Indexed OCR Text

Pages 1501-1520

وقال المخالف: هذا من قول عبد الله بن عباس أدرجه في قول النبي عد اله
وهذا نص في أن فُرْقة اللعان ليست بطلاق.
ويجاب عنه: بأن ظاهره أنه من قضاء النبي عَّ له لأنه عطفه على ما قبله
صَلىالله
من قضاء النبي عَالِ .
الثامن: أن يكون المتن فعلاً جرى في حياة النبي.
فيقول المخالف: يحتمل أن لا يكون النبي ◌َّ ◌ُلِّ علمه، فلا يكون حجة.
مثاله: ما روى أبو سعيد قال: (كنا نخرج على عهد رسول الله عَ ليه
صاعاً من تمر، صاعاً من شعير، صاعاً من دقيق)(١).
= وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده (٦/٤) رقم الحديث (٢١٣١) بتحقيق الشيخ أحمد
شاكر حيث قال في تعليق على هذا الحديث: (إسناده صحيح).
وأخرجه البيهقي في كتاب اللعان، باب: الزوج يقذف زوجته ... (٣٩٣/٧).
وأخرجه الطيالسي في أول كتاب اللعان، (٣١٩/١).
(١) هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الزكاة، باب: كم يؤدى في صدقة
الفطر؟ (٢٦٩/٢) رقم الحديث (١٦١٨) ولفظه: ( .. عن ابن عجلان سمع عياضاً،
قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: لا أخرج أبداً إلا صاعاً، إنا كنا نخرج على
عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعَ تمرٍ أو شعير أو أقط أو زبيب)
هذا حديث يحيى، زاد سفيان: (أوصاعاً من دقيق) قال حامد: فأنكروا عليه، فتركه
سفيان.
قال أبو داود: (فهذه الزيادة وَهْم من ابن عيينة).
وأخرجه البيهقي في سنته في كتاب الزكاة، باب: من قال يجزىء إخراج الدقيق
في زكاة الفطر (١٧٢/٤) عن أبي داود بمثل لفظه.
ثم قال البيهقي بعد ذلك: (رواه جماعة عن ابن عجلان، منهم: حاتم بن إسماعيل،
ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم في الصحيح، ويحيى القطان وأبو خالد الأحمر وحماد
ابن مسعدة وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم الدقيق، غير سفيان وقد أنكر عليه، =
١٥٠١

فقال مخالفنا: يحتمل أن يكون فعلوا ذلك بغير علم النبي عليه
بإخراجهم الدقيق.
فنجيب عنه: بأنه لا يجوز أن يخفى ذلك على رسول الله عَ لّه لأن
الصدقات كانت تحمل إليه.
ولأن هذا إخبار عن دوام الفعل فيقتضي زماناً طويلاً.
ومن جوز أن يخفى على النبي عێ مثل ذلك، فقد ادعى خلاف ما جرت
به العادة.
ولأنه لا يجوز أن يسقطوا فرضاً وجب عليهم بآرائهم.
الاعتراض الرابع وهو دعوى النسخ
مثل ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (هل هو إلا بَضْعة
منك، أو مُضْغة منك)(١).
= فتركه، وروي عن محمد بن سيرين عن ابن عباس مرسلاً موقوفاً على طريق التوهم،
وليس بثابت. وروي من أوجه ضعيفة لا تَسْوى ذكرها).
وأخرجه الدارقطني في سننه في كتاب زكاة الفطر (١٤٦/٢) بلفظين، أحدهما:
عن أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم في صدقة الفطر:
(صاع من زبيب، صاع من تمر، صاع من أقط، صاع من دقيق).
واللفظ الثاني ذكر فيه موضع الشاهد، وهو: (صاع من دقيق).
وفي آخره: أن أبا الفضل قال: (فقال له علي بن المديني، وهو معنا: يا أبا محمد
[يعني: سفيان بن عيينة] أحد لا يذكر في هذا الدقيق؟ قال: بلى هو فيه).
وهذا يدل على أن سفيان بن عيينة لم يترك هذه الزيادة كما ذكر في المراجع السابقة.
وانظر: نيل الأوطار (٢٠١/٤).
(١) هذا الحديث سبق تخريجه، وقد ذكره المؤلف بلفظ: (لا وضوء من مسِّه)
(٨٣٢/٣).
١٥٠٢

