Indexed OCR Text

Pages 1281-1300

وقد استعمل هذا في كثير من مسائله(١).
فقال في رواية ابن القاسم : ((لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلاً(٢)،
قياساً على الذهب والفضة)).
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الميموني: ((يجتنب المتكلم في الفقه
هذين الأصلين: المجْمَل، والقياس))(٣).
وهذا محمول على استعمال القياس في معارضة السنة ، فإنه
لا يجوز (٤).
(١) هذا يدل على أن المؤلف - رحمه الله - يؤيد الرواية التي تقول: بأن الإِمام أحمد
يرى حجية القياس.
(٢) نقل ابن قدامه في كتابه المغني (٧/٤) عن المؤلف أنه ذكر في هذا ومثله روايتين:
الأولى: أنه لا يجوز التفاضل بينهما، كما ذكر المؤلف هنا.
واختارها ابن عقيل؛ لأن أصلهما الوزن، والصناعة لا تخرجهما عنه.
والثانية: يجوز، وعليه أكثر أهل العلم؛ لأنهما ليسا بموزونين ولا مكيلين.
قال ابن قدامة: (وهذا هو الصحيح، إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتقاء العلة
وعدم النص والإجماع فيه).
(٣) هذا إيماء من الإِمام أحمد إلى عدم اعتبار القياس؛ حيث نهى المتكلم في الفقه عن
استعمال القياس والمجْمل في فقهه.
قال أبو الخطاب في كتابه التمهيد: (٣٦٨/٣) (وقد أوما أحمد إلى هذا في رواية
الميموني ... ) ثم ذكر الرواية.
وبمثل هذا قال الطوفي في شرح مختصر الروضة الجزء الثاني الورقة (٩٥/أ).
(٤) هذا تأويل القاضي لرواية الميموني، وقد أيده الطوفي في المرجع السابق حيث قال:
ولكنَّ تلميذ المؤلف أبا الخطاب في كتابه التمهيد: (٣٦٨/٣) رد على شيخه هذا
۔
(وهو تأويل صحيح).
التأويل بقوله: (والظاهر خلافه)، ولم يزد على ذلك.
١٢٨١
=
( العدة فى أصول الفقه - ٨١ )

وقد كشف عن هذا في رواية أبي الحارث [١٩٤/ب] فقال: ((ما تصنع
بالرأي والقياس وفي الحديث ما يغنيك عنه)).
وبهذا قال أكثر الفقهاء والمتكلمين(١).
وذهب قوم من المعتزلة البغداديين(٢): إلى أنه لا يجوز التعبد به من جهة
= وفي رأيي: أن اعتراض أبي الخطاب غير وجيه؛ لأن هناك روايات عن الإِمام أحمد
كثيرة أشار بإعمال القياس، أو أعمله بنفسه فتتعارض مع الرواية هنا. ومع هذا
التعارض تحمل نهيه عن استعمال القياس على القياس المخالف للنصوص الشرعية،
ونحمل إرشاده إلى القياس أو استعماله بنفسه على عدم وجود نص في الحادثة.
يدل على ذلك رواية أبي الحارث التي ذكرها المؤلف دليلاً على ما ذهب إليه.
وجمع ابن رجب بين الروايتين، فحمل الرواية التي تمنع من القياس على من لم
يبحث عن الدليل، أو لم يُحصِّل شروطه.
انظر: شرح الكوكب ص (٢١٦/٤).
وينبغي أن يشار هنا إلى أن الإِمام أحمد لا يستعمل القياس إلا عند الضرورة. يؤيد
ذلك رواية الميموني التي نقلها المجد في المسوّدة ص (٣٦٧) ونصها: (سألت
الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، فأعجبه. [يعني: الإِمام أحمد] ذلك).
والضرورة المقصودة هنا - والله أعلم -: أن الحادثة إذا وقعت، ولم يوجد نص
بحكمها، فإنه من الضروري أن يعطى لها حكم بالقياس على أشباهها؛ لامتناع
خلو الحادثة عن حكم الله تعالى.
/
أما إذا لم تقع الحادثة، وإنما هي من باب التخيل والتقدير، فلا يرى الإِمام أحمد
استعمال القياس؛ لأنه لاضرورة.
(١) انظر: أصول الجصاص ص (٦٣) والتبصرة ص (٤١٩) والبرهان (٧٥٠/٢)
والوصول إلى الأصول لابن برهان (٢٤٣/٢) وإحكام الفصول في أحكام الأصول
للباجي ص (٥٣١).
(٢) انظر: المعتمد (٧٢٤/٢).
١٢٨٢
1
:

