادُ منه قوماً ارتدُّوا بعد إسلامهم».
قلنا: إنَّ قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُضْلِّين﴾ - هو:
جوابُ المجرمينَ المذكورينَ في قوله: ﴿يَتّسَاءُلُونَ * عَنِ المُجْرِمِينَ﴾(٢) وذلكَ
عامٌّ في حقِّ الكلِّ.
الدليلُ الثالثُ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخرَ﴾(٣) إلى
قوله: ﴿يُضَاعَف لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾(٤)، وكذلك قولُهُ: ﴿فَلَا صَدَّقْ وَلاَ
صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتُولَّى﴾(٥): ذمهم على [تركِ (١)] الكلِّ.
وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَوْيِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الزَّكَاةَ﴾(٨).
الدليلُ الرَّابعُ: الكافرُ يتناولُهُ النهيُ -: فوجبَ أنْ يتناولَهُ الأمر.
وإنّما(٩) قلنا: إنه يتناولُهُ النهيُّ؛ لأنه يُحَدُّ على الزِّنى.
وإنَّما قُلْنَا: [إنّه)] إذا(١) تناوَلَهُ النهيُ - وجبَ أَنْ يتناوَلَهُ الأمرُ؛ لأنّه إنّما
يتناوله (١٢) النهيُّ -: ليكونَ(١٣) متمكَّناً من [الاحتراز عن المفسدةِ الحاصلةِ بسبب
(١) في ن، ل، آ، ي، ص: ((غير شرعنا)).
(٢) الآيتان (٤٠، ٤١) من سورة المدثر.
(٣) الآية (٦٨) من سورة الفرقان.
(٤) الآية (٦٩) من سورة الفرقان.
(٥) الآيتان (٣١، ٣٢) من سورة القيامة.
(٦) لم ترد الزيادة في غير آ
(٧) لفظ ص: ((وكذا)).
(٨) الآيتان (٦، ٧) من سورة فصلت، وفي جميع النسخ جاءت: ((فويل))
(٩) في غير ل: ((انما)).
(١٠) لم ترد الزيادة في ي.
(١١) لفظ ص: ((لما).
(١٣) في آ: ((لكونه)».
(١٢) لفظ آ: ((تناوله)).
- ٢٤٣ -

۔۔
الإقدامِ عن المنهيِّ عنه؛ فوجبَ أنْ يتناولَهُ الأمرُ؛ ليكون متمكِّناً من(١)] استيفاءِ.
المصلحةِ الحاصلةِ بسببٍ(٢) الإقدامِ على المأمور بهِ .
فإنْ قيلَ: لا نُسلِّمُ أَنَّه (٣) يتناولُهُ النهيُ، وأمّا ((الحدُّ)) -: فـ [ذاك(٤)] لأنّهُ
التزمَ أحكامنا.
سلْمنا(٥)؛ لكنَّ الفرقَ بينَ الأمر والنهي - هو: [أنَّه(٦)] - مع كفره - يمكنُهُ
الانتهاءُ عن المنهيّاتِ، ولا يمكنُهُ - مع كفره - الإِتيانُ بالمأموراتِ.
والجوابُ عن الأوَّل: أنَّ من أحكامِ شرعِنّا - أنْ لا يُحَدَّ أحدٌ بالفعلِ:
المباح .
وعن الثاني: أنَّ قولكم: الكافرُ [المكلّفُ(٧)] يمكنُهُ الانتهاءُ عن
المنهيّاتِ - إن عنيتم [به(٨)]: أنّه يتمكّرُ(٩) من تركِهَا من غيرِ اعتبارٍ (١٠) النّةِ فهو
- أيضاً - متمكُّنٌ من فعلِ المأموراتِ من غيرِ اعتبارِ النّةِ.
وإن عنيتُم [به (١١)]: أنّه متمكِّنٌ من(١٢) الانتهاءِ عن المنهيّاتِ - لغرضِ
امتثالٍ قول الشارع (١٣)؛ فمعلومٌ أنَّ ذلكَ ـ حالَ عدمِ الإِيمانِ - متعذّرٌ.
(١) ساقط من ن، آ، ل، ي، ح.
(٢) زاد ناسخ ح قوله: ((الاحتراز عن المنهي عنه لمكان المناسبة والاقتران فوجب أن
:
يكون متمكناً أيضاً من استيفاء المصلحة الحاصلة بسبب».
(٣) لفظ ن، ل، ي: ((أن)).
(٤) لم ترد الزيادة في ح.
(٥) لفظ ح: ((سلمناه)).
(٦) سقطت الزيادة من ح.
(٧) هذه الزيادة من ص.
(٨) لم ترد الزيادة في ل.
(٩) لفظ ص: «متمكن)، وعبارة ح: «یمکنه ترکها)).
(١١) لم ترد الزيادة في غيرح.
(١٠) آخر الورقة (١٠٣) من آ.
، (١٣) في ن، ل، آ، ي، ص: ((الشرع)).
(١٢) لفظ ح: ((عن)).
- ٢٤٤ -

