Indexed OCR Text
Pages 741-760
النحل (١) ، والنوب (٢) : القرب . ويدل عليه قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم ) (٣)، وهذا يدل على أن التأسي بالنبي مَ الِ واتباعه واجب . ومن جهة السنة : ما روي أن النبي عَ لِ كان يصلي ، فخلع نعله ، فخلعوا نعالهم ، فلما فرغ قال: ((لم خلعتم نعالكم؟)) قالوا : رأيناك خلعت نعليك فخلعنا، فقال: ((أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً)) (٤). (١) في الأصل: (والنوب والنحل ) . وسميت ((النحل)) بـ ((النوب))، لرعيها ونوبها إلى مكانها. قال السكري في كتابه: ((شرح أشعار الهذليين)) (١٤٤/١): ( ((نوب)): تنتاب المرعى، فتأكل، ثم ترجع، فتعسل، و ((تنوب)): تذهب وتجيء). وقال أبو عبيد: ((إنما سميت: ((نوباً))؛ لسواد فيها)). نقل ذلك عنه السكري في المرجع السابق . وانظر أيضاً: (( معجم مقاييس اللغة)) (٣٦٧/٥). (٢) في الأصل : ( البوب ) بالباء . (٣) (٣١) سورة آل عمران. (٤) هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعاً. أخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل ( ١٥١/١). وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب الصلاة في النعلين ( ٢٦٠/١). وأخرجه عنه الإمام أحمد في ((مسنده)): (٢٠/٣). وأخرجه عنه الحاكم في ((مستدركه)) في كتاب الصلاة، باب (( لا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره))، وليضعهما بين رجليه (٢٦٠/١) وقال: ( وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ) . = ٧٤١ فوجه الدلالة : أن النبي ◌َّفي استفهم منهم ، فقالوا فعلنا كفعلك ، فلم ينكر عليهم ، ولم يقل لا يجوز لكم ذلك ، بل أقرهم على اتباعه ، وبين لهم السبب الذي فعل لأجله . فإن قيل : فلو كان اتباعه واجباً لم يستفهم منهم ؛ لأنهم فعلوا الواجب . قيل : يحتمل أن يكون استفهم لينظر هل فعلوا ذلك لاتباعه أم لمعنى آخر؟ فلما أخبروه أنهم فعلوه لأجله ، [١٠٤/ب] أقرهم عليه ، وبين العلة التي خلعها لأجلها . فإن قيل : لم ينكر عليهم ؛ لأنه قال ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) . قيل: لا نعلم أن هذا القول قاله قبل هذه القصة أو بعدها، فنقف حتى نعلم كيف كان ، على أن النبي ع التمِ أمرهم أن يصلوا كما يصلي ، وخلع النعل ليس بصلاة ، وإنما هي أفعال أوقعها فيها من غيرها ، بدليل : أن هذا لو كثر منه وتكرر بطلت صلاته . وأيضاً: ما روت أم سلمة قالت : قلت يا رسول اللّه سألوني عن القُبلة للصائم، فقال: لِيمَ ((لم تقولي لهم: إني أُقبّل وأنا صائم(١)؟!)). فَعَرَّفها = وأخرجه عنه البيهقي في (( سننه الكبرى)) في كتاب الصلاة ، باب من صلى وفي ثوبه أذى لم يعلم به ، ثم علم (٤٠٢/٢ ) . (١) حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أخرجه عنها الإمام الشافعي في كتاب الصيام ، باب ما جاء في تقبيل الرجل زوجته ، وهو صائم (٢٥٨/١ - ٢٥٩)، ولفظه : ( أن رجلاً قبل امرأته ، وهو صائم ، فوجَد من ذلك وجْداً شديداً ، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك ، فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين ، فأخبرتها ، فقالت أم سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبّل وهو صائم ، فرجعت المرأة إلى زوجها ، فأخبرته ، فزاده