Indexed OCR Text
Pages 861-880
وبهذا قال [١٢٨/أ] جمهور الفقهاء والمتكلمين . وقال قوم من أهل البدعة : لا يجوز العمل به ، ولا يجوز ورود التعبد به . وقال القاشاني (١) وأبو بكر بن داود : لا يجوز العمل به من طريق الشرع ، وكان يجوز ورود التعبد به . وقال الجبائي : لا يقبل في الشرعيات أقل من اثنين . دليلنا : قوله تعالى: ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَاَ رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (٢). وقوله : ( فَلَوْلاَ ) معناه : فهلأَّ نفروا . وقوله : ( فِرْقَة ) معناه جماعة ، أقلها ثلاثة . وقيل : قد يقع هذا الاسم على واحد بدليل قوله تعالى : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أْقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... ) (٣)، إلى قوله : ( بَيْنَ أَخَوَيْكُم)، وقوله: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٤) ، قيل أقلها واحد . (١) هو : محمد بن إسحاق أبو بكر القاشاني ، بالمثلثة ، أو القاساني ، بالمهملة . كان ظاهرياً ، ثم صار شافعياً . له مؤلفات ، منها : ((كتاب الرد على داود في إبطال القياس))، و ((كتاب الفتيا الكبير)). له ترجمة في: ((الفهرست)) ص (٣٠٠) طبعة المكتبة التجارية . (٢) (١٢٢) سورة التوبة. (٣) (٩) سورة الحجرات . (٤) (٢) سورة النور . ٨٦١ وقال محمد بن كعب (١) في قوله: (إِن نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ منْكُمْ) (٢)، كان هذا رجلاً واحداً (٣). وقوله : ( مِنْهُم ) يعني من المسلمين . وقوله : ( طَائِفَة) معناه : جماعة ، أقلها واحد . وإذا ثبت هذا فمن الآية دليلان : أحدهما: قوله: (لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم ) فلو لا أن الإنذار قد يقع بالآحاد ما حثّ عليه ولا أمر به . . والثاني: قوله: ( لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ ) فلو لا أن خبر الواحد يوجب العمل لما وقع به الحذر . فإن قيل : الآية تقتضي وجوب الإنذار ، وليس فيها وجوب الرجوع إلى قول المنذر ، بل يجوز أن يرجع المنذر إلى أمر آخر ، وليس من حيث وجب الإنذار وجب الرجوع إليه ، فإنه يجب على الإمام أن يخبر غيره بمعرفة اللّه تعالى ووحدانيته، ولا يجب على المخبر الرجوع إلى قوله ، بل يرجع إلى دليل آخر . ولهذا نظائر . هـ (١) هو : محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظي أبو حمزة ، وقيل : أبو عبد الله. أحد العلماء بالتفسير مع الثقة والتقى والورع . روى عن المغيرة بن شعبة ومعاوية وابن عباس وخلق ، وعنه محمد بن المنكدر وموسى بن عبيدة وابن عجلان وآخرون . مات سنة (١١٨) وقيل : غير ذلك . له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٤٢٢/٩)، و((الخلاصة)) ص (٣٥٧) طبعة بولاق . (٢) (٦٦) سورة التوبة . (٣) تفسير (( محمد بن كعب)) لهذه الآية ، ذكره الطبري بسنده في (( تفسيره)) ( ١٠/ ١٧٣ ) طبعة الحلبي . ٨٦٢ ١ 1 قيل : في الآية تحذير من المخالفة بقوله: ( لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ) والتحذير لا يكون إلا في الأمر الواجب . وعلى أن الظاهر يقتضي وجوب الرجوع إلى قول المنذر حيث أمر هو بالإنذار ، وإلا بطل فائدة الأمر بذلك ، وإنما لم يلزم الرجوع إلى ما ذكروه من الأخبار عن معرفة الله سبحانه وما أشبه ذلك ؛ لقيام (١) دليل عليه ، وهو : أنه يجب العلم بتلك الأشياء ومعرفتها قطعاً . فإن قيل : المراد بالآية : أنهم يرجعون إلى قومهم فيفتونهم ، ويؤخذ بقولهم في الفتيا . قيل : الآية عامة في الأمرين معاً . وعلى أن الإنذار في الظاهر إنما يعتبر به عن الإخبار عن الشيء دون الفتيا . فإن قيل : الحذر هو : أن ينظر ويعمل بما دل عليه الدليل . قيل : الطائفة إذا قالت : قال رسول الله صل التمر: من لم يفعل كذا أحرق [١٢٨/ب] بالنار، أو من فعل كذا أحرق بالنار ، كان الحذر منه بالقبول والعمل بما أخبره ، ومن لم يقبله ولم يعمل بذلك ، لم يكن حاذراً ما أنذر به . ويدل عليه قوله تعالى: ( إنْ جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنبأٍ فَتَبَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوَماً بِجَهالةٍ ) (٢) فدل على