فالحاصلُ: أنَّ المأمورَ والمنهيّ استويا - في أنَّ الإِتيانَ بهما - من حيثُ
الصورةُ - لا يتوقّفُ على الإِيمانِ، والإِتیانُ بهما - لغرض امتثالٍ حکمِ
الشارع (١) - يتوقّفُ في كليهِمَا على الإِيمانِ(٢): فبطل الفرقُ الّذي(٣) ذكروه.
واحتجِّ المخالفُ بأمرين(٤).
أحدُهما(٥): [أنّه(٦)] لو وجبت الصلاةُ على الكافر - لوجبت [عليه(٧)] إمّا
حالَ الكفر، أو بعدَهُ.
والأوَّلِّ باطلٌ؛ لأنَّ الإِتيانَ بالصلاةِ [في (٨)] حالِ الكفرِ ممتنعٌ، والممتنعُ لا
يكون مأموراً [به(٩)].
والثاني باطلٌ؛ لإجماعِنَا على أنَّ الكافر إذا أسلمَ - فإنّه لا يُؤمرُ بقضاءِ ما
فاتَهُ - من الصلاةِ (١٠) [في (١١)] زمانٍ الكفر.
وثانيهما لو وجبتْ هذه العباداتُ على الكافر - لوجبَ عليهِ قضاؤها: كما
في حقُّ المسلم ؛ والجامعُ تداركُ المصلحةِ المتعلّقةِ بتلك العباداتِ .
ولّمًّا لم يكن الأمرُ كذلكَ: علمنا أنّها غيرُ واجبةٍ [عليهِ(١٢)].
والجوابُ عن الأوَّل: أنّا بَيِّنًا أنّه لا تظهرُ(١٣) فائدةُ هذا الخلافِ - في
الأحكام الدنيويّةِ [و(١٤)] إنّما تظهرُ فائدتُهُ(١٨) - في الأحكامِ الأخرويّةِ - وهي(١٦):
أنّهُ هل يزدادُ(١٧) عقاب الكافر - بسب تركه لهذه العباداتِ؟. وما ذكرتموهُ - من
الدلالةِ - لا يتناولُ هذا المعنى.
(١) في غيرآ: ((الشرع)).
(٢) لفظ ن: ((الإتيان))، وهو تحريف.
(٤) في غيرح: ((بأمور))، وهو تحريف.
(٦) هذه الزيادة من ص.
(٨) لم ترد الزيادة في ص.
(١٠) في ي، ح: ((الصلوات)).
(١٢) هذه الزيادة من ص ..
(١٤) هذه الزيادة من ح.
(١٦) لفظ ن، ل، ي، ح: ((وهو).
(٣) آخر الورقة (١٥٣) من ن .
(٥) في ن، ي، ل، آ: ((أحدها)).
(٧) لم ترد الزيادة في ص.
(٩) لم ترد الزيادة في ل، ن، ي.
(١١) لم ترد الزيادة في غيرح.
(١٣) لفظ ن: ((يظهر)).
(١٥) في ن، ل، ص: «فائدتها)).
(١٧) في ج: ((یزاد)).
- ٢٤٥ -

وعن الثاني: [أنَّه(١)] ينتقضُ بالجمعةِ.
ثم الفرقُ: أنَّ إيجابَ القضاءِ على من أسلمَ - بعدَ كفرِهِ - ينفُرُهُ(٢) عن
الإِسلامِ ؛ لامتدادِ أيّامِ الكفرِ بخلافِ المسلمِ . والله أعلم.
المسألةُ الثالثةُ:
في أنَّ الإِتيان بالمأمورِ [بهِ (٣)] [هل(٤)] يقتضي الإِجزاءَ؟.
قبل (٥) الخوض في المسألة - لا بدَّ من تفسير ((الإِجزاءِ))؛ و[قد(٦)] ذكروا فیهِ.
تفسیرین(٧):
أحدُهما : - وهو الأصحُّ -: أنَّ المرادَ من كونِهِ مجزياً هو: أنَّ الإِتیانَ بهِ
كافٍ (٨) في سقوطِ الأمرِ.
وإنّما يكونُ كافياً: إذا كانَ مستجمعاً لجميع الأمور المعتبرةِ فیهِ، من حيث
وقعَ الأمرُ بهِ .
[و(٩)] ثانيهما: أنَّ المرادَ من ((الإِجزاءِ)) سقوطُ القضاءِ.
وهذا باطلٌ ؛ لأنّهُ لو أتی بالفعل - عند اختلال بعض شرائطه ۔ ثمَّ ماتَ
لمْ يكنْ مجزئاً مع سقوطِ القضاءِ.
ولأنَّ القضاءَ إنّما يجبُ بأمرٍ متجدِّدٍ - على ما سيأتي.
ولأنّا نعلُّلُ وجوبَ القضاءِ: بأنَّ الفعلَ الأوّلَ ما كانَ مجزئاً، والعِلّةُ (١٠)
مغايرةٌ للمعلول (١٢).
إذا عرفتَ هذا - فنقولُ: فعلُ المأمورِ بهِ يقتضِي «الإِجزاءَ)»: خلافاً لأبي
هاشم وأتباعه .
(١) سقطت الزيادة من ي.
(٢) لفظ ن، ل، آ، ي: «ينفره.
(٤) هذه الزيادة من خ.
(٦) لم ترد الزيادة في ص.
(٨) آخر الورقة (١٠٤) بن ح.
(١٠) لفظ ص: ((فالغلة)).
(٣) لم ترد الزيادة في ص.
(٥) في ح: ((وقبل)).
(٧) لفظ ص: ((وجهين).
(٩) لم ترد الواو في ل.
(١١) آخر الورقة (١١٢) من ل.
(١٢) وراجع ص (٨٨) من هذا الكتاب، وما كتبناه على هامشها.
- ٢٤٦ -

لنا وجوه :
الأوّل (١): أنّه أتى(٢) بما أُمِرَ بهِ: فوجبَ أنْ يخرِجَ عن العهدةِ.
إنّما قُلنا: إنّه أتَى بما أُمِرَ بِهِ؛ لأنَّ المسألةَ مفروضةً فيما إذا كانَ الأمرُ
كذلك.
وإنّما [قلنا (٣): إنّه] يلزمُ أن يخرجَ عن العهدةِ؛ لأنّه لو بقيَ (٤) الأمرُ - بعدٌ
ذلك - لبقيَ(٥): إمّا متناولاً لذلكَ(٦) المأتيِّ بِهِ، أو لغيرِهِ.
والأوَّلُ باطلٌ؛ لأنَّ الحاصل لا يمكنُ تحصيلُهُ.
والثاني باطلٌ؛ لأنّه يلزمُ أنْ يكونَ الأمرُ [قد (٧) كانَ] متناولاً لغير ذلكَ الّذي
وقع ماتيّاً بهِ، ولو كانَ كذلكَ -: لما كانَ المأتِيُّ بِهِ تمامَ متعلّقِ الأمرِ، وقد فرضناهُ
كذلك، هذا خلف.
الثاني(٨): [أنّهُ(٩)] لا يخلو إمّا (١٤) أنّهُ (١١) يجبُ عليهِ فعلُهُ ثانياً وثالثاً، أو
ينقضِي عن عهدتِهِ بما ينطلقُ عليهِ الاسمُ.
والأول باطلٌ؛ لِمَا بَيْنًا: أنَّ الأمرَ لا يُفيدُ التكرارَ.
والثاني هو المطلوبُ؛ لأنّه لا معنَى (١٢) ((للإجزاء)) إلَّ كونه كافياً في الخروجِ
عن عهدةِ الأمرِ.
الثالث (١٣): [أنّهُ(١٤)] لو لم يقتض ((الإِجزاء)» - لكانَ يجوزُ أنْ يقولَ السيّد
لعبده: ((افْعَلْ، وإذا(١٥) فعلتَ لا يُجزىءُ عنك)) ولو قالَ ذلكَ -: لعُدَّ متناقضاً(١٦).
(١) لفظ ن، ل، ي، آ، ص: ((أحدها)».
(٣) عبارة ي: ((بالمأمور به)).
(٥) لفظ ل: ((كان)).
(٧) سقطت الزيادة من أ.
(٩) هذه الزيادة من ص.
(١١) في غير ص: ((أن)).
(١٣) لفظ ما عداح: ((وثالثها)).
(١٥) لفظ ح، ي: ((فإذا)).
(٢) لفظ ن: ((يأتي)».
(٤) ساقط من آ، وفي ل أبدلت بـ: ((لا)).
(٦) لفظ ن: ((كذلك))، وهو تصحيف.
(٨) في ن، آ، ل، ي، ص: ((وثانيها)).
(١٠) لفظ ما عداح: ((من)).
(١٢) آخر الورقة (١٥٤) من ن.
(١٤) لم ترد الزيادة في ص.
(١٦) في ن، ي، ل: ((تناقضاه.
- ٢٤٧ -