العقل، ويجوز من جهة الشرع، مثل ابن يحيى الإسكافي(١). وجعفر بن
مبشر(٢)، وجعفر بن حرب(٣)، وإبراهيم النظَّام(٤).
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلاً ولا شرعاً، ذهب إليه داود(٥)،
(١) هكذا في الأصل: وهو كذلك في كتاب التمهيد لأبي الخطاب (٣٦٦/٣) ولم أعثر
له على ترجمة.
وفي كتاب الإِحكام للآمدي (٦/٤) يحيى الاسكافي، ولم أعثر له على ترجمة أيضاً.
ولعل المقصود محمد بن عبد الله الاسكافي أبو جعفر المعتزلي المتوفى سنة (٢٤٠هـ)
فهو المشهور بذلك ..
انظر ترجمته في: طبقات المعتزلة ص (٦٤، ٢٨٥).
(٢) هو جعفر بن مبشر بن أحمد بن محمد أبو محمد الثقفي، المعتزلي، البغدادي. صنف
كتباً في الكلام، مات سنة (٢٣٤هـ).
له ترجمة في: تاريخ بغداد (١٦٢/٧١) وطبقات المعتزلة ص (٢٨٣) ولسان الميزان
(١٢١/٢).
(٣) هو: جعفر بن حرب الهمداني المعتزلي البغدادي. درس الكلام بالبصرة على أبي
الهذيل العلاف. له مؤلفات؛ منها: كتاب المصابيح، وكتاب الإِيضاح، وكتاب
الأصول الخمسة. مات سنة (٢٣٦هـ) وله من العمر (٥٩) سنة.
له ترجمة في: تاريخ بغداد (١٦٢/٧) وطبقات المعتزلة ص (٢٨١) ولسان الميزان
(١١٣/٢).
(٤) هكذا نقل المؤلف عن النظام أنه لا يجوز التعبد بالقياس عقلاً، ويجوز شرعاً، لكن
الذي نقله أبو الخطاب في التمهيد (٣٦٧/٣) وابن قدامة في الروضة (٢٣٤/٢)
عن النظام: أنه يقول بعدم الجواز لا عقلاً ولا شرعاً.
وقد أشار في المسوّدة ص (٣٦٨) إلى اختلاف النقل عن النظام.
وانظر في اضطراب النقل عنه: نبراس العقول ص (٦٠).
(٥) انظر: الإِحكام لابن حزم (٩٣١/٧ و١١١٠/٨) والمراجع التي ذكرناها في أول
المسألة.
١٢٨٣

والنهرياني(١)، والمغربي(٢)، والقاشاني(٣).
فالدلالة على جوازه عقلاً:
أن العقل لا يمنع أن يقول صاحب الشرع: إذا علمتم أو غلب على ظنكم
أن الحكم تابع لمعنى ومتعلق به، فقيسوا عليه كلما وجدتم فيه ذلك المعنى،
كما قال: إذا زالت الشمس وعلمتم ذلك، أو غلب على ظنكم فصلُّوا، وإذا
علمتم طلوع الفجر، أو غلب على ظنكم ذلك فصوموا، وإذا شهد شاهدان،
وعلمتم عدالتهما، أو غلب على [ظنكم] ذلك، فاحكموا بما شهدا به، وإذا
رأيتم البيت الحرام، وعلمتم ذلك، أو غلب على ظنكم فصلُّوا إليه، وما أشبه
ذلك كثير، كذلك القياس؛ لأنه جعل دخول الوقت شرطاً لفعل العبادة،
(١) هكذا في الأصل: (النهرياني) بالمثناة التحتية بعدها ألف، وفي تقديري أنه خطأ،
والصواب: النهرواني، وهو الموجود في مراجع الأنساب.
والنهرواني: نسبة إلى (نهروان) بُلَيْدة قديمة، تقع بالقرب من بغداد.
وهو: المعافى بن زكريا يحيى بن حميد بن حماد، أبو الفرج النهرواني الجَرِيري نسبة
إلى ابن جرير الطبري؛ حيث كان على مذهبه. كان من أعلم الناس في زمانه. مات
سنة (٣٩٠هـ) وله من العمر (٨٥) سنة.
له ترجمة في: البداية والنهاية (٣٢٨/١١) وتاريخ بغداد (٢٣٠/١٣) وتذكرة الحفاظ
(١٠١٠/٣) وشذرات الذهب (١٣٤/٣) وطبقات الحفاظ ص (٤٠٠) واللباب
(٣٣٧/٣).
(٢) هو: الحسين بن علي بن الحسين أبو القاسم الوزير المغربي الشيعي. كان أديباً بليغاً،
ذكياً، ذا دهاء وفطنة، له كتب كثيرة، منها: مختصر إصلاح المنطق. ولد سنة
(٣٧٠هـ) ومات سنة (٤١٨ هـ).
له ترجمة في: المنتظم (٣٢/٨) وشذرات الذهب (٢١٠/٣) وسير أعلام النبلاء
(٣٩٤/١٧).
(٣) انظر في نسبة هذا إليهم: التمهيد (٣٦٧/٣) والتبصرة ص (٤١٩) والمنخول
ص (٩٠) والمسوَّدة ص (٣٦٨).
١٢٨٤
i

