Indexed OCR Text
Pages 1201-1220
واحتج بعضهم: بأن القياس العقلي ينفي الإجماع بدلالة أنه لا فرق بين هذه الأمة ومن تقدَّم من الأمم، وإنما ترك ذلك للسمع، وهو قوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلٍ الْمُؤْمِنِينَ)(١) والآية ليست لجميع المؤمنين. وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)(٢) وهذا الاسم لا يختص الأئمة. واحتج المخالف: بما روي [١٧٩/ب](٣) عن النبي عَ لّه أنه قال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي) فأمر بذلك، والأمر على الوجوب. والجواب : أنه يعارضه قوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم). ولأنَّا نحمل (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي) إذا لم يظهر خلافهم في الصحابة. ونحمل قوله (وسنة الخلفاء) أن يريد به الفتيا، وخصَّهم بالذكر؛ لأنهم أعلم من غيرهم في وقتهم وزمانهم. (١) آية (١١٥) من سورة النساء. (٢) آية (١١٠) آل عمران. (٣) وقع هنا تقديم وتأخير في بعض الصفحات فرتبناها على الوجه الصحيح. ١٢٠١ ( العدة فى أصول الفقه - ٧٦ ) فصل فأما قول أحد الأئمة فليس بحجة إذا خالفه غيره(١) رواية واحدة(٢). نص عليه - رحمه الله - في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأل أحمد - رحمه الله - عمن قال: ((ليس لنا أن نخرج من قول أبي بكر إلى قول عمر، ولا من قول عمر إلى قول عثمان، ولا من قول عثمان إلى قول علي، فتعجّبَ من ذلك، وقلتُ له: إنني أنكرتُ عليه، وقلتُ له: إن كان قولهم سنة فبأي قول أخذتَ أو اخترتَ من أقاويلهم فلك(٣) ذلك، فأعجبه ذلك)). وبهذا قالت الجماعة (٤). وحكي عن بعض الشافعية: أنه حجة، لا يجوز لنا مخالفته، وإن خالفه غيره من الصحابة(٥). وقد أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية ابن القاسم فقال: ((يروى عن ابن عباس أنه كان يقول: (إذا انقطع الدم في الحيضة الثالثة فقد بانت منه)(٦). راجع هذا الفصل في: التمهيد: (٢٨٢/٣) والمسوّدة ص (٣٤٠). (١) تُعُقب المؤلف في هذا، فإن الرواية الواحدة أنه لا يقدم قول الخليفة الأول على (٢) الثاني، كما يتضح من رواية إسماعيل بن سعيد، التي ساقها المؤلف، واستدل بها على ما ذهب إليه. قال في المسودة ص (٣٤١): ( ... وكأن القاضي قد جعلها رواية واحدة أخذاً من هذا [من رواية إسماعيل] ثم رجع عن ذلك، فإن الرواية الثانية أصرح). وتبع أبو الخطاب شيخه في ذلك، فقال في التمهيد (٢٨٢/٣): (فأما قول أحدهم فليس بحجة رواية واحدة). (٣) في الأصل (فله). (٤) واختاره أبو الخطاب الحنبلي. (٥) واختاره أبو حفص البرمكي الحنبلي، كما في المسوّدة. (٦) أخرج هذا سعيد بن منصور في سننه، باب الرجل يطلِّق امرأته فتحيض ثلاث = ١٢٠٢ وهو أصح في النظر. فقيل له: فلم لا تقول به؟! قال: قد قال عمر وعلي وابن مسعود، فأنا أتهيَّب أن أخالفهم، يعني: باعتبار الغسل))(١). ونقل ابن منصور ما هو أصرح من هذا، فقال ابن منصور: قلت: ((قول ابن عباس في أموال(٢) أهل الذمة العفو؟(٣). قال أحمد - رحمه الله - : عمر جعل عليهم ما قد بلغك(٤). كأنه لم ير ما قاله ابن عباس)). قال أبو حفص البرمكي في شرح مسائل ابن منصور: ((إنما لم ير ما قال حِيَض فيدخل عليها قبل أن تطهر (٣٣٣/١) ولفظه: ( ... عن ابن عباس قال: = إذا حاضت المطلقة الثالثة فقد برئت منه، إلا أنها لا تزوج حتى تطهر). كما أخرجه عن زيد بن ثابت وعائشة - رضي الله عنهما - في الموضع المذكور. (١) القول بأن الرجل أحق برجعة امرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة مروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وعبادة ابن الصامت - رضي الله عنهم - أخرج ذلك عنهم سعيد بن منصور في سننه في الموضع السابق ذكره (٣٣٢/١ - ٣٣٤). (٢) في الأصل: (أمول). (٣) هذا الأثر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أخرجه عنه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب أهل الكتاب، باب صدقة أهل الكتاب (٩٨/٦) ولفظه ( ... أن إبراهيم ابن سعد [وكان عاملاً بعدن] سأل ابن عباس، فقال له: ما في أموال أهل الذمة؟ قال العفو، فقال: إنهم يأمرونا بكذا وكذا، قال فلا تعمل لهم، قلت: فما في العنبر؟ قال: إن كان فيه شىء فالخمس). كما أخرجه في كتاب أهل الكتابين، باب ما يؤخذ من أراضيهم وتجاراتهم (٣٣٣/١٠ - ٣٣٤). (٤) أخرج عبد الرزاق في مصنفه في الموضعين السابقين كثيراً من الآثار عن عمر بن الخطاب أنه كان يأخذ على أموال أهل الذمة. فروي أنه كان يأخذ من كل عشرين درهماً درهماً. وهو نصف العشر. وروي أنه أمر المسلمين أن يأخذوا منهم العشر. وروي أنه أمر زياد بن حدير أن يأخذ من نصارى بني تَغْلِب العشر، ومن نصارى العرب نصف العشر. ١٢٠٣ ابن عباس؛ لأن أحد الخلفاء إذا رُوي عنه شيء، وروي عن غير الخلفاء ضده، فالذي يلزم اتباعه ما جاء عن أحد الخلفاء لقول النبي عَ ◌ّه (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ). قيل : إنها آخر الأضراس. وقيل: إنها الضرس الذي بعد النَّاب. دلیلنا: أنه لو كان حجة لم يجز لمن بعده أن(١) يخالفه فيه، كما إذا أجمعوا على حكم لم يجز لمن بعدهم أن يخالفهم فيه. وقد روي من خلاف عمر لأبي بكر في التسوية في العطاء(٢). (١) في الأصل: (من أن) الخ. و(من) هنا قَلِقة، فلعلها من صنع الناسخ. (٢) كان أبوبكر - رضي الله عنه - يسوي في العطاء. أخرج ذلك عنه البيهقي في سننه في كتاب قسم الفيء والغنيمة باب التسوية بين الناس في القسمة (٣٤٨/٦) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (ولي أبوبكر - رضي الله عنه - فقسم بين الناس بالسوية، فقيل لأبي بكر يا حنيفة رسول الله لو فضلت المهاجرين والأنصار، فقال: اشتري منهم شرى؟. فأما هذا المعاش فالأسوة فيه خير من الأثرة). ولفظه بسند آخر: (قسم أبوبكر - رضي الله عنه - أول ما قسم، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه - فضل المهاجرين الأولين وأهل السابقة، فقال: اشتري منهم سابقتهم؟ فقسم فسوى) أما عمر - رضي الله عنه - فكان يفضل في العطاء. أخرج البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة (٨٠/٦) ولفظه: (كان [أي عمر] فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال: إنما هاجر به أبواه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه). وأخرج الإِمام أحمد في مسنده (٤٢/١) عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: (كان عمر يحلف على أيمان ثلاث، يقول: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، وما أنا بأحق به من أحد، والله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب = ١٢٠٤ ٢ ٠ وخلاف علي في بيع أمهات الأولاد. وغير ذلك مما اختلفوا فيه علمنا: أن قول واحد منهم بانفراده لا يكون حجة. واحتج المخالف: بما روي عن النبي عَّ أنه قال [١٨٠/أ]: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، فأمر باتباع سنة كل واحد منهم. والجواب عنه: ما تقدم(١). إلا عبداً مملوكاً، ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى وقسمنا من رسول الله = - صلى الله عليه وسلم - فالرجل وبلاؤه في الإِسلام، والرجل وقدمه في الإِسلام، والرجل وغناؤه في الإِسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتينَّ الراعي. بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه). كما أخرج في مسنده (٤٧٥/٣ - ٤٧٦) عن باشرة بن سمي اليزني قال: (سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في يوم الجابية، وهو يخطب الناس -: إن الله عزوجل جعلني خازناً لهذا المال وقاسماً له. ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادىء بأهل النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أشرفهم، ففرض لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعدل بيننا، فعدل بينهنَّ عمر، ثم قال: إني باديء بأصحابي المهاجرين الأولين، فإنا أخرجنا من ديارنا ظلماً وعدواناً، ثم أشرفهم، ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف، ولمن كان شهد بدراً من الأنصار أربعة آلاف، ولمن شهد أحداً ثلاثة آلاف، قال ومن أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنَّ رجل إلا مناخ راحلته .... ). وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي في سننه في كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب التفضيل على السابقة والنسب (٣٤٩/٦). وأخرجه سعيد بن منصور في سننه في باب ما جاء في فضل المجاهدين على القاعدين (١٥٦/٢). (١) في المسألة التي قبل هذه. ١٢٠٥ مسألة إذا عقد أحد الأئمة الأربعة عقداً، لم يجز لمن بعده من الأئمة فسخه(١)، نحو ما عقده عمر من صلح بني تَغْلِب(٢) ومن خراج السَّواد(٣). والجزية، وما يجري هذا المجرى؛ لأنه صادف اجتهاداً سالفاً. وذلك أنه لما وضَع الخراج على الأرضين، والجزية على الرقاب، وضاعف الحقوق على بني تَعْلِب، لم يكن في ذلك إسقاط حق القبض لمن بعده من الأئمة، وإنما نقل حق القبض من موضع إلى موضع؛ لأنه ترك قسمة أرض السواد، فنقل ذلك الحق إلى الخراج، وحق الأئمة بعده، قائم في قبضه. وكذلك الجزية وما يؤخذ من بني تَغْلِب، فإن حق القبض فيه إلى الإِمام، (١) راجع هذه المسألة في المسوَّدة ص (٣٤١) والقواعد والفوائد الأصولية ص (٢٩٤). (٢) أخرج ذلك بسنده أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الأموال ص (٣٦) ولفظه: (عن داود بن كرودس قال: صالحت عمر بن الخطاب عن بني تغلب - بعد ما قطعوا الفرات وأرادوا اللحوق بالروم - على أن لا يصبغوا صبيانهم [أي لا ينصرونهم] ولا يكرهون على دين غير دينهم، وعلى أن عليهم العشر مضاعفاً: من كل عشرين درهماً درهم قال: فكان داود يقول: ليس لبني تغلب ذمة، قد صبغوا في دینهم). ثم ذكر الصلح بسند آخر، وفيه: (فصالحهم عمر بن الخطاب على أن أضعف عليهم الصدقة واشترط عليهم أن لا ينصَّروا أولادهم). (٣) إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وضع الخراج على أرض السواد، ولم يقسمها كالغنائم. انظر في ذلك: الأموال لأبي عبيد ص (٧٤) والمصنف لعبد الرزاق (١٠٠/٦) و (٣٣٣/١٠). ١٢٠٦ : فلهذا لم يكن لمن بعده فسخه. فإن قيل: أليس قد جاز للإِمام إبطال حق الغانمين من القسمة؟. قيل: الإِمام إنما كان له إبطال حق الغانمين من القسمة؛ لأنه كان يجوز له إبطال حقوقهم من الغنائم بأن تُقتل الرقاب، فبطل حق الغانمين فيها(١). فإن قيل: أليس قد جاز أن يزيد على جزية عمر وينقص منها، وهذا تغيير لفعله. قيل: اختلفت الرواية في ذلك. فروي عنه: أنه لا يجوز(٢). وروى عنه: الجواز(٣). (١) في الأصل: (عنها). (٢) وهو ما نقله العباس بن محمد بن موسى الخلاَّل عن الإِمام أحمد أنه قال: ليس للإمام أن يغيرها على ما أقرها عليه عمر. انظر: الأحكام السلطانية للمؤلف ص (١٦٥). (٣) وهو ما نقله محمد بن داود عن الإِمام أحمد، وقد سئل عن حديث عمر: ((وضع على جريب الكرم كذا، وعلى جريب كذا كذا)) هو شىء موصوف على الناس لا يزاد عليهم، أو إن رأى الإِمام غير هذا زاد ونقص؟ قال أحمد: بل هو على رأي الإِمام إن شاء زاد عليهم، وإن شاء نقص، وقال: هو بين في حديث عمر (إن زدت عليهم كذا لا يجهدهم؟) إنما نظر عمر إلى ما تطيق الأرض)). وهناك رواية نقلها يعقوب بن بختان (لا يجوز للامام أن ينقص، وله أن يزيد). ورجح أبوبكر الخلاَّل الرواية الثانية حيث قال: (أبو عبدالله يقول: ((إن للإِمام النظر في ذلك، فیزید عليهم وينقص على قدر ما يطيقون)» وقد ذكر ذلك عنه غير واحد). قال القاضي أبو يعلى: (وما قاله عباس الخلاَّل [ناقل الرواية الأولى] عن أبي عبد الله: فهو قول أوَّل لأبي عبد الله). قلت: والقول بمقتضى الرواية الثانية هو العدل. انظر: الأحكام السلطانية للمؤلف ص (١٦٥ - ١٦٦). ١٢٠٧ وذلك أنه ليس فيه فسخ العقد، وإنما هو موقع بعده على حسب الطاقة. لأن عمر - رضي الله عنه - عقده على هذا الوجه؛ لأنه قال لعثمان بن حنيف(١) لعلك حملت الأرض ما لا تطيق(٢). فاعتبر الطاقة، وهذا يختلف باختلاف الأوقات. مسألة إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين، ولم ينكر بعضهم على بعض، لم يجز لمن هو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم من غير دلالة على صحة قول الصحابي(٣). نصَّ عليه - رحمه الله - في رواية المروذي فقال: ((إذا اختلف أصحاب رسول الله عَ لّه لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ينظر (١) عثمان بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة، أبو عمرو، الأنصاري. صحابي. كان عاقلاً بصيراً. عمل لعمر ثم لعلي - رضي الله عنهما - سكن أخيراً الكوفة. وبقي إلى زمان معاوية، رضي الله عنه. له ترجمة في: الاستيعاب (١٠٣٣/٣). (٢) قال عمر - رضي الله عنه - هذا الكلام لعثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان بصيغة التثنية أخرج ذلك عبد الرزاق في مصنفه في كتاب أهل الكتاب، باب ما أخذ من الأرض عَنْوة (١٠٣/٦) وأخرجه ابن سعد في طبقاته في ذكر استخلاف عمر، رضي الله عنه (٣٣٧/٣). (٣) راجع هذه المسألة في: المسوّدة ص (٣٤١) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٤٠٦/١) والمدخل ص (٤٢). ١٢٠٨ 1 أقرب القول إلى الكتاب والسنة))(١). وحكى أبو سفيان السرخسي عن بعض شيوخه: ((أنه إذا أظهر هذا القول ولم ينكره منكر جاز الأخذ به» واختار ذلك. وحكى عن قوم من المتكلمين أن ذلك القول(٢) إن كان حادثاً في الصحابة قبل وقوع الفرقة بينهم واختلاف الديار بهم جاز أن يؤخذ به من غير اجتهاد في صحته. وإن كان حادثاً بعد وقوع الفرقة بينهم لم يجز الأخذ إلا أن يدل دليل على صحته غير قول الصحابي(٣). [١٨٠/ب]. دليلنا: أن الصحابة مختلفون فلم يجز لمن هو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم من غير دلالة. أصل ذلك: إذا أُنكر بعضُهم على بعض. فإن قيل: إذا أنكر بعضُهم على بعض فلم يحصل منهم الإجماع على كونه صواباً، وليس كذلك إذا تركوا الإِنكار؛ لأنه يدل على كونه صواباً؛ لأنه لو كان خطأ لم يجز لهم أن يتركوا إنكاره، وإذا ثبت أنه صواب كان المتمسك به مصيباً. قيل: ترك الإنكار لا يدل على كونه صواباً عند المخالف له؛ لأن ما يسوغ فيه الاجتهاد لا يجب إنكاره. (١) يعني لابد من مرجَّح، وهو ما ارتضاه السرخسي في أصوله (١١٣/٢). ونسبه في المسوّدة إلى المالكية والشافعية وطوائف من المتكلمين. (٢) في الأصل: (وان). (٣) وحكاه ابن عقيل: عن بعض أصحاب السرخسي، كما حكاه عن الجُبَّائي وابنه. انظر: المسوّدة ص(٣٤٢). ١٢٠٩ وقد نصَّ أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية بكر بن محمد فقال: ((على الرجل أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطىء)). وأيضاً: لما لم يجز لأحد المجتهدين أن يأخذ بقول الآخر حتى تدل دلالة على صحة قوله، كذلك مثله في الصحابة. فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس في قول المجتهد الآخر حجة، ولا نعلم أنه صواب، وأما قول الصحابي فإنه حجة. قيل: إنما يكون حجة إذا انفرد ولم يعارضه غيره، فأما إذا خالفه غيره فليس بحجة. وأيضاً : فإن قول كل واحد منهما ضد الآخر، وليس أحدهما بأولى بالتقديم من صاحبه، وإذا كان كذلك وجب أن يتعارضا فيسقطا، وإذا سقطا وجب الرجوع إلى الاجتهاد في ذلك. واحتج المخالف: بما تقدم، وهو: أنه إذا لم يحصل منهم الإِنكار دل على كونه