احتجِّ المخالفُ بوجوهٍ:
أحدُها: أنَّ النهيَ لا يدلُّ على الفسادِ - بمجرَّدِهِ -: فالأمر (١) وجبَ أنْ (٢)
لا يدلُّ على («الإِجزاء)» بمجرِّدِهِ.
وثانيها: أنَّ كثيراً من العباداتِ يجبُ على الشارع فيها إتمامُها، والمضيِّ
فيها، ولا تجزئه(٣) عن المأمور بهِ -: كالحجّةِ الفاسدةِ، والصومِ الذي جامعَ
فیهِ .
وثالثها: أنَّ الأمرَ بالشيءٍ لا يُفيدُ إلَّ كونه مأموراً بهِ فأمّا أنَّ الإِتيانَ - يكونُ
سبباً لسقوطِ التكليفِ: فذلكَ(٤) لا يدلُّ عليهِ مجرّدُ الأمرِ.
والجوابُ عن الأوَّل: [أَنَّا إِنْ(٥) سلّمَنَا] أنَّ النهيَ لا يدلُّ على الفسادِ، لكنَّ
الفرقَ بينَهُ وبينَ الأمر أن نقولَ(٦): النهيُّ يدلُّ (٧) على أنّه منعهُ من(٨) فعلِهِ، وذلك
لا ينافي أنْ نقولَ: إِنَّكَ لو أتيتَ بهِ ـ لجعله الله (١) سبباً لحكمٍ آخرَ.
أمّا الأمر - فلا دلالةَ(١٠) فيه [إل١١ّ)] على اقتضاءِ المأمورِ بهِ مرَّةٌ واحدةٌ، فإذا
أَتَّى به -: فقد أَتَّى بتمامِ المقتضى: فوجبَ أنْ لا يبقَى الأمرُ - بعد ذلك -
مقتضياً لشي؛ [آخر(١٢)].
(١) لفظًآً: ((والأمر».
(٢) آخر الورقة (٧٠) من ي.
(٣) في آ، ح، ص: ((يجزئه)).
(٤) لفظ ح: ((فذاك)).
(٥) ساقط من آ، وكلمة ((إن)) أبدلت فيّ ن، آ: بـ ((إذا)).
(٦) في ن: ((يقول)).
(٧) في ل: (دل)).
(٨) لفظ ح: ((عن).
(٩) في غير ل: ((لجعلته))، وما أثبتناه أولى.
(١٠) في ح زيادة: ((ل)).
(١١) سقطت الزيادة من ص.
(١٢) لم ترد الزيادة في ي، ص.
- ٢٤٨ -

وعن الثاني: أنَّ تلكَ الأفعالَ مجزئةٌ بالنسبةِ إلى الأمر الواردِ [بإتمامِهَا،
وغير مجزئةٍ بالنسبة إلى الأمر الأوّلِ](١)، لأنَّ الأمرَ الأوَّلَ - اقتضى - إيقاع
المأمور بهِ، لا على هذا الوجهِ الّذي وقعَ (٢) ، بل على وجهٍ آخرَ، وذلكَ الوجهُ
بعدُ(٣) لم يُوجَدْ()).
وعن الثالث: أنَّ الإِتيانَ بتمامِ المأمورِ بهِ (٥) - يوجب أن لا يبقّى الأمرُ
مقتضياً - بعد ذلك - وذلك هو المرادُ بـ ((الإِجزاء)). والله أعلم.
المسألةُ الرَّابعةُ :
الإِخلالُ بالمأمورِ بِهِ، هلْ يُوجِبُ [فعلَ(٦)] القضاءِ، أم لا؟.
هذه المسألة لها صورتانٍ :
الصورة الأولى :
الأمرُ المقَّد - كما إذًا قالَ: ((افْعَلْ في هذا الوقتٍ)) - فلم يفعل حتى مضى
[ذلكَ الوقتُ(٧)] -: فالأمر الأوَّلُ، هل يقتضِي إيقاعَ ذلكَ الفعلِ فيما بعدَ ذلكَ
الوقت؟ .
الحقُّ: لا ؛ لوجھین:
الأوَّل(٨): أنَّ قولَ القائلِ لغيره: ((افْعَلْ هذا الفعلَ يومَ الجمعةِ))، لا يتناولُ
[ما(٩)] عدا يومَ الجمعةِ، وما لا يتناولُهُ الأمرُ - وجبَ أنْ لا يدلُّ عليهِ بإثباتٍ، ولا
بنفي (١٠) بل (١١) لو كانَ قولُهُ: ((افْعَلْ [هذا(١٢) الفعلَ] يومَ الجمعةِ)» موضوعاً في اللغةِ
(١) ما بين المعقوفتين سقط من ي.
(٢) آخر الورقة (١٠٤) من آ.
(٣) في ل زيادة: ((أن)).
(٤) لفظ ص: ((يكن)).
(٥) آخر الورقة (٤٠) من ص.
(٧) لم ترد الزيادة في غير ص، ح.
(٩) لم ترد الزيادة في ل.
(١١) لفظ ص، ح: ((بلى)).
(٦) لم ترد الزيادة في ن، ي، ل.
(٨) لفظ ن، ي، ل، آ: ((أحدهما)).
(١٠) عبارة ص: ((بنفي ولا إثبات)).
(١٢) هذه الزيادة من ص.
- ٢٤٩ -