فيقول: إنه منسوخ لقول النبي عَ له: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى
ذَكَرِه ليس بينه وبينه شىء فليتوضأ)(١). لأنه رواه أبو هريرة وهو
متأخر .
قال أبو هريرة: (صحبت رسول الله عَ له ثلاث سنوات)(٢).
وقوله: (هل هو إلا بَضْعة منك) متقدم.
فإن قيس بن طَلْق روى عن أبيه(٣) أنه قال: (قدمت على رسول الله عَليه
وهو يؤسس مسجدَ المدينة(٤).
فوجب أن يُنسخَ المتقدمُ بالمتأخر.
وكذلك قوله: (يستأنف الفريضة)(٥). منسوخ بقوله: (فإذا زادت الإِبلُ
(١) سبق تخريجه (٨٣٢/٣) وقد ذكره المؤلف بلفظ: (وجوب الوضوء من مسِّه).
وهناك بينًا أقوال العلماء في المسألة.
وانظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ الحازمي ص (٧).
(٢) أخرج هذا الأثر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ابن سعد في طبقاته في ترجمة
أبي هريرة - رضي الله عنه - (٣٢٧/٤) وفيه زيادة: (ما كنت سنوات قط
أعقل مني، ولا أحب إلَّي من أن أُعِي ما يقول رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - مني فيهن).
وأخرجه بسند آخر بلفظ ( ..... عن حميد بن عبد الرحمن قال: صحب أبو هريرة
النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع سنين).
(٣)
هو: طَلْق بن علي، وقد سبقت ترجمته وترجمة ابنه قيس.
(٤) أخرج هذا ابن سعد في طبقاته (٥٥٢/٥) في ترجمة طَلْق بن على، رضي الله
عنه .
وانظر: تهذيب التهذيب (٣٣/٥).
(٥) سبق تخريجه (١٠١٣/١).
١٥٠٣

٠
على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقّة)(١)؛ لأنه
عمل به أبو بكر [٢٣١/ب] وعمر - رضي الله عنهما -. فدل على أنه غير
منسوخ، فوجب نسخ الاستئناف لذلك.
ومثل هذا كثير.
الاعتراض الخامس وهو معارضته بغيره
ويكون الجواب عنه بأن يُسقط معارضته ، أو يرجح خبرَه على ما
تقدم بيانه .
(١) هذا جزء من حديث رواه أنس - رضي الله عنه - أن أبابكر - رضي الله
عنه - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: (بسم الله الرحمن الرحيم.
هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على
المسلمين ..... ). الحديث.
أخرجه عنه البخاري في كتاب الزكاة، باب: زكاة الغنم (١٣٩/٢).
وأخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب: في زكاة السائمة (٢١٤/٢) رقم الحديث
(١٥٦٧).
وأخرجه النَّسائي في كتاب الزكاة، باب زكاة الإِبل (١٧/٥) رقم الحديث
(٢٤٤٥).
وأخرجه ابن ماجة في كتاب الزكاة، باب: إذا أخذ المصدق سناً دون سن أو فوق
سن (٥٧٥/١) رقم الحديث (١٨٠٠).
وأخرجه البيهقي في كتاب الزكاة، باب: كيف فرض الصدقة (٨٦/٤).
وأخرجه الدارقطني في كتاب الزكاة، باب: زكاة الإِبل والغنم (١١٣/٢).
وأخرجه الحاكم في كتاب الزكاة، (٣٩٠/١).
وانظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ للحازمي ص (١٠).
١٥٠٤
:

[ الاعتراض على الاستدلال بالإجماع ]
فإن كان دليله الإجماع فالاعتراض عليه بثلاثة أوجه: (١)
أحدها: بأن يطالبه ببيان ظهور القول لكل مجتهد من الصحابة.
ومثاله: ما روي عن عمر أنه كتب إلى عمّاله في خمور أهل الذمة (ولُّوهم
بيعَها، وخذوا منهم عُشْرِ أَمانِها)(٢).
فيحتج به أصحاب أبي حنيفة على أن الخمر مال في حق أهل الذمة، يصح
(١) ذكر بعض الأصوليين كالشيرازي: أن الاعتراضات هنا على أربعة أوجه، ترك
المؤلف الوجه الأول منها، وهو: الرد، وهو من ثلاثة أوجه:
الأول: رد الرافضة الإجماع؛ فإنه عندهم ليس بحجة، ويرد عليهم: بأن الإجماع
أصل من أصول الدين.
الثاني: رد أهل الظاهر إجماع غير الصحابة، ورد عليهم بأن ذلك أصل.
الثالث: رد أهل الظاهر الإجماع السكوتي، ويرد عليهم: أنه حجة.
انظر: المعونة في الجدل ص (٧٩).
(٢) هذا الأثر أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن عمر - رضي الله عنهما - في كتاب
الجزية، باب: لا يأخذ منهم في الجزية خمراً ولا خنزيراً (٢٠٦/٩) ولفظ الشاهد
فيه: (لا تأخذوا في جزيتهم الخمر والخنازير، ولكن خلوا بينهم وبين بيعها، فإذا
باعوها، فخذوا أثمانها في جزيتهم).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن سويد بن غفلة عن عمر في كتاب أهل الكتاب
باب: أخذ الجزية من الخمر (٢٣/٦) رقم الأثر (٩٨٨٦)، وليس فيه: (خذوا منهم
عُشْرِ أثمانها).
وأخرجه أيضاً في الموضع السابق، رقم (٩٨٨٧) بلفظ: (عن إبراهيم قال: إذا مّ
أهل الذمة بالخمر أخذَ منها العاشرُ العشر، يقومها، ثم يأخذ من قيمتها).
وقد أعاده عبد الرزاق (٣٦٩/١٠) برقم (١٩٣٩٦) ورقم (١٩٣٩٧).
وأخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه (٤٩/٢).
١٥٠٥

