Indexed OCR Text
Pages 1461-1480
مثاله: إذا قال أصحاب أبي حنيفة فيمن تيمَّم لشدة البرد وصلى: لا يعيد؛ لأنه مأمور بالصلاة، فوجب أن لا يؤمر بقضائها، قياساً على الصلاة بالوضوء(١). أو المريض إذا تيمَّم، فنقض ذلك عليه بالمحبوس في المِصْر عن الماء، فإنه یتیمَّم، ويصلي، ویعید. فقال: لا يعيد في إحدى الروايتين. فقال له: هذا مذهب زُفَر (٢) وليس هذا بمذهب أبي حنيفة(٣). وذكره الطحاوي (٤) في اختلاف الفقهاء(٥). فصل إذا نقض على خصمه، ثم رجع إلى مناكرتها لم يقبل منه(٦). (١) انظر تفصيل القول في هذه المسألة: بدائع الصنائع (١٨٨/١). (٢) هو: زُفَر بن الهذيْل بن قيس بن سلم أبو الهذيْل العنبري، الفقيه المجتهد. أحد تلاميذ الإِمام أبي حنيفة المشهورين. كان من أذكياء الوقت. جمع بين العلم والعمل. مات سنة (١٥٨ هـ). له ترجمة في: تاريخ ابن معين (١٧٢/٢) وسير أعلام النبلاء (٣٥/٨) وشذرات الذهب (٢٤٣/١). (٣) راجع هذه المسألة في: بدائع الصنائع (١٩٢/١). (٤) هو: أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي، الفقيه المحدث، صاحب التصانيف الكثيرة. أخذ العلم عن أبي جعفر بن عمران وأبي حازم وغيرهما. له مؤلفات منها: شرح معاني الآثار، والشروط، واختلاف العلماء. ولد سنة (٢٣٨) ومات سنة (٣٢١هـ). له ترجمة في: تذكرة الحفاظ (٨٠٨/٣) وسير أعلام النبلاء (٢٧/١٥)، وطبقات الحفاظ ص (٣٣٧). (٥) ذكره منسوباً إليه: في سير أعلام النبلاء الموضع السابق، والأعلام (٢٠٦/١)، وذكر الأخير أنه مخطوط، ويوجد منه الجزء الثاني في دار الكتب المصرية بالقاهرة. (٦) راجع في هذه المسألة: المسوّدة ص (٤٣٧). ١٤٦١ L مثاله ما قاله بعضهم في فُرْقة اللعان: إنها فُرْقة تتعلق بسبب من جهة الزوج تختص النكاح، فوجب أن تكون طلاقاً. أصله: فُرْقة الطلاق. فقال له خصمه: إنه منتقض بمن زوج ابن أخيه وهو صغير، فإن له خياراً [عند] بلوغه، وليس بطلاق. فقال: قد قلت لا يختص النكاح؛ لأنه يثبت مثل ذلك في إجازة المولى عليه؛ لأن الصغير إذا أجَّره أبوه أو وليه ثم بلغ كان له فسخ الاجارة، فلا يختص بالنكاح. فقال له خصمه: وكذلك عندي لا يختص اللعان بالنكاح؛ لأنه يجوز أن يلاعن في نكاح فاسد ووطء شبهة، إذا كان لها ولد يريد نفيه. وهذا مناكرة بعد مناقضة. وإنما لا يقبل منه؛ لأن النقض تسليم للعلة واعتراف بوجودها، فإذا أنكرها بعد الاعتراف بها لم يقبل رجوعه عما اعترف به. فصل. القول بموجب(١) العلة يبطل احتجاج المعلل به (٢). (١) الموجَب بفتح الجيم: ما أوجبه دليل المستدل. وبكسر الجيم: الدليل؛ لأنه الموجب للحكم. انظر: شرح الكوكب المنير (٣٣٩/٤). راجع هذه المسألة في التمهيد (١٨٦/٤) والواضح (١١٣١/٣) وروضة الناظر (٣٩٥/٢) وشرح الكوكب المنير الموضع السابق. والقول بالموجب هو - كما يقول صاحب الإبهاج (١٤١/٣) -: (تسليم مقتضى ما نصبه المستدل دليلاً لحكم، مع بقاء الخلاف بينهما فيه). (٢) العلة هنا ضربان: أحدهما: أن يستدل بها لإِثبات مذهبه. = ١٤٦٢ : لأنه إذا قال بموجبها كانت العلة في موضع الإِجماع، ولا تكون متناولة لموضع الخلاف. ومثاله أن يقول في الاعتكاف: لُبْث في مكان مخصوص، فوجب أن لا يكون قُرْبة بمجرده، قياساً على الوقوف بعرفة. فيقول خصمه: عندنا لا يكون اللُّبْث بمجرده قُرْبة حتى تقترن به النية. فيكون الحكم الذي علله مجمعاً عليه. وكذلك إذا قال: لا تجتمع زكاة الفطر وزكاة التجارة؛ لأنهما زكاتان مختلفتان، فلا تجتمعان في مال واحد، كزكاة السَّوْم وزكاة التجارة. فيقول خصمه: أقول بموجبه؛ لأنهما لا تجتمعان في مال واحد؛ لأن زكاة الفطر تجب عن بَدَن العبد، وزكاة التجارة تجب في قيمته، وهما مختلفتان. وأما إذا كان حكم علته عاماً، فقال بموجبها في بعض معلولاتها، لم يصح. مثاله: أن يقول: [القيام] ركن من أركان الصلاة، فلا يكون لركوب السفينة تأثير في سقوطه، كالركوع والسجود. فيقول الخصم: أقول بموجب العلة؛ لأن عندنا لا تأثير له في سقوطه إذا = والثاني: أن يستدل بها لإبطال مذهب مخالفه. والضرب الأول قسمان: أحدهما: تعليل