لطلبِ الفعلِ - في يوم الجمعةِ - و[إلّا(١)] ففيما (٢) بعدّها (٣) - فهاهنا، إذًا تركّه(4)
يومَ الجمعةِ -: لزمه الفعلُ فيما بعدَهُ(٥)، ولكن - على هذا التقدير -: يكونُ الدالُّ
على لزومِ الفعلِ فيما بعدَ [يوم (٦)] الجمعةِ، ليسَ مجرَّدَ طلبِ الفعلِ يومَ
الجمعةِ، بلْ كون (٧) الصيغةِ موضوعةٌ لطلبٍ(٨) يوم الجمعة وسائر(٩) الأيام.
ولا نزاعَ - في هذه الصورةِ - [و (١٠)] إنّما النزاعُ - في أنَّ مجرَّدٌ طلبِ الفعلِ:
يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك ..
الثاني: أنَّ أوامرَ الشرع تارةً لم تستعقبْ((١) وجوبَ القضاءِ - كما في صلاة
الجمعة، وتارة استعقبته؛ ووجودُ الدليلِ - مع عدَمِ المدلولِ - خلافُ.
الأصل (١٢) -: فوجبَ أنْ يقالَ: إنَّ إيجابَ الشيء لا إشعارَ له بوجوب القضاءِ،
وعدم وجوبه .
فَإِنْ قَلَتَ: إِنَّكَ لَمَا جعلتَهُ غيرَ موجبٍ للقضاءِ - [فحيثُ وجبَ (١٣)
القضاءُ] -: لزمكَ خلافُ الظاهرِ !!.
قلتُ: عدمُ إيجاب القضاءِ غيرٌ، [(١٤)] إيجابُ عدمِ القضاءِ [غيرٌ(١٥)]
ومخالفةُ الظاهرِ، إنّما تلزم(١٦) من الثاني، وأنا لا أقولُ بِهِ .
أما على التقدير (١٧) الأوَّل - فغايته: أنّه دلَّ دليلٌ منفصلٌ على أمرٍ لم يتعرِّض
لهُ الظاهرُ بنفيٍ ، ولا إثباتٍ؛ وذلكَ لا يقتضي (١٨) خلافَ الظاهر.
(١) سقطت الزيادة من ص.
(٣) في غير ص: ٥بعده)).
(٢) لفظ آ: ((فيما)).
(٤) لفظ ص: ((ترك))، وزاد في ي - بعدها - ((في)).
(٥) لفظ ص: ((بعدها)).
(٧) لفظ ص، ح: ((تكون)) والظاهر ما أثبتناه (٨) لفظ ص: ((للطلب))، وهو تصحيف.
(١٠) لم ترد الواو في ح، آ.
(٩) في ل: ((ويتناول)).
(١١) آخر الورقة (١٥٥) من ن.
(١٢) آخر الورقة (١٠٥) من ح.
(١٣) ساقط من ن.
(١٥) هذه الزيادة من ص، ح.
(١٧) لفظ ن، ي، ل: ((تقدير)).
(٦) لم ترد الزيادة في ص.
(١٤) سقطت الواو من ن، ل، ي، آ.
(١٦) في ي، ن، ح، ڵ: ((يلزم)).
(١٨) آخر الورقة (١١٣) من ل ..
- ٢٥٠ -

الصورة الثانية :
الأمرُ المطلَقُ - وهوَ أنْ يقولَ: ((افْعَلْ))، ولا (١) يُقَيِّدُهُ(٢) بزمانٍ معيّنٍ، فإذا لم
يفعل المكلّفُ ذلكَ في أوَّلِ أوقاتِ (٣) الإِمكانِ، فهلْ يجبُ فعلُهُ فيما بعدَهُ، أو
يحتاجُ إلى دليلٍ؟.
أمّا نفاةُ الفورِ - فإنّهم يقولونَ: الأمرُ يقتضِي الفعلَ [مطلقاً، فلا يخرجُ عن
العهدةِ إلَّ بفعلِهِ .
وأمّا مثبتوه - فمنهم من قالَ: إنّهُ يقتضِي الفعلَ (٤)] بعدَ ذلكَ - وهو (٥) قولُ
أبي بكر الرازيّ(٦).
ومنهم من قالَ: لا يقتضيه، بل لا بدّ في ذلك من دلیلٍ زائدٍ.
ومنشأُ الخلافِ أنَّ قولَ القائلِ لغيرِهِ: ((افْعَلْ [كذا))(٧) هل] معناهُ: أَفْعَلْ
في الزمانِ الثاني، فإنْ عصيتَ ففي الثالثِ، فإنْ عصيتَ ففي الرابع - على (٨)
هذا أبداً؛ أو(١) معناه: [افعلْ"١)] في الثاني - من غير بيان حال الزمان الثالث،
والرابع؟ ..
(١) في غيرآً: ((ولم).
(٢) في ح: ((تقيده)).
(٣) لفظ ص، ح: (،زمان)).
(٤) ما بين المعقوقتين ساقط من آ، وقوله: ((فلا)) في ح: ((ولا))، وقوله: ((وأما» في
ص. ((أما)).
(٥) لفظ ن: ((فهو)).
(٦) هو أحمد بن علي المعروف بالجصّاص، تفقه على أبي الحسن الكرخي وكان
معروفاً بالزهد والورع له جملة من الكتب في أحكام القرآن والفقه والأصول. توفي سنة
(٣٧٠) هـ انظر: تاج التراجم ص(٦)، والفوائد (٢٧ -٢٨).
.(٧) سقطت الزيادة من ل، ن، وقوله: ((كذا)) في آ: ((هذا)).
(٨) في ص: ((هكذا)).
(٩) لفظ ن، ل، ص، ح: ((ومعناه)).
(١٠) لم ترد الزيادة في غير ح.
- ٢٥١ -