بيعهم لها، وتملكهم لثمنها(١).
فإن كان الاحتجاج بإجماعهم على ذلك طولبوا بظهور هذا القول من
عمر وإنتشاره حتى عرفه كل مجتهد منهم، وسكت عن مخالفته. وإذا لم
يتمكنوا من ذلك بطل دعوى الإجماع.
الثاني: أن يبين ظهور خلاف بعضهم للقائل.
وإذا اختلفوا وجب الرجوع إلى الدليل.
وذلك مثل: دعوى المخالف إجماع الصحابة على منع صيام يوم الشك،
فروي تحريمه عن علي وعائشة وابن عباس خلاف ذلك(٢) وأن بعضهم قال:
(لأن أصومَ يوماً من شعبان أحب إلَّي من أن أفطر يوماً من رمضان)(٣).
(١) وهو كما قال.
انظر: حاشية ابن عابدين (٥٦/٥).
(٢) النص هنا فيه خلل، فعلّ - رضي الله عنه - نُقل عنه القول بالجواز - كما
سيأتي في تخريج الأثر. وهو ما ذكره ابن قدامة في المغني (٩٠/٣)، ونقله عنه
إبن القيم في زاد المعاد (٤٢/٢)، كما حُكي عنه القول بالمنع (٤٦/٢)، وهو ما
رواه البيهقي في سننه (٢٠٩/٤).
أما عائشة فالمنقول عنها الجواز، كما في تخريج الأثر الآتي، وكما في المراجع السابقة.
وأما ابن عباس فقد نقل عنه البيهقي أنه كان يمنع ذلك (٢٠٧/٤).
(٣) هذا الأثر قالته عائشة - رضي الله عنها - أخرجه عنها الإِمام أحمد في مسنده
(١٢٥/٦) ضمن حديث سئلت فيه عن مسائل عدة، ومنها مسألة صيام يوم
الشك.
قال الألباني: في الإِرواء (١١/٤) (سنده صحيح).
وذكر الألباني في المرجع السابق أن سعيد بن منصور روى هذا الأثر، ثم قال:
(لا يصح سنده).
وأخرجه عنها البيهقي في سننه في كتاب الصيام، باب: من رّص من الصحابة
في صوم يوم الشك (٢١١/٤).
١٥٠٦
=

الثالث: أن يعترض على قول المجمعين أن يكونوا صرحوا بالحكم بمثل ما
يعترض على لفظ السنة.
[ الاعتراض على الاستدلال بالقياس ]
وإذا كان دليله الذي احتج به هو القياس، فإن الاعتراض عليه من
اثني عشر(١) وجهاً:
أحدها: إنكار علة الأصل على مذهب نفسه، أو على مذهب المعلِّل.
الثاني: إنكار علة الفرع.
الثالث: إنكار العلة فيهما(٢).
الرابع: إنكار حكم الأصل.
الخامس: أن لا يتعدى حكم الأصل إلى الفرع.
= وأخرجه أيضاً بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه.
وأخرجه عن علي - رضي الله عنه - الإِمام الشافعي، كما في بدائع المنن في جمع
وترتيب مسند الشافعي والسنن (٢٥١/١) ولفظه: (أن رجلاً شهد عند
علي - رضي الله عنه - على رؤية هلال رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس
أن يصوموا وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان).
قال محققا زاد المعاد (٤٣/٢) هامش (٢): (فيه انقطاع).
ولقد بحث الإِمام ابن القيم هذه المسألة بحثاً قيماً في كتابه المذكور آنفاً، فارجع
إليه فإنه مفيد.
(١) راجع في هذه الاعتراضات: الجدل لابن عقيل ص (٣٨) والمعونة ص (٩٠)
والمنهاج في ترتيب الحجاج ص (١٤٨).
وقد ترك المؤلف الاعتراض من جهة الرد، إما برده مطلقاً، كما هو مذهب الظاهرية.
وإما برده في بعض المواضع.
انظر المراجع السابقة.
(٢) في الأصل: (فيها) والمراد: إنكار العلة في الأصل والفرع.
١٥٠٧
L

السادس: أن يطالب بتصحيح العلة في الأصل.
السابع: أن يقول بموجب العلة.
الثامن: أن ينقض علته.
التاسع: أن يطالب بتفسير علته.
العاشر: أن يقول: إنه مخالف للقرآن أو السنة أو الإجماع أو قول الصحابي
على قول من يقدمه على القياس، وإذا كان يوجب زيادة في النص.
الحادي عشر: أن يقلب علته.
والثاني عشر: أن يعارضه بعلة أخرى من أصله أو بقياس مبتدأ على
أصل غيره.
فأما إنكار علة الأصل، فمثل: أن يقول أصحاب أبي حنيفة في وجوب
إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر. أصله: زكاة التجارة (١).
والعلة في الأصل غير مسلَّمة؛ لأن زكاة التجارة لا يجب إخراجها عن
العبد، وإنما يجب إخراجها عن قيمته [٢٣٢/أ].
ألا ترى أن قيمته لو كانت في متاع التجارة لوجب عليه إخراج
الزكاة عليها.
(١) العلة عند الحنفية هنا هي: المؤنة والولاية، سواء أكان العبد مسلماً أم كافراً، ولا
يحملون المطلق في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أمر بصدقة الفطر عن الصغير
والكبير والعبد ممن تمونون) على المقيد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فرض
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر في رمضان صاعاً من تمر، أو
صاعاً من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين).
وتعليلهم في ذلك: أن الأسباب إذا تعددت لا تزاحم بينها، كالملك يثبت بالبيع
والهبة والإِرث ونحو ذلك.
انظر: شرح فتح القدير (٢٨٤/٢) وحاشية ابن عابدين (٢٦٣/٢).
وراجع: الجدل لابن عقيل ص(٤٥).
١٥٠٨