كذلك جعل غلبة الظن شرطاً في تعلق الأحكام بها عند وجودها، ولا فرق
بينهما.
فإن قيل: لا يحصل العلم ولا الظن بالنظر في هذه الأصول، وليس فيها
طريق لذلك.
قيل: هذا غلط؛ لأن الفقهاء على كثرة عددهم واختلاف مذاهبهم من
أصحاب أحمد - رحمه الله - وأبي حنيفة ومالك والشافعي وسائر [الفقهاء]
يذكرون أنهم يظنون فيها، والعلم الضروري يحصل بخبر بعضهم، فإذا كان
كذلك كان معلوماً من طريق الضرورة، وكان الجاحد لذلك مبطلاً، كما إذا
أنكر الظن، وكما ينكر النفور، والسكون، والغم، والذوق.
فإن قيل: قد يظنون، ولكن ظنهم فاسد؛ لأنه واقع عن طريق يقتضي الظن،
وهو بمنزلة من ظن أن البناء الصحيح الجديد يقع عليه، أو رأى ثوراً فظنه
سبعاً، وفزع منه.
قيل: للظن طريق فيها، ولا نسلِّم ما قاله المخالف، فإن دل على دعواه بأن
الظن لا يقع إلا عن عادة، فإن رأى الغيم كثيفاً منيعاً خشي مجيء المطر، وغلب
على ظنه ذلك، لما سبق من العادة، فليس بيننا وبين الله تعالى في هذه الأحكام
عادة، فلا يجوز أن يكون فيها طريق للظن.
قيل: طريق الظن هو وجود الشيء في الأكثر من نظائره، ولهذا يغلب على
الظن وقوع الحائط إذا انشق [١٩٥/أ] عرضاً، ويغلب على الظن إذا عرض
غيم أسود مُسِفٍ(١) أنه يكون منه مطر؛ لأن الغالب من مثله مجيء المطر، وإنما
(١) توصف السحابة بذلك إذا دنت من الأرض. قال الشاعر يصف سحاباً قرب من
الأرض:
يكادُ يدفعُه من قامَ بالَّاحِ
دانٍ مُسِفِّ فُوَيْقَ الأَرْضِ هَيْدَبُه
انظر: اللسان (٥٤/١١) مادة (سفف) ومعجم مقاييس اللغة (٥٧/٣) مادة
(سَفّ).
١٢٨٥

يتخلف في النادر، فيتبع ظنّ العاقل الغالب دون النادر، وإذا كان كذلك، كان
هذا الظن في الأحكام الشرعية كثيراً؛ لأن النظائر والشواهد فيها تتكرر وتكثر،
فيغلب على ظن المجتهد فيها أن موضع الخلاف بمنزلتها، وطريق العلم بالنظر في
هذه الأصول، هو الثابت الذي يدل على تعلق الحكم بمعنى واتباعه له، مثل
العصير الحلو يكون حلالاً، وإذا حدثت فيه الشدة المطربة حُرُم، ويعلم أنه
لم يحدث غيرها، فإذا زالت الشدة المطربة حلَّ، ونعلم أنه لم يزل غيرها، فلو
قدرنا عود الشدة المطربة وحدها لقدرنا عود التحريم، فيدل هذا على أن التحريم
تابع للشدة، وأن النبيذ يجب أن يكون حراماً لوجود الشدة المطربة فيه.
ومثل هذا كثير.
فإن قيل: يجوز أن يكون هذا تابعاً للاسم يزول بزوالها، ويعود بعودها.
قيل: لا يتبع الاسم؛ لأنه لو طبخ العصير وحدثت الشدة المطربة فيه كان
حراماً وإن كان لا يسمى خمراً؛ لأن الخمر عندهم هو العصير الذي قد اشتد
وقذف زبده، وكذلك نقيع التمر والزبيب حرام؛ لوجود الشدة المطربة، ولا
يسمى خمراً، فثبت بهذا أنه يتبع الشدة المطربة دون اسم الخمر.
وطريقة أخرى وهو: أن الحكيم لا يجوز في صفته أن يكلف حكْماً ويوجب
عبادة إلاّ ويجعل إلى معرفة ذلك سبيلاً بوجه، بدليل أنه كلف استقبال الكعبة،
وجعل إلى التوجه إليها سبيلاً؛ من كان قريباً بالمعاينة، ومن كان بعيداً
بالاستدلال حسب الاجتهاد بالأدلة المنصوبة على القبلة من النجوم والجبال
والرياح والشمس والقمر، فكان فرض التوجه إليها بالاجتهاد.
وهكذا نص على دية الحر بالمقدر، وعلى بعض الجراحات كالموضحة (١)
(١) الموضحة: الشجة بالرأس تبدي وضح العظم.
انظر: المصباح مادة: (وضح) والمطْلِع على أبواب المقْنِع ص (٣٦٧).
١٢٨٦
1
i
1

1
والمأمومة(١) والجائفة(٢)، وأطلق ما بقي، فكان المرجع فيها إلى الظن
والاجتهاد.
وكذلك قِيَم المتلفات، والمهور في الأنكحة، والنفقات، والمتعة كل ذلك
غير منصوص عليه، وإنما يعتبر بغيره.
فإذا صح أن تُرَد باقي هذه الأحكام إلى النظر والاجتهاد، كان غيرها(٣)
من الأحكام بمنزلتها(٤).
واحتج المخالف:
بأن الشرعيات إنما يحسن تكليفها لما فيها من المصالح، ولم يكن لنا طريق
إلى معرفة المصالح، وكان القياس من فعلنا لم يجز أن يكون القياس طريقاً إلى
معرفة الأحكام الشرعية.
والجواب: أن ليس من شرط التكليف أن يكون [١٩٥/ب] مصلحة
للمكلف.
وهذا أصل لنا خلاف المعتزلة.
ولو سلَّمنا هذا لم يصح؛ لأن ما يتوصل به إلى معرفة الأحكام الشرعية
هو من قِبَل من يعلم المصالح والعواقب وهو الله تعالى؛ لأنه قد نصب لنا أدلة
على صحة رد الفروع إلى الأصول، فلا يكون إثبات الحكم الشرعي إثباتاً له
بفعله، ألا ترى أن الحكم المنصوص عليه يكون ثابتاً من فعل الله تعالى وإن
(١) المأمومة: الشجة التي تصل إلى أم الدماغ.
انظر: المصباح مادة (أمّ).
(٢) الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف.
انظر: المصباح مادة (جوف) والمُطْلِع ص (٣٦٧).
(٣) في الأصل: (غيرهما).
(٤) في الأصل: (بمنزلتهما).
١٢٨٧