فإنْ قلنا بالأول: اقتضى الأمرُ(١) الفعلَ في سائرِ الأزمانِ.
وإنْ قلنا بالثاني: لم يقتضِهِ (٢)، فصارت هذه المسألةُ لغويّةٌ.
[و(٣)] احتجّ منْ قالَ: ((إنّه لا بدَّ من دليلٍ منفصلٍ)) - بأنَّ قولَه: ((افْعَلْ))
قائمٌ مقامَ قوله: ((افْغَلْ في الزمانِ الثاني)) (٤).
وقد بيّنًا: أنّه إذا قيلَ لهُ ذلكَ، وتركَ الفعلَ في الزمانِ الثاني -؛ لم یکنْ ذلكَ
القولُ سبباً لوجوبِ الفعلِ في الزمانِ الثالثِ؛ فكذا(٥) ها هنا: ضرورة أنّه لا
تفاوت بين اللفظتين .
واحتجَّ أبو بكرٍ الرازيُّ على قولهِ: بأنَّ لفظَ (٦)(افْعَلْ)) يقتضِي (٧) كون المأمور
فاعلًا - على الإِطلاق - وهذا يوجبُ بقاءَ الأمرِ ما لم يَصِر المأمورُ(٨) فاعلاً."
وأيضاً [الأمرُ(٩)] اقتضَى وجوبَ المأمورِ بهِ، ووجوبُهُ يقتضِي كونه(١٠)على
الفورِ، وإذا أمكنَ الجمعُ بينَ موجبيهِمَا -: لم يكن لنا إبطالُ أحدِهِمَا، وقد
أمكنَ الجمعُ بينهما: بأنْ نُوجِبَ(١١) فعلَ المأمورِ بهِ في أوّل أوقاتِ الإِمكانِ، لئلا
ينتقضَ وجوبُهُ، فإنْ لم يفعلْهُ: أوجبناهُ في الثانِي؛ لأنَّ مقتضى الأمرِ - وهوَ كُونُ
المأمورِ فاعلا - لم يحصل بعدُ(١٢). والله أعلم.
(١) في ص، ح، زيادة كلمة: ((الأول)).
(٢) في ن، ي، ل، آ: ((يقتضيه))، وهو تصحيف.
(٣) لم ترد الواو في ص.
(٤) في ح: ((الماضي)) وهو خطأ.
(٥) في ص: ((فكذلك)).
(٦) في ح، آ: ((لفظة)).
(٧) لفظ آ: ((تقتضي)).
(٨) عبارة ن، ي، ل: ((الفاعل مأموراً).
(٩) سقطت الزيادة من ص.
(١٠) في ن، ي، ل، آ، ح زيادة: ((فاعلا))، والظاهر حذفها.
(١١) لفظ آ: ((يوجب)).
(١٢) وراجع مسألة (الواجب الموسع)) في هذا الكتاب.
- ٢٥٢ -

المسألةُ الخامسةُ :
في أنَّ الأمرَ بالأمرِ بالشيءٍ لا يكونُ أمراً به (١).
الحقُّ(٢): أنَّ الله - تعالى - إذا قالَ لزيدٍ: ((أوجِبْ على عمروِ كذا)»، فلو
قالَ لعمروٍ: ((وكلُّ ما أوجب عليكَ زيدٌ - فهو واجبٌ عليكَ)) -: [كانَ(٣) الأمرُ]
[بالأمر (٤)] بالشيءٍ(٥): أمراً بالشيءٍ، في هذه الصورةِ، ولكنّهُ - بالحقيقة - إنّما
جاءَ من قوله: ((كل ما أوجبَ(٦) فلانٌ (٧) عليكَ - فهو واجب عليكُ)).
أما لو لم يقل ذلك: لم يجبْ - كما في قولهِ عليه الصلاةُ والسلامُ -:
(مُرُوهُمْ بالصَّلاةِ وهُمْ أَبناءُ سَبْعٍ))(٨) فإنَّ ذلكَ لا يقتضِي الوجوبَ على الصبيِّ.
والله أعلمُ.
(١) في آ: ((للغير)).
(٢) لفظ آ: ((والحق)).
(٣) في آ، ي، ل: ((ف))، ولفظ ن: ((و).
(٤) سقطت الزيادة من آ.
(٥) آخر الورقة (١٥٦) من ن.
(٦) في ص: ((أوجبه)).
(٧) عبارة آ: ((على فلان)) وهو تحريف.
(٨) قد أخرجه - من طريق عبد الله بن عمرو - أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك
بلفظ: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)؛، مع زيادة: ((واضربوهم عليها وهم
أبناء عشر سنين. وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا زوج أحدكم خادمه: عبده أو أجيره، فلا
ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة)».
وأخرجه أبو داود - من طريق سبرة - مختصراً، بلفظ: «مروا الصبي بالصلاة: إذا بلغ
سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين: فاضربوه عليها)) على ما في الفتح الكبير (١٣٥/٣).
قال المناوي في فيض القدير (٥٢١/٥) بالنسبة للرواية الأولى -: وفي رواية «مروا
أبناءكم».
- ٢٥٣ -

