Indexed OCR Text
Pages 61-80
١. الامتناع؛ [ولذلك(١)] سُمِّيت (٢) العصا ((عصا))؛ لأنّه يُمتنعُ بها، وتُسمّى
الجماعةُ ((عصَا)) يقالُ(٣): شقَقْتَ عصا المسلمينَ - أي: جماعتهم؛ لأنّها يُمتنع
بکثرتھا(٤).
و[هذا(٥)] كلامُ مستعصٍ (٦) على الحفظِ - أي: ممتنعٌ(٧)، وهذا
الخَطَبُ (٨) مستعصٍ على الكسرِ (٩).
وقال عليه الصلاة والسلام: (لَوْلاَ أَنَّا نَعْصِي اللّه لَمَا عَصَانًا))(١٠)(١) أي: لم
يمتنع عن إجابتنا.
فثبتَ: أنَّ العصيانَ - عبارة: عن الامتناع عما يقتضيهِ الشيءُ، [و (١٢)] إذا
(١) كذا في ص، ولفظ ل: ((ومنه))، ولم ترد في غيرهما.
(٢) في ص، ح: ((سمي)).
(٣) لفظ ص، ح: ((كقوله)).
(٤) في غيرى: ((تمتنع بكثرتها)).
(٥) لم ترد الزيادة في ی.
(٦) لفظ ن، آ: ((يستعصي)).
(٧) في غير ص، ح: (يمتنع).
(٨) في ى زيادة: ((هذا))، وما بعدها في آ: ((يستعصي).
(٩) راجع: الاشتقاق ص (٥٣)، (٥٤)، (٣٠٩)، والمصباح (٦٣٣/٢ -٦٣٤).
(١٠) قد ورد هذا الحديث في النهاية (١٠٣/٣) بلفظ: (( ... ماعصانا))، أي: لم يمتنع
عن إجابتنا إذا دعوناه. فجعل الجواب بمنزلة الخطاب: فسمّاه عصيانا، كقوله تعالى:
: ﴿وَمَكَّرُوا وَمَكّرَ الله﴾. أي: من باب المشاكلة.
:
وقد ورد أيضاً مع تفسيره في اللسان (٢٩٨/١٩) ط بولاق. وفي الجامع الصغير بلفظ:
((ولو عرفتم الله حقٌّ معرفته - لزالت لدعائكم الجبال)) (٢١٩/٢) وبهذا اللفظ لا يصلح أن
يكون شاهداً؛ لما استشهد به المصنف من أجله، وفي معناه ما أخرجه مسلم من حديث أبي
هريرة بلفظ: ((رُبَّ أشعث أغير يطيل السفر مطعمه حرام ومشربه حرام، ومليه حرام وغُذِّي
بالحرام، يرفع يديه فيقول: يا ربّ يا ربّ فأنّى يستجاب لذلك)). وانظر صحيح مسلم
(١٠٠/١) ط. المصرية، ومسند الإمام أحمد (٣٢٨/٢)، والدارمي (٣٠٠/٢) والترمذي
الحديث (٢٩٩٢)، ونحوه ما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وفيه: ((اطب
طعمتك تستجب دعوتك)) تخريج العراقي لأحاديث الإحياء بهامشه (٨٩/٢).
(١١) آخر الورقة (٧٠) من ح.
(١٢) سقطت الواو من ن.
- ٦١ -
كانَ لفظُ ((افْعَلْ)) مقتضياً للفعل - كان عدمُ الإِتِيَانِ بِهِ [والامتناعُ منهُ(١)] عصياناً،
لا محالةً.
وإنّما قلنا: إنَّ تسميةً تاركِ المأمورِ بِهِ بالعاصي، تدلُّ على أنَّ الأمر
للوجوب - لوجهين(٢):
أحدهما: أنَّ الإِنسانَ إنّما يكونُ عاصياً للأمر، وللأمر(٣) - إذا أقدمَ على ما
يحظُرُه [الآمرُ(٤)]، ويمنعُ منهُ.
ألا ترى أنَّ الله - تعالى - لو أوجبَ علينا فعلًا [فلَمْ(٥)] نفعلْهُ - [لـ(٦)] سكنًّا
عصاةٌ، ولو ندبَنَا إِليهِ(٧)، فقالَ: الأولى أن تفعلوهُ، ولكمْ أن لا تفعلوهُ. فلم نفعلْهُ.
-: لم نكنْ عصاةٌ.
ولهذا يُوصفُ تاركُ الواجبِ بأنَّه عاصٍ للهِ - تعالى - ولا يُوصفُ(٨) تارك
النوافل بذلكَ(٩).
الثاني: أنَّ العاصيَ للقولِ (١٠) مُقدِمٌ على مخالفتِهِ (١١)، وترك موافقته:
فليسَ (١٢) تخلو مخالفتُهُ - إمّا أنْ تكونَ بالإِقدامِ على ما يمنعُ منهُ(١٣) الأمرُ فقطْ،.
أو قدْ تَثْبُتُ(١٤) بالإِقدام على ما لا يتعرَّضُ لهُ الأمرُ بمنعٍ ولا (١٥) إيجابٍ.
(١) ساقط من ن، وفي ل، ى، آ: ((وامتناع)) والتصويب من ص، ح.
(٢) لفظ ص، ح: ((وجهان))، وهو تصحيف.
(٣) في آ، ح: ((والأمر) وفي ل: ((المأمور)).
(٤) سقطت هذه الزيادة من ن، ص، ح
(٦) هذه الزيادة من ص، ح.
(٨) عبارة ح: ((ولولا)) ((لوصف)).
(٩) لفظ آ: ((كذلك)).
(١٢) کذا في ح، وفي ن، ی، ل، ص، آ: أبدلت الغاء بالواو.
(١٣) في آ: ((الأمر منه)).
(٥) سقطت هذه الزيادة من ص.
(٧) لفظ آ: ((الله)).
(١٠) في ح: ((المقول هو).
(١١) آخر الورقة (١٠٤) من ن.
(١٤) في جميع الأصول (ثبت)) وعلى هامش ل: ((تبين))، وهي عن معارضة بنسبخة
أخرى والأنسب ما أثبتنا.
(١٥) عبارة ص: ((بالمنع والإيجاب)).
- ٠.٦٢
وهذا [الثاني(١)] باطلٌ؛ لأنّا لو كُنّا عصاةً للأمر بفعلٍ ما لم نُمنَعْ منهُ -
لوجبَ إذا أمرنا الله بالصلاةِ - غداً - فتصدَّقْنا(٢) - اليوم - أنْ نكون عصاةً لذلكَ
الأمرِ بتصدُّقِنا - اليوم -: فبانَ [أنَّ(٣)] مخالفةُ الأمر إنّما تثبتُ (٤) بالإِقدامِ على
ما يمنعُ [منهُ (٥)]، فإذا كانَ تاركُ ما أُمِرْ به عاصياً للأمر، والعاصي للأمر هو:
المقدِمُ على مخالفةٍ مقتضاهُ؛ [فالمقدمُ على مخالفةٍ مقتضاهُ(٦)] مقدِمٌ على ما
يحظُرُه الآمرُ، ويمنعُ منهُ: [ثبتَ أنَّ تركَ المأمورِ بهِ يحظُرُهُ الآمر ويمنعُ منهُ(٧)].
وهذا هو معنَى ((الوجوب)).
الدليلُ السادسُ: أَنّه عليه الصلاةُ والسلامُ دعا أبا سعيدٍ (٨) الخدريَّ: فلمْ
يَجِبْهُ؛ لأنّه كانَ في الصّلاةِ، فقالَ: ما منعَكَ أن تستجيبَ - وقد سمعت قولَهُ
تعالى (١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِهِ وللرَّسُولِ ﴾(١٠) فلمّه على ترك
(١) لم ترد الزيادة في ل، ن.
(٣) سقطت الزيادة من ن.
(٥) لم ترد الزيادة في ن، ى، ل.