ذلك شراً ، وقال : لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل اللّه لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول اللّه = ٧٤٢ 1 شرعه ، وأنكر عليها ترك إخبارهم لفعله . فلولا أن فعله يقتدى به لما أمرها بذلك . ولا معنى لقولهم : إن هذه أخبار آحاد ، فلا يثبت بها أصول ؛ لأن أخبار الآحاد إذا تلقيت بالقبول ، كانت مقطوعاً بها كالتواتر ، وليس في الأمة أحد يكذّب حديث خلع النعلين في الصلاة (١) . وأيضاً : وجوب الغسل بالتقاء الختانين ، وذلك أنهم لما اختلفوا في وجوب الغسل بالتقاء الختانين ، فقال قوم : يجب . وقال أبي بن كعب : لا يجب ما لم ينزل ، وقال (٢): الماء من الماء (٣)، فسألوا عائشة فقالت: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا (٤). [ ٥] رجعوا إليها وأقروها على ما احتجت به في وجوبه ، فثبت أنهم أجمعوا على ذلك . وروي أن عمر رضي الله عنه قَبّل الحجر ، وقال : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت حبيبي رسول اللّه قَبّلك ما قَبّلتك (٥) . صلى الله عليه وسلم عندها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بال هذه المرأة؟)). فأخبرته أم سلمة، فقال: ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك))؟.) الحديث . (١) مضى تخريجه ص (٧٤١). (٣) سبق تخريجه بهذا اللفظ ص (٤٦١). (٢) في الأصل : ( وقالوا ) . (٤) سبق تخريجه بهذا اللفظ ص (٣٢٨). (٥) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الحج ، باب الرمل في الحج والعمرة (٢ / ١٧ ). وأخرجه عنه مسلم في كتاب الحج ، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف ( ٩٢٥/٢ ) . وأخرجه عنه أبو داود في كتاب المناسك ، باب في تقبيل الحجر (٤٣٣/١) . = ٧٤٣ وغير ذلك من رجوع الصحابة إلى أفعاله في المسح وغيره . وأيضاً : فإن أفعال النبي مُتْ لَّم كأقواله ، بدليل : أنه يخص به العموم ، ويبين به المجمل ، فوجب أن يكون بمنزلته في حمله على الوجوب عند تجرده (١) . كما أن السنة لما ساوت الكتاب فيما ذكرنا ساوته في حملها على الوجوب عند التجريد . ولأن الفعل إذا كان منه على سبيل القربة ، احتمل أن يكون ندباً واحتمل أن يكون واجباً واحتمل الندب ، فحمله على الوجوب أولى لما فيه من الاحتياط ؛ لأن الندب يدخل في الواجب ، والواجب لا يدخل في الندب . فإن قيل : فقد يكون واجباً في حقه خاصاً له ، فلا يلزم غيره . قيل : إطلاق أفعاله عندنا محمولة على أنها له ولأمته ، وإنما يقع منها خاصاً بدلالة ، وإلا فالأمر بيننا وبينه مشترك . واحتج من قال يستحب : بقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُم اللّهُ) (٢)، ومحبته تقتضي الاستحباب دون الإيجاب . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في تقبيل الحجر (٢٠٥/٣). = وأخرجه عنه النسائي في كتاب الحج ، باب تقبيل الحجر (١٨٠/٥). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب المناسك ، باب استلام الحجر (٩٨١/١). (١) أعاد المؤلف الضمير بصيغة المفرد المذكر هنا وفي المواضع السابقة مع أنها عائدة إما على (أفعال ) واما على ( أقوال ) ولعله قصد المفرد من ذلك . (٢) (٣١) سورة آل عمران . ٧٤٤ [١٠٥/أ] والجواب: أن قوله: (فَاتَّبِعُونِي)(١) أمر، والأمر يقتضي الإيجاب . فالآية حجة لنا من هذا الوجه . وقوله : ( يُحْبِبْكُم اللّهُ) لا يقتضي الاستحباب ؛ لأن المحبة تكون لفعل الواجب والمستحب جميعاً . واحتج: بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٢) ولم يقل عليكم ، فدل على أن التأسي به مستحب . والجواب : أن في سياقها ما يدل على الوجوب ، وهو قوله: (وَمّن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (٣) فتوعد على المخالفة . ولأنه قال تعالى: ( وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٤) معناه : عليهم اللعنة . واحتج: بأن وجوب أفعال النبي ◌َّ الله لا تخلو من أن تثبت بالعقل أو بالسمع ، والعقل لا يقتضي وجوبها ؛ لأن المصالح تختلف باختلاف أحوال المكلفين ، ولهذا خالفت الحائض الطاهر ، والمقيم المسافر ، فيجوز أن يكون فعله صلاحاً له ، ومتى فعلنا مثله كان فساداً لنا ، فثبت بهذا أن العقل لا يقتضي وجوب مثل أفعاله علينا ، والسمع لم يرد أيضاً بذلك ووجوبه . والجواب : أنها وجبت بالسمع ، وقد بينا ذلك من الكتاب والسنة والإجماع . واحتج : بأنه متى وجب علينا أن نفعل مثل فعله كنا متبعين له فيه ، (١) في الأصل : ( فاتبعوه ) . (٢) (٢١) سورة الأحزاب. (٣) (٢٤) سورة الحديد . (٤) (٥٢) سورة غافر . ٧٤٥ ومعلوم أن المتبوع أوكد حالاً من التبع ، فإذا كان كذلك ، وكان (١) ظاهر فعله لا ينبىء عن وجوبه عليه ، فلأن لا يدل على وجوبه علينا أولى . والجواب : أن هذا يبطل على أصل المخالف ، بالأمر ، فإنهم جعلوه دالاً على الوجوب في حق غيره ، ولا يدل على وجوبه عليه ؛ لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر ، فلا يمتنع أن يكون الفعل من جهته کالأمر . وعلى أنا نقول : إن ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه ، كما قلنا في أوامره : هي لازمة له وهو داخل تحتها كالمأمور سواء ، ولا فرق بينهما . وهذا قياس المذهب . واحتج : بأن النبي ◌ُ ◌ّثم قد يفعل الأفعال في أحوال لا يُشاهد فيها، ولا يمكن حضوره والوقوف عليه ، وما هذه صفته لا يجوز أن يكون واجباً علينا ؛ لأن ما لا طريق لنا إلى معرفته لا نتعبد به ، وإذا لم يكن الفعل الذي هذه حاله واجباً علينا ، لم يجب أيضاً غيره من الأفعال ؛ لأنه ليس بعض أفعاله بالوجوب أولى من بعض . والجواب : أن ما يفعله في الخلوات يمكنه أن يخبر بها من لم يشاهد ، كما أنه يجوز أن يأمر بالفعل من ليس يحضره ، ثم يقع لهم بذلك الخبر . واحتج: بأنه لا يخلو أن يكون [١٠٥/ب] المعتبر في هذا الباب بصورة أفعاله التي ظهرت دون الوجوه التي عليها وقعت ، أو يكون المعتبر بصورتها مع الوجوه التي وقعت عليها ، ولا جائز أن يكون المعتبر بصورتها فقط ؛ لأنه لو وجب ذلك لجاز لنا إيقاع مثل الفعل الذي فعله على جهة الإيجاب مع وقوعه منه على جهة الندب أو الإباحة ، وهذا باطل بالاتفاق . وإذا وجب (١) في الأصل: ( فكان). ٧٤٦ i i اعتبار صورة الفعل مع الوجه الذي وقع ، فهذا يمنع أن يكون ظهور فعله دلالة على الوجوب . والجواب : أن المعتبر بصورة الفعل فقط ، إذا كان واقعاً على وجه القربة . وقولهم : إنه قد يقع منه على وجه الندب والإباحة ، غلط ؛ لأن إطلاق أفعال القرب منه يقتضي الإيجاب ، وإنما يحمل على الندب بدلالة . واحتج : بأن أفعال النبي عَظِلّهِ يَعْتَوِرُها معنيان: أحدهما الفعل و [ ثانيهما