وإن قال: يجب إخراجها بسبب العبد.
قيل: لا يجب بسبب العبد وإنما يجب بسبب قيمته.
وأما عدم العلة في الأصل على مذهب المعلِّل فإنه يقل وجوده.
وذلك مثل قول أصحاب أبي حنيفة في تحريم اللعان: فُرقة يختص بالقول،
فوجب أن لا يتأَبَّدَ تحريمه. أصله: الطلاق(١).
وعلة الأصل معدومة عنده؛ لأن عند المخالف الطلاق لا يختص بالقول،
فإنه يقع بالكتابة مع النية ممن هو ناطق متمكن من القول.
وهذا الإِنكار على الأصلين جميعاً؛ لأن عندنا أن الطلاق لا يختص بالقول،
ويقع بالكتابة من غير نية.
وأما إنكار العلة في الفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة في القارن إذا
قتل الصيد: إنه أدخل النقصَ على إحرامين بقتل الصيد، فلزمه جزاءان(٢).
أصله: إذا قتل صيداً في إحرام الحج، ثم قتل صيداً في إحرام العمرة.
فالعلة معدومة في الفرع؛ لأن القارن مُحرِم بإحرام واحد، ويكون ذلك
بمنزلة من باع عبدين بثمن واحد، فيكون البيع واحداً وإن كان المبيع اثنين،
وكذلك إذا عقَد إحراماً واحداً(٣)، وإن كان المعقود عليه اثنين.
(١) هذه المسألة فيها خلاف.
انظر: تحفة الفقهاء (٢٢٢/٢) وشرح فتح القدير (٢٨٦/٤) وحاشية ابن عابدين
(٤٨٣/٣).
وراجع: الجدل ص (٤٥).
(٢) هو كذلك في شرح فتح القدير (١٠٤/٣) وحاشية ابن عابدين (٥٧٧/٢).
(٣) في الأصل: (إذا عقد الإِحرام واحد).
١٥٠٩
L

وأما إنكار العلة في الأصل والفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة: إذا
لم يصم المتمتع في الحج سقط الصوم(١)؛ لأنه بدل موجب، فوجب أن يسقط
بفوات وقته. أصله: الجمعة.
وعلة الأصل غير مسلَّمة؛ لأن الجمعة ليست ببدل عن الظهر، وإنما الظهر
بدل عن الجمعة؛ لأن البدل ما وجب الانتقال إليه لتعذر غيره.
وكذلك علة الفرع غير مسلَّمة؛ لأن صوم الثلاثة بدل غير مؤقت؛ لأنه
مأمور في الحج دون الزمان، والمؤقت ما حصر فعله بوقت بعينه.
ومثل قولهم في إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر: عبدٌ يجب إخراج
زكاة التجارة عنه، فوجب إخراج زكاة الفطر عنه. أصله: العبدُ المسلم(٢).
ووجوب زكاه التجارة عن العبد المسلم وعن العبد الكافر غير مسلَّم.
وأما إنكار الحكم في الأصل، مثل: أن يقول أصحاب أبي حنيفة في جلد
الكلب: بأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فيطهر جلدُه
بالدباغ(٣). أصله: ما يؤكل لحمه.
(١) عبارة صاحب الهداية (٥٣٠/٢) مطبوع مع شرح فتح القدير: (فإن فاته الصوم
حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم).
(٢)
انظر: شرح فتح القدير (٢٨٤/٢) وحاشية ابن عابدين (٢٦٣/٢).
(٣)
الكلب عند الإمام أبي حنيفة ليس بنجس العين، وعلى هذا جرت الفتوى، وعليه
فيباع، ويؤجر، ويضمن، ويتخذ جلده مصلى ودلواً، يعني: إذا دبغ. هكذا في الدر
المختار وشرحه تنوير الأبصار (٢٠٨/١) مع حاشية ابن عابدين.
وذكر السمرقندي في تحفته (٥٣/١) أن هناك قولين لأصحابه:
الأول: أنه نجس العين، فهو والخنزير سواء.
والثاني: ليس بنجس العين، فهو وسائر الحيوانات سواء، ثم قال: (وهذا أصح).
ثم قال في ص (٧١): (أما الدباغ، فتطهير في الجلود كلها، إلا في جلد الإنسان
والخنزير عند عامة العلماء).
١٥١٠