(٢) لفظ ح: ((فيصدقنا))، وهو تصحيف.
(٤) لفظ ن: ((ثبتت)).
(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من ح ..
(٧) ما بين المعقوفتين ساقط من ن، ى، ل، آ، ص.
(٨) هو الصحابيُّ الجليلُ سعدُ بن مالك بن سنان. والخدريُّ - نسبةً إلى خدرة بن
غوف بن الحارث بن الخزرج. توفي سنةً (٧٤هـ) أو (٦٤هـ) أو (٦٣ هـ) أو (٦٥هـ). راجع :
الإصابة (٣٢/٢-٣٣)، والاستيعاب بحاشيتها (٤٤/٢)، والمختصر (٦٥-٦٦).
(٩) عبارة آ: ((وقد سمعت الله يقول)).
(١٠) الآية (٢٤) من سورة ((الأنفال)).
والحديث ذكره البيضاوي في المنهاج خامس الأوجه التي اختارها للاستدلال على أن
صيغة ((أفعل)) حقيقة في ((الإِيجاب)). فراجع: المنهاج بشرح الإِسنوي ط السلفية
(٢/ ٢٥٤)، وقد أخذه البيضاوي عن ((الحاصل)) فراجع ورقة (٢٩-ب)، مخطوطة دار الكتب
(٦١) أصول. أو ص (٢٢٧) من النسخة - المحققة، المطبوعة بالآلة الكاتبة.
وقد أنكر الإِسنوي أن تكون القصة مع أبي سعيد الخدريِّ، وقال: والصواب أنه ((أبو
سعيد بن المعلّى ((كذا وقع في صحيح البخاري - في أول كتاب التفسير وفي سنن أبي داود
- في الصلاة، وفي جامع الأصول - في كتاب الفضائل وفي غيرها أيضاً. فانظر شرحه على =
- ٦٣ -
= المنهاج (٢٦٢/٢) ط السلفية. وقال القرطبي في تفسيره (٣٩٠/٧): روى البخاري عن أبي
سعيد بن المعلى، قال: ((كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله - {$$ - فلم أجبه،
ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله إنِّي كنتُ أصلّي)). فقال: ((ألم يقل الله عز وجل: ﴿اسْتَجِيبُوا.
اللهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِمَا يُحِكُمْ))؟. وقال الشافعي - رحمه الله -: ((هذا دليل على أنَّ:
الفعلّ الفرضَ، أو القول الفرض، إذا أتي به في الصلاة لا تبطلُ، لأمر رسول الله - *-
بالإجابة وإن کان في الصلاة،. أ.هـ.
ويراجع تفسير القرطبي أيضاً (١٠٨/١) فقد أورد فيه حديث البخاري هذا مع زيادة
تتعلّق بسورة الفاتحة.
وقال القرطبي في تفسيره (١٠٨/١-١٠٩): قال ابن عبد البر وغيره: أبو سعيد بن
المعلى: من جلّةٍ الأنصار، وسادات الأنصار. تفرّد به - (يعني بالرواية عنه دون مسلم) -
البخاريُّ. واسمه: رافعٌ، ويقالُ: الحارث بن نفيع بن المعلّى ويقال: أوس بن المُعلَى،
ويقال: أبو سعيد بن أوس بن المعلّى - (فهو ممّن اشتهرتْ نسبتهُ إلى جدِّه) - توفي : سنة أربع :
وسيعين، وهو ابن أربع وستين سنة. وهو أول من صلى إلى القبلة حين حولت. أ. هـ.
ثم قال في ص (١٠٩): (( ... عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله - {﴾ - على:
أُبيّ (بن كعب) وهو يصلّي. فذكر (يعني الراوي) الحديثَ بمعناه - أي بمعنى حديث أبي:
سعید» أ.هـ.
وقد أورد الإمام المصنف الحديث في تفسيره (٤ /٣٥٩) ط الخیریة حیث قال : !..
روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أنّ النبيِّ - وَ - مرّ على باب أبيّ بن كعب، فناداه وهو في
الصلاة، فعجل في صلاته، ثم جاء، فقال: ما منعك عن إجابتي؟ قال: كنت أصلّي . قال:
ألم تخبر فيما أوحي إليّ: ﴿استجيبوا لله وللرسول﴾؟. فقال: لا جرم لا تدعوني إلا
أجيبك)).ا.هـ.
وبنحوه ورد في تفسير الآلوسي (٩١/١، ١٩٩/٩). وقد أخرج البخاري (٣٧٧/٩ -
٣٧٨/٩) : مع فتح الباري ط. مصطفى الحلبي. عن أبي سعيد بن المعلى - رضي الله عنه -
قال: «كنت أصلي، فمرّ بي رسول الله- ێ۔ ۔فدعاني: فلم آته حتی صلیت، ثم أتيته فقال :.
ما منعك أن تأتي؟ ألم يقل الله: ﴿يا أيُّها الّذين آمنوا استَجِيبُوا لهِ وللرسول إذا دعاكُمْ﴾؟!
ثم قال: لأعلمنك أعظم سورةٍ في القرآنِ قبل أن أُخرِجَ». الحديث.
وقد أخرجه أيضاً عنه في (٢٢٣/٩-٢٢٤).
- ٦٤ -
.
= قال الحافظ في الفتح (٢٢٣/٩): ط الحلبي: ((تسب الغزالي والفخر الرازي وتبعه.
البيضاوي - يعني: في المنهاج - هذه القصة لأبي سعيد الخدري. وهو وهم، وإنما هو: أبو
سعید بن المعلی)». أ.هـ.
وهو يفيد أمرين :
أحدهما: أن اعتراضَ الإِسنويُّ على البيضاويِّ: بأن نسبة الحديث إلى أبي سعيد
الخدري خطأ، اعتراض صحیح وارد.
وثانيهما: أن ورود لفظ أبي سعيد الخدري في كتب الغزالي و((المحصول)) و((المنهاج)»،
غير مصحف من الطباع أو النساخ كما قد يتبادر إلى الذهن.
وإن كنا لا نرى مانعاً من تعدد القصة والحادثة، بدليل أن أحمد والترمذي والحاكم قد
: أخرجوا حديثاً عن أبي هريرة، لفظه: ما منعك يا أُبَيُّ أن تُجيبني إذا دعوتك؟ ألم تجد فيما
أوحي إليّ - أن: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وللرسولِ إذا دَعاكُمْ لِما يحيِيكُمْ﴾؟)) على ما في الفتح الكبير
(١٢٥/٣). وكما أورده بمعناه القرطبي والمصنف والألوسي.
وقال الحافظ في الفتح أيضاً (٢٢٣/٩) ط الحلبي: ((واختلف في اسمه يعني: (أُبا
سعيد بن المعلى)، فقيل: رافع، وقيل: الحارث. وقواه ابن عبد البر، ووهّى الذي قبله.
وقيل: (اسمه) أوس. (وهو وهمٌ)، بل أوس اسم أبيه والمعلى جده. ومات أبو سعيد: سنة
ثلاث أو أربع وسبعين من الهجرة. وأرخ ابن عبد البرّ- يعني: في الاستيعاب - وفاته سنة أربع
وسبعين. وفيه نظر بينته في كتاب الصحابة - يعني: الإصابة - أ.هـ.
وقال في الإصابة (٨٨/٤): ((أبو سعيد)) بن المعلى الأنصاري - أخرج ه البخاري من
رواية حفص بن عاصم عنه، وروى عنه عبيد بن حصين أيضاً. قال أبو عمر - (يعني : ابن
عبد البر) -: من قال فيه رافع بن المعلّى فقد وهم: لأنه قتل ببدر، وهذا أصح ما قيل فيه:
· الحارث بن نفيع بن المعلى وأرخوا وفاته سنة أربع وسبعين وقيل: سنة ثلاث، قالوا: وعاش
أربعاً وستين سنة .