عام، إثباتاً أو نفياً. فالإِثبات كما مثَّل المؤلف بمسألة القيام في الصلاة في السفينة. والنفي كقول الحنبلي: (في إزالة النجاسة بالخل: إنه لا يرفع الحدث، فلم يطهر النجس کالدهن. فيقول المعترض: أقول بموجبه في المائع النجس). وثانيهما: التعليل للجواز، مثاله: (قول الحنفي في الزكاة في الخيل: إنه حيوان تجوز المسابقة عليه، فجاز أن يتعلق به وجوب الزكاة كالإِبل). انظر: التمهيد (١٨٧/٤) والواضح (١١٣٣/٣). ١٤٦٣ 1 كانت السفينة واقفة، فإنه لا يجوز أن يترك القيام، وإنما يجوز إذا كانت سائرة. فيقال: إلا أن له تأثيراً في حال السير، والعلة عامة في حال الوقوف والسير جميعاً، فلم يكن قائلاً بموجبها. وكانت العلة حجة عليه في حال السير. وإذا ادعى أنه يقول بموجب العلة، ففسره بغير موجب العلة لم يصح، ووجب على المعلل بيانُه، فإذا بيَّنه سقط السؤال. وبيانه أن يقول في الحُلِّ: مال تتكرر الزكاة فيه، أو تجب الزكاة فيه بشرطي النصاب والحول. فوجب أن يكون له حالان: حال وجوب، وحال سقوط، أصله: الماشية. فيقول خصمه، إني أقول بموجب العلة؛ لأن لها حال سقوط، وهو إذا كان لصبي أو مجنون. فيقول المعلل: ليس ذلك حال المال، وإنما حال المالك. فليس ذلك قولاً بموجب العلة. وإن قال: أقول بموجب العلة فيما دون النصاب لم يصح أيضاً؛ لأن الحال يجب أن يكون في النصاب مع الحول، كما يكون للماشية، فلم يكن قولاً بموجب العلة (١) [٢٢٨/أ]. (١) عدَّ كثير من علماء الأصول القول بالموجب من مبطلات العلة؛ لأن تسليم الخصم موجب ما ذكره المستدل من الدليل مع بقاء النزاع بينهما يفضي إلى أن ما ذكره المسؤول لا يصلح دليلاً للحكم. ولم يرتض هذا التاج السبكي فقال في كتابه الإِبهاج (١٤٢/٣): (ولقائل أن يقول: هذا التقرير [يعني التوجيه السابق لكونه مبطلاً للعلة] يخرج لفظ القول بالموجب. عن إجرائه على قضيته، بل الحق أن القول بموجب الدليل تسليم له، وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين، وإليهم المرجع في ذلك، وحينئذ لا يتجه عدُّه من مبطلات العلة). وانظر: شرح الكوكب المنير (٣٤٧/٤). ١٤٦٤ باب أقسام السؤال والجواب والمعارضات السؤال(١) على أربعة أضرب(٢)، يقابل كل ضرب من (١) راجع في هذا الباب: الواضح لابن عقيل (٤٣٩/١) والمسوّدة ص (٥٥١) وشرح الكوكب (٣٧٥/٤) والكافية في الجدل ص (٦٩) والمنهاج في ترتيب الحجاج ص (٣٤) والفقيه والمتفقه (٤٠/٢) فإن هناك تشابهاً كبيراً بين الكتابين في هذا المبحث، علماً أن الخطيب البغدادي تلميذ للمؤلف. وقد سبق تعريف الجدل عند المؤلف (١٨٤/١)، وقد قال هناك: (والجدل كله سؤال وجواب). كما سبق تعريف السؤال عنده في الموضع السابق حيث قال: (السؤال هو: الاستخبار) وبمثل تعريفه عرفه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه (٢٣٠/١). وعرف ابن عقيل السؤال في كتابه الواضح (٤٤١/١) بأنه: (الطلب للإِخبار بأداته في الإِفهام). وعرفه إمام الحرمين في كتابه الكفاية ص (٦٩) بأنه (الاستدعاء) ثم ذكر بعد ذلك ثلاثة تعريفات بصيغة قيل هي: (الطلب. وقيل: استدعاء الجواب. وقيل الاستخبار). (٢) وهو ما رآه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه (٤٠/٢) وإمام الحرمين في الكفاية ص (٧٧ - ٧٨) وابن عقيل في الواضح (٤٥٠/٢). لكن ابن عقيل في موضع آخر من كتابه (٤٥٧/٢) زاد خامساً وهو سؤال الإلزام. وهو ما فعله ابن النجار الفتوحي في کتابه شرح الکو کب المنير (٣٧٥/٤) وحكاه إمام الحرمين في الكافية عن بعضهم. وزاد الباجي في كتابه: المنهاج في ترتيب الحجاج ص (٣٤) خامساً، هو: السؤال عن إثبات مذهب المسؤول. ثم قال بعد ذلك: (وعلى مذهب من أجاز التقليد تكون الأسئلة ستة، فالثالث السؤال: هل له دليل في المسألة أم هل يُقِّد فيها؟). واستثنى جمهور أهل النظر: إذا كان السائل عالماً بمذهب المسؤول فله أن يبدأ بالسؤال عن الدليل. ١٤٦٥ الجواب(١) من جهة المسؤول. أحدها: السؤال عن المذهب، فيقول السائل: ما تقول في كذا؟ فيقابله جواب من جهة المسؤول، فيقول: هكذا. والثاني: السؤال عن الدليل بأن يقول: ما دليلك عليه؟ فيقول المسؤول : كذا . والثالث: السؤال عن وجه الدليل، فيبينه المسؤول. الرابع: السؤال(٢) على سبيل الاعتراض والقدح فيه، فيجيب المسؤول عنه، ويبين بطلان اعتراضه وصحة ما ذكره من وجه دليله. فإذا ثبت هذا، فإذا سأل سائل عن حكم مطلق، نظر المسؤول فيما سأله = انظر: الكافية ص (٧٩). ومنع ابن عقيل إطلاقه حيث قال في كتابه الواضح (٤٦٥/٢): (قلت: وقد يجري في حكم الاجتهاد أن لا يسقط السؤال لجواز تغير يطرأ على المذهب الذي عُرف به فيزول ما عرفه، وذلك لعدم الثقة بالبقاء على المذهب، فلا غنى إذاً عن السؤال). وزاد إمام الحرمين في المرجع السابق ص (٨٠): أن السائل إذا كان عالماً بدليل المسؤول، فله أن يبتدىء بالطعن في دلالته. قلتُ: ومقتضى كلام ابن عقيل أن لا يسقط هذا السؤال؛ لأنه إذا لم يسقط سؤاله عن مذهبه - مع معرفته به لجواز طريان التغير على المذهب - لم يسقط سؤاله عن الدليل؛ لأن تغير المذهب يستلزم تغير الدليل. (١) عَرَّف المؤلف (١٨٤/١) الجواب بأنه: (الإِخبار). وبه عرَّفه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه (٢٣٠/١). وعرَّفه إمام الحرمين في كتابه الكافية ص (٧٠) بأنه (الخبر المضمَّن بمعنى السؤال فلا جواب إلا خبر، ومن الخبر ما لا يكون إلا جواباً). قلتُ: وتعريف إمام الحرمين أدق؛ لأنه ليس كل خبر جواباً، وإن كان كل جواب خبراً. (٢) مكررة في الأصل. ١٤٦٦ r ١ عنه، فإن كان مذهبه موافقاً لما سأل عنه من غير تفصيل فيه أطلق الجواب عنه. وإن كان عنده فيه تفصيل، كان بالخيار بين أن يفصِّله في جوابه وبين أن يقول للسائل : هذا مختلف عندي، فمنه كذا، ومنه كذا، فعن أيهما تسأل؟ فإذا ذكر أحدهما أجاب عنه، وإن أطلق الجواب كان مخطئاً(١). مثاله: أن يُسأل حنبلي عن مسِّ النساء هل ينقض الوضوء؟ وعنده إن كان لشهوة نقض، وإن كان لغير شهوة لم ينقض (٢). فيقول للسائل هذا التفصيل. وإن شاء قال : منه ما ينقض ومنه ما لا ينقض . [ فعن أيهما تسأل ] ؟ ومثل: أن يُسأل شافعي عن جلد الميتة هل يظهر بالدباغ؟ وعند المسؤول أن جلد الكلب والخنزير لا يطهر، وكذلك ما تولد منهما أو من أحدهما، ويطهر ما عدا ذلك(٣). (١) من أول الباب إلى هنا منقول بنصه في كتاب الفقيه والمتفقه (٤٠/٢). (٢) هذا هو المشهور من مذهب الإِمام أحمد، رحمه الله. وهناك رواية ثانية: أن اللمس لا ينقض الوضوء مطلقاً. وهناك رواية ثالثة: أن اللمس ينقض الوضوء مطلقاً. انظر: المغني (١٩٢/١). (٣) هذا مذهب الشافعية كما في المجموع (٢٥٤/١). ويستدلون بحديث: (أيما إهاب دُبغ فقد طهُر). ولأن الحياة تدفع النجاسة عن الجلد فكذلك الدباغ. وأما الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما فلا يطهر بالدباغ؛ لأن الدباغ كالحياة، والحياة لا تدفع النجاسة عنهما فكذلك الدباغ. انظر: المرجع السابق. ١٤٦٧ ( العدة فى أصول الفقه - ٩٣ ) فيقول للسائل هذا التفصيل. وإن شاء قال: منه ما يطهر بالدباغ ومنه ما لا يطهر. فعن أيهما تسأل؟ فأمَّا إذا أطلق الجواب وقال: يطهر بالدباغ كان مخطئاً (١). وإذا صح الجواب من جهة المسؤول قال السائل: ما الدليل عليه؟ وهو السؤال الثاني. فإذا ذكر المسؤول الدليل، فإذا كان السائل يعتقد أن ما ذكره ليس بدليل. مثل: أن يكون قد احتج بدليل الخطاب، والسائل حنفي لا يقول بدليل الخطاب، أو بالقياس، والسائل ظاهري لا يقول بالقياس فقال للمسؤول: هذا لیس بدلیل. فإن المسؤول يقول له: هذا عندي دليل، وأنت بالخيار بين أن تُسَلِّمه وبين أن تنقل الكلام إليه [٢٢٨/ب] فأُدِلُ على صحته. فإن قال السائل: لا أسلِّم لك ما احتججت به، ولا أنقل الكلام إلى أصل كان معنتاً ومطالباً بما لا يجب عليه؛ لأن المسؤول لا يلزم أن يثبت مذهبه إلا بما هو دليل عنده، ومن نازعه في دليله، دل على صحته وقال بنصرته. فإذا فعل ذلك فقد قام بما يجب عليه فيه، وإن عدل إلى دليل غيره لم يكن منقطعاً؛ لأن ذلك لعجز السائل عن الاعتراض على ما احتج به وقصوره عن القدح فيه. هذا إذا كان الدليل الذي احتج به أصلاً