صواباً؛ لأنه لو كان خطأ لم يترك الإِنكار. والجواب عنه: ما تقدم. واحتج: بأن الصحابة قد رجع بعضهم إلى قول بعض مع كون الجميع من أهل الاجتهاد. كما روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قبل قول معاذ في ترك رجم المرأة الحامل(١). (١) هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الحدود، باب من قال: إذا فَجَرَت وهي حامل انتظر بها حتى تضع، ثم ترجم (٨٨/١٠) رقم (٨٨٦١) بسنده ولفظه (أن امرأة غاب عنها زوجها، ثم جاء وهي حامل، فرفعها إلى عمر، فأمر برجمها، فقال معاذ: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها، = ١٢١٠ : وكما روي عن عثمان أنه استنَّ فيهم سنة أبي بكر وعمر، وقبل البيعة على ذلك، ولم ينكر على من قبل قول غيره منهم، وإن كان من أهل الاجتهاد. والجواب: أنه يحتمل أن يكون من رجع منهم إلى قول غيره؛ لأنه ذكر الوجه الذي لأجله قال بما قال به، فاستدل بما ذكره على صحة قوله إذا علم صحة قوله من غير أن يذكر له الوجه الذي لأجله قال بما قال عند سؤاله. مسألة الشىء المجمع عليه إذا تغيرت حاله جاز تركه بدلالة غير الإجماع(١). وهو قول أصحاب أبي حنيفة(٢). خلافاً لما حُكي عن بعض الشافعية: أن ما ثبت بالإجماع لا يجوز تركه إلا بإجماع مثله. فقال عمر: احبسوها حتى تضع، فوضعت غلاماً له ثَنَّتان، فلما رآه أبوه قال: = ابني، فبلغ ذلك عمر فقال: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر). وذكره الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ بن جبل (٤٥٢/١). كما ذكره صاحب كنز العمال في فضائل معاذ بن جبل (٥٨٣/١٧) رقم (٣٧٤٩٩) ونسبه إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل. ويلاحظ أن القصة وقعت لمعاذ ــ رضي الله عنه - مع عمر - رضي الله عنه - لا مع عثمان - رضي الله عنه - كما ذكر المؤلف. (١) راجع هذه المسألة في: المسوّدة ص(٣٤٣) فإن فيها كلاماً جيداً، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٩٢/١). (٢) انظر: أصول السرخسي (١١٦/٢) فقد فصَّل القول في ذلك: مثَّل، ودَلَّل، وناقشَ، فارجع إليه إذا شئت. ١٢١١ وهذا مثل المتيمم إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء. وما يجري هذا المجرى من المسائل [١٨١/أ]. دليلنا: أن غير الإجماع قد يكون حجة مثل الإجماع، ألا ترى أن الإجماع إنما (١) صار حجة بالخبر الوارد فيه، والخبر إنما صار حجة لقيام دلالة العقل على أن المخير به لا يكذِب، وإذا كان كذلك وجاز ترك المجمع عليه إذا تغيرت حاله وجب أن يجوز أيضاً تركه بغير إجماع. واحتج المخالف: بأنه لو جاز ترك المجمع عليه بغير الإِجماع لأدى ذلك إلى قيام الدلالة على خلاف الإِجماع، وهذا لا يجوز. والجواب: أنه إذا تغيرت صفته، فليس هو المجمع عليه، بل هو غيره، فلا يكون في تركه بغير الإجماع إزالة ما ثبت بالإِجماع بدلالة أخرى. وجواب آخر، وهو: أنه لو لم يجز ترك ما ثبت بالإجماع إذا تغيرت صفته بدلالة غير الإجماع، لم يجز أيضاً تركه بالإجماع؛ لأن الإجماع على خلاف الإجماع لا يجوز، كما لا يجوز خلاف الإجماع، فلمَّا لم يمتنع تركه بالإجماع لم يمتنع أيضاً تركه بغير إجماع. واحتج: بأنه لمَّا لم يكن غير الإِجماع من جنس ما ثبت به الحكم، لم يجز إزالة الحكم، كما لا يجوز إزالة ما ثبت بنص الكتاب بدلالة القياس. والجواب: أنه قد يجوز أن يثبت الشيء بدلالة، ثم ينتقل عنها بدلالة أخرى من غير جنسها، ألا ترى أنه يجوز ترك ما ثبت بالعقل بدلالة من جهة السمع، وإن كانت من غير جنس دلالة العقل. (١) في الأصل: (لما). ١٢١٢ ١ مسألة يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد (١). قال أبو سفيان: وهو مذهب شيوخنا(٢). وقال: قال بعض شيوخنا: لا يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد(٣). دليلنا: أن العمل بخبر