الحكم غير مسلَّم في الأصل ؛ لأن ما يؤكل لحمُه لا يطهر جلدُه
بالدباغ عندنا(١).
وأما حكم الأصل إذا لم يتعدَّ إلى الفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة
[٢٣٢/ب] في ضم الذهب إلى الوَرق: إنهما قِيَم المتلفات، فوجب ضمُّ
أحدهما إلى الآخر(٢) قياساً على الصحاح والمكسَّرة، والضمُّ في الأصل
بالأجزاء، والضمُّ عندهم بالقيمة(٣)، وهما ضمَّان مختلفان، ولا يجوز أن يثبت
في الفرع غير حكم(٤) الأصل؛ لأن علة الأصل تتعدى إلى الفرع، فيتعدى
بها الحكم المتعلِّق بها، وهذا على أصلنا يصح؛ لأن الضم يحصل في الأصل
والفرع بالأجزاء(٥).
(١) هكذا نقل الجماعة عن الإِمام أحمد، منهم صالح وعبد الله والأثرم وحنبل وابن
منصور وأبو الصقر.
ونقل الصاغاني عنه: أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان طاهر حال الحياة.
انظر: كتاب الروايتين والوجهين للمؤلف (٦٦/١).
(٢) هو كذلك.
انظر التحفة (٢٦٦/١).
(٣) هذا هو رأي الإِمام أبي حنيفة - رحمه الله - .
أما عند أبي يوسف ومحمد فالضم باعتبار الأجزاء
وانظر: المرجع السابق (٢٦٧/١).
(٤) ويمكن الجواب عن هذا بأن يقال: (ألحقت حكم الفرع بالأصل في وجوب الضم،
فلا يلزمني استواؤهما في صفة الضم).
أفاده ابن عقيل في كتابه: الجدل ص (٤٤).
(٥) هو كذلك.
قال في الروض المربع (٣٨١/١): (ويضم جيد كل جنس ومضروبه إلى رديئه
وتبره، ويخرج من كل نوع بحصته، والأفضل من الأعلى، ويجزىء إخراج رديء
عن أعلى مع الفضل).
١٥١١.
=

وأما المطالبة بتصحيح العلة في الأصل فنقضها والقول بموجبها. وقد سبق
الكلام عليه في باب العلم الدال على صحة العلة والاعتراض عليها.
وأما المطالبة بتفسير لفظ العلة، فمثل: قول أصحاب الشافعي في صوف
الميتة: متصل بذي روح ينمو بنمائه، فوجب أن ينجس بنجاستِه بموته(١).
قلنا لهم: قولك: (بموته)) إما أن تريد به موت الأصل أو موت الشَّعَر.
فإن أردت به موت الشعر، لم نسلِّمه؛ لأن الشعر لا حياة فيه فيموت.
وإن أردت به موت الأصل لم يصح على أصلك؛ لأن عندك إنما ينجس
بمفارقة الروح، كما ينجس العضو بمفارقة الروح له، لا بمفارقة الجملة.
فكانت المطالبة به صحيحة، والإِجابة واجبة.
وأما إذا كان مخالفاً لنص القرآن أو نص السنة أو الإجماع فإنه غير
صحيح؛ لأن ذلك كله أقوى من القياس وأولى به، فوجب تقديمها عليه، وإذا
كان كذلك كان نقضاً للعلة.
وأما إذا كان موجباً للزيادة في النص، فإنه لا يصح على مذهب أبي حنيفة؛
لأن الزيادة في النص نسخ، فلا يجوز النسخ بالقياس(٢).
هذا إذا كان من جنس واحد.
=
أما إذا كان من جنسين كالذهب والفضة، فهل يضم بعضها إلى بعض؟ فيه روايتان:
الأولى: يضم؛ لأن زكاتهما ربع العشر؛ ولأنهما من جنس الأثمان.
الثانية: لا يضم؛ لأنهما جنسان، أشبه التمر والزبيب.
وعلى القول بالضم، يكون ذلك بالأجزاء، فلو ملك عشرة مثاقيل ومائة درهم،
فكل منهما نصف نصاب، ومجموعهما نصاب.
وانظر: كتاب الروايتين والوجهين (٢٤١/١).
(١) هكذا عند الشافعية.
وقد فصَّل القول في هذه المسألة النووي في المجموع (٢٧٥/١).
(٢) سبق أن تكلم المؤلف عن هذه المسألة (٨١٤/٣) من هذا الكتاب.
١٥١٢