كان لا بدَّ لنا من تفكر فيه، وذلك فعلنا.
واحتج: بأنه يلزمكم أن تخبروا على هذه الأخبار عما يحدث في مستقبل
الأيام، وعن الأجنة التي في الأرحام بغير نص، ولما لم يجز ذلك، كذلك ها هنا.
والجواب: أنَّا إنما جوزنا إثبات الحكم الشرعي؛ لأن الله تعالى قد نصب
لنا أدلة على جواز القياس، ولم ينصب لنا أدلة على ما يحدث في المستقبل،
فلهذا لم يجز الإِخبارُ به.
ونظيره: أن ينصب لنا أدلة على الخبر بما يحدث في المستقبل، فيجوز حينئذ
لنا الإخبارُ به.
واحتج: بأن النظر والاستدلال يختصان العقل، ودلالة العقل توجب الحكم
للأشياء المختلفة بالأحكام المختلفة دون المتفقة، وتوجب الحكم للأشياء المتفقة
بالأحكام المتفقة دون المختلفة، فإذا كان كذلك، وكان الشرع قد ورد بالحكم
في الأشياء المتفقة بالأحكام المختلفة وفي الأشياء المختلفة بالأحكام المتفقة، بدلالة
أنه أوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، وإن كان الحيض منافياً لهما،
وفرق بين المني والمذي في الحكم وإن كانا شقيقين، علمنا أن النظر والاستدلال
لا مدخل لهما في إثبات الأحكام الشرعية.
والجواب: أن العقل يمنع من الجمع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا
في الصفات النفسية كالسواد والببياض، وأن يفرِّق بين المِثْلَيْن فيما تقابلا
فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ذلك، فأما ما عدا
ذلك فإنه لا يمتنع أن يجمع بين المختلفين في الحكم الواحد، ألا ترى أن السواد
والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري مجراها من الألوان، وأن القعود
في الموضع الواحد قد يكون حسناً إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه، وقد يكون
قبيحاً إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفر عليه، وإن كان القعود في ذلك
الموضع متفقاً، وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسْن بأن يكون
١٢٨٨
٠

!
في كل واحد منهما نفع لا ضرر فيه، وإن كانا مختلفين.
على أن هذا يؤكد [١٩٦/أ] صحة القياس، وذلك لأن المِثْلَيْن في العقليات
إنما وجب تساوي حكمهما؛ لأن كل واحد منهما قد ساوى الآخر فيما لأجله
وجب له الحكم، إما لذاته كالسوادين، أو لعلة أوجبت ذلك كالأسودين،
وهكذا القول في المختلفين.
وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس؛ لأنا إنما نحكم الفرع (١) بحكم
الأصل إذا شاركه علة الحكم؛ لأن الله تعالى إنما نص على حكم واحد في
الشيئين إذا اشتركا فيما له وجب الحكم فيهما، فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه.
واحتج: بأن الفرع الشرعي قد يكون مشبهاً لأصل يقتضي التحريم،
ولأصل يقتضي التحليل، فلا يكون أحدهما بالرد إليه أولى من الآخر، ولا
يصح الحكم فيه بحكم الأصلين لتضادهما، فيمتنع القياس، فلا يصح الرد إلى
شىء من هذه الأصول؛ لأن أحداً لم يفصل بين الفرع المشبه لأصلين هذه
حالهما وبين الفرع المشبه للأصل الواحد.
والجواب: أن الفرع لا يرد إلى أحد الأصلين لكونهما شبهاً له، وإنما يرد
لكونه أشبه منه بالآخر.
وعلى مذهب من يجيز أن يعتدل الأمر عند المستدل في شبه الفرع بالأصلين
لا يلزمه ذلك؛ لأنه إذا اعتدل شبهه بهما كان المستدل مخيراً في رده إلى أيهما
شاء كالمكفّر هو مخير في أن يختار أي الكفارات شاء.
واحتج: بأنه لو جاز حمل الفرع على المنصوص عليه لوجود الشبه بينهما
لوجب أن يجوز ذلك في سائر الأوقات، كما أن الفعل لما كان دلالة على كون
الفاعل قادراً كان دلالة على ذلك في جميع الأوقات، وإذا كان كذلك وكان
هذا الشبه بين المنصوص وبين ما لم ينص عليه موجوداً قبل النص ولم يجز
القياس عليه علمنا أنه لا يصح رده إليه بحال.
(١) في الأصل: (الفروع).
١٢٨٩