أن العدل إذا جاءَ بنبأ، لا نتبين ولا نتثبت فيه ، من طريق دليل الخطاب ، فلو كانا سواءً لم يكن لتخصيصه بالفاسق بالتثبت معنى . ويدل عليه : أن النبي عَ لِ كان يبعث لتبليغ شرعه وأحكامه إلى النواحي والقبائل والبلاد آحاداً ، فبعث أبا بكر أميراً على الحاج ، وبعث (١) في الأصل : ( لقوام). (٢) (٦) سورة الحجرات . ٨٦٣ عمر ساعياً على الصدقة ، وبعث علياً قاضياً إلى اليمن ، وبعث معاذاً جابياً للصدقات إلى اليمن ، وبعث عتاب بن أسيد (١) إلى مكة والياً ، وبعث مصعب بن عمير (٢) إلى المدينة ، وأمر منادياً بتحريم الخمر ، وتحريم صيام أيام منى ، وغير ذلك مما يكثر نقله ، فلو لا أن خبر الواحد يوجب العمل ما بعث إليهم ما لا يجب العمل عليهم بقوله . وكذلك أيضاً بعث الكتب ، فكتب إلى كسرى كتاباً ، وكتب إلى قيصر كتاباً ، وبعث به مع واحد ، فدل على ما قلناه . فإن قيل : هذه أخبار آحاد ، فلا يحتج بها في إثبات خبر الواحد . قيل : وإن كانت آحاداً في اللفظ فهي متواترة في المعنى بمجموعها ؛ لأن الأمة تلقتها بالقبول ، وتطابقت على العمل بها . فإن قيل : فما ينكر أن يكون قد تقدم علمهم بالأحكام ، كما قلتم : إنه يقدم علمهم بوجوب العمل بأخبار الآحاد . (١) هو: عتَّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس أبو عبد الرحمن القرشي الأموي. أسلم يوم فتح ((مكة))، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على ((مكة )) عام الفتح ولم يزل أميراً عليها . حتى وفاته سنة (١٣ هـ) ، في اليوم الذي مات فيه أبو بكر ، رضي الله عن الجميع . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٠٢٣/٣)، و((الإصابة)» القسم الرابع ص (٤٢٩) طبعة دار نهضة مصر، و((الخلاصة)) ص (٢٥٧)، طبعة بولاق . (٢) هو : مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف أبو عبد الله ، القرشي العبدري . من السابقين إلى الإسلام . ومن أول من هاجر إلى الحبشة . بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قبل الهجرة ، يقرىء أهلها القرآن ، ويعلمهم دينهم . شهد بدراً ، وكان حامل الراية . وشهد أحداً ، حاملاً الراية ، وفيها استشهد . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٤٧٣/٤)، و((الإصابة)» القسم السادس ص (١٢٣)، طبعة دار نهضة مصر . ٨٦٤ : i : 1 1 قيل : الأحكام لم يوجد فيها الخبر المتواتر ، ولو وجد ذلك لعلمناه ، كما علمنا سائر ما تواتر به الخبر . وأما وجوب العمل بها : فقد كان يتواتر به الخبر، وعلم (١) المسلمون والكفار ذلك من فعله وقوله ، كما علمناه . فإن قيل : أليس قد كان يبعث الدعا [٥] إلى الإيمان بالله وبالرسول وهذا لم يكن معلوماً من جهة الداعي ، فما ينكر ذلك للأحكام . قيل : وجوب ذلك عندنا بالشرع دون العقل ، ولا فرق بينهما ، وعند المخالف : وجوبه من طريق العقل ، فبعث من ينبههم على ما في عقولهم ، وليس كذلك سائر الأحكام ؛ فإنه لا طريق لهم إليها إلا من جهة خبر من بعثه إليهم . وأيضاً : فإن الصحابة أجمعت على العمل بخبر الواحد ؛ لأنا نعلم أن بعضهم كان يقبل من بعض ، ولا يطالبه بالتواتر والاستفاضة ، وهذا معلوم من أحوالهم ضرورة . فروي أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه عمل بخبر المغيرة (٢) ومحمد (١) في الأصل : ( وعلمه ) . (٢) هو : المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي ، أبو عبد الله ، وقيل : أبو عيسى . أسلم عام الخندق . أحد دهاة العرب المشهورين . ولاه عمر البصرة ، ثم عزله عنها وولاه الكوفة ، وأقره عثمان عليها ، ثم عزله . ولما تم الأمر لمعاوية أعاده والياً عليها. ومات بها سنة ( ٥٠ هـ). له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٤٤٥/٤)، و((الإصابة)» القسم السادس ص (١٩٧)، طبعة دار نهضة مصر، و((الخلاصة)) ص (٣٨٥)، طبعة بولاق. ٨٦٥ العدة فى أصول الفقه - ٥٥ ابن مَسْلَمة (١) في ميراث الجدة (٢). وعمل عمر رضي الله عنه بخبر عبد الرحمن بن عوف (٣) [١٢٩/أ] في أخذ الجزية من المجوس . وعمل بخبر حَمَل بن مالك بن النابغة في غرة عبد أو أمة في الجنين ، وقال : كدنا أن نقضي فيه برأينا . وعمل بخبر الضحاك بن سفيان في توريث النبي مع الفل امرأة