ومثاله: أن بعضهم سُئِل عن سهم ذوي القربى فقال: سهم من الخمس،
فوجب أن يُستحق بالحاجة والفقر قياساً على سائر السهام(١).
فقيل له: فهذا يوجب الزيادة في قوله: (وَلِذِى الْقُرْبَى)(٢).
والزيادة في النص نسخ عندك، ولا يجوز نسخ القرآن بالقياس.
وكذلك إذا كان قياسه مخالفاً لقول الصحابي.
وأما قلب العلة على المعلِّل فيأتي بيانه، وكذلك بيان المعارضة من أصله
ومن غير أصله، إن شاء الله تعالى.
وهذا الذي ذكرنا جميع الاعتراضات الصحيحة.
فأما الاعتراضات الفاسدة فقد تقدم ذكرها في باب الاعتراضات.
[ المعارضة ]
وأما المعارضة(٣) فعلى أربعة أضرب:
معارضة النطق بالنطق.
(١) فالخمس عندهم يقسم أثلاثاً لليتيم والمسكين وابن السبيل، ويجوز صرفه لصنف
واحد، وذلك عند توفر سبب الاستحقاق، وهو الفقر.
انظر: التحفة (٣٠٢/٣) وحاشية ابن عابدين (١٤٩/٤).
(٢) آية (٤١) من سورة الأنفال.
(٣) راجع هذا الموضوع في: الجدل لابن عقيل ص (٦٧) والواضح له (٥٧٤/٢)
والمعونة في الجدل للشيرازي ص (٦٦، ٧٦) وشرح اللُّمع له (٩٣٦/٢) والمسؤَّدة
ص (٤٤١) ولم يتعرض المؤلف لتعريف المعارضة، وتتميماً للفائدة نذكر ذلك
باختصار.
المعارضة في اللغة: الممانعة، تقول، سرت في الطريق فعرض لي عارض، أي: مانع.
ومنه اعترض لي. وسميت المعارضة بهذا، لأنها تمنع من التمسك بالدليل.
انظر: المصباح المنير (٦١٦/٢) مادة (عرض).
أما المعارضة في الاصطلاح فقد عرَّفها ابن عقيل في كتابه الواضح (٥٩٤/٢) =
١٥١٣
أ
L

ومعارضة العلة بالعلة.
ومعارضة النطق بالعلة.
ومعارضة العلة بالنطق.
فأما معارضة [٢٣٣/أ] النطق بالنطق فقد سبق الكلام عليه في باب
الخصوص والعموم ويقيده(١)، وذلك لا يخلو من أمرين:
إما أن يكونا سواء في العموم والخصوص، أو كان أحدهما عاماً والآخر
خاصاً.
فإن كانا سواء نُظِر، فإن أمكن استعمالهما وجب ذلك.
وإن استعمل المسؤول على وجه، واستعمل السائل على وجه آخر،
وتعارضا في الظاهر، وجب على المسؤول أن يرجح استعماله، فإن عجز عنه
كان منقطعاً.
وذلك(٢) مثل أن يحتج على المنع من الجمع بين الأختين بملك اليمين بقوله
تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)(٣) ويعارضه المخالف بقوله تعالى: (أُوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)(٤).
بقوله: (وهي الجمع بين الشيئين للتسوية بينهما في الحكم).
=
وعرفها إمام الحرمين في كتابه: الكافية ص (٦٩) بأنها في عرف الفقهاء (ممانعة
الخصم بدعوى المساواة. أو مساواة الخصم في دعوى الدلالة).
وعرفها الجرجاني في كتابه التعريفات ص (١١٥) بأنها: (إقامة الدليل على خلاف
ما أقام الدليل عليه الخصم).
وهناك تعريفات كثيرة، انظرها في: إرشاد الفحول ص (٢٣٢) والحدود للباجي
ص(٧٩) والكافية في الجدل ص (٤١٨).
(١) في الأصل بدون إعجام، ولعل الصواب: (ومطلق اللفظ ومقيده).
(٢) كلمة (وذلك) مكررة في الأصل.
آية (٢٣) من سورة النساء.
(٣)
(٤) آية (٣٠) من سورة المعارج، وكلمة (ملكت) ساقطة من الأصل، وهو خطأ.
١٥١٤

فيقول المسؤول: معناه: أو ما ملكت أيمانهم في غير الجمع بين الأختين في
غير ملك اليمين.
فيحتاج المسؤول أن يرجح استعماله، ويقدمه على استعمال خصمه، بأن
يقول: روي عن عثمان أنه قال: (حرمتهما آية، وأحلتهما آية) والتحريم أولى.
ولأن قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ اْلأُخْتَيْنِ) قصد به بيان التحريم، وليس
كذلك قول: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) فإنه قصد به مدح قوم. فكان ما قصد
به بيان التحريم وبيان الحكم أولى بالتقديم، فيجب حمله على ظاهره وترتيب
الآية الأخرى عليه.
وإن تعذر استعمالهما، فإن عرف التاريخ وجب تقديم المتأخر منهما لما
روى ابن عباس أنه قال: (كنا نأخذ من أمر رسول الله عَّ له بالأحدث
فالأحدث)(١).
(١) هذا الأثر أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام، باب: جواز الصوم والفطر
في شهر رمضان للمسافر ... (٧٨٤/٢) رقم الحديث (١١١٣) ولفظه: ( ... عن
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أخبره
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح في رمضان. فصام حتى
بلغ الكُدَيد، ثم أفطر. وكان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعون
الأحدث فالأحدث من أمره).
وأخرجه بسند آخر، ثم قال: (قال يحيى: قال سفيان: لا أدري من قول من هو؟
وكان يؤخذ بالآخر من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -).
وأخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الصيام باب: الصوم في السفر (٣٤١/١)
رقم (١٧١٥) بمثل لفظ مسلم.
وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة الفتح في رمضان، كما في الفتح
(٣/٨) رقم الحديث (٤٢٧٦) وجعل الأثر من قول الزهري حيث قال في آخر
الحديث: (قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الآخر
فالآخر).
=
١٥١٥
( العدة فى أصول الفقه - ٩٦ )
L