قال الحافظ: قلت: وهو خطأ، فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النبي - * - وهو صغير.
وسياق الحديث يأبى ذلك: فإن في حديثه الذي في الصحيح: كنت أصلي، فمرّ بي النبي
۔۔۔ ۔ فدعاني، فلم آته حتى فرغت من صلاتي .. الحديث.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٩٠/٤-٩١) بحاشية الإصابة: (أبو سعيد) بن
المعلى قيل: اسمه رافع بن المعلى بن لوذان بن المعلى، وقيل: الحارث بن المعلى وقيل : =
- ٦٥ -
الاستجابة - عند مجرَّدٍ(١) ورودِ الأمر، فلولا(٢) أنَّ مجرَّد الأمر للوجوب، وإلاّ
لَمَا جازَ(٣) ذلك.
فإِنْ قيلَ : هذا خبرُ واحدٍ ؛ فلا يجوزُ التمسُّكُ بهِ في مسألةٍ علميّةٍ (٤).
وأيضاً فالنبيُّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ما ذمَّهُ، ولكنّه (٥) أراد أن يبيِّنَ له:
أنَّ دعاءَهُ(٦) - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - مخالفٌ(٧) لدعاءِ غيرِهِ.
والجواب عن [الأوّلِ (٨)]: أَنّا بَيِّنْا أنّ المباحثَ اللّفظية لا يُرجى فيها
= أوس بن المعلى، وقيل: أبو سعيد بن أوس بن المعلى ومن قال: هو رافع بن المعلى فقد
أخطأ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر وأصح ما قيل (والله أعلم) في اسمه الحارث بن نفيع بن
المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة من بني زريق الأنصاري الزرقي؛ أمه أميمة بنت
قرط بن خنساء من بني سلمة له صحبة يعد في أهل الحجاز، روى عنه حفص بن عاصم
وعبيد بن حنين توفي - سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وستين سنة. قال أبو عمر لا يعرف في
الصحابة إلّ بحديثين. أحدهما عن شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم
عنه قال: كنت أصلي فناداني رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم فلم آته حتى قضيت صلاتي
فأتيته فقال: ((ما منعك أن تجيبني))؟ قلت: كنت أصلي، قال: ((ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا
اللّهِ وللرِّسُولِ إذا دَعاكُم لما يُحيِيكُم﴾؟ قال: ثمّ قالَ: ((ألا أعلمك سورة)) الحديث. نحو
حديث أبي بن كعب.
(١) كذا في ص، وعبارة ن، ى، ل، آ: ((ورود مجرد))، وعبارة ح: ((وجود مجرد).
(٢) كذا في ح، ولفظ غيرها: (ولولا)).
.(٣) كذا في ص، ح، وهو الأنسب، ولفظ غيرهما: ((كان)).
(٤) اختلف الأصوليون في هذه المسألة هل هي مسألة علمية، أو ظنّة؟ واختيار الإِمام
المصنف أنها ظنية. قال الأصفهاني: وهو الحق. انظر: الكاشف (٢٥٩/١ -ب)، ثم إن
المسائل الأصلية نوعان: مسائل مقصودة لذاتها. ومسائل هي وسائل لغيرها: كمسائل
الأصول.
(٥) کذا في ص، ل، ن، ی، وفي آ، ح: ((ولكن)).
(٦) في آ، ص، ح: (دعاء النبي).
(٧) لفظ ل: ((مغايرا.
(٨) سقطت هذه الزيادة من ن.
-٦٦ -
اليقينُ، وهذه المسألةُ وإن لم تكن في نفسها عمليّةً(١) لكنّها وسيلةً إلى العمل،
فيجوزُ التمسُّكُ [فيها(٢)] بالظنِّ؛ لأنه لا فرقَ - في العقلِ - بينَ أن يحصلَ ظُنُّ
الحكمِ وبينَ (٣) أن يحصلَ العلمُ بوجودِ ما يقتضي ظنَّ الحكمِ - في جوازٍ
التمسُّكِ بِهِما (٤) في العمليّاتِ (٥)(٦).
وعن الثاني: أنَّ بتقدير أنْ لا يدلُّ الأمرُ على الوجوبِ - يكونُ المانعُ من
الإِجابةِ قائماً، وهُوَ (٧): الصلاةُ، فإنّها تحرِّمُ الكلامَ، وإذا كانَ المانعُ الظاهرُ
قائماً: لم يجز من الرسول - عليه الصَّلاةُ والسلامُ - أنْ يسأل عن المانع، بَلَى
إذا كانَ قولُهُ تعالى: ﴿اسْتَجِيبوا للِهِ وللرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (٨)، يفيدُ الوجوبَ -
فحينئذ: يصحُّ السؤالُ(٩).
وأيضاً: فظاهرُ الكلام يقتضي (١٠) اللّمَ(١١) - وهو في معنى الإِخبار)(١٢) عنْ
نفي العذر، وذلكٌ لا يكونُ إلَّ [والأمرُ(١٣)] للوجوبِ.
الدَّليلُ السابعُ: [هو(١٤)] [قوله: عليه الصلاةُ والسلامُ(١٠)]: (لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ
على أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بالسِّواك عندَ كلِّ صَلاةٍ))(١٦)
(١) كذا في ن، ح: ولفظ غيرهما: ((علميّة)) وهو تصحيف.
(٢) سقطت هذه الزيادة من ص.
(٤) لفظ ن: ((بها)).
(٦) آخر الورقة (٤٧) من ی.
(٨) الآية (٢٤) من سورة ((الأنفال)).
(١٠) آخر الورقة (٧٤) من ل.
(١٢) لفظ آ: ((على)) وهو تصحيف.
(١٤) لم ترد هذه الزيادة في ل.
(٣) أبدلت في ح بلفظ: ((وهو).
(٥) لفظ آ: ((العمليات))، وهو تصحيف.
(٧) لفظ ن: ((وهي)).
(٩) لفظ ح: ((للرسول)).
(١١) لفظ آ: ((الذم)).
(١٣) سقطت هذه الزيادة من ن.
(١٥) ساقط من ص.
.(١٦) أخرجه بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة، مالك في الموطأ وأحمد في المسند،
والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
وأخرجه به من طريق زيد بن خالد الجهني، أحمد وأبو داود والنسائي.
وأخرجه مع زيادة: ، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل»، أحمد والترمذي، والضياء
المقدسيُّ في المختارة - من طريق الجهني أيضاً على ما في الفتح الكبير (٥١/٣). وراجع : =
- ٦٧ -
وكلمةُ (لولا)» تُفيدُ: انتفاءً(١) الشيءٍ لوجودِ غيرِهِ (٢)؛ فها هنا تُفيدُ: انتفاءَ
الأمر لوجودِ المشقّةِ ..
+٠
فهذا الخبرُ يدلُّ: على أنّه لم يُوجد الأمرُ بالسواكِ - عندَ كلَّ صلاةٍ؛
[ والإِجماعُ قائمٌ على أنَّ ذلكَ مندوبٌ، فلو كانَ المندوبُ مأموراً بةٍ: لكانَ الأمرُ
قائماً عند كلِّ صلاةٍ(٣)] فَلَمَّا لَمْ يُوجد الأمرُ: علمنا أنَّ المندوبَ غيرُ مأمورٍ
[ بِهِ(٤)].
فإنْ قلتَ: [لِمَ ا(٥)] يجوزُ أنْ يقالَ: هذا الوجهُ أمارةٌ تدلُّ [على (٦)] أنّه
أرادَ: لأمرتُهُم [به(٧)] على وجهٍ يقتضي الوجوبَ، وليسَ يمتنعُ أن يقتضِيَ الأمرُ
الوجوبَ بدلالةٍ [أخرَى (٨)].
١
قلتُ: كلمةُ (لولا)) دخلتْ على الأمر: فوجبَ أن لا يكونَ الأمرُ حاصلاً؛
والندب حاصل: فوجبَ أن لا يكونَ الندبَّ(٩) أمراً، وإلا لزمَ التناقضُ.