والجواب: أن القياس إنما يصح إذا حصل هناك أصل منصوص عليه، كما
أن الاستدلال على القدرة إنما يصح إذا وجد الفعل، فلما لم يصح أن يستدل
على القدرة قبل وجود الفعل، كذا لا يصح القياس قبل وجود الأصل المنصوص
عليه.
واحتج: بأنه لو كان القياس صحيحاً لم يخل المنصوص عليه إذا نسخ وقد
قيس عليه فروع أن يبقى الحكم في فروعه، أو ينسخ الحكم فيها بنسخ حكم
الأصل.
فإن قلتم: إن الحكم في فروعه يصير منسوخاً كان ذلك مبطلاً لمذهبكم
في أن نسخ ما تناوله النص لا يوجب نسخ جميعه.
وإن قلتم: إن الحكم في فروعه يكون باقياً كان فيه كبقية الحكم في الفروع
مع نسخ حكم الأصل [١٩٦/ب]، وهذا باطل.
والجواب: أنه لا يمتنع عندنا أن يبقى الحكم في الفروع مع نسخ حكم
الأصل، كما أن نسخ الحكم في الأصل لا يوجب ارتفاع ما حكم في الحوادث
بموجب النص قبل ورود النسخ.
واحتج: بأنه لو جاز إثبات حكم بالقياس لجاز إثبات الأصول به، وهذا
باطل.
والجواب: أنه إن أريد به إثبات الأصول بعد ثبوت أصل واحد، فهذا غير
ممتنع عندنا، وذلك لأن النبي عَ ل إذا نص على بعض الأشياء المنصوص على
تحريم التفاضل فيها، وأمرنا بقياس غيره عليه كنا نقيس أغياره من الأشياء الستة
ومن غيرها، فإن أراد به إثبات الأصول ابتداء من غير أن يكون هناك أصل
ثابت فإن ذلك لا يتأتى؛ لأن القياس لا بدَّ له من أصل يُردُّ إليه، [و] إذا
لم يكن هناك أصل لم يصح معنى القياس.
واحتج: بأنه لو كان القياس صحيحاً لوجب أن تكون علته موجبة للحكم
١٢٩٠
:

قبل ورود الشرع كالعلة العقلية.
والجواب: أن علة القياس هي أمارة للحكم، وإنما تصير أمارة إذا ورد
الشرع بذلك، وتجري العلة الشرعية في هذا الباب مجرى الأسماء على ما يأتي
بيانه إن شاء الله تعالى، فلهذا لم تكن أمارة للحكم قبل ورود الشرع.
فصل
والدلالة على جواز التعبد به من جهة الشرع:
قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِى الأَبْصَارِ)(١).
وحقيقة الاعتبار في اللغة(٢): حمل الشىء على غيره واعتبار حكمه به، إما
في حكمه، أو قدره، أو صفته.
ومنه يقال: اعتبر هذه الدراهم بهذه الصَّنْجَة.
ويقال: أخذ السلطانُ الخراجَ العام على العام الماضي(٣).
وإذا كان حقيقة الاعتبار ما ذكرنا، وهو محض القياس اقتضت الآية
وجوب ذلك، والأمر به، والمصير إليه.
فإن قيل: المراد بذلك النظر إلى ما فعلنا بهم.
قيل: لو كان كذلك لم يخص أهل الأبصار بذلك، والاعتبار والنظر
الذي ذكروه لا يختص أهل البصيرة، فإنه يُدرك بالحس والمشاهدة، فيشترك
(١) آية (٢) من سورة الحشر.
(٢) قال ابن منظور في كتابه لسان العرب (٢٠٥/٦) مادة (عَبَر): (وفي التنزيل
((فَاعْتَبِرُوا يَأُوْلِى الأَبْصَارِ)) أي: تدبروا، وانظروا فيما نزل بقريظة والنضير، فقايسوا
فعالهم، واتعظوا بالعذاب الذي نزل بهم).
وانظر: معجم مقاييس اللغّة (٢١٠/٤) مادة (عَبَر).
(٣) يعني: اعتبر السلطانُ الخراجَ في هذا العام بالعام الماضي، بمعنى قاسه عليه.
١٢٩١

فيه من له بصيرة ومن لا بصيرة له؛ ولأنه حذَّر المخالفة وتوعَّد عليها بقوله:
(ذَلِكَ بَأَنَّهُمْ شَاقُوا اللَّهَ)(١)، فثبت أن المراد ما ذكرنا من الامتناع من الإقدام
على مثل أفعالهم(٢).
وأيضاً: ما روي عن النبي عَّ له أنه قال لمعاذ بن جبل: (كيف تقضي إن
عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله،
أو قال: فإن لم تجد في [١٩٧/أ] كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله، قال:
فإن لم يكن في سنة رسول الله، أو قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال:
اجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله عَّمِ صدره وقال: الحمد لله
الذي وفَّق رسولَ رسول الله لما يرضاه رسولُ الله)(٣).
فإن قيل: هذا الخبر لا يصح إسناده؛ لأنه يرويه الحارث بن عمرو (٤)، ابن
أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حِمْص من أصحاب معاذ أن النبي
◌َّلِ قال ذلك، وأناس من أهل حِمْص مجاهيل، فلا يصح التعلق به.
قيل: هو خبر صحيح رواه أبو داود في سننه(٥)، وأبو عُبيد(٦) في أدب
(١) آية (٤) من سورة الحشر.
(٢) حتى لا يلحقنا ما لحق بهم، وهذا هو القياس.
(٣) هذا الحديث قد مضى تخريجه.
(٤) روى عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ في الاجتهاد، وروى
عنه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي، ذكره العقيلي وابن الجارودي وأبو العرب
في الضعفاء. وذكره ابن حبان في الثقات. قال الذهبي وابن حجر: مجهول. مات
بعد المائة.
له ترجمة في: تقريب التهذيب (١٤٣/١) وتهذيب التهذيب (١٥١/٢) وميزان
الاعتدال (٤٣٩/١).
(٥) في كتاب الأقضية باب اجتهاد الرأي في القضاء (٢٧٢/٢).
(٦) هو القاسم بن سلام، وقد سبقت ترجمته.
١٢٩٢
1