ولأن المتأخر أقوى من المتقدم؛ لأن المتقدم يجوز أن يكون منسوخاً
بالمتأخر، ولا يجوز أن يكون المتأخر منسوخاً بالمتقدم، فوجب تقديم المتأخر.
وإن جهل التاريخ وجب تقديم أحدهما على الآخر بضرب من ضروب
الترجيحات التي ذكرناها في باب ترجيحات الأخبار. وقد تقدم ذلك(١).
وأما إذا كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فلا يخلو الخاص من أحد أمرين:
إما أن يكون موافقاً للعام أو منافياً له.
فإن كان منافياً له وجب تخصيص العام به، سواء تقدم العام على الخاص،
أو تأخر عنه، أو جُهل التاريخ.
وذلك مثل قوله: (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)(٢) وقوله:
(وَالْمُحْصَنَاتٍ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(٣) وقوله: (وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)(٤) وقول النبي - عليه السلام -: (لاقطع إلا في
ربع دينار) وقد حكينا الخلاف في ذلك فيما تقدم(٥).
وإن كان الخاص موافقاً للعام فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن یکونا في حکمین، أو في حكم واحد.
= وما جزم به البخاري هنا جزم به الحافظ بن حجر في الفتح (١٨١/٤)، وحكم
بأنها وقعت مدرجة عند مسلم.
وعلى هذا فالأثر ليس لابن عباس، وإنما هو من قول الزهري. والله أعلم.
وقد سبق أن ذكر المؤلف هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنه -
(١٠٤٠/٣) ولكن فاتني تخريجه هناك.
انظر: (١٠١٩/٣) من هذا الكتاب.
(١)
آية (٢٢١) من سورة البقرة.
(٢)
آية (٥) من سورة المائدة.
(٣)
اية (٣٨) من سورة المائدة.
(٤)
(٥) انظر: (٦١٥/٢) من هذا الكتاب.
١٥١٦
1
٠

فإن كانا في حكمين: مثل قوله في كفارة الظهار: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)(١) مع
قوله تعالى في كفارة القتل: (فَتَحْرِيرُ رَقَةٍ مُؤْمِنَةٍ)(٢). فإنه يحمل المطلق على
المقيد من طريق اللغة وقد حكينا أيضاً الخلاف في ذلك(٣).
وإن كانا في حكم واحد فلا يخلو الخاص من أحد أمرين:
إما أن يكون له دليل خطاب، أو لا دليل له.
فإن لم يكن له دليل خطاب كان الخاص داخلاً في العام، وكان ذكراً
لبعض ما شمله العموم، فيكون ما تناوله الخاص ثابتاً بالخاص والعام، وما زاد
على ذلك ثابتاً بالعام دون الخاص.
مثاله: ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: (من أفطر في رمضان
فعليه ما على المظاهر).
وقضى في الذي وقع على امرأته بتحرير رقبة (٤) فثبتت الكفارة بالخبر.
وإن كان له دليل خطاب، فإنه يقضى بدليل خطابه على العام، فيخرج ما
تناوله منه دلیله.
وقد ذكرنا مثال ذلك، والوجه فيه ما تقدم في باب الخصوص والعموم بما
فيه کفایة(٥).
ومثاله: قوله: (في أربعين شاةٌ شاةٌ) مع قوله: (في سائمة الزكاة) فتخرج
المعلوفة من قوله: (في أربعين شاةً شاةٌ).
(١) آية (٣) من سورة المجادلة.
(٢) آية (٩٢) من سورة النساء.
(٣)
انظر: (٦٣٧/٢) من هذا الكتاب.
هذه إشارة إلى حديث الأعرابي الذي واقع زوجته في نهار رمضان، فجاء إلى
(٤)
النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: (هلكتُ وأهلكتُ)، وقد سبق تخريجه.
(٥) انظر: (٥٧٨/٢) من هذا الكتاب.
١٥١٧
L

وأما معارضة النطق بالعلة ومعارضة العلة بالنطق:
فإنه ينظر في النطق: فإن كان نصاً لا يحتمل إلا معنى واحداً، فإنه يجب
ترك القياس له، سواء كان النطق من القرآن أو من السنة المتواترة أو من خبر
الواحد.
وقد حكينا خلاف أصحاب مالك وأن القياس مقدم على خبر الواحد(١).
وإن كان النطق عاماً أو ظاهراً: فقد حكينا اختلاف الروايتين، واختلاف
الفقهاء، وأن منهم من قال: يجب ترك القياس.
ومنهم من قال: يخص العام به، ويصرف الظاهر عن ظاهره. وذكرنا الوجه
في ذلك(٢).
وأما معارضة العلة بالعلة:
فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون من أصلين، أو من أصل واحد.
فإن كانت من أصلين: مثل أن يقول أصحاب أبي حنيفة: طهارة بالماء،
فوجب أن لا تفتقرَ إلى النية قياساً على إزالة النجاسة.
ونعارضه، فنقول: طهارة من خبث، فلا يصح بغير نية. أصله: التيمم.
ومثل ذلك كثير.
والجواب عن ذلك: أن [نبطل] قياس المخالف بوجه من وجوه الإِفساد التي
ذكرناها، أو يرجح قياسه بوجه من وجوه الترجيحات التي نذكرها فيما بعد
إن شاء الله تعالى.
وإن كانت من أصل واحد فلا يخلو: من أن تكون بعلة غير علته أو بعلته،
وإن تعلق عليها غير حكمها.
(١) انظر: (٨٨٩/٣) من هذا الكتاب.
(٢) انظر: (٥٥٩/٢) من هذا الكتاب.
١٥١٨
أ
1