الدليلُ الثامنُ(١٠): خبر بريرةً(١)؛ فإنّها قالتْ لرسول الله - وَرَ -: ((أتأمُرني
بذلك»؟.
= فيض القدير (٢٣٨/٥ - ٣٣٩).
(١) لفظ آ: ((امتناع).
(٢) انظر: المغني (٢١٥/١)، وقد ذكر أن معنى الحديث: لولا مخافة أن أشق على
أُمّتي لأمرتهم، أي: أمر إيجاب، قال: وإلا لا تعكس معناها، إذ الممتنع المشقة، والموجود
الأمر. وانظر: جواهر الأدب (١٩٣ -١٩٦) لمعرفة أقوال العلماء في إعراب ما بعدها.
(٣) ما بين المعقوفتین ساقط من ن، ی، ل، آ.
(٤) سقطت الزيادة من ل، ى.
(٥) سقطت الزيادة من خ.
(٦) لم ترد الزيادة في ل.
(٧) لم ترد الزيادة في ص.
(٨) سقطت الزيادة من آ، ى، ح.
(٩) كذا في ص، ح، وهو المناسب، ولفظ غيرهما: ((المندوب)).
(١٠) في آ زیادة: «روی في))، وزاد في ن: ((بجن)).
(١١) هي مولاة - أم المؤمنين أ- عائشة - رضي الله عنها. راجع: الإصابة. (٢٤٥/٤)،
والاستيعاب بحاشیتها (٢٤٢/٤).
- ٦٨ -
فقالَ: ((لا. إنَّما أَنَا شَفِيعٌ(١)). نفى الأمر مع ثبوتِ (٢) الشفاعةِ الدالّة على
الندب(٣)، ونفيُّ الأمر - عند ثبوت الندبّة (٤) - يدلُّ على أنَّ المندوبَ غيرُ مأمورٍ
بهِ؛ وإذا كانَ(٥) كذلك: وجبَ أن لا يتناولَ الأمرُ الندبَ (٦).
الدليل التاسعُ: أنَّ الصحابةَ تمسَّكُوا بالأمر على الوجوب، ولم يظهرْ من (٧)
أحدٍ منهم الإِنكارُ [عليه(٨)]، وذلك يدلُّ على أنَّهم أجمعوا: على أنَّ ظاهرَ الأمرِ
للوجوب .
[و(١)] إنّما قلنا: إنّهم تمسّكُوا بالأمرِ على الوجوبِ؛ لأنّهم أوجبُوا أخذَ
(١) لفظ آ، ص، ح: ((أشفع)) وقد جاء في قصة بريرة في إحدى روايات الصحيح ((أن
النبي - * - قال لها، يرغبها في البقاء مع زوجها بعد أن عتقت - وكان زوجها عبداً -: زوجك
وأبو ولدك. فقالت: يارسول الله تأمرني بذلك؟ قال: لا إنما أنا شافع. فقالت لا حاجة لي
فيه)». انظر: هامش منتقى الأخبار (٥٣١/٢).
وحديث بريرة هذا من الأحاديث الجامعة الخطيرة التي تناولت مسائل هامة مختلفة وقد
رويت أجزاء منه متناثرة في مسائل متنوعة، وأبواب متفرقة من كتب السنة والفقه. واهتم
العلماء قديماً به على اختلاف مذاهبهم، وتباين مشاربهم. فليراجع الكلام عنه: في اختلاف
الحديث للشافعي ص(٣٣)، (١٦٦): بهامش الجزء السابع من الأم، ط بولاق، ومعالم
السنن الخطابي (١٤٦/٣)، (٦٤/٤)، (١٠٢) ط حلب، وشرح مسلم للنووي
(١٣٩/١٠)، وفتح الباري (١١٤/٥ - ١٢٣)، و(١٢٨، ١٩٧، ٢٠٦، ٢٢٦)، (٣٢٦/٩
- ٣٣٧)، و(٤٩٧/١١)، و(١٢ /٣١، ٣٧) ط الخيرية، وشرح الموطأ الزرقاني (٤: ٩٠) ط
التجارية، وشرح العمدة لابن دقيق العيد (١٦٠/٣)، (٢٠/٤) ط المنيرية، وطرح التثريب
للعراقي (٢٣٢/٦). وانظر أحكام القرآن للشافعي وهامشه (١٤٣/١، ١٦٤/٢ - ١٦٥)،
وآداب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي وهامش ص (١٥٨-١٥٩، ٣٠١).
(٢) آخر الورقة (١٠٥) من ن.
(٣) لفظ ص، ح: ((الندبية)).
(٤) في ح: ((الأمر به)).
(٦) آخر الورقة (٧٠) من أ.
(٥) في ل زيادة: ((الأمر)).
(٧) كذا في آ، وهو المناسب، ولفظ غيرها.
(٨) لم ترد هذه الزيادة في ص، ح.
(٩) هذه الزيادة من أ.
- ٦٩ -
الجزية من المجوسِ ؛ لِمَا (١) روى عبدُ الرحمن(٢) أنّه - عليه الصلاة والسلامُ -
قال: ((سنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهلِ الكتابِ(٣)).
وأوجبُوا غسلَ الإِناءِ من ولوغِ الكلب، بقولهِ - عليه الصلاةُ والسلامُ -:
((فَلَيَغْسِلُهُ سَبعاً)) (٤).
وأوجبوا إعادة الصَّلاة - عند ذكرها - بقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -:
((فَلْيُصلُّها إذَا ذَكَرَها))(٥).
(١) لفظ ص: ((كما)).
(٢) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي
الزهري، وكنيته: أبو محمد - أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة - أصحاب
الشورى. توفي سنة (٣٠) أو (٣١) هـ، وقيل: سنة (٣٢) عن (٧٢) عاماً. راجع : الإصابة
(٤٠٨/٢ - ٤١٠)، وبحاشيتها: الاستيعاب (٣٨٥/٢ - ٣٩٠). وانظر: اداب الشافعي
لابن أبي حاتم بتحقيق شيخنا عبد الغني - هامش ص(٥٩).
(٣) ورد في مجوس هجر. فقد روى الشافعي: أن عمر ذكر المجوس، فقال: ما أدري
کیف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أُشهد لسمعت رسول الله - چ۔ ۔
" يقول: ((سُنُّوا بِهِم سنَّةَ أهلِ الكتاب)). على ما في منتقى الأخبار (٨٣٦/٢). وراجع: الأم.
(٥١١/٨) ط الفنية والتلخيص (٣٠٢/٢).
(٤) إن حديث: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)) فقط، أو بزيادة
((أولاهن بالتراب)) أو بزيادة ((وعفروه الثامنة بالتراب)) أو نحو ذلك - قد أخرجه - من طرق عدة
وبألفاظ مختلفة - أحمد والشافعي ومسلم وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه والدارقطنيُّ وغيرهم.
فانظر: الفتح الكبير (١٦,٢/١، ٢١٦/٢، ٣٢٨) والتلخيص الحبير (١٤/١) وما بعدها طبع
الهند، ونصب الراية (١٣٠/١-١٣٣، و١٣٥)، ومعالم السنن (٣٩/١)، وطرح التثريب
(١١٩/٢ - ١٣٤)، والسنن الكبرى (١٨/١-١٩ و٢٣٩ -٢٤٢، ٢٤٧، ٢٥١)، وسنن
الدارقطني (٢٤/١ -٢٥)، وسنن أبي داود (١٩/١)، وسنن الترمذي (٢٠/١) أو (١٥١/١)
وسنن ابن ماجه (٧٦/١-٧٧)، وسنن النسائي (٥٣/١-٥٤، ١٧٦-١٧٨)، ونيل الأوطار
(٣٠/١-٣٢)، وسنن الدارميِّ (١٨٨/١): ط الشام، وغير ذلك. وراجع: كشف الخفا
(١٠٤/١).