أشْيم الضّبابي من دية زوجها . وقال عبد الله بن عمر : كنا نخابر أربعين سنة ، فلا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج ، فتركناها لقول رافع . (١) هو : محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد الأنصاري الحارثي ، أبو عبد الرحمن . وقيل : أبو عبد الله - صحابي . شهد بدراً والمشاهد كلها . استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته . اعتزل الفتنة . مات بالمدينة سنة (٤٣ هـ) وله سبع وسبعون سنة تقريباً. له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٣٧٧/٣)، و((الإصابة)» القسم السادس ص (٣٣)، طبعة دار نهضة مصر، و((الخلاصة)) ص (٣٥٩)، طبعة بولاق . (٢) هذا الحديث سيأتي تخريجه ص (٨٧٠)، فقد ذكره المؤلف بلفظ : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعمها السدس ) . (٣) هو : عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث القرشي الزهري ، أبو محمد . جمع بين الهجرتين ، هجرة الحبشة ، وهجرة المدينة : شهد بدراً والمشاهد كلها . أحد العشرة المبشرين بالجنة . وأحد الستة الذين جعل عمر المشورة فيهم . مات بالمدينة ودفن بالبقيع ، وصلى عليه عثمان ، وذلك سنة (٣١ هـ). عن عمر يناهز الخامسة والسبعين. له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٨٤٤/٢)، و((الإصابة)) القسم الرابع ص (٣٤٦) طبعة دار نهضة مصر. و((الخلاصة)) ص (٢٣٢) ، طبعة بولاق . ٨٦٦ 1 وعمل عثمان رضي الله عنه بخبر فُرَيْعةَ بنت مالك (١) في سكنى المتوفى عنها [زوجها ] (٢) . وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ما حدثني أحد بحديث إلا (١) هي : فُرَيْعَة بنت مالك بن سنان الخدرية، ويقال لها: الفارعة . وهي أخت أبي سعيد الخدري ، وهي التي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمكث في بيتها ، حتى يبلغ الكتاب أجله . وقد عمل عثمان بما روت . لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٩٠٣/٤)، و((الإصابة)) (١٦٦/٨). (٢) حديث فريعة - رضي الله عنها - هذا أخرجه عنها الترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء أين تعتدّ المتوفى عنها زوجها (٤٩٩/٣ )، ولفظه : ( .. أنها - أي فريعة - جاءت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة ، وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا ، حتى إذا كان بطرف القدوم - موضع حول المدينة - لحقهم فقتلوه . قالت : فسألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي ، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ، ولا نفقة . قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)). قالت : فانصرفت ، حتى إذا كنت في الحجرة ، أو في المسجد ، ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أمر بي ، فنوديت له، فقال: ((كيف قلت)) ؟ قالت : فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال: ((أمكثّي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله )) . قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً . قالت : فلما كان عثمان ، أرسل إليّ فسألني عن ذلك فأخبرته ، فاتبعه، وقضى به. ثم قال الترمذي في الحديث : ( حديث حسن صحيح ) . وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الطلاق ، باب في المتوفى عنها تنتقل (٥٣٦/١). وأخرجه عنها النسائي فيه ، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل (٦/ ١٦٥ ) . وأخرجه عنها ابن ماجه فيه ، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها (٦٥٤/١) . وأخرجه عنها الدارمي فيه ، باب خروج المتوفى عنها زوجها ( ٩٠/٢). وأخرجه عنها الإمام الشافعي في كتاب النفقات ، باب اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها ... ( ٤٠٩/٢ ). ٨٦٧ استحلفته إلا أبا بكر ، وصدق أبو بكر (١) . ورجع ابن عباس عن قوله : إنما (٢) الربا في النسيئة (٣) ، بخبر أبي سعيد الخدري (٤) . (١) كلام علي - رضي الله عنه - هذا قاله ضمن حديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم . أخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة ، باب في الأستغفار (٣٤٩/١)، ولفظه : ( كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني ، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، قال : وحدثني أبو بكر ، وصّدَق أبو بكر ، أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وما من عبد يذنب ذنباً، فيحسن الطهور ، ثم يقوم، فيصلي ركعتين، ثم يستغفر اللّه، إلاَّ غَفَر الله له))، ثم قرأ هذه الآية: ((وَالَّذِ ينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً، أوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم، ذَكَرُوا اللّهَ ... ))). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء في أن الصلاة كفارة (٤٤٦/١) ، ولفظه قريب من لفظ أبي داود . وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده )) ( ٢/١ )، ولفظه قريب من لفظ أبي داود . وسنده حسن ، وصححه ابن حبان (٢٤٥٤). (٢) في الأصل : ( لهما ) . (٣) قصة رجوع ابن عباس رضي الله عنهما عن حصره الربا في ربا النسيئة ، أوردها البيهقي في سننه الکبری بسنده ، وذلك في كتاب البيوع ، باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول: ((لا ربا إلا في النسيئة)) عن قوله ونزوعه عنه (٢٨١/٥ - ٢٨٢) . (٤) حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - هذا أخرجه مسلم عنه في كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً (١٢١١/٣)، ولفظه: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، يداً بيد ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، الآخذ والمعطي فيه سواء))). وأخرجه عنه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالفضة (٩٢/٣ ). وأخرجه عنه الإمام أحمد في « مسنده)» (٩/٣). ٨٦٨ . وعملوا بخبر عائشة في التقاء الختانين . وعمل زيد بن ثابت برواية امرأة من الأنصار : أن الحائض تنفر بلا وداع (١) . ورجع أهل قباء إلى خبر الواحد في تحويل القبلة . وكذلك رجع جماعة في إراقة الخمر إلى خبر الواحد . ومثل هذا كثير ، يطول شرحه ، فدل على إجماعهم . فإن قيل : طريق ذلك كله من طريق الآحاد ، فلا يجوز إثبات خبر الواحد بمثله . (١) قصة رجوع زيد بن ثابت رضي الله عنه في ذلك ، أخرجها البخاري في كتاب الحج ، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (٢١٠/٢) بسنده إلى عكرمة قال: إن أهل المدينة سألوا ابن عباس رضي الله عنهما عن امرأة طافت ، ثم حاضت ، قال لهم : تنفر ، قالوا : لا نأخذ بقولك وندع قول زيد ، قال : إذا قدمتم المدينة ، فسلوا ، فقدموا المدينة فسألوا ، فكان فيمن سألوا أم سليم ، فذكرت حديث صفية . وقد ذكر البخاري حديث صفية قبل هذا ، وذلك أنها حاضت ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أحابستنا هي))؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: ((فلا إذاً)). وأخرج ذلك : مسلم في كتاب الحج ، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (٩٦٣/٢). بسنده إلى طاوس ، قال : كنت مع ابن عباس ، إذ قال زيد بن ثابت : تفتى أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ؟ فقال له ابن عباس : أما لا ، فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك ، وهو يقول : ما أراك إلا قد صدقت . وأخرج ذلك أيضاً: البيهقي في ((سننه الكبرى)) في كتاب الحج ، باب ترك الحائض الوداع (١٦٣/٥ - ١٦٤)، وساق كلاً من لفظ البخاري ومسلم. ٨٦٩ قيل : هذا متواتر من طريق المعنى ، وقد بينّاه . وعلى أنه مع كثرته . لا يجوز أن يكون جميعه باطلاً ، كما لا يجوز أن يقال: جميع ما روي عن النبي عْ اللّهِ يجوز أن يكون خطأ ، وكما لا يجوز أن يقال : إن الجماعة الكثيرة من المسلمين لا يجوز أن يكون جميعهم كذبة في خبرهم ، مع اعتقادهم الإسلام . فإن قيل : يجوز أن يكون حكموا بهذه الأخبار مع سبب قارنها أوجب العلم بصدقها . قيل : لم يرد غير الأخبار ورجوعهم إليها ، فدل على أنه كان سببها . ولأنه لا يجوز أن ينقل الخبر ويترك السبب الذي لأجله حكموا به . وعلى أن ابن عمر قال : فتركناها لقول رافع . وقال عمر : لو لم نسمع هذا ؛ لقضينا برأينا . فدل على أن القضاء بالخبر حصل . فإن قيل : فقد روي عنهم : أنهم ردوا خبر الواحد ولم يقبلوه حتى انضاف إلى المخبر غيره . فروي عن أبي بكر في قصة الجدة : فيكم من سمع من رسول الله [مُالله] شيئاً، فأخبره المغيرة بن شعبة: (أن رسول اللّه عَ التي أطعمها السدس ) (١) فقال أبو بكر : من يشهد معك ؟ فقال : محمد بن مسلمة : أنا ، فلما كملا شاهدين عمل بقولهما . (١) هذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الفرائض، باب في الجدة (١٠٩/٢ - ١١٠) . وأخرجه الترمذي في كتاب الفرائض ، باب ما جاء في ميراث الجدة ( ٤١٩/٤ - ٤٢٠ ) . وأخرجه ابن ماجه في كتاب الفرائض ، باب ميراث الجدة (٩٠٩/٢ - ٩١٠). ٨٧٠ وعن عمر أن أبا موسى (١) استأذن عليه ثلاثاً ، فلم يؤذن له ، فانصرف ، فراسله عمر فقال : لم انصرفت ؟ فقال: سمعت رسول الله عَ طفلِ يقول : ( إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثاً ، فلم يؤذن له ، فلمينصرف ) (٢)، فقال: من يشهد لك؟ فمضى أبو موسى [١٢٨/ب] إلى الأنصار ، فقالوا : نبعث معك بأصغرنا أبي سعيد الخدري ، فمضى ، فسمع عمر منهما . (١) هو : عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري أبو موسى. أسلم بمكة قديماً ، ثم رجع إلى قومه ، ثم قدم في جماعة من الأشعريين على النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر. ولاه النبي صلى اللّه عليه وسلم اليمن، ثم ولاه عمر البصرة ، ثم عزله عنها عثمان بعد أن وليها صدراً من خلافته ، ولكن عثمان ولاه الكوفة . فظل والياً عليها حتى عزله علي . مات بالكوفة ، وقيل بمكة سنة ( ٤٤ هـ ) . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٩٧٩/٣)، و(١٧٦٢/٤)، و((الاصابة)) القسم الرابع ص (٢١١) ، طبعة دار نهضة مصر . (٢) قصة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما وما جرى فيها ، رواها أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه، أخرجها عنه البخاري في كتاب الاستئذان ، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً ( ٦٧/٨ ). وأخرجها عنه مسلم في كتاب الآداب ، باب الاستئذان (١٦٩٤/٣ ). وأخرجها عنه أبو داود في كتاب الأدب ، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان ؟ ( ٦٣٧/٢ ) . وأخرجها عنه الترمذي في كتاب الاستئذان ، باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة ( ٥٣/٥ ) . وأخرجها عنه ابن ماجه في كتاب الأدب ، باب الاستئذان (١٢٢١/٢). وأخرجها عنه الدارمى في كتاب الاستئذان ، باب الاستئذان ثلاثاً (١٨٧/٢ ). ٨٧١ وعن علي أنه كان ما يسمع الخبر حتى يستحلف عليه (١) . فثبت : أنهم ما قبلوا خبر الواحد بانفراده . قيل : يحتمل أن يكونوا فعلوا ذلك احتياطاً ، ولهذا روي عن عمر أنه لما فعل ذلك قال : خفت أن يجترأ على رسول اللّه [َالقمر] فكأنه احتاط، فأما أن يكون فعله على الوجوب فلا . وكذلك ما كان عَلِيّ يفعله من اليمين ، كان على طريق الاحتياط ، ولهذا قبل قول أبي بكر بغير يمين . ولأن من لا يقبل خبر الواحد ، لا يقبله مع اليمين أيضاً . وأيضاً : فقد ثبت الرجوع إلى قول المفتي وشهادة الشهود ، وإن لم يكن ذلك أمراً مقطوعاً عليه، وإنما يحكم به من جهة غلبة الظن والاستدلال، كذلك الرجوع إلى قول المخبر ، فإنه في معنى ذلك ، بل الرجوع إلى المخبر أولى ، فإن المفتي يخبر عن اجتهاد ، والمخبر يخبر عن مشاهدة وسماع ، فحاله أقوى من حال المفتي ، فكان بالقبول أولى . ولأنه لو لم يقبل إلا المتواتر أفضى إلى بطلان العمارات وخراب الدنيا ، لتشاغلهم بالنقل عنها ، وإذا قلنا : يتشاغلون بالعمارات ، حفظوا الدنيا ، وضيعوا الشريعة ، فلا بد من ترك أحدهما ، فحفظنا المعاش بتشاغلهم بها ، وحفظنا السنة بقبول خبر الواحد ، فكان حفظهما معاً أولى من تعطيل أحدهما . وهذا كالشهادات لا بدّ للناس منها ، فلو لم يقبل في الشهادات غير المتواتر أفضي إلى تشاغل الناس بحفظ ذلك وخراب الدنيا ، وإذا قبلنا شهادة (١) هذا الأثر عن علي ، رضي اللّه عنه، سبق تخريجه ص (٨٦٨) بلفظ: ( ما حدثني أحد بحديث ، إلا استحلفته ، إلا أبا بكر ، وصدق أبو بكر ) . ٨٧٢ الآحاد حفظنا الحقوق والدنيا معاً ، فكان حفظهما أولى من تضييع أحدهما ، كذلك الأخبار . فإن قيل : قولكم : لا بد من قبول خبر الواحد ، غير مُسَلّم ، فإن