القضاء وابن المنذر (١).
وقوله(٢): ((أناس من أصحاب معاذ)) يدل على شهرته وكثرة رواته، وقد
عُرِف دينُهُ(٣)، والظاهر من أصحابه(٤) الدين، والثقة، والزهد، والصلاح.
وعلى أنه روي(٥) وسُمِّيَ رجل(٦) منهم، وهو ثقة معروف، فروى عبادة
ابن نُسَى (٧) عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن
(١) هو: محمد بن إبراهيم بن المنذر أبوبكر النيسابوري. شيخ الحرم. ولد بنيسابور سنة
(٢٤٢هـ). نزل مكة وسكنها. له كتب كثيرة، منها: الإجماع، والمبسوط،
والإشراف. مات بمكة سنة (٣١٨هـ).
له ترجمة في: تذكرة الحفاظ (٧٨٢/٣)، وشذرات الذهب (٢٨٠/٢) وطبقات
الحفاظ ص(٣٢٨) وطبقات الشافعية للسبكي (١٠٢/٣) ولسان الميزان (٢٧/٥)
وميزان الاعتدال (٤٥٠/٣).
(٢)
القائل: الحارث بن عمرو راوي الحديث.
(٣) أي دين معاذ - رضي الله عنه - قال الخطيب في كتاب: الفقيه والمتفقه
(١٨٩/١): (وقد عرف فضل معاذ وزهده).
(٤) الضمير عائد على معاذ، رضي الله عنه.
(٥) قال الخطيب في المصدر السابق: (وقد قيل: إن عبادة بن نُسَّي رواه عن عبد الرحمن.
بن غَنْم عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة).
قال ابن حجر في كتابه التلخيص الحبير (١٨٣/٤) تعليقاً على كلام الخطيب: (فلو
كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتاً لكان كافياً في صحة الحديث).
قلت: قول الخطيب (وقد قيل ... ) يشعر بأن الرواية غير ثابتة عنده.
ولو عبر المؤلف بمثل تعبير الخطيب لكان أولى.
(٦) في الأصل (رجلا).
(٧) في الأصل: (بشر) وهو خطأ، والتصويب من كتاب الفقيه والمتفقه (١٨٩/١)،
والتمهيد في أصول الفقه (٣٨١/٣).
١٢٩٣
=

غَنْم ثقة مشهور(١).
فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يصح أن يحتج به في هذه المسألة
التي هي أصل.
قيل: هذا أشهر وأثبت من قوله: (لا تجتمعُ أُمَّتي على ضلالة) وقد احتج
به المخالف في الإجماع، فكان [هذا](٢) أولى(٣).
وجواب آخر وهو: أنه إذا جاز أن تثبت الأحكام الشرعية بخبر الواحد،
وهو: عبادة بن نُسَي ـ بضم النون وفتح المهملة الخفيفة - أبو عمرو الشامي،
=
قاضي طبرية. روى عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهما. وروى عنه برد
ابن سنان والمغيرة ابن زياد الموصلي. ثقة. مات سنة (١١٨هـ).
انظر ترجمته في: تقريب التهذيب (٣٩٥/١) وتهذيب التهذيب (١١٣/٥).
(١) هو عبد الرحمن بن غَنْم - بفتح المعجمة وسكون النون - الأشعري، مختلف
في صحبته.
روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن عمر وعثمان وعلي وغيرهم.
وعنه ابنه محمد ومكحول الشامي ورجاء بن حيوة وعبادة بن نُسَي وغيرهم. وثقه
ابن سعد والعِجلي ويعقوب بن شيبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. مات
سنة (٧٨هـ).
له ترجمة في تقريب التهذيب (٤٩٤/١) وتهذيب التهذيب (٢٥٠/٦).
(٢) الزيادة يقتضيها المقام، وهي من كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي
(١٩٠/١).
(٣) وقال هذا الجواب أيضاً الخطيب البغدادي في المرجع السابق بالنص.
والخطيب يرى أن حديث معاذ - رضي الله عنه - قد احتج به الجميع، فيغني
ذلك عن طلب الإِسناد له.
وتابعه على هذا ابن القيّم في كتابه اعلام الموقعين (٢٠٢/١).
وللشيخ الألباني رسالة تسمى: منزلة السنة من القرآن، ردّ فيه الحديث سنداً ومتناً،
فارجع إليها إن شئت.
١٢٩٤

مثل تحليل وتحريم، وإيجاب وإسقاط، وتصحيح وإبطال، وإقامة حق وحدٍ،
بضرب وقطع وقتل، واستباحة الفروج، وما أشبه ذلك، كان يثبت القياس
به أولى؛ لأن القياس طريق لهذه الأحكام، وهي المقصودة دون الطريق(١).
فإن قيل: الذي يثبت به المخالف الأحكام ظاهر القرآن وخبر الواحد
والإجماع المروي من طريق الآحاد المحتمل للتأويل واستصحاب حكم العقل.
قيل: الشرع الذي يغيره ورود الشرع، وهذا كله من أدلة مسائل الفروع،
فلم يصح ما ادَّعوه.
فإن قيل: معناه: اجتهد رأيي حتى آخذ حكم الله تعالى في الحادثة من
الكتاب والسنة إذا كان في أحكام الله تعالى من الأمور مالا يتوصل إليه إلا
بالاجتهاد.
قيل: الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يسمى اجتهاداً، وإنما القياس يسمى
اجتهاداً.
وعلى أن معاذاً رتّب ما يقع به الحكم وما يقتضي الحكم، فيجب أن يكون
كل واحد منهما غير صاحبه.
ويدل عليه أيضاً: ما روي عن النبي عَّ لِ أنه [١٩٧/ب] قال: (إذا اجتهاد.
الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر)(٢). وهذا يدل على
جواز الحكم باجتهاده ورأيه.
(١) هذا الجواب منقول بنصه في كتاب: الفقيه والمتفقه، الموضع السابق.
(٢) هذا الحديث رواه عمرو بن العاص - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه
البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو
أخطأ (١٣٢/٩).
وأخرجه عنه مسلم في صحيحه كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد
وأخطأ (١٣٤٢/٣).
١٢٩٥
=

فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد.
قيل: قد أجبنا عن هذا(١).
فإن قيل: الاجتهاد في تأويل لفظ، وبناء لفظ على لفظ.
قيل: هو عام في الجميع إلاّ ما خصه الدليل.
وأيضاً ما روى أبو عُبيد في أدب القضاء بإسناده عن أم سلَمَة قالت:
(كنت عند رسول الله عَ ليه فجاءه رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد
دَرَسَت، فقال لهما رسول الله عَ لِ: إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل
علَّ، ولعل بعضكم يكون ألحنَ بحجته من بعض، فمن قضيتُ له بحجته فاقتطع
بها قطعة ظلماً فإنما يقطع بها قطعة من نار)(٢).
وهذا نص، فإنه أخبر أنه يقضي برأيه واجتهاده.
= وأخرجه عنه أبو داود في سننه في كتاب الأقضية، باب في القاضي
يخطىء (٢٦٨/٢).
ورواه أبو هريرة - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، أخرجه عنه الترمذي في كتاب
الأحكام، باب ما جاء في القاضي يصيب ويخطىء (٦٠٦/٣).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب آداب القضاة، باب الإصابة في الحكم (١٩٧/٨).
وأخرجه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه في باب القول في الاحتجاج بصحيح
القياس ولزوم العمل به (١٨٨/١).
(١) وذلك عند اعتراضهم الثاني على حديث معاذ رضي الله عنه.
(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه عن أم سلمة - رضي الله عنها -
في كتاب الأحكام، باب موعظة الإِمام للخصوم (٨٦/٩) ولفظه: (إنما أنا بشر،
وإنكم تختصمون إلّي، ولعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض، فأقضي
نحوَما أسمع، فمن قضيتُ له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنمَّا أقطعُ له قطعة من
النَّار).
وأخرجه عنها مسلم في صحيحه في كتاب الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن=
١٢٩٦

ويدل عليه إجماع الصحابة من وجهين.
أحدهما: من جهة النقل.
والثاني: من جهة الاستدلال.
أما النقل: فقد روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: (أقول
في الكَلالة برأيي)(١).
وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري في كتابه
=
بالحجة (١٣٣٧/٣).
وأخرجه عنها أبو داود في سننه في كتاب الأقضية، باب: في قضاء القاضي إذا
أخطأ (٢٧٠/٢ - ٢٧١) بمثل لفظ البخاري، وبمثل لفظ المؤلف.
وأخرجه عنها الترمذي في سننه في كتاب الأحكام، باب: ما جاء في التشديد على
من يقضى له بشىء ليس له أن يأخذه (٦١٥/٣).
وأخرجه عنها النسائي في كتاب آداب القضاة، باب: الحكم بالظاهر (٢٠٥/٨).
وأخرجه عنها ابن ماجة في كتاب الأحكام، باب: قضية الحاكم لاتحل حراماً ولا
تحرم حلالاً (٧٧٧/٢).
(١) هذا الأثر أخرجه البيهقي في سننه في كتاب الفرائض، باب: حجب الإِخوة
والأخوات من قبل الأم (٢٢٣/٦) ولفظه: ( ... عن الشعبي قال: سئل أبو بكر
- رضي الله عنه - عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يك صواباً
فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ماخلا الولد والوالد، فلما
استخلف عمر - رضي الله عنه - قال: إني لأستحي الله أن أرد شيئاً قاله أبوبكر).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الفرائض، باب: الكلالة (٣٠٤/١٠)
ولم يذكر فيه موضع الشاهد.
وأخرجه الدارمي في سنته في كتاب الفرائض، باب: الكلالة (٢٦٤/٢) : ثل لفظ
البيهقي.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره بسنده إلى الشعبي (٥٣/٨ - ٥٤) برقم (٨٧٤٥،
٨٧٤٦، ٨٧٤٧) وفي السند الأول والثاني موضع الشاهد بمثل لفظ البيهقي مع =
١٢٩٧
( العدة فى أصول الفقه - ٨٢ )