(٥) حديث ((فليصلها إذا ذكرها))، هو جزء من حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن =
- ٧٠ -
وأمّا أنّه لم يظهرْ من أحدٍ - منهم - إنكارُ (١) عليه، [و(٢)] أنّه متى كانَ كذلكَ
-: فقد حصلَ الإِجماعُ (٣) - فتمام(٤) تقريرهما (٥) مذكورٌ في كتاب(٦) القياس(٧).
فإنْ قيلَ: كما اعتقدُوا [الوجوبَ(٨)] عندَ هذه الأوامر - فإنّهم لم يعتقدُوا عندَ
غيرها، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم﴾(٩)، وقوله: ﴿فَكَاتِيُهم إنْ
عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيراً﴾(١٠)، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّساءِ﴾(١)، وقوله:
﴿إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾(١٢).
وإذا ثبتَ هذا: فليسَ القولُ بأنّهم لم يعتقدُوا الوجوبَ في هذه(١٣) الأوامر
لدليلٍ منفصلٍ -: [بأولى من القول: بأنّهم إنّما اعتقدوا الوجوبَ في تلكَ
الأوامر لدليلٍ متّصلٍ](١٤).
والجواب: أنْ نقولَ: لَوْ لَمْ يكن الأمرُ للوجوبِ - لامتنعَ أن يُفيدَ الوجوبَ
= ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، بلفظ: ((من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة
لها إلا ذلك، على ما في الفتح الكبير (٢٤٢/٣)، وذكره في التعريف (٢٣٤/٢)، عن
الشيخين من هذا الطريق بزيادة في آخره هي : «أقم الصلاة لذکري، وراجع فيه سببه .
وأخرجه الترمذي والنسائي، عن أبي قتادة، بلفظ: ((إذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها،
فليصلها إذا ذكرها)) وصححه الترمذي. على ما في التعريف في أسباب ورود الحديث
الشريف (٧٨/١) وذكره في الفتح الكبير (١٥٧/١) عن الترمذي فقط من هذا الطريق.
(١) في غير ص، ح: ((الإِنكار)).
(٢) سقطت الواو من آ.
(٤) في غير ص، ح: ((وتمام)).
(٣) آخر الورقة (٧١) من ح.
(٥) لفظ ن: ((تقريرها)).
(٦) كذا في آ، وهو المناسب، ولفظ غيرها: ((مسألة)).
(٧) راجع كتابنا هذا: الجزء الخامس ص (٥٣) وما بعدها.
(٨) سقطت هذه الزيادة من ن، ی، ل، آ.
(٩) الآية (٢٨٢) من سورة ((البقرة)).
(١٠) الآية (٣٣) من سورة (النور)».
(١٢) الآية (٢) من سورة ((المائدة)).
(١١) الآية (٣) من سورة (النساء)).
(١٣) لفظ ح: ((تلك)).
(١٤) ما بين المعقوفتين ساقط كله من ح، وقوله: ((بأنهم اعتقدوا)) وردت في ل، ى بصيغة
(بأنهم إنما اعتقدوا))، وسقطت كلمة ((الوجوب)) - بعدها - من آ، ولفظ ((الدليل)) في ى:
((بدليل))، ولفظ ((متصل)) في ن: ((منفصل))، وهو تصحيف ..
- ٧١ -
1
في صورةٍ أصلاً، ولوْ(١) لَمْ يُفِدِ الوجوب في شيءٍ (٢) من الصورِ أصلا - لكانَ
دليلُهم على وجوبٍ أخذِ الجزيةِ شيئاً غيرَ خبرٍ عبد الرحمن، ولو كانَ كذلك:
لوجبَ اشتهارُ ذلِكَ الدليل وحيثُ لم يشتهرْ: علمنا أنّه لم يُوجّدْ، ولَمّا لم يُوجدْ:
كان دليلُهم على وجوبٍ [أخذِ (٣)] الجزية ظاهر الأمرِ ..
أمّا (٤) لو قلنا: بأنَّ الأمرَ للوجوب - لم يلزمْ من عدم الوجوب - في بعضِ
الأوامر - أنْ لا يُفيدَ الوجوبَ أصلاً؛ لاحتمالِ أن يقالَ: الحكم تخلّف
- هاهنا(٥) - لمانعٍ : فثبت أنَّ الاحتمالَ الذِي ذكرناهُ أولَى.
: الدليل العاشر: لفظُ ((افْعَلْ)) إمّا أنْ يكونَ(٦) حقيقةً في ((الوجوب)» فقط، أو
في ((الندب)) فقط، أو فيهما [معاً](٧)، أو لا [في(٨)] واحدٍ منْهُما (٩).
والأقسامُ الثلاثةُ الأخيرةُ باطلةً: فتعيِّنَ الأوَّلُ - وهو: أنْ يكونَ للوجوب فقط .
--
[و(١٠)] إنّما قلنا: إنّهُ لا يجوزُ أنْ يكونَ للندب فقط؛ [[(١١)] أنّه لو كانَ للندب
فقط - لما كانَ الواجبُ مأموراً بِهِ: فيمتنعُ أنْ يكونَ الأمرُ للندب فقط.
بيانُ الملازمةِ: أنَّ((المندوبَ)) - هو: الراجح [فعلُهُ(١١)] - مع جوازِ التركُ؛
و(«الواجبُ)) - هو: الراجحُ فعلُهُ - مع المنعِ من التركِ: فالجمعُ(١٣) بِينُهُمَا محالٌ؛
فلو كانَ الأمرُ للندبِ فقط: لم يكن الواجبُ مأموراً بِهِ.
فإنْ قلت: لوْ كَانَ الأمرُ للوجوب فقطْ لما كانَ المندوبُ مأموراً به .
(١) لفظ ن: ((وأن))، والمناسب ما أثبتناه.
(٢) كذا في ص، ولفظ غيرها: ((صورة)).
(٣) لم ترد هذه الزيادة في ن، ص، خ.
(٤) عبارة ح: ((أما قوله لو قلنا))، وهو تصرف من الناسخ ...
(٥) كذا في آ، ص، ح، وعبارة ن، ى، ل: ((الحكم هاهنا تخلف لمانع)).
(٦) لفظ آ: ((تكون)).
(٧) لم ترد الزيادة في ح.
(٨) لم ترد الزيادة في ل، ن.
(١٠) هذه الزيادة من ح، ل.
(١٣) هذه الزيادة من ص، خ.
.(٩) لفظ ن، ى: (منها).
(١١) سقطت اللام من خ.
(١٣) في غير ص، ح: ((والجمع).
- ٧٢ -
قلت: ألتزمُ هذا، لأنَّ(١) كثيراً من الأصوليّين صرَّحُوا: بأنَّ ((المندوبَ)) غيرُ
مأمورٍ به، ولا يمكنُكَ أنْ تلتزمَ [بـ(٢)] أنَّ ((الواجبَ)) ((غيرُ مأمورٍ به؛ لأنَّ أحداً
من الأمّةِ لم يقل به ..
فثبتَ: أنَّ الأمرَ (٣) لا يجوزُ (٤) أن يكونَ حقيقةٌ في ((الندب)) [فقط(٥)].
وإنّما قلنا: إنّه لا يجوزُ أن يكونَ حقيقة في ((الوجوب))(٦) و((الندب)) - معاً .
لأنّه لو كانَ حقيقةٌ فيهمَا لكانَ: إمّا أن يكونَ [كونُهُ(٧)] حقيقةً فيهما - بحسب(٨)
معنىَّ مشتركٍ بينهُما، كما يقالُ: إنّه حقيقةً في ترجيحِ [جانب(٩)] الفعلِ على
التركِ فقطْ، من غيرِ إشعارٍ بجواز التركِ، أو بالمنعِ منهُ، أو يكونَ حقيقةً
[فیھما١٠)] لا بحسب معنی مشترك.