المسألةُ السادسةُ : :
الأمرُ بالماهيّةِ لا يقتضي الأمرَ بشيءٍ من جزئيّاتِها (١).
كقوله: ((بعْ هذَا الثوب))، لا يكونُ [هذا(٢)] أمراً ببيعِهِ بالغبن الفاحش ، ولا
بالثمنِ المساوِي؛ لأنَّ هذين النوعينِ يشتركانِ (٣) في مسمّى البيعِ ، ويتميَّزُ كلُّ
واحدٍ منهما [عن صاحبه (٤)]، بخصوصٍ كونِهِ واقعاً بثمن(٥) المثل، وبالغبنِ
الفاحش ، وما به الاشتراك، غير ما به الامتيازُ، وغير مستلزمٍ لهُ.
فالأمر(٦) بالبيع الّذي هوجهةُ الاشتراك، لا يكونُ أمراً بما به يمتازُ كلُّ واحدٍ
من النوعين عن الآخر: لا بالذاتِ، ولا بالاسرام .
وإِذَا كانَ كذلك -: فالأمرُ بالجنس لا يكون - أَلْبَّةَ(٧) - أمراً بشيءٍ من
أنواعِهِ .
بلْ(٨)، إذا دلّتْ القرينةُ على الرِّضا ببعض الأنواع(٩) -: حمل اللفظُ
عليه .
ولذلكَ قلنا: ((الوكيلُ (١٠) بالبيع المطلقِ، لا يملكُ البيعَ بغْنِ فاحشٍ)) -
وإنْ(١) كانَ يملكَ البيعَ بثمنِ المثلِ ؛ لقيامِ القرينةِ الدالّةِ على الرِّضَابِهِ، بسبب
العرفِ .
وهذِهِ(١٢) قاعدةٌ(١٣) شرعيّةٌ(١٤) برهانيّةٌ، ينحلُّ (١٥) بها كثيرٌ من القواعدِ الفقهيّةِ
إنْ شاءَ اللّه. والله أعلمُ.
(١) في ي: ((موجباتها)»، وهو تصحيف.
(٢) لم ترد الزيادة في ص.
(٣) آخر الورقة (١٠٥) من آ.
(٤) لم ترد هذه الزيادة في ل.
(٥) لفظ ن، ل: ((بمثل)).
(٦) في ن، ل: ((والأمر»، وفي ي، آ ((فأمر)).
(٧) عبارة ح: ((أمراً البته)).
٦'
(٨) في ن، ل، ص، ح: ((بلى))، وكلاهما صبع.
(٩) لفظ ح: ((أنواعه)).
(١٠) عبارة ن: ((الوكيل البيع)).
(١٢) في ن: «فهذه)».
(١٤) لفظ ن، ح، ي، ل: ((شريفة)).
(١١) لفظ ن: ((فإن)).
(١٣) لفظ ص: ((القاعدة)).
(١٥) لفظ آ: ((تجلى)).
- ٢٥٤ -

النظر الرابع(١)
في المأمور
[وفيه مسائل(٢)]:
المسألةُ [الأولى(٣)]:
قالَ أصحابنا: المعدومُ يجوزُ أنْ يكونَ مأموراً، لا بمعنى أنّه - حالَ
عدمه(٤) - يكونُ مأموراً، فإنّهُ معلومُ الفسادِ بالضرورةِ (٥)، بل بمعنى أنّه يجوزُ أنْ
يكونَ الأمرُ موجوداً - في الحال - ثم إنَّ الشخصَ الّذي سيوجدُ - بعد ذلك -:
يصير مأموراً بذلكَ الأمرِ.
وأمّا سائر الفرقِ فقد أنكروه.
لنا: أنَّ الواحدَ - منّا - حالَ وجودِهِ - يصير مأموراً (٦) بأمر الرسول -
- صلى الله عليه وآله وسلّم - مع أنَّ ذلكَ الأمرَ ما كانَ موجوداً إلاّ حالَ عدمنا.
وكذلكَ (٧) لا يبعدُ أنْ يقومَ بذاتِ الأب طلبُ تعلُّم العلمِ من الولدِ - الّذي
سيوجدُ (٨)، وأنّه لو قدِّرَ بقاءُ (٩) ذلكَ الطلب حتّى وجدَ الولدُ: صارَ الولدُ مطالباً
.(١) في ن، ل، ي، أ، ح: ((الثالث)) والصواب ما أثبتناه.
(٢) لم ترد في غيراً.
(٣) لم ترد في ن وما قبلها ورد فيها بدون الألف واللام.
(٤) عبارة ن، ي، ل، آ، ح: ((كونه معدوماً)، وفي ن زاد الناسخ سهواً على كلمة
((معدوما)): ((وما)).
(٥) آخر الورقة (١١٤) من ل.
(٦) آخر الورقة (٧١) من ي.
(٧) في ن: ((ولذلك)).
(٨) آخر الورقة (١٠٦) من ح.
۔۔۔
(٩) لفظ ي: ((نفي)» وهو تحريف.
- ٢٥٥ -

بذلكَ الطلب: فكذا المعنَى القائمُ بذاتِ اللهِ - تعالى - الذي هو: اقتضاءُ
الطاعةِ من العباد - معنىٌ(١) قديمٌ، وأنَّ(٢) العبادَ إذا(٣) وُجدوا يصيرون مطالبين
بذلك الطلب.
فإِنْ قيلَ: أمرُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وآله وسلّم - غيرُ لازمٍ على أحدٍ، بلْ
هَوَ - عليه الصلاةُ والسلامُ - أخبرَ (٤) أنَّ الله - تعالى - يأمرُ كلَّ واحدٍ من
المكلّفينَ - عند وجودِهِ: فيصيرُ ذلكَ إخباراً عن أنَّ الله (٥) - تعالى - سيأمرهم
- عندَ وجودِهِمْ، لا أنَّ(٦) الأمر حصلَ - عند عدمِ المأمورِ.
سلّمنا أنَّ قولَ الرسولِ - ﴿ - واجبُ الطاعةِ(٧)، ولكنْ وُجِدَ هناك - في
الحالِ - من سمعَ ذلكَ الأمرَ، وبلّغْهُ(٨) إِلَيْنَا .
1
أمّا - في الأزْلِ - فَلَمْ يُوجدْ(٩) أحدٌ يسمعُ ذلكَ الأمرَ، وينقلُهُ إلينا: فكانَ
ذلكَ الأمرُ عبثاً.
ثم ما ذكرتموهُ معارَضٌ بدليل آخرَ وهو: أنَّ الأمرُ عبارةً عنْ إلزامِ الفعلِ ،
.[و(١)] في إلزامِ الفعلِ - من غير وجودِ المأمورِ - عبثٌ؛ فإنَّ (١١) من جلسَ في
. الدارِ يأمرُ وينهى - من غير حضورِ مأمورٍ ومنهيٍّ - عُدَّ سفيهاً مجنوناً، وذلك على
اللهِ محالً ..
(١) في ن، ي، ل، آ: ((بمعنى)).
(٢) لفظ ي: ((فان).
(٣) في ن: ((وإذا)).
(٤) في آ: ((مخبر).
(٥) العبارة في ن، آ، ل: ((عن الله تعالى أنه)).
(٦) في ن، آ، ح: ((لأن)) وهو تصحيف ..
(٧) لفظ أ: ((الاتباع)).
(٨) في ي: «قبلغه».
(٩) في ن، ح، ص، ل، ي زيادة: ((فيه)).
(١٠) لم ترد الواو في ن، وعبارة ص: ((أو هو إلزام الفعل)).
(١١) لفظ ن: ((فأما)) وهو تحريف.
- ٢٥٦ -