فإن كانت بعلة أخرى فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون بعلة [٢٣٤/أ] واقفة، أو علة متعدية.
فإن كانت واقفة، مثل أن يقول: يصح ظهار(١) الذمي؛ لأنه زوج يصح
طلاقه، فوجب أن يصح ظهاره کالمسلِم.
فيقول الخصم: المعنى في الأصل أنه يصح تكفيره بالصوم فصح ظهاره،
وليس كذلك الذمي، فإنه لا يصح تكفيره بالصوم فلا يصح ظهاره.
فإن المبتدىء بالعلة ينظر فيه، فإن كان المعارض لا يقول بعلة واقفة لم
تصح المعارضة؛ لأنه لا يجوز أن يحتج بما لا يقول به.
والمعارض يقول: ليست العلة التي نصبها الله تعالى وعلَّق حكمه عليها ما
ذكره المبتدىء بالعلة، وإنما هي غيرها، فلا يجوز أن يذكر ما يقُّ هو بفساده.
وإن كان المعارض يقول بالعلة الواقفة: قد قيل إن المبتدىء بالعلة يقول:
أنا أقول بالعلتين جميعاً؛ لأنهما لا يتعارضان، فإن موجب العكس في الأصل
واجب في الفرع، يوجد أحدهما وهي المتعدية، ولا يوجد الأخرى وهي
الواقفة، فيجب أن يحكم بالمتعدية إليه، ولا تعارضه الواقفة؛ لأنها غير
موجودة فيه.
وقيل: لا ينبغي أن يقول: أقول بالعلتين؛ لأنه إقرار بصحة علة الخصم
والشهادة لها. ولا حاجة به إلى ذلك. ولكنه يقول: علتك لا تعارض علتي
لما قدمته، وهو أن موجبهما أصل واحد، وفي الفرع توجد المتعدية، ولا توجد
الواقفة، فلا يجوز أن يتعارضا في الأصل ولا في الفرع، فلا يكون الخصم بهذه
العلة معارضاً.
فإن قيل: العلة الواقفة تعارض المتعدية في الفرع؛ لأن زوال العلة يوجب
(١) في الأصل: (ظهاره).
١٥١٩

زوال الحكم، فيوجب أن يكون الذمي لا يصح ظهاره.
قيل: زوال العلة يوجب زوال الحكم المتعلق بها ولا يوجب ضد حكمها.
فإذا كان الحكم متعلقاً بعلتين فزالت إحداهما زال الحكم المتعلق بها، وبقي
الحكم متعلقاً بالعلة الأخرى لا تعارضها العلة الزائلة، ولا يوجب ضد حكمها.
ألا ترى أن الحائض والمُخْرِمة بالحج يحرمُ وطؤها لحيضها ولإِحرامها، فإذا
انقطع حيضُها بقي تحريم وطئها متعلقاً بالإِحرام.
وإن عارضه بعلة متعدية فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون داخلة في علته أو غير داخلة فيها.
فإن كانت داخلة في علته: مثل تعليل مالك تحريم التفاضل بالقوت(١)، مع
تعلیل أحمد - رحمه الله - بالكيل.
والجواب عنه كالجواب عن العلة الواقفة؛ لأن القوت داخل في الكيل.
وإن كانت خارجة عن علته ومتعدية إلى فروع لا يقول بها، لأنها(٢)
تتعدى إلى فروع لا يجري فيها(٣) الربا عند مالك(٤) والشافعي(٥) مثل الخُضَر
وغيرها(٦).
فإذا [٢٣٤/ب] كان كذلك كان الجواب عنه إفساد علته أو يرجح(٧)
علته على علة خصمه، كما قلنا في العلة المعارضة من غير أصلها.
(١) انظر في هذا: الكافي لابن عبد البر (٣٠٤/١).
(٢) في الأصل: (لأنه).
(٣) في الأصل: (فيه).
(٤) انظر: المرجع السابق (٣٠٧/١) حيث قال: (ولا زكاة في البقول، ولا في الخضر،
ولا فيما لا يدخر ولا يقتات من الفواكه وغيرها).
(٥) انظر: المجموع للنووي (٤٤٤/٥).
(٦) في الأصل: (وغيره).
(٧) في الأصل (يرجع).
١٥٢٠