والأوَّلُ باطلٌ، لأنّا لو جعلناهُ حقيقةً في أصلِ الترجيحِ : لم يُمكنْ جعلُهُ
مجازاً في الوجوب؛ لأنَّ الوجوبَ غيرُ ملازمٍ(١١) الأصلِ الترجيح - أعني القدرَ
المشتركَ بينَ ((الواجب والمندوب»(١٢)، ولو جعلناهُ حقيقةً في الوجوب: كان(١٣)
الترجيحُ جزءاً من مُسمَّاهُ ولازماً لهً، فيمكنُ (١٩)جعلُهُ مجازاً عن أصلِ الترجيحِ ؛
وإذا كانَ كذلك: كانَ جعلُهُ حقيقةٌ في الوجوبِ - ليكونَ مجازاً في أصل
الترجيح : أولى من جعلِهِ حقيقةً في أصلِ الترجيحِ - مع أنّه لا يكونُ حقيقةٌ في
الوجوب، ولا مجازاً [فيهِ](١٥).
والثاني، وهو: أن يُجعلَ حقيقةُ في ((الوجوب والندب))، لا بحسبٍ معنىٍّ
(١) في ن، ى، ل: ((الآن)).
(٢) هذه الزيادة من ص.
(٤) آخر الورقة (١٠٦) من ن.
(٥) سقطت الزيادة من ن، آ.
(٧) سقطت هذه الزيادة من ن، ح، آ.
(٨) كذا في ص، وهو المناسب لما سيأتي ولفظ غيرها: (ديسيبه.
(٩) هذه الزيادة من آ.
(١١) لفظ ن، آ: ((لازم)).
(١٣) لفظ ح: ((لأن))، وهو تصحيف.
(١٥) لم ترد الزيادة في ن ..
(١٠) سقطت الزيادة من ص.
(١٢) كان الأولى أن يعبر بـ ((الوجوب والندب)).
(١٤) في ح: ((فلا يمكن)).
- ٧٣ -
(٣) آخر الورقة (٧٥) من ل.
(٦) لفظ ص، ح: ((الواجب)).
مشترك بينهما - فهذا: يقتضي كونَ اللّفظِ مشتركاً. وقد عرفت(١) أنَّ ذلكَ خلافُ
لأصل .
وإنّما قلنا: إنّه لا يجوزُ أن يقال: إنّه لا يتناولُ ((الواجبَ)) و[لا(٢)]
:((المندوبَ)»(٣) أصلاً؛ لأنَّ ذلكَ على خلافِ الإِجماعِ.
ولمّا ثبتَ فسادُ هذِهِ الأقسامِ الثلاثةِ: تعيّنَ القولُ بالوجوبِ. والله أعلم.
الدليلُ الحادي عشرَ: أنَّ العبدَ إذا لم يفعلْ ما أُمَرهُ [به(٤)] سيِّدُهُ: اقتصِرٌ
العقلاءُ - من أهلِ اللُّغة - في (٥) تعليلٍ حسن ذمِّه، على أن يقولُوا: أمرَهُ سيِّدُهُ
بكذا، فلم يفعلهُ - فدلَّ(٦) كونُ ذلكَ علةً في حَسن ذمِّه: على أنَّ تركَهُ لِما أَمرَهُ(٧)
به تركٌ للواجب(٨).
فإن قيلَ: لا نسلِّمُ أنّهم إنّما ذَقُّوهُ(٩) لمجردِ التركِ، بل لأجلِ أمورٍ أُخْرَ:
أحدُها: أنّهم عَلِموا من سيِّدِهِ أنّه كرِهَ ترك ذلك الفعلِ .
وثانيها: أنَّ الشّريعة جاءَتْ بوجوب طاعةِ العبدِ لسيِّدِه.
وثالثها: أنَّ السيّد (١٠) لا(١١) يأمرُ إلا بما فيه نفعُهُ، ودفعُ مضرّتِهِ، والعبدُ
[أيضاً(١٢)] يلزَمُهُ(١٣) إيصال المنافعِ إلى السيِّدِ، ودفعُ المضارِّ عنه.
سلّمنا أنّهم (١٤) ذُمُوهُ(١٥) لمجردِ التركِ، لكنْ لا نسلِّمُ أنَّ فعلَهُم صوابٌ
ويدلُّ(١٩) عليه أمرانِ :
أحدُهما: [أنّه(١٧] لو كانَ المأمورُ بهِ معصيةً - لما استحقَّ (١٨) العبدُ الذِمَّ
(١) لفظ آ: ((عرف)).
(٣) لفظ ص: ((الندب)).
(٥) لفظ ص: ((على)).
(٧) في ى: ((أمر)).
(٩) عبارة ن: ((ذموا لمجرد)).
(١١) آخر الورقة (٧١) من آ.
(١٣) لفظ ن: ((یلزم)).
(١٥) لفظ ن، آ: ((ذموا)).
(١٧) لم ترد الزيادة في ص.
(٢) سقطت الزيادة من ى، ص.
(٤) سقطت الزيادة من ى.
(٦) زاد ص: ((على)).
(٨) في غير ص، ح: ((الواجب)).
(١٠) لفظ ى: ((لم)).
(١٢) هذه الزيادة من ص ..
(١٤) آخر الورقة (٢٩) من ص.
(١٦) في ن، ی، آ: ((ودل)).
(١٨) آخر الورقة (٤٨) من ی.
- ٧٤ -
بتركِهِ: فدلَّ على أنَّ مجرّدَ الترك ليسَ بعلةٍ(١) للذمِّ.
وثانيهما: أنَّ كثيراً من الأوامر، وردَ في كتاب الله - تعالى - وسنّةِ (٢) رسوله
- الََّ - بمعنى ((الندب))، فلو كانَ تَركُ المأمورِ بهِ علَّةً للذمِّ (٣): لكانَ ((المندوبُ))
((واجباً))؛ وهو محالٌ.
فثبتَ بهذين الوجهين: أنَّ مجرَّد ترك (٤) المأمور بهِ، لا يمكنُ جعلُهُ علَّةً
للذمِّ؛ وإذا ثبتَ ذلكَ: علمنا فسادَ ما ذكرتُمُوهُ: مِنْ (٥) أنَّ العقلاءَ يعلِّلُونَ حسنَ
ذَمِّهِ(٦) بمجردِ تركِ المأمورِ بِهِ .
والجواب: أنَّ السيِّدَ إذا عاتَبَ عبدَهُ [عندَ(٧)] عدم الامتثالِ، فالعقلاءُ،
يقولونَ: إنّما عاتَبَهُ؛ لأنّه لَمْ (٨) يمتثِل الأمرَ، ولولا أنَّ علّةً حسن العتاب(٩) نفسُ
مخالفةِ الأمرِ، وإلَّ لَمَا صحَّ هذا الكلامُ.
وبهذا يظهر(١١): أنَّ كراهية التركِ، لا مدخلَ لها في هذا الباب.
· أما (١١) قوله: ((الشّريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيّده)).
[قلنا: الشّريعة إنّما أوجبتْ على العبدِ طاعة السيِّد(١)] - فيما أوجبَهُ السيِّدُ
على العبد .
ألا ترى أنَّ سيِّدَهُ لوا(١٣) قالَ له: الأولى أنْ تفعل كذا، ولكَ أنْ لا تفعلَهُ - لما
الْزَمَنْهُ(١٤) الشريعةُ فعلَهُ؟ .
والأمرُ عندَ المخالِفِ يجري مجرى هذا القول . فينبغي أنْ لا يجبَ بهِ على
العبدِ شيءٌ (١٥).
(١) كذا في ص، ى، وعبارة غيرهما: ((علة الذم)).
(٢) ورد في ى - بدلها: ((وكتب وقوله)).
(٤) لفظ ن، آ، ص: ((تركه)).
(٦) لفظ آ: ((الذم)).
(٨) عبارة آ: لعدم ((الامتثال)).