[و(١)] الجوابُ: قولُهُ: أمرُ النبيِّ - صلَّى(٢) الله عليهِ وسلّم - عبارةٌ: عن
الإِخبارِ قلنا: من أصحابنا من قالَ [ذلك(٣)]. وكذلكَ(٤) أمرُ اللهِ - تعالى - عبارةٌ:
عن إخبارِهِ بنزولِ العقاب على من يتركُ(٥) الفعلَ الفلانيُّ ..
إلاّ أنَّ هذا مشكلٌ من وجهين:
أحدهما: أنّا(٦) بيّنا - فيما تقدَّم(٧) -: أنّه لو كان الأمرُ عبارةً عن هذا
الإِخبارِ - لتطرِّق التصديقُ والتكذيبُ إلى الأمرِ، ولا متنعَ العفو عن العقاب على
ترك الواجباتِ؛ لأنَّ الخلف في خيرِ اللهِ(٨) - تعالى - محالٌ.
الثاني: (٩): أنّه لو أخبرَ - في الأزل -: لكان إمّا أنْ يُخبر( ١٠) نفسَهُ؛ وهو
سفة، أو غيرَهُ؛ وهو محالٌ؛ لأنّه ليسَ - هناك - غيرُهُ(١١).
ولصعوبة هذا المأخذ، ذهب عبد اللهِ بنُ سعيد [بنُ كُلَّبِ التميميّ - من
أصحابنا٢١٢]: إلى أنّ كلام(١٣) اللهِ - تعالى - في الأزلِ لم يكنْ أمراً ولا نهياً، ثمَّ
صارَ فيما لا يزالُ كذلك.
(١) لم ترد الواو في ض.
(٢) عبارة ن، ي، ل، ا، ح: ((أن النبي - ◌َ﴾ - أمره))
(٣) لم ترد الزيادة في غيرح.
(٤) لفظ ح: ((وكذا)).
(٥) لفظ آ: ((ترك)).
(٦) في ل: ((أنه)).
(٧) راجع المسائل المتفرعة عن مسألة ماهية الطلب المسألة الأولى في أنّ ماهية الطلب
شيءٌ غيرُ الإِرادة.
(٨) لفظ آ: ((خبره).
(٩) في ن، ي، ل، ح، ص زيادة: ((وهو).
(١٠) في ص زيادة: ((عن)).
(١١) في ح: ((غير)).
۔
(١٢) لم ترد الزيادة في غير ص. وابن كُلَّب - هو: عبد الله بن سعيد أو ابن محمّد،
المعروف بابن كُلَّب (وكُلَّب كخطّاف) لفظاً ومعنى. أحد أئمة المتكلّمين. توفي بعد
الأربعين ومائتين بقليل. راجع طبقات ابن السبكي (٥١/٢)، وطبقات الاسنوي (٣٤٤/٢)،
وطبقات العبّادي (٧٠)، ولسان الميزان (٢٩٠/٣)، والفهرست (٢٥٥).
(١٣) في ي: ((کلامه)).
- ٢٥٧ -

ولقائل أن يقول: إنَّا لا نعقلُ من الكلامِ إلَّ ((الأمرَ)، و(النهيَ)) و((الخبرَ)
فإذا سلّمتَ حدوثهما (١) - فقدْ قلتَ بحدوثِ الكلامِ .
فإن ادّعيتَ قدم شيءٍ آخرَ: فعليكَ [البيان (٢)] بإفادةِ تصوُّرِهِ، ثم إقامةٍ
الدلالةِ على أنَّ الله - تعالى - موصوفٌ بهِ، ثم إقامة الدلالةِ على قِدَمِهِ.
وله أنْ يُقولَ: أَعني بالكلامِ القدرَ المشتركَ بينَ هذه الأقسام .
[ويمكنُ (٣)] الجوابُ عن أصلِ (٤) الإِشكالِ [بـ(٥)] أنَّ قاعدةَ الحكمةِ،
مبنيّةٌ على قاعدةِ الحسن والقبحِ ، وقد تقدم إفسادها(٦) (٧).
(١) كذا في ن، ي، ل، آ، وفي غيرها: ((حدوثها)) والمناسب ما أثبتناه؛ إذ المراد:
حدوث الأمر والنهي .
(٢) هذه الزيادة من ي.
(٣) لم ترد الزيادة في آ.
(٤) لفظ ن: ((الأصل)).
(٥) لم ترد الباء في ن، ي، ل، آ.
(٦) في ل: «إفسادهما))، ولفظ ن: ((فسادها)).
(٧) تلخيصاً لهذه المسألة وتحريراً لمحل النزاع فيها ومنشئه نقول: اختلف الأصوليُون
في جوازِ الحكم على المعدوم - على مذهبين: المذهب الأول: أنّه يجوزُ الحكمُ عليه. وهو
مذهب أهل السنة .
والّذي حملهم على ذلك - هو: أنَّ الحكم - عندهم - هو: خطاب الله - تعالى - المتعلق
بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير. وهذا الخطاب هو: كلامه النفسي القديم عندهم.
وهو صفة واحدة، لكنها تتنوع - باعتبار متعلقاتها - إلى أمر ونهي وخبر وغير ذلك فهي إذا
تعلقت بطلب الفعل من المكلف: كانت أمراً، وإذا تعلقت بطلب الكف عن الفعل منه:
کانت نھیاً
فلو فرض أنّها - في الأزل - لم تتعلق بما سيحدث فيما لا يزال، لم تكن فيه أمراً، ولا
نهياً، ولا خبراً، ولا غير ذلك من الأنواع: فتنعدم تلك الأنواع، ويلزم ذلك أن تنعدم الصفة
- التي تتنوع إليها - في الأزل - أيضاً - إذ لا وجود للجنس إلا في أنواعه. لكن كونها منعدمة
في الأزل باطل، لما ذكروه - في علم الكلام -: من الأدلة على قدمها.
فلهذا ذهبوا إلى القول: بأن المعدوم يجوز الحكم عليه .
٠ -٢٥٨ -