جلياً مشهوراً. فأما إن كان دليلاً خفياً، فنازعه السائل فيه، وامتنع من تسليمه فهو بمنزلة الجلي المشهور. (١) ذكر هذا المثال بنصه الخطيب البغدادي الشافعي في كتابه الفقيه والمتفقه (٤٠/٢). ثم أضاف بأنه جرى لأبي يوسف مع الإمام أبي حنيفة نحو هذه المسألة ثم ذكرها بسنده إلى الفضل بن غانم، وهي مسألة طريفة فيها عِظَة لطالب العلم فارجع إليها. ١٤٦٨ ٢ : وقال أبو علي الطبري(١) صاحب ((الإِفصاح))(٢): يكون المسؤول منقطعاً، ولا يجوز أن يستدل بأصل خفي إلا بعد أن يستسلمه منه. فإن سلمه احتج به، وإن لم یسلمه دل عليه. فأما إذا احتج به، ثم نازعه السائل ولم يسلمه له لم يكن له تبيينه، ويكون ذلك انتقالاً من جهته وانقطاعاً منه، ويخالف الأصل المشهور؛ لأن شهرته تغنيه عن استسلامه وتبيينه(٣). مثاله: أن يُسأل حنبلي عن الحج هل يسقط بالموت؟ فيقول: لا يسقط؛ لأنه حق تدخله النيابة (٤)، استقر عليه حال الحياة، فلم يسقط بالموت کالدین(٥). فيقول السائل: لا أسلِّم أن النيابة تدخل الحج. فقال له المسؤول: إما أن تسلمه، وإما أن تنقلَ الكلام إلى النيابة فأدل على جوازها، فيكون المسؤول مصيباً إلا على قول صاحب ((الإِفصاح)) (٦)؛ لأنه لا (١) هو: الحسين - وقيل: الحسن بالتكبير - ابن القاسم، أبو علي الطبري الشافعي. صنف في الفقه وأصوله والجدل. سكن بغداد، وبها كانت وفاته سنة (٣٥٠هـ). له ترجمة في: تاريخ بغداد (٨٧/٨) والمنتظم (٥/٧) وشذرات الذهب (٣/٣) وطبقات الشافعية (٢٨٠/٣). (٢) نسب إليه في المراجع السابقة، وفي المسوَّدة ص (٤٣٩). (٣) انظر رأي أبي علي الطبري في: المنهاج في ترتيب الحجاج ص (٣٩) والمسؤَّدة ص (٤٣٩). (٤) خلافاً للمعتزلة. انظر: الإِحكام للآمدي (١٣٧/١)، وجمع الجوامع مع شرحه (١٩١/١) وتخريج الفروع على الأصول ص (٦٠). (٥) هذا مذهب الحنابلة. انظر: المغني (٢٤٢/٣). (٦) في الأصل: (إيضاح) وهو خطأ. ١٤٦٩ L يلزمه أن يثبت مذهبه إلا بما هو دليل عنده، ومن نازعه فيما هو دليل عنده لا يلزمه أکثر من إقامة الدليل على صحته. وإذا فعل هذا فقد قام بما وجب عليه، فهو بمنزلة المحتج بدليل جلي مشهور نازعه السائل فيه. ولأن المسؤول لا يلزمه معرفة مذهب السائل؛ لأنه لا تضره مخالفته؛ ولا تنفعه موافقته، وإنما المعوَّل على الدليل يدل على صحة العلة وأوصافها. فإذا كان كذلك فخالفه السائل في أوصافها لا يدل على تفريطه إذا أمكنه إقامة الدليل على صحتها ووجوب اعتبارها، فلم يجز أن يكون سبباً لانقطاعه ومنسوباً إلى التقصير لأجله. وأما السائل إذا عارضه بما هو دليل عنده، وليس بدليل عند المسؤول، مثل: أن يعارض خبرَه المسند بخبر مرسل، أو خبرَ المعروف بخبر المجهول، وما أشبه ذلك. وقال المسؤول: إما أن تسلّم ذلك لي فيكون معارضاً لما رويته، وإما أن تنقل [٢٢٩/أ] الكلام إلى مسألة المرسل والمجهول. فهذا ليس للسائل أن يقوله ويخالف المسؤول فيه؛ لأن السائل تابع للمستدل فيما يورده المسؤول ويحتج به؛ لأنه لما سأله عن دليله الذي دله على صحة مذهبه والطريق الذي أداه إلى اعتقاده لزمه أن ينظر معه فيما يورده، فإن كان فاسداً بين فساده، وإن لم [یکن] فاسداً صار إليه وسلَّمه له. ولهذا المعنى جاز للمسؤول: أن يفرض المسألة حيث أجازه، وكان السائل تابعاً له. ولم يجز للسائل أن ينقله إلى جنبة أخرى ويفرضها فيه(١). (١) للمسؤول في الاستدلال ثلاث طرق: ١ - أن يستدل على المسألة بعينها. ٢ - أن يفرض الاستدلال في بعض شعبها. ١٤٧٠ = : ! السؤال الثالث : وهو السؤال عن وجه الدليل وكيفيته: فإنه ينظر فيه فإن كان الدليل - الذي استدل به المسؤول - غامضاً يحتاج إلى بيان وجب السؤال عنه. فإن تجاوزه إلى غيره كان مخطئاً؛ لأنه لا يجوز تسليمه(١) إلا بعد أن ينكشف وجه الدليل منه من جهة المسؤول على ما سأله عنه. وإن كان ظاهراً جلياً (٢) لم يجز هذا السؤال، وكان السائل عنه متعنتاً أو جاهلاً. مثاله: أن يَسأل سائل عن جلد الميتة هل يطهر بالدباغ؟ فيقول: لا يطهر، لقوله :- (لا تَنْتَفِعُوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصَب)(٣) (وبجلْدٍ ولا عَصَبٍ)(٤). = ٣ - أن يبني المسألة على غيرها. وهذه على ضربين؛ لأنه إما أن يبني على مسألة من مسائل الأصول أو مسألة من مسائل الفروع. أفاده الباجي في كتابه المنهاج في ترتيب الحجاج ص (٣٧). (١) في الأصل: (تقسيمه) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه بالاستعانة بكتاب الفقيه والمتفقه (٤٣/٢) فإن الكلام مذكور فيه بنصه. (٢) ذكر الباجي في المنهاج ص (٣٩) أن الظهور هنا، أي: الواضح ثلاثة أوجه: نص وظاهر، وعام. وإن كنت أرى أن العام من باب الظاهر، وبخاصة إذا خصص. (٣) الحديث بهذا اللفظ سبق تخريجه. ٤- وأزيد هنا: أن الشيخ الالباني خرج الحديث تخريجاً جيداً، وحكم بصحته بعد أن رد العلل التي قيلت فيه. انظر: إرواء الغليل (٧٨/١). (٤) هذا الحديث أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) بلفظ: (كتب رسول الله - صلى الله ١٤٧١ فيقول السائل: ما وجه الدليل فيه؟ فيكون مخطئاً لظهور ما سأله، عن بيانه و وضوحه. وإذا قصد بيانه لم يَزِده على لفظه (١). السؤال الرابع: وهو السؤال على سبيل الاعتراض والقدح في الدليل. فإن ذلك يختلف على حسب اختلاف الدليل. [ الاعتراضات على الاستدلال بالقرآن ] فإن كان دليله من القرآن كان الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه(٢): أحدها: أن ينازعَه في كونه مُحْكماً، ويدعي أنه منسوخ. مثاله: أن يَحتجَّ الحنبلي(٣) بقوله، تعالى: (فَإِمَّا مَنَاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءٌ حَتَّى تَضَعَ = عليه وسلم - ونحن في أرض جُهينة: إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فلا تنتفعوا من الميتة بجلْدٍ ولا عَصَب). قال الزيلعي (١٢١/١): (وفي سنده فضالة بن مفضل بن فضالة المصري، قال أبو حاتم: لم يكن بأهل أن نكتب عنه العلم). قال الألباني في الإِرواء (٧٩/١): (فهو بهذا اللفظ ضعيف). (١) في الأصل: (لفظ) والتصويب من كتاب الفقيه والمتفقه (٤٣/٢). (٢) عدَّها ابن عقيل في كتابه الجدل ص (٢٤) وفي كتابه الواضح (٩٢٧/٣) ثمانية أوجه، هذه الثلاثة التي ذكرها المؤلف، وخمسة أخرى هي: ١ - الاعتراض بأن المستدل لا يقول بما استدل به. ٢ - الاعتراض بالقول بموجب الآية. ٣ - الاعتراض بدعوى الإجمال. ٤ - الاعتراض بدعوى المشاركة في الدليل. ٥ - الاعتراض باختلاف القراءة. وانظر: المعونة في الجدل ص (٤٠)، والمنهاج في ترتيب الحجاج ص (٤٢). (٣) يعني: في تخيير الإِمام في الأسرى بين المَنّ والفداء. ١٤٧٢ = ٠ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)(١). فيدعي المخالف(٢) أنه منسوخ بقوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)(٣). فيقول المسؤول: إذا أمكن الجمع بينهما لم يجز حمله على النسخ(٤). = وهي مسألة وقع الخلاف فيها: فالإِمام أبو حنيفة ذهب إلى أنه لا يجوز المنُّ عليهم، كما ذهب في إحدى الروايتين عنه أنه لا يجوز المفاداة. والإِمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق وتركهم أحراراً ذمة للمسلمين إلا مشركي العرب والمرتدين، فلا يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف. وقد أجابوا عن آية: (فَإِمَّا مَنَّأْ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءٌ) بأنها منسوخة بمثل قوله تعالى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ). وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الإِمام مخير فيهم بين أمور أربعة: القتل والاسترقاق والمَن والفداء. انظر: بدائع الصنائع (٤٣٤٩/٩) وشرح فتح القدير (٤٧٣/٥) والأم (١٤٤/٤)، والكافي لابن قدامة (٢٧٠/٤). (١) آية (٤) من سورة محمد. (٢) هم الحنفية. آية (٥) من سورة التوبة. (٣) (٤) ذكر المؤلف هنا وجهاً واحداً من أوجه الاعتراض بالنسخ، وهي: أن يدعي المخالف نسخ آية بآية أخرى. الوجه الثاني: أن ينقل الناسخ صريحاً. مثاله: أن يستدل الحنبلي في إيجاب الفدية على الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان خوفاً على الجنين أو