(١٠) لفظ ى: ((ظهر)).
(١٢) ساقط من ن.
(١٤) لفظ ح: ((التزمه))، وهو تصحيف
(٣) في ن، آ: «الذم)).
(٥) آخر الورقة (٧٢) من ح.
(٧) لم ترد الزيادة في ل.
(٩) لفظ ح: ((العقاب))، وما أثبتناه أنسب.
(١١) آخر الورقة (١٠٧) من ن.
(١٣) لفظ آ: ((إذا)).
(١٥) عبارة ى: ((على العبد به شيء).
- ٧٥ -
وأمّا قولُهُ: ((السيِّدُ لا يأمُرُ [عبدَهُ(١)] إلَّ بما فيهِ [جرُّ(٢)] نفعٍ، أو دفعُ
مضرَّةٍ(٣)، وذلكَ واجبٌ)).
قلنا: مجرَّدُ هذا القدرِ (٤) لا يُفيدُ الوجوبَ، إلَّ إذا أوجبَهُ السيِّدُ، ولم(٥)
يرخّص في ترکِهِ .
ألا ترى أنّه لو قالَ لهُ: الأولى أنْ تفعَلَ كذا(٦)، ويجوزُ أنْ لا تَفْعَلَهُ -: جاز
[ له (٧)] أنْ لا يفعل؟.
وكذلك: لو علمَ أنَّ غيرَهُ يقومُ مقامَهُ في دفعِ المضرَّةِ !! .
قولهُ: ((يشترطُ في جوازِ هذا التعليل: أنْ لا يكونَ المأمورُ بِهِ معصيةٌ))(٨).
قلنا: هبْ أنَّ [هذا(٩)] الشرطَ [معتبرٌ، ولكنْ يجبُ فيمَا وراءَهُ إِجراءُ اللّفظِ
على ظاهره .
قوله: ((لَوْكانَ تركُ المأمور به عّةً للذمُّ(١٠)]: لَمَا جازَ تركُ ((المندوب)).
قلنا: [هذا×١١)] إنّما يصحُّ، لو كانَ ((المندوبُ)) مأموراً [به (١٢)]. وهذا أوَّلُ
المسألةِ(١٣). والله أعلم.
الدليل الثاني عشر: لفظُ ((افْعَلْ)) دالُّ (١٤) على اقتضاء الفعل، ووجودهِ:
فوجبَ أنْ يكونَ مانعاً من نقيضه؛ قياساً على الخبر - فإنّه لمّا دلَّ على المعنيّ:
كانَ مانعاً من نقيضِهِ.
والجامعُ بين الصورتين: أنَّ اللّفظ لِمَاء١) وضعَ لـ [إفادةٍ(١٦)] معنىً - فلا بدَّ
(١) سقطت هذه الزيادة من ص، ح ...
(٢) لم ترد الزيادة في ل.
(٣) لفظ ح: ((ضرر)).
(٤) في ح: ((القول))، وهو تصحيف.
(٥) لفظ ح: ((ولا)).
(٦) كذا في ى، وفي ن، آ، ل، ص، ح: ((ذلك)]»
(٧) لم ترد الزيادة في ن، آ، ص.
(٨) لفظ ن: ((مقتضيه))، وهو تحريف.
(٩) لم ترد الزيادة في ن.
(١١) لم ترد هذه الزيادة في ل.
(١٢) سقطت الزيادة من ن، أ.
(١٤) لفظ آ: ((دالة)).
(١٥) في آ: «إذا».
(١٠) ما بين المعقوفتين ساقط من ن.
(١٣) آخر الورقة (٧٦) من ل.
(١٦) لم ترد الزيادة في آ ..
- ٧٦ -
أنْ يكونَ مانعا من النقيض : تكميلاً لذلكَ المقصود، وتقويةً لحصولهِ .
فإن قيلَ: لا نزاعَ في أَنَّ ما دلَّ على شيءٍ فإنّه(١) يمنعُ من نقيضِهِ، لكنْ
لِمَ لا يجوزُ أن يقالَ: مدلولُ قولِهِ: ((افْعَلْ)) - هو: أنَّ الأوْلَى إدخالُهُ في الوجودِ؛
فلا جرمَ يمنعُ(٢) من عدمِ هذه الأولوية.
والجوابُ: أنَّ الفعلَ مشتقٌّ من المصدرِ(٣)، فإشعارُهُ لا يكونُ إلَّا (٤)
بالمصدرِ، والمصدرُ في قولنا(٥): ((ضرب، يضرب، اضربْ - هو: [الضرب(٦)
لا] أولويّة الضرب)) فإشعارُ لفظِ الخبرِ والأمرِ بالضرب، لا بأولويّة الضرب.
وإذا كان إشعارُ الأمر والخبر ليسَ ((بأولوية الضرب)»، بل بنفس
((الضرب))(٧) وثبت: أنَّ المشعِرَ بالشيءٍ مانعٌ من نقيضِهِ -: وجبَّ أنْ يكونَ لفظً
((اضْربْ)): مانعاً من عدم ((الضرب))، لا من عدمِ ((أولويّة الضربِ))؛ ولأجل
هذا كانَ الخبرُ مانعاً من النقيضِ . والله أعلمُ.
الدليل الثالث عشر: الأمرُ يفيدُ رجحانَ الوجودِ على العدم ؛ وإذا كانَ
كذلك: وجب أن يكونَ مانعاً من التركِ .
[و(٨)] إنّما قلنا: إنّه يفيدُ الرجحانَ؛ لأنَّ المأمورَ بِهِ، إِنْ لَمْ تكنْ(١)
مصلحتُهُ (١٠) راجحةً - [لكانَ (١)] إمّا أنْ يكونَ خالياً عن المصلحةِ، أو تكونَ
مصلحتُهُ(١٢) مرجوحةٌ أو [تكونَ(١٣)] مساويةُ(١٤) للمفسدةِ.
(١) كذا في ص، وعبارة ح: ((وهو يمنع))، وعبارة ن، ى، ل،١: ((فهو مانع)).
(٢) في ص، ح: ((منع).
(٣) أي: عند البصريين، لا الكوفيين: فعندهم المصدر مشتق من الفعل. راجع:
الإنصاف (١٤٤-١٥٢).
(٤) عبارة ح: ((إلا ما يصدر من المصدر)).
(٥) لفظ ل: ((قوله)).
(٧) في ص: ((فثبت.)
(٩) لفظ آ: ((یمکن)).
(١١) سقطت الزيادة من ح.
(١٣) لم ترد الزيادة في ص، ولفظ آ: (يكون)).
-٧٧ -
(٦) ساقط من ن .
(٨) لم ترد الواو في ص، ل، ح.
(١٠) في ل: ((مصلحة)).
(١٢) لفظ ل: ((مصلحة)).
(١٤) لفظ آ: ((مساويا)).
فإنْ [كانَ(١)] خالياً عن المصلحةِ - كان محضَ المفسدةِ: فلا يجوزُ ورودُ
الأمر بهِ .
وإن كانتْ مصلحتُهُ مرجوحةً : [فذلكَ القدرُ من المصلحةِ يصيرُ معارضاً
بمثله من المفسدة: فيبقى القدْرُ الزائدُ من(٢)] المفسدةِ(٣) خالياً عن المعارض:
فيكونُ [ورودُ(٤)] الأمر بهِ أمراً بالمفسدةِ الخالصة؛ فيعودُ(٥) إلى القسمِ الأوَّلِ.
وإنْ كانتْ مصلحتُهُ معادلةٌ لمفسدتِهِ: كانّ [ذلكَ(٦)] عبثاً؛ وهو غير لائقٍ
بالحكيم .
وإذاْ بطلتْ هذه الأقسامُ: لم يبقَ(٧) [إلَّ أن تكونَ مصلحةٌ خاليةً عن
المفسدةِ وإنْ كان فيهِ شيءٌ من المفاسدِ، ولكنْ تكونُ مصلحتُهُ(٨)] زائدةً.