الواحد ثابت، فوجب عموم العمل به ما لم يمنع منه دليل. ولأن الإجماع حجة، كما أن كلام النبي عَّه حجة، وقول النبي يثبت بقول الواحد. وذهب المخالف: إلى أن الإِجماع حجة توجب العلمَ، فلا يجوز إثباتُها لا يوجب العلم. والجواب: أنَّا نجيز وقوع الإجماع من طريق الاجتهاد والقياس، وإن كان القياس والاجتهاد لا يوجبان العلم. وكذلك يجوز إثبات التأريخ الموجب للنسخ بخبر الواحد، وإن كان النسخ بخبر الواحد لا يجوز. وكذلك يجوز إثبات الإِحصان بشهادة رجلين، وإن لم يجز إثبات الزنا الموجب للرجم به، كذلك ها هنا لا يمتنع أن يثبت الإِجماع بخبر الواحد، وإن كان الإِجماع موجباً للعلم. (١) راجع هذه المسألة في: المسوّدة ص(٣٤٤)، وشرح الكوكب المنير (٢٢٤/٢) وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٣٨٦/١). (٢) يعني الحنفية. (٣) فالحنفية في هذه المسألة فريقان، فريق يثبت، وفريق يمنع. وبكل قول قال فريق من العلماء. انظر: تيسير التحرير (٢٦١/٣)، وفواتح الرحموت (٢٤٢/٢). ١٢١٣ i مسألة في الحادثة إذا حدثت [١٨١/ب] بحضرة النبي عَةٍ ولم يحكم فيها بشىء، جاز لنا أن نحكم في نظيرها (١). وذهب بعض المتكلمين: إلى أن ترك النبي للحكم في الحادثة يدل على وجوب ترك الحكم في نظيرها، وقال هذا كرجل شجَّ رجلاً شجة، فلا يحكم رسول الله فيها بحكم، فتعلم بتركه ذلك: أن لا حكم لهذه الشجة في الشريعة. دلیلنا: أن بيان الحكم يقع من قبل الله تارة ومن قبل تبيين النبي عَ له تارة أخرى، فلمَّا اتفقوا على أن عدم نص الله تعالى في الحادثة على حكم لا يوجب ترك الحكم في نظيرها، كذلك تركُ رسول الله الحكم في الحادثة لا يوجب ترك الحكم في نظيرها. ولأن النبي عَ لّه قد يكلنا إلى النظر والاستدلال والبحث عن أدلة الأصول(٢). (١) راجع هذه المسألة: المسوّدة ص(٣٤٥). وقد نقل في المرجع المذكور عن ابن عقيل قوله: (إن كان له - صلى الله عليه وسلم ــ حكم في نظيرها يصح استخراجه من معنى نطقه جاز، فأمَّا إذا لم يكن ذلك في قوة ألفاظ النصوص فلا وجه لرجوعنا إلى طلب الحكم مع إمساكه عنه، إذ لا وجه لإِمساكه عن الحكم في وقت الحاجة؛ لأنا أجمعنا على وجوب البيان في وقت الحاجة). وهذا التفصيل يصعب معرفته وتحقيقه في الواقع، وإن كان من الناحية النظرية سليماً. (٢) تعقبه ابن عقيل - كما في المسوَّدة ص(٣٤٥) - بقوله: (فقولوا: يجوز اجتهاد في عين الحادثة التي أمسك عنها، فلما لم يوجب ذلك جواز الاجتهاد في عين الحادثة = ١٢١٤ i ! ألا ترى إلى ما روي أن عمر - رضي الله عنه - لما سأل النبي عد اله عن الكَلاَلة، فلم يجبه النبي عَّه وقال: (يكفيك آيَةُ الصَّيف)(١)، فوكله إلى البحث والنظر. وذهب المخالف: إلى أنه لو كان لهذه الحادثة حكم في الشريعة لم يكن النبي عَ لّهم ليترك بيانه مع عدم نص الله تعالى. والجواب عنه : ما تقدم، وهو: أنه قد يترك البيان، ويكلنا إلى النظر والبحث، فلا يكون ذلك موجباً لترك الحكم في نظير الحادثة. التي أمسك عنها، فكذلك في نظيرتها. علم أنه مستلزم لتأخير البيان عن وقت = الحاجة، وهو غير جائز. ثم قال: إما أن يكون عالماً بحكمها أو غير عالم، فإن كان عالماً امتنع ترك البيان والتبليغ، وإن لم يكن عالماً به فلا نشك أن الأصلح ترك بيانه؛ إذ لو أراد الله بيانه لما طواه عن نبيه، وأوقع الأمة عليه من غير طريقه وبيانه). (١) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الفرائض، باب الكَلاَلة (٣٠٥/١٠) ولفظه: (عن طاوس أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكلالة، فأمهلته حتى إذا لبس ثيابه فسألته، فأُملَّها عليها في كتف، فقال، عمر أمرك بهذا؟! ما أظنه أن يفهمها، أو لم تكفه آية الصَّيف؟. فأتت بها عمر فقرأها، فلما قرأ: ((يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)) (سورة النساء ١٧٦) قال: اللهم من بينت له فلم تبين لي). ففي هذا أن السائل المباشر هو حفصة - رضي الله عنها -. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٢٧/٤) عن البراء بن عازب ــ رضي الله عنه - بلفظ (سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكلالة، فقال: (يكفيك آية الصّيف). قال الهيثمي بعد ذلك: (رواه أبو يعلى، وفيه حجاج بن أرطاة، وهو مدلس). ١٢١٥ باب التقليد التقليد(١): قبول القول بغير دليل(٢). واشتقاقه من القِلادة(٣)؛ لأنها تكون في رقبة الإِنسان، فاشتُقَّ التقليد منها؛ لأنه إذا قَبِل قولَه فيما سأله، فقد قلَّد رقبته ذلك (٤). وليس المصير إلى الإِجماع تقليد المجمعين، ولكن نفس الإِجماع حجة الله تعالى كالآية والخبر، فإذا صار إلى الحكم بدليل الإِجماع، كان دليله على الحكم الإِجماع. وكذلك يُقبل قولُ الرسول، ولا يقال: تقليد؛ لأن قوله وفتواه حجةٌ ودليلٌ على الحكم، والنبي لا يُقلَّد؛ لأن قوله حجة؛ لأنه إذا أفتى بفتيا لم يحتج أن يدل على الحكم بآية من كتاب الله ولا غيره، بل مجرد نطقه عنه. ويفارق فتيا الفقيه؛ لأن قوله ليس بحجة ولا دليل على الحكم؛ لأنه يفتقر إلى دليل تعلق الحكم به. (١) راجع هذا الباب في: أصول الجصاص الورقة (٣٠٤/ب) والتمهيد (٣٩٥/٤)، والمسوّدة ص(٤٦٢)، وروضة الناظر مع شرحها نزهة الخاطر العاطر (٤٤٩/٢)، وشرح مختصر الروضة للطوفي الجزء الثاني الورقة (١٩٨/ب)، والمدخل لابن بدران ص(١٩٣). (٢) هناك تعريفات كثيرة، ذُكر بعضها في المراجع السابقة. (٣) أي: المحيطة بعنق الدابة أو غيرها؛ لأنه إذا لم تكن محيطة بالعنق لا تسمى قلادة. أفاده الطوفى في المرجع السابق. (٤) استعير المعنى الشرعي من المعنى اللغوي، كأن المقلد يُطوِّق المجتهد تبعات ما قلده فيه، من إثم في حالة غشه في دينه وكتمه عنه العلم الصحيح. أفاده: الطوفي في المرجع السابق. ١٢١٦ ٢ فدل على أن النبي معَّمِ لا يُقلَّد أبداً. وقد قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية أبي الحارث: ((من قَلَّد الخبرَ رجوتُ أن يَسْلَم، إن شاء الله))(١). فقد أطلق أحمد - رضي الله عنه - اسم التقليد على من صار إلى الخبر، وإن كان حجة في نفسه. ويمكن أن يحمل قوله: ((قَلَّد)) بمعنى صار إلى [١٨٢ / أ] الخبر. [ما يسوغُ فيه التقليد وما لا يسوغ ] وإذا ثبت حدُّ التقليد. فالكلام فيما يسوغ فيه التقليد وما لا يسوغ فیه(٢). جملته: أن العلوم ضربان: ما يسوغ فيه التقليد. وما لا يسوغ فيه التقليد. فما لا يسوغ فيه التقليد: معرفة الله تعالى، وأنه واحد، ومعرفة صحة الرسالة (٣). (١) هذه الرواية موجودة بنصها في: المسوَّدة ص(٤٦٢) والمدخل ص(١٩٣). (٢) راجع في هذه المسألة: مختصر المعتمد للمؤلف ص(٢٠) والتمهيد (٣٩٦/٤) والمسؤَّدة ص(٤٥٧) وشرح الكوكب (٥٣٣/٤) وروضة الناظر (٤٥٠/٢). (٣) قال أبو الخطاب في التمهيد الموضع السابق: (وبه قال عامة العلماء) ونسبه الفتوحي في شرح الكوكب إلى الإِمام أحمد والأكثر. ويلحق بذلك - كما يقول أبو الخطاب - أصول العبادات كالصلوات الخمس والزكاة والصوم وحج البيت، فإن الإجماع انعقد على أنه لا يجوز فيها التقليد. ١٢١٧ ( العدة فى أصول الفقه - ٧٧ ) وإنما قلنا: لا يقلد في هذا، بل على الكل معرفةُ ذلك بغير تقليد: لقوله(١) تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)(٢). وهذا أعلى منازل التقليد: أن يضمنَ(٣) المقلَّدُ للمقلِّد دركَ ما قلَّده فيه، وأن يتحمل عنه إثمه، فقد ذمَّه الله تعالى عليه وكذَّبه فيه: ثبت أن التقليد فيه لا يجوز. ولأن كل واحد يمكنه معرفة الله تعالى؛ لأنه يشترك فيها العامي والعالِم، لما نبينه فيما بعد. ولأن التقليد لا يفضي إلى المعرفة، ولا يقع به العلم. فصل [معرفة الله لا تجب قبل السمع] ولا يجب عليه معرفةُ الله تعالى قبل السمع مع القدرة على معرفة الله تعالى بالدلائل (٤). وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية عبدوس(٥) بن مالك العطار: (١) في الأصل: (قوله) بدون اللام. (٢) آية (١٢) من سورة العنكبوت. (٣) في الأصل: (يضمر) وهو تصحيف. (٤) ونقل الفتوحي في شرح الكوكب المنير (٣١٠/١) عن الشيرازي: أن الأشعرية يقولون إن وجوب معرفة الله تعالى بالعقل وبالشرع. (٥) في الأصل: (عبد الله) وهو خطأ، وسيأتي اسمه كما أثبتناه، وهو كذلك في المسوّدة ص (٤٨١) وقد سبقت ترجمته. ١٢١٨ i 1 (ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك(١) بالعقول، إنما هو الاتباع)). خلافاً للمعتزلة في قولهم: عليه أن يعرف ذلك قبل أن يرد السمع، فإن لم يفعل، فهو كافر معاند(٢). وقالوا: المراهق إذا بلغ حداً يميز ويعقل وجب عليه أن يعرف الله تعالى، فإن لم يفعل، فهو كافر معاند. دليلنا : قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(٣). وقال تعالى: (ُرُسُلاً مُبَشِرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اْلُّسُلِ)(٤) فدل ذلك على أن الله تعالى لا يعرف قبل أن يبعث الرسل. وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىُ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)(٥). وقال تعالى: (وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيَْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاً أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَبِعَ ايَاتِكُ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٦) وقال الله تعالى: (وَلَوْ أُنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَتَبِعَ ءاَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْرَى)(٧). (١) في الأصل: (يدرك) بالمثناه التحتية. (٢) انظر في هذا: زيادات المعتمد (٩٩٤/٢)، والإِحكام للآمدي (٨٦/١) وإرشاد الفحول ص(٧). (٣) آية (١٥) من سورة الاسراء. (٤) آية (١٦٥) من سورة النساء. أية (٥٩) من سورة القصص. (٥) آية (٤٧) من سورة القصص. (٦) اية (١٣٤) من سورة طه. (٧) ١٢١٩ وهذا كله يدل على ما ذكرناه. وأيضاً: ما روى سليمان بن بريدة(١) عن أبيه، قال: كان رسول الله عَ اله إذا بعث أميراً على سرية أمره بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين، وقال: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم [إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم] (٢) إلى الإِسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، [فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا](٣) فاستعن بالله عليهم وقاتلهم)(٤). فأمر بقتالهم بعد الدعاء والامتناع. وإذا ثبت وجوبها بالسمع فالطريق إليها أدلة يشترك فيها العالِم والعامي، وهي أمور عقلية. (١) هو: سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي. ثقة. روى عن أبيه وعمران ابن حصين وعائشة ـ رضي الله عنهم ـ وغيرهم. وعنه علقمة بن مرثد ومحارب ابن دثار وعبد الله بن عطاء وغيرهم. ولد لثلاث خلون من خلافة عمر - رضي الله عنه - ومات سنة (١٠٥ هـ)، وله (٩٠) سنة. له ترجمة في: تهذيب التهذيب (١٧٤/٤) وتقريب التهذيب (٣٢١/١). (٢) ما بين القوسين زيادة من مراجع التخريج الآتية. (٣) ما بين القوسين زيادة من مراجع التخريج الآتية. (٤) هذا الحديث رواه بريدة - رضي الله عنه - أخرجه عنه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب: تأمير الإِمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (١٣٥٧/٣). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: في دعاء المشركين (٣٥/٢). وأخرجه عنه الترمذي في كتاب السير، باب: ما جاء في وصيته - صلى الله عليه وسلم - في القتال (١٦٢/٤) حديث (١٦١٧). وأخرجه ابن ماجة في كتاب الجهاد، باب: وصية الإِمام (٩٥٣/٢) حديث (٢٨٥٨). ١٢٢٠ :