= لكن: يجب أن يفهم أن تعلّق الأحكام بالمعدوم - الذي أثبتوه في الأزل - ليس المراد
:
منه التعلُّق التنجيزي، وهو: أن يكون المعدوم قد توجه إليه الخطاب في الأزل - ليفهمه
ويفعل المطلوب منه - فى حالة عدمه؛ فإن هذا التعلق باطل بالاتفاق. وكيف يذهبون إلى
ذلك، وقد قالوا: إنَّ الغافل والملجأ لا يجوزُ تكليفهما. والمعدوم أولى بذلك منهما؟.
بل المراد: التعلق المعنويُّ (العقليُّ) - وهو: أنَّ المعدوم - الذي علم الله أنه يوجد
- بشرائط التكليف - يوجد حكم عليه - في الأزل - بما يفهمه ويفعله فيما لا يزال وبعبارة
أخرى معناه: أنه إذا وجد - بشرائط التكليف - يكون مأموراً بذلك الأمر النفسيِّ الأزليِّ.
فهو أمر معلّق على هذا الوجود.
المذهب الثاني: أنّه لا يجوزُ الحكمُ عليهِ. وهو مذهب سائر الطوائف: من معتزلة
وغيرهم؛ وذلك: لإنكارهم صفة الكلام - كما هو رأي المعتزلة، أو لإنكارهم قدمها كما هو
رأي الكراميّةِ .
المذهب المختار، ودليله :
والمختار لنا هو: المذهب الأول.
وقد استدل عليه: بأنا الآن مأمورون ومنھیون بأوامر النبيُّ۔ ۔ ۔۔۔ ونواهيه، وقد کنا - عند
صدورها منه - معدومين. وهذا جائز وواقع بالاتفاق، ومعترف به من جميع الطوائف. فكذلك
أوامر الله تعالى ونواهيه: يجوز تعلقها بنا - في الأزل. والجامع: أنَّ المكلف معدوم في كل.
الاعتراض على هذا الدليل، والجواب عنه.
وقد اعترض الخصوم على هذا القياس، باعتراضين:
الاعتراض الأول :
الفرق بين المقيس والمقيس عليه، بأنَّ أمرَ الرسول أو نهيه معناهُ: الإخبار منه بأنَّ من
سيؤلد سيكون مأموراً من الله - تعالى - بكذا، أو منهياً منه عن كذا .. بخلاف أوامر الله
ونواهيه: فإنّها انشاءات لا أخبار.
. والجواب: أنَّ أوامر الله ونواهيه في الأزل للمعدومين، كذلك إخبار بأنهم - عند
وجودهم - سيكونون مأمورين أو منهِّنَ. كما علم من تحرير محل النزاع في بيان مذهب
أهل السنّة .
الاعتراض الثاني :
أنّ الإخبار من الرسول لا سفه فيه ولا عبث، لأنه - حين صدوره منه - يوجد من يسمعه :
فيمتثل ويبلغ من سيولد ويوجد بعده. بخلاف ما لو قلنا: إن مثل هذا الإخيار صادر من الله =
- ٢٥٩ -

المسألةُ الثانيةُ:
تكليفُ الغافلِ غيرُ جائزِ للنصّ(١) والمعقول:
أمّا النصُ - فقوله عليه الصلاةُ والسلامُ -: ((رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ))(٢).
= تعالى في الأزل، فإنه يكون عبئاً: إذ لا سامع له حتى يمتثل أو يبلغ، فلا فائدة منه. وذلك
مستحيل عليه سبحانه .
وأجيب بجوابين :
أولهما: أن قبح ذلك واستحالته مبنيّانِ على قاعدة التحسين والتقبيحِ العقليّينِ، ونحن.
قد أبطلناها .
وثانيهما: أنّا لا نسلّم أنَّ ذلك عبث؛ فإنَّ العقل يستحسنُ أن يقومَ بنفس الإِنسان طلب
العلم - من ابن سيولدُ له، ويُحكم بأنّه لا سفه في ذلك ولا عيث. فكذا ما نحن فيه. والله
أعلم .
راجع: المستصفى (٨٥/١ - ٨٦)، وللاطلاع على أقوال المعتزلة في المسألة انظر:
المعتمد (١٧٧/١ - ١٧٨)؛ والكاشف (٢١٦/٢ - ٢٢٢ - آ). وراجع: المنهاج بشرحي
الأسنوي وابن السبكي (٩٥/١ - ٩٩)، وقد أجاب كل من الأصفهانيّ والاسنويِّ عما
استشكل الإِمامُ المصنّفُ، فَتأمّل ما ذكراه.
(١) في ن: ((النص)) ..
(٢) أخرج الترمذيُّ وابن ماجه، والحاكم في المستدرك عن علي - كرم الله وجهه - أنّ
رسول الله - * - قال: ((رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيٍّ حتى
يشب، وعن المعتوه حتى يعقل، كما في الفتح الكبير (١٣٥/٢).
وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم - عن علي وعمر - رضي الله عنهما -: أنَّ رسول الله
- * - قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم:
حتى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتى يحتلم))، كما في الفتح الكبير: (١٣٥/٢).
قال المناويُّ في فيض القدير (٣٦/٤): ((وذلك: أن عمر أمر بامرأة مجنونة أن ترجم
لكونها زنت، فمرّ بها علي، فقال: ارجعوا بها: ثم أتاه فقال لعمر: أما تذكر أن رسول الله
- * - قال: فذكره. فقال: صدقت، وخلى عنها)، وقد أورده الحافظ ابن حجر من طرق.
عدة، بألفاظ متقاربة، ثم قال: وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، وقد أطنب النسائي في
تخريجها، ثم قال: لا يصح منها شيء، والموقوف أولى بالصواب، وراجع ما تقدم في
ص (١٩٠) من هذا الكتاب.
- ٢٦٠ -
=