وعلى التقديرين: يثبتُ رجحانُ (٩) المصلحة.
وإذا ثبتَ هذا - فتقولُ: وجب أن لا يردّ(١٠) الإِذنُ بالتّركِ؛ لأنَّ الإِذنَ فِي
تفويتِ المصلحة الراجحةِ - إذنْ في تفويتِ المصلحةِ الخالصةِ(١١)؛ لأنّهُ إنْ
وُجدتْ مفسدةٌ مرجوحةٌ - فتصيرُ هي معارضةٌ بما يعادِلُها من المصلحةِ: فيبقَى(١٤)
القَدْرُ الزائدُ من المصلحةِ مصلحةً [خالصةً(١٣)].
(١) سقطت الزيادة من ص، ح.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط كله من آ، ولفظ ((فذلك)) في ص: ((فذاك))، وقوله والزائد))
في ل: ((الزائدة)) وسقطت من ح، آ، ى.
(٣) في ل، ح زيادة: (الزائدة))، وفي ن: ((الزائد)).
(٤) لم ترد الزيادة في ن.
(٥) لفظ ن، آ: ((فنعود)).
(٧) لفظ ن، ل، ح: ((تبقى)).
(٦) لم ترد الزيادة في آ.
(٨) ما بين المعقوفتين ساقط كله من ن، وقوله: ((المفاسد)) في ح: ((المقدار)»، وهو
تصحیف، ولفظ «تکون» في ی: «تکن)).
(٩) آخر الورقة (١٠٨) من ن.
(١١) لفظ آ: ((الحاصلة)).
(١٣) سقطت الزيادة من ل.
(١٠) لفظ ن، آ: «يراد) : :
(١٢) في ن: ((فبقي)).
- ٧٨ -
وإنْ (١) لم تُوجدْ(٢) مفسدةٌ أصلاً: كانت المصلحةُ(٣) خالصةً؛ فيكونُ الإِذْنُ
في تفويتِهِ إذْناً في تفويتِ المصلحةِ الخالصةِ عن شوائب المفسدةِ؛ وذلكَ غيرُ
جائزٍ ((عرفاً)): فوجبَ أن لا يجوزَ ((شرعا))؛ لقوله - عليه الصلاةُ والسلامُ -: [(«ما
رآهُ المسلمونَ حسناً - فَهُوَ: عند اللهِ حسنٌ (٤)]، وما رآهُ المسلمونَ قبيحاً - فهو:
عند الله قبيحٌ)) (٥) [فمقتضَى هذِهِ (٦) الدلالةِ]: أنْ لا يُوجدَ شيءٌ من ((المندوباتِ))
[أَلْبَتَّةَ (٧)]، تُرِكَ العملُ [بِهِ (٨)] [في حقِّ البعض(٩)] تخفيفاً من اللّهِ - تعالى -(١٠)
على العبادِ: فوجبَ أن يبقى الباقي على [حكمِ (١١)] الأصل .
فإنْ قيلَ : ما ذكرتُمُوهُ معارضٌ بوجهٍ آخرَ - وهوَ: أَنّه كما أنَّ الإِذنَ في تفویتِ
المصلحةِ الخالصةِ (١٢) قبيحٌ عرفاً: فكذا إلزامُ المكلّفِ استيفاء المصلحةِ
(١) في غير ص، ح: ((فان)).
(٣) آخر الورقة (٧٢) من آ.
(٢) لفظ ص، ح: ((يوجد)).
(٤) ساقط من ن، ى، ك، آ، ح.
(٥) هو بعض حديث مشهور اختلف في رفعه أو وقفه على ابن مسعود: وهو ما رواه أحمد
في كتاب ((السنّة)) من حديث أبي وائل عن ابن مسعود، بلفظ: ((إن الله نظرَ في قلوب العبادِ
فاختار محمداً - من - فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العبادِ، فاختارَ له أصحاباً فجعلهم
أنصارَ دينه ووزراء نبيِّه، فما رآهُ المسلمونَ حسناً فهو - عند الله - حسن، وما رآه المسلمون
قبيحاً فهو - عند الله - قبيح)). وهو موقوف حسن .
وكذا أخرجه البزَّار والطيالسي والطبرانيُّ، وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من الحلية،
بل هو عند البيهقيِّ في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود. انظر المقاصد الحسنة
للسخاوي ص (٣٦٧) ط مصر. وذكر نحوه العجلوني في كشف الخفا(١٨٨/٢)، وذكر أن
العينيَّ ذكره في شرح الهداية ببعض اختلاف عن ابن مسعود أيضاً. ثم نقل عن الحافظ ابن
عبد الهادي أنه قال: (وقد روي) مرفوعاً عن أنس بإسناد ساقط، والأصح وقفه على ابن
مسعود .
(٦) أبدلت هذه العبارة في ح بلفظ: ((يقتضي)). (٧) لم ترد هذه الزيادة في ح.
(٩) ساقط من ح.
(٨) لم ترد الزيادة في ن، ص، ل.
(١٠) لفظ ى: ((عن)).
.(١١) لفظ ص: ((وفق))، ولم ترد في آ.
(١٢) كذا في ص، ح، وفي غيرهما: ((الخاصة))، وهو تصحيف.
- ٧٩ -
- بحيث لو لم يستوفِهَا - لاستحقُّ العقاب(١) - قبيحٌ [أيضاً، لأنّه يصيرُ حاصلُ
الأمرِ أنْ يقولَ الشّرعُ: استوفِ هذهِ المنافعَ لنفسِكَ، وإلَّ عاقبتُكَ؛ وهذا
قبيحٌ(٢)].
[وَ(٣)] الجوابُ: ما ذكرتُمُوهُ قائمٌ في كلِّ التكاليفِ(٤)، فَلَوْ كانَ [ذلكَ (٥)]
معتبراً - لما ثبتَ شيءٌ من التكاليفِ.
الدليل الرابع عشر: لا شكّ أنَّ الأمرَ يدلُّ على رجحانِ طرفِ الوجودِ علَى
طرفِ العدم - فنقول: هذا الرجحانُ لا ينفكُّ عن قيدَينِ:
أحدهما: المنعُ من التركِ.
والآخر: الإِذنُ في التركِ.
ولا شكَّ أنَّ إفضاءَ المنعِ من التركِ إلى الوجودِ - أكثرُ من إفضائِهِ إلى
العدم .
ولا شكَّ أنَّ إفضاءَ الإِذنِ في التركِ إلى العدمِ - أكثرُ من إفضائِهِ إلى
الوجود.
ولا شكَّ أنَّ الذي يكونَ أكثرَ إفضاءً إلى [الشيءٍ(٦)] الراجحِ - [راجحٌ(٧)]
في الظنِّ على ما يكونُ أكثرَ إفضاءً إلى المرجوحِ ؛ فإذنْ: شرعيّةُ المنعِ من
التركِ راجحٌ في الظنِّ على شرعيّةِ الإِذنِ(٨) في التركِ.
والراجحُ في الظنِّ واجبٌ العملُ بهِ بـ ((النصِّ)) و(المعقولِ)):
أمّا النصُّ - فقولُهُ - عليه الصلاةُ والسلامُ -: ((أَنَا أَقْضِي بِالْظَاهِرِ))(٩).
(١) آخر الورقة (٧٣) من ح.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من آ، ولفظ ((وهذا)) في غير ص، ح: ((وهو).
(٤) لفظ ح: ((التكليف)).
(٣) لم ترد الواو في ل.
(٥) لم ترد الزيادة في ن.
(٦) لم ترد الزيادة في ص، ح.
(٧) سقطت هذه الزيادة من آ.
(٨) عبارة ن: ((شرعيته في الترك)).
(٩) قال الرافعي في الشرح الكبير: ((روي: أنه* قال: ((إنما نحكم بالظاهر، والله يتولى
السرائر)).
- ٨٠ -