الولد: بقوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة آية ١٨٤). فيقول المخالف: قد نقل عن سلمة بن الأكوع الأسلمي: أنها منسوخة بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة آية ١٨٥). فيجيب الحنبلي: أنها منسوخة في حق من كان له الإفطار من غير حمل ولارضاع، ١٤٧٣ L والثاني: أن ينازعه في مقتضى لفظه. مثل أن يَحتجَّ الحنبلي على وجوب الإِيتاء(١) من مال الكتابة بقوله تعالى: (وَآتُوهُمْ(٢) مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)(٣). فيقول المخالف(٤): إنه إيتاء من الزكاة دون مال الكتابة(٥). أما في حق الحامل والمرضع فحكمها باق. = الوجه الثالث: أن يدعي نسخها بأنها شرع من قبلنا، وقد نسخها شرعنا. مثاله: أن يستدل الحنبلي في إيجاب القصاص في الطرف بين الرجل والمرأة بقوله تعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) (المائدة آية ٤٥). فيقول المخالف: هذا حكم التوراة، فقد صدرت الآية بقوله: (وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيهَا) إلى قوله: (والجُرُوحَ قِصَاصٌ) فقد نسخت التوراة بالقرآن. فيجيب الحنبلي: بأن شرع من قبلنا شرع لنا، ويدلِّل على ذلك. انظر: الجدل لابن عقيل ص (٢٤) والواضح له (٩٣٩/٣). (١) عند الحنابلة: يجب على السيد إيتاء المكاتب من المال قدر ربع الكتابة، وهو مخير بین وضعه عنه وبین دفعه إليه. وكذلك عند الشافعية إلا أنهم لم يقدروه بالربع - كما هو عند الحنابلة - بل قالوا: يضع عنه شيئاً من عقد الكتابة. انظر: الكافي لابن قدامة (٦٠٨/٢) والأم (٣٣/٨). (٢) في الأصل: (فآتوهم) وهو خطأ. (٣) آية (٣٣) من سورة النور. (٤) هم الحنفية، فقد ذهبوا إلى أن الإِيتاء غير واجب. وأجابوا عن الآية بأن المراد الإِيتاء من مال الزكاة. بدليل: أن الله أضافه إليه. انظر: المبسوط (٢٠٦/٧)، وأحكام القرآن للجصاص (١٨١/٥). (٥) وممن حمل الآية على الإِيتاء من مال الزكاة: الحسن وعبد الرحمن بن زيد ومقاتل انظر: تفسير ابن كثير (٢٨٨/٣). ١٤٧٤ فيقول المسؤول: هو خطاب للسادات؛ لأنه قال: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ ) فلا يصلح لإِيتاء الزكاة(١). وقد يحتج على أن لولي المقتول أن يعفو على مالٍ بقوله تعالى: (فَمَنْ غُفِي لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)(٢). فيقول [٢٢٩/ب] المخالف(٣): العفو هاهنا هو البذل من القاتل، فكأنه أمر بأخذ المال إذا بذله القاتل. فيحتاج (٤) أن يبين أن المراد به عفو الولي بأن يقول: حقيقة العفو هو: الترك دون البذل(٥). (١) هذا أحد أجوبة المخالفين عن الاستدلال بالآية. وقد يجاب بأن الأمر في الآية محمول على الندب. انظر: أحكام القرآن للجصاص (١٨١/٥)، والواضح (٩٤٢/٣). (٢) آية (١٧٨) من سورة البقرة. (٣) هم الحنفية. انظر: المعونة في الجدل ص (٤٢)، والواضح (٤٣١/٣). (٤) المراد بهم الشافعية ومن قال بقولهم. انظر: المرجعين السابقين. (٥) هذا أحد الجوابين، وخلاصته: أن العفو قد ورد في اللغة بمعنى الإسقاط والترك أكثر من وروده بمعنى البذل. ولأن ذلك عُرْف القرآن، وعُرْف التخاطب، قال تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) (التوبة آية ٤٣). وقد قرن الله العفو بالغفران في كتابه فقال: (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) ، (النساء آية ٩٩). والجواب الثاني: أن يبين بالدليل من سياق الآية أو غيره على أن المراد به ما ذهب إليه. = ١٤٧٥ الثالث: أن يعارضه بغيره. فيحتاج إلى أن يجيب عنه بأن يبين أنه لا يعارضه، أو يرجح دليله على ما عارضه به. مثاله: أن يحتج بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأُمِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ(١)) وهذا يقتضي أن يكون جميعُها مواقيتَ للناس [والحج](٢). فيعارضه المخالف(٣) بقوله تعالى: (الْحَجُّ أُشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)(٤) والمراد به: إحرام الحج في أشهر معلومات. أو يحتج على تحريم الجمع بمِلْك اليمين بقوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)(٥). فيعارضه بقوله تعالى: (أَوْ مَامَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)(٦). أو يعارضه بالسنة. ويكون جواب المسؤول ما ذكرته(٧). وعلى هذا فإن أثبت السائل قوة الوضع الذي قال به صح قوله بالموجب، وإن قوى المسؤول قوة الوضع الذي قال به اندفع القول بالموجب. انظر: المرجعين السابقين. (١) آية (١٨٩) من سورة البقرة. (٢) وعليه فيجوز الإحرام بالحج قبل أشهره. وهو قول الحنفية. انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣٧٤/١). (٣) وهم الشافعية، فقد ذهبوا إلى أنه لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهره، فإن أحرم في غيرها انعقد عمرة، استدلالاً بقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ). انظر: المجموع للنووي (١١٨/٧). آية (٢٣) من سورة البقرة. (٤) آية (٢٣) من سورة النساء. (٥) آية (٣٠) من سورة المعارج. (٦) وانظر في تفسير هاتين الآيتين: أحكام القرآن للجصاص (٧٤/٢). (٧) يعني: أن يبين أنه لا معارضة بين الدليلين، أو يرجح دليله على ما عارضه به السائل. ١٤٧٦ - [ الاعتراضات على الاستدلال بالسنّة ] وإن كان دليله من السنة فالاعتراض عليه من خمسة أوجه: أحدها: أن يطالبه بإسناده(١). والثاني: القَدْح في إسناده. والثالث: الاعتراض على متنه. والرابع: أن يدعي نسخه. والخامس: أن يعارضه. فأما المطالبة بإسناده : فهي [ صواب](٢)؛ لأنه لا حجة فيه إذا لم يثبت إسناده. وقد جرت عادة المتأخرين من أهل العلم ترك المطالبة بالإِسناد، وهذا لا بأس به في الألفاظ المشهورة المتداولة بين الفقهاء. فأما الغريب الشاذ فإنه يجب المطالبة بإسناده. وذلك مثل ما احتج به أصحاب أبي حنيفة فقالوا: روي عن النبي عليه. أنه قال: (لا ربا بين المسلمين وبين أهل الحرب في دار الحرب)(٣). (١) ذكر ابن عقيل في كتابه الجدل ص (٢٦) وفي كتابه الواضح (٩٤٤/٣) والشيرازي في كتابه المعونة ص (٤٨) وجهاً قبل هذا، وهو: الرد. ومثلوا له بردِّ الرافضة أخبار الآحاد، وردّ الحنفية أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى أو خالف قياس الأصول، أو ردّ المالكية لأخبار الآحاد في القسم الأخير، وذكروا طريق الجواب عما تمسكوا به من شُبُه. (٢) بياض في الأصل، وقد صوبه الناسخ في الهامش بما أثبتناه. (٣) هذا الحديث رواه مكحول عن النبي - صلى الله عليه وسلم. قال فيه الزيلعي: غريب. ١٤٧٧ = وقال: (المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة)(١). = وقال فيه الشافعي: ليس بثابت، ولا حجة فيه. وقال ابن قدامة: مرسل لا نعرف صحته. انظر: نصب الراية (٤٤/٤) والمغني لابن قدامة (٣٩/٤). وانظر: كلام الحنفية في المسألة في: حاشية ابن عابدين (١٨٦/٥). (١) هذا الحديث رأيت إليه إشارة في سنن البيهقي في كتاب الخلع والطلاق، باب المختلعة لا يلحقها الطلاق (٣١٧/٧) فقد ذكر أثراً عن ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهما - أنهما قالا في المختلعة يطلقها زوجها قالا: لا يلزمها طلاق؛ لأنه طلق ما لا يملك. ثم ساق بسنده إلى الربيع قال: قال الشافعي: فسألته يعني من يخالفه في هذه المسألة هل يروي في قوله خبراً؟ قال فذكر حديثاً لا تقوم بمثله حجة عندنا، ولا عنده، فقلت: هذا عندنا وعندك غير ثابت. ثم قال بعد ذلك: (أما الخبر الذي ذكر له فلم يقع لنا إسناده بعد لننظر فيه، وقد طلبته من كتب كثيرة صنفت في الحديث فلم أجده، ولعله أراد ما روي عن فرج ابن فَضَالَة بإسناده عن أبي الدرداء من قوله، وفرج بن فَضَالة ضعيف في الحديث، أو ما روي عن رجل مجهول عن الضحاك بن مزاحم عن ابن مسعود من قوله، وهو منقطع ضعيف). قلت: وما يشير إليه البيهقي من حديث فضالة بسنده إلى أبي الدرداء أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الطلاق، باب: من قال: يلحقها الطلاق، يعني المختلعة (١١٧/٥) بلفظ: (للمختلعة طلاق مادامت في العدة). وما يشير إليه من حديث الضحاك بن مزاحم أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في