منه ألف بد ، وذلك أن العمل في أحكامنا على ما ثبت قطعاً ، وهو القرآن وخبر المتواتر ، وما لم نجده فيهما بنيناه على الأصل في العقل . قيل : فعلكم هذا ترك للشريعة . وعلى أن في الأحكام ما لا يعرف بالعقل ولا بالعمل على ما كان في الأصل ، كالدية على العاقلة، ونحو هذا، فبطل أن لا يعمل على خبر الواحد . ولأن خبر الواحد لو كان مما لا يوجب العمل، لوجب أن ينكر على من يحفظه ويكتبه ويدونه ؛ لأنه لا فائدة فيه ، كمن كتب ما لا يفهم ، ويحفظ ما لا ينفع ، فإن كل واحد ينكر عليه ويسفهه، فلما [ لم ] نجد أحداً من سلف هذه الأمة وغيرهم أنكر هذا ، ثبت أنهم إنما أقروا عليه لهذه الفائدة التي ذكرنا . فإن قيل : فالناس ينقلون اللغة ويكتبونها ، ولا يستفاد منها حكم . [١٣٠/أ] قيل: لا ينقل إلا لفائدة، وهو يتأدب بها ويعرف، وكذلك الخبر لا فائدة في نقله غير العمل بموجبه والمصير إلى حكمه . ويختص من اعتبر رواية اثنين بأنه خبر عن حكم شرعي ، فوجب أن لا يعتبر في العدد قياساً على الفتيا ، وما لا يشترط في قبول قول المفتي لا يشترط في قبول [ قول ] النبي ، أصله : الذكورية والحرية والنسب . واحتج المخالف : بقوله تعالى: ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ للَكَ بِهِ عِلْمٌ) (١)، وقوله (١) (٣٦) سورة الإسراء. ٨٧٣ ن تعالى: ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (١). والجواب : أن وجوب العمل به معلوم ؛ لأن الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد موجب للعلم قاطع للعذر ، كما يقول المخالف في حكم الحاكم بالشاهدين ، وغير ذلك مما ذكرته من (٢) نظائره . وجواب آخر وهو : أن هذا ينقلب عليهم في إبطالهم القول بخبر الواحد ، فإنهم حكموا بذلك ، وهو غير معلوم عندهم . واحتج : بقوله تعالى : ( إنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (٣). والجواب : أن المراد به الظن الذي لا دليل على العمل به (٤) ، مع أنه ينقلب عليهم في ترك القول بخبر الواحد . واحتج : بأن النبي ◌َّ له لم يقبل خبر ذي اليدين حتى انضاف إليه غيره . والجواب : أن من لم يقبل خبر الواحد ، لم يقبل خبر الاثنين أيضاً ، فلا حجة له في ذلك . على أنا نقول بظاهر الخبر ، ولا يقبل في مثل ذلك أقل من اثنين ؛ لأن قول المأمومين ، الواحد منهم ليس بأقوى من ظنه ، فلم ينصرف عن ظنه بقوله . ۔ (١) (١٦٩) سورة البقرة. (٢) كلمة ( من ) مكررة في الأصل . (٣) (٢٨) سورة النجم. (٤) العبارة في الأصل هكذا : ( أن المراد به الذي لا دليل على العمل به الظن ) ، وما أثبتناه هو الصواب . ٨٧٤ أ : فأما إن سبّح به اثنان ، كان قولهما أولى من ظنه ، وليس كذلك أخبار الديانات ؛ لأنه ليس عنده ما يخالف خبره ، فلهذا وجب قبوله . واحتج : بأن النبي صَ الِ لم يقتصر في الإشهاد على عقوده على (١) اثنين ، فدل على أن الواحد غير مقبول . والجواب : أنه لم يشهد على عقوده النساء والعبيد ، ولم يدل ذلك على امتناع قبول خبرهم . واحتج : بأنه لا يقبل قول من ادعى أنه نبي إلا بحجة توجب العلم . والجواب : أنه إنما لم يقبل قوله ؛ لأنه لا دليل معه على وجوب قبول قوله والعمل به ، وليس كذلك خبر الواحد في الأحكام ، فإن عليه دليلاً يوجب قبول قوله والعمل به . واحتج : بأنه لا يقبل في أصول الديانات ، كذلك في فروعها . والجواب : أن هذا يبطل بشهادة الشاهدين ، وبقول المفتي يقبل في فروع الدين ، وإن لم يقبل في أصوله . [١٣٠/ب] وعلى أنه يعمل بخبر الواحد في كل حكم لا دليل عليه يوجب العلم ويقطع العذر . وأما الحكم الذي عليه دليل موجب للعلم ، فلا يعمل فيه بخبر الواحد لأنه إذا أمكن الوصول إليه من طريق العلم ، لم يجز من طريق الظن ، وليس كذلك في هذه الأحكام الشرعية ، فإنه لا طريق إليها من جهة العلم ، ففرض علينا الحكم بخبر العدل الذي ظاهره الصدق ، كما يقول المخالف في الحكم بالشهادة والفتيا ، ولأن ذلك يتضمن نقل ملة إلى أمة (٢)، فاحتاج إلى معرفة ذلك قطعاً . (١) في الأصل : ( من ). (٢) في الأصل : ( ملة ) . ٨٧٥ : واحتج : بأن طريق العمل به هو الشرع ، وقد طلبنا الشرع ، فلم نجد . والجواب : أنه يجوز عليك الخطأ في طلبه والعدول عن طريقه . واحتج : بأن الأصول قد تهذبت