المشهور: (الفهم فيما أُذْلِيَ(١) إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قس الأمور
عند ذلك واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله تعالى
وأشبهها بالحقِّ)(٢).
= اختلاف يسير.
وأخرجه الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه في باب ذكر ما روي عن الصحابة
والتابعين في الحكم بالاجتهاد (١٩٩/١). وقد ذكر الأثر في كنز العمال (٧٩/١١)
والدر المنثور (٢٥٠/٢) ونسب الأثر فيهما أيضاً إلى سعيد بن منصور وابن أبي
شيبة وابن المنذر.
كما ذكر ابن القيم في كتابه: اعلام الموقعين (٨٢/١) أن الإِمام أحمد أخرجه بسند
ذ کره.
ونقل الزركشي في كتابه المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر ص(٢٢٣) عن
ابن حزم أنه أعلّ الأثر بالانقطاع؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر، فقد ولد بعده بعشرة
أعوام.
قلت: وفي كتاب المراسيل لابن أبي حاتم ص (١٠٢) أنه سمع أباه وأبا زرعة
يقولان: الشعبي عن عمر مرسل.
(١) في الأصل: (أدى) والتصويب من التمهيد (٣٨٥/٣).
(٢) هذا الكتاب أخرجه الدار قطني في سننه في كتاب الأقضية والأحكام (٢٠٦/٤).
وأخرجه البيهقي في سننه في كتاب آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي،
وما يفتي به المفتي (١١٥/١٠) . ..
وأخرجه الخطيب في كتابه: الفقيه والمتفقه، باب ذكر ما روي عن الصحابة
والتابعين في الحكم بالاجتهاد وطريق القياس (٢٠٠/١).
وهذا الكتاب مشهور ومعروف عند العلماء. قال ابن القيِّم في كتابه اعلام الموقعين
(٨٦/١): (هذا كتاب جليل، تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم
والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه).
=
١٢٩٨

وهذا كتاب تلقته الأمة بالقبول، وفيه أمر صريح بالقياس.
وقال عمر لعثمان ـــ رضي الله عنهما -: (إذا رأيتُ في الجد رأياً فاتبعوني،
فقال عثمان: إن نتبع رأيك فرأ يُك رشيد، وإن نتبع رأي من كان قبلك فنعم
ذو الرأي كان)(١).
وقد ذهب ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام (١٠٠٣/٨) إلى أن
=
هذا الأثر لا تصح نسبته إلى عمر، رضي الله عنه.
وقد ذكَر له سندين، ثم عقّب عليهما بقوله:
(قال أبو محمد: وهذا لا يصح؛ لأن السند الأول فيه: عبد الملك بن الوليد بن
مَعْدان، وهو كوفي، متروك الحديث، ساقط، بلا خلاف، وأبوه مجهول.
وأما السند الثاني: فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهولون، وهو أيضاً منقطع، فبطل
القول به جملة).
وقصده بالمجهولين: محمد بن عبد الله العلاف، وأحمد بن علي بن محمد الوراق،
وعبد الله بن سعد، وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني.
وقد تعقبه الشيخ أحمد بن محمد شاكر في الهامش في السند الأول فقال:
(أما عبد الملك فهو متوسط، ولم يضعفه أحد جداً إلا المؤلف، وأما أبوه فهو ثقة
معروف، ذكره ابن حبَّان في الثقات).
وقد تعقّب الحافظ ابن حجر في كتابه التلخيص (١٩٦/٤) ابن حزم فقال:
(لكن اختلاف المخرج فيهما [يعني: الطريقين اللتين ذكرهما ابن حزم وأعلهما
بالانقطاع] مما يقوي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة
مكتوبة).
قلت: وعلى هذا فالكتاب ثابت النسبة إلى عمر - رضي الله عنه - وبخاصة أن
العلماء تلقوه بالقبول، كما يقول العلامة ابن القيِّم. والله أعلم ..
وراجع للاستزادة: نصب الراية (٨٢/٤) وإرواء الغليل (٢٤١/٨).
(١) سبق تخريجه.
١٢٩٩

وقال زاذان(١): تذاكروا الخِيار(٢) عند علي - رضي الله عنه - فقال:
(إن أمير المؤمنين عمر قد سألني عنه، فقلتُ: إن اختارت زوجَها فهي واحدة،
وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، فقال: ليس كذلك،
ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها، فتابعتُ(٣) أمير المؤمنين،
فلما خلص الأمر إلّ عرفت أني أسأل عن التزويج(٤) عدت إلى ما كنتُ
أرى، فقلنا: والله لأمر جامعتَ عليه أمير المؤمنين، وتركتَ رأيك أحب إلينا
من أمر تفردتَ به، فضحك، وقال: أما إنه قد أرسل(٥) [إلى] زيد بن ثابت،
فخالفني وإياه، فقال: وما قال زيد؟، قال: إن اختارت زوجها فهي واحدة،
وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجاً
غيره)(٦).
(١) هو: زاذان، أبو عبدالله، ويقال: أبو عمر، الكندي بالولاء، الكوفي، الضرير، البزار.
روى عن عمر وعلي وابن مسعود وسلمان وحذيفة وغيرهم. وعنه المنهال بن عمرو
وعطاء بن السائب وغيرهم. وثّقه ابن معين وابن سعد والخطيب والعِجلي. قال
الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. قال الحافظ ابن حجر: (صدوق، يرسل، وفيه
شيعية) مات سنة (٨٢هـ).
له ترجمة في: تقريب التهذيب (٢٥٦/١) وتهذيب التهذيب (٣٠٢/٣).
(٢) المراد بالخيار هنا: أن الرجل يخيِّر زوجته، فتختاره أو تختار نفسها.
(٣) في الأصل: (فبايعت) والتصحيح من مراجع التخريج الآتية.
(٤) هكذا في الأصل، وفي مراجع التخريج الآتية (الفُرُوجِ).
(٥) فاعل أرسل: عمر، رضي الله عنه.
(٦) هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الطلاق، باب: ما قالوا في
الرجل يخيِّر امرأته فتختاره أو تختار نفسها (٥٩/٥).
وأخرجه البيهقي في سننه في كتاب الخُلع والطلاق، باب: ما جاء في التخيير
(٣٤٥/٧).
=
١٣٠٠