الكتاب والباب المذكورين، ولفظه: (قال: اختلف ابن مسعود وابن عباس في الرجل يخلع امرأته ثم يطلقها، قال أحدهما: ليس طلاقه بشىء. وقال الآخر: ما دامت في العدة فإن الطلاق يلحقها). وقد ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه في الموضع السابق بسنده إلى يحيى بن أبي كثير قال: (كان عمران بن حصين وابن مسعود يقولان في التي تفتدي من زوجها : = ١٤٧٨ وقال: (لا قصاص إلا بالسيف)(١). وما أشبه ذلك. = لها طلاق ما كانت في عدتها). قال ابن التركماني في الجوهر النقي (٣١٧/٧) بعد أن ذكر الأثر السابق: (ورجال هذا السند على شرط الجماعة). وقال ابن قدامة في المغني (٥٩/٧) في رده على من قال بموجب الحديث الذي ذكره المؤلف: (وحديثهم لا نعرف له أصلاً، ولا ذكره أصحاب السنن). (١) هذا الحديث روي من حديث أبي بكرة والنعمان بن بشير وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب والحسن البصري مرسلاً. أما حديث أبي بكرة فأخرجه ابن ماجه في كتاب الديات، باب: لاقود إلا بالسيف (٨٨٩/٢) حديث (٢٦٦٧). ونقل الشيخ الألباني في كتابه: إرواء الغليل (٢٨٦/٧) عن البزار أنه أخرجه في مسنده من طريق الحر بن مالك العنبري ثنا مبارك بن فضالة به. قال البزار: (لا نعلم أحداً أسنده بأحسن من هذا الإِسناد، ولا نعلم أحداً قال: عن أبي بكرة إلا الحر ابن مالك، وكان لا بأس به، وأحسبه أخطأ في هذا الحديث؛ لأن الناس يروونه عن الحسن مرسلاً). ثم قال الألباني بعد ذلك: (وقد تابعه في وصله الوليد بن محمد بن صالح الأبلي عن مبارك بن فضالة). ثم ذكر أن ابن عدي والدارقطني والبيهقي والضياء المقدسي أخرجوه بذلك. وأعلَّه ابن عدي بالوليد هذا؛ حيث قال فيه: (أحاديثه غير محفوظة). وقال ابن أبي حاتم في العلل (٤٦١/١): (قال أبي: هذا حديث منكر). وقال عن الوليد هذا: (سألت أبي عنه فقال: مجهول) على ما في كتاب الجرح والتعديل (١٦/٢/٤). وأعلَّه البيهقي بمبارك بن فضالة عندما أخرج الحديث في سننه في كتاب الجنايات، باب: ما روي في أن لاقود إلا بحديدة (٦٣/٨). أما حديث النعمان بن بشير فقد أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق (٢٦٦٧). وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار في كتاب الجنايات، باب: الرجل يقتل ١٤٧٩ L رجلاً كيف يقتل؟ (١٨٤/٣). = وأخرجه البزار كما في كشف الأستار في كتاب الجنايات، باب: القود بالسيف ولكل شىء خطأ (٢٠٥/٢). وأخرجه الطيالسي في مسنده، كما في منحة المعبود أبواب القصاص (٢٩٣/١) بلفظ (لا قود إلا بحديدة). قال الشيخ الألباني: (وهذا إسناد واهٍ جداً، أبو عازب لا يُعْرف، كما قال الذهبي وغيره. وجابر الجعفي متهم بالكذب). أما حديث عبد الله بن مسعود فقد أخرجه الدارقطني في كتاب الحدود والديات (٨٨/٣) وفي سنده: سليمان بن أرقم، قال فيه الدار قطني: (متروك). وأخرجه ابن أبي عاصم والطبراني في معجمه الكبير وابن عدي كما ذكر ذلك الشيخ الألباني. أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه الدارقطني في الموضع السابق. وأخرجه البيهقي في الموضع السابق أيضاً. كما أخرجه ابن عدي وابن أبي عاصم وأبو عروبة الحرّاني، ذكر ذلك الشيخ الألباني. وفي سنده: سليمان بن أرقم، وهو متروك كما سبق في الطريق التي قبل هذا. أما حديث علي فقد أخرجه الدار قطني في الموضع السابق وقال: (معلَّى بن هلال - أحد رواة الحديث - متروك). أما حديث الحسن البصري المرسل فقد أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الديات باب: من قال: لا قود إلا بالسيف (٣٥٤/٩). وأخرجه ابن حزم في المحلَّى في كتاب الدماء (٥٧/١٢) ثم قال: (هذا مرسل، ولا يحل الأخذُ بمرسل). كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، حكى ذلك الزيلعي في نصب الراية (٣٤١/٤). قال الشيخ الألباني: (وهذا إسناد صحيح إلى الحسن، ولكنه مرسل، فهو علة هذا الإِسناد، والطرق التي قبلها واهية جداً، ليس فيها ما يمكن تقوية المرسل به). والخلاصة: أن هذا الحديث ضعيف بكل طرقه. ١٤٨٠