وتجهزت ، فلا يترك اليقين بالشك . والجواب : أنه باطل بالشهادات ، فإن الأصل : أن الحق في الذمة ، وإذا شهد اثنان على أصل القضاء والإبراء ، تركنا اليقين لغالب الظن . وباطل بالفتيا ؛ فإن الإنسان على يقين من عقد النكاح ، وفي شك من وقوع الفرقة ، ومع هذا ترك اليقين بقول المفتي . واحتج : بأنه لما لم يجز تقليد العالم للعالِم ؛ لأنه لا يقطع بصحته ، كذلك لا يجب الرجوع إلى خبر الواحد . والجواب : أنه إنما لم يقلده ؛ لأن معه آلة يتوصل بها إلى الحكم ، فلم يرجع إليه فيه ، وليس كذلك الخبر ؛ لأن المخبر ليس معه من آلة الحكم ما مع المخبر ، فلهذا قبل قوله فيه [ ولا يمنع ] (١) هذا أن يقلد العامي العالِم ، فإنه جائز ؛ لأنه ليس معه آلة يقع له العلم بها . واحتج : بأن في إيجاب العمل به ما يفضي إلى ترك العمل به ؛ لأن الأخبار في الشريعة كثيرة ، لا تحصى ، ولا يأتي عليها حصر ، وفيها الناسخ والمنسوخ ، والمطلق والمقيد ، والمجمل والمفسر ، فإذا أوجبنا عليه العمل بخبر الواحد ، لزمه أن يستوفي كل ما ورد منها ؛ لأنه قد يكون فيما لم يبلغه ناسخ ما بلغه . ولأن العمل به يفضي إلى التوقف في عمومات القرآن ؛ لأنا نخص عموم القرآن به ، ونرد (٢) به الظاهر عن ظاهره ، فإذا لزم هذا ، لزم (١) ما بين القوسين بياض في الأصل . (٢) في الأصل : ( ونريد به) . ٨٧٦ 1 البحث عن الأخبار ؛ لئلا يكون هناك ما يخص به هذا العموم ، والإحاطة به . والجواب : أن المفتي لا يصح منه الفتيا ، حتى يكون من أهل الاجتهاد ، بأن يعرف جمل الشريعة : الكتاب والسنة ، والناسخ والمنسوخ ، والمطلق والمقيد ، والعام والخاص ، والمجمل والمفسر ، كل هذا يعلمه ، ويبني بعض الكلام على بعض ، ولكن فيما انتهى إليه وعرفه، [١٣١/أ] فأما فيما لم يتصل به ، ولا يعرفه ، فلا يلزمه التوقف فيما بلغه ، لجواز أن يكون هناك ما لم يبلغه ، ألا ترى أن الحاكم إذا شهد عنده بالقتل اثنان ، قضى بشهادتهما ، وهو يجوز أن يكونا فاسقين ، وأن يكون القول ساقطاً عن المشهود عليه ، كذلك ها هنا . واحتج من قال : لا يقبل الخبر ، حتى ينقله اثنان : بأنه لما لم تقبل الشهادة إلا من اثنين ، كذلك الخبر ، يجب أن يكون مثله . والجواب : أن الشهادة قد تقبل من واحد في رؤية الهلال ، وفي شهادة القابلة . وعلى أن هذا موجب أن لا يقبل الخبر فيما يوجب الحد إلا من أربعة ، كما لا يقبل في الزنا أقل من أربعة . وعلى أن الشهادة مؤكدة بما لم يؤكد به الخبر ، وهو أنها لا تسمع حتى يبحث عن حال الشهود ، ويقبل الخبر ممن ظاهره العدالة ، من غير بحث عنه . ويقبل خبر العنعنة ، وهو قول الراوي عن فلان كذلك إلى النبي لتعٍ ، وشهادة العنعنة لا تقبل حتى ينقل اللفظ ، فيقول : أشهدني فلان على شهادته بكذا ، واللفظ يعتبر في الشهادة دون الخبر . ٨٧٧ وتقبل فيه النساء ، ولا تقبل في كثير من الشهادات ، فكانت الشهادات أقوى ، فاعتبر فيها العدد ، ولم يعتبر في الخبر ، وإنما كان كذلك ؛ لأن حكم الخبر يستوي فيه المخبر والمخبَر ، والشهادة لا يستوي فيها الشاهد والمشهود له ، فلهذا قبلنا الواحد في هلال رمضان ؛ لأنه يستوي فيه الشاهد والمشهود له ، فبان الفرق بينهما . مسألة (١) ما یعم فرضه يقبل فيه خبر الواحد كما روى أبو هريرة عن النبي عَ لِ: ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) (٢) . (١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٢٣٩). (٢) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا أخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة ، باب في التسمية على الوضوء (٢٣/١). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في التسمية في الوضوء ( ١٤٠/١ ) . وأخرجه عنه الحاكم في كتاب الطهارة ، باب التسمية عند الوضوء ( ١٤٦/١ ) ، وقال فيه : ( هذا حديث صحيح الإسناد ، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون ، واسم أبي سلمة : دينار ، ولم يخرجاه ). وقد تعقبه الذهبي بقوله : ( صوابه : حدثنا يعقوب بن سلمة الليّ عن أبيه عن أبي هريرة .. وإسناده فيه لين ) . وتعقبه ابن حجر في كتابه: ((تلخيص الحبير)) (٧٢/١) بقوله: ( .. ورواه الحاكم من هذا الوجه فقال : يعقوب بن أبي سلمة ، وادعى أنه الماجشون ، وصححه لذلك ، والصواب : أنه الليثي ، قال البخاري : لا يعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة. وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ((ربما = ٨٧٨ ١ ! : وكما روي في رفع اليدين في الركوع (١) ، وما يضارع ذلك من الأخبار . أخطأ )) ، وهذه عبارة عن ضعفه ، فإنه قليل الحديث جداً ، ولم يرو عنه سوى == ولده ، فإذا كان يخطىء مع قلة ما روى ، فكيف يوصف بكونه ثقة ) ؟ ثم نقل ابن حجر عن ابن الصلاح قوله: ((انقلب إسناده على الحاكم ، فلا يحتج لثبوته ، بتخريجه له )). كما نقل عن ابن دقيق قوله: ((لو سلم للحاكم أنه يعقوب ابن أبي سلمة الماجشون ، واسم أبي سلمة : دينار ، فيحتاج إلى معرفة أبي سلمة ، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال ، فلا يكون أيضاً صحيحاً )). وأخرجه عن أبي هريرة الدار قطني في كتاب الطهارة ، باب التسمية على الوضوء (٧١/١) ولفظه: ( ما توضأ من لم يذكر اسم الله، وما صلى من لم يتوضأ، وما آمن بي من لم يحبني ، وما أحبني من لم يحب الأنصار ) . وأخرجه عنه البيهقي في (( سننه الكبرى)) ، في كتاب الطهارة ، باب التسمية على الوضوء (٤٤/١ ) ، وقال فيه : ( وهذا الحديث لا يعرف من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه ، وكان أيوب بن النجار ( أحد رواة الحديث) يقول : لم أسمع من يحيى بن أبي كثير (أحد رواة الحديث ) إلا حديثاً واحداً ، وهو : حديث التقى آدم وموسى ، ذكره يحيى بن معين فيما رواه عنه ابن أبي مريم ، فكان حديثه هذا منقطعاً والله أعلم ) . والحديث له شواهد أوردها الزيلعي في ((نصب الراية)) (٣/١ -٥)، وكذلك ((تلخيص الحبير)) كما سبق الإشارة إلى ذلك ، فارجع إليهما إن شئت . (١) هذا اشارة إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما. أخرجه عنه البخاري في كتاب الأذان ، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع (١٧٧/١ - ١٧٨) ولفظه : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه ، حتى تكونا حذو منكبيه ، وكان يفعل ذلك حين يكبر الركوع ، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: ((سمع الله لمن حمده)) ولا يفعل ذلك في السجود))). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصلاة ، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع ( ٢٩٢/١) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة (١٦٦/١) . = ٨٧٩ وقال أصحاب أبي حنيفة : لا يقبل فيه خبر الواحد (١). دليلنا : أن الصحابة اختلفوا في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال وهذا مما يعم فرضه ، فأرسلوا إلى عائشة يسألونها ، فقالت : ( إذ التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول اللّه مع القلم ، فاغتسلنا)، فصاروا إلى ما روت . وكذلك ميراث الجدة ، مما يعم فرضه ، أثبتوه بخبر الواحد ؛ لأن الجدة جاءت أبا بكر ، فقال : لا أجد لك في كتاب الله شيئاً . فروى له المغيرة : ( أن النبي عَلالم أطعمها السدس ) وتابعه محمد بن مسلمة ، فعمل = وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في رفع اليدين عند الركوع (٣٥/٢) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب السهو ، باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكب (٤/٣ ) . وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة ، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع (٢٧٩/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب في رفع اليدين في الركوع والسجود (٢٢٩/١) . وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة ، باب ذكر التكبير ورفع اليدين عند الافتتاح والركوع والرفع منه (٢٨٧/١ - ٢٨٨). وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الصلاة ، باب تكبيرة الإحرام ودعاء الافتتاح ورفع اليدين عند التكبير (٧٠/١ - ٧١). وأخرجه عنه الطحاوي في ((كتابه)) شرح معاني الآثار ، في كتاب الصلاة ، باب التكبير للركوع والتكبير للسجود والرفع منه (٢٢٢/١). (١) راجع في هذا: ((تيسير التحرير)) (١١٢/٣)، و((مسلم الثبوت)) مع شرحه ((فواتح الرحموت)) (١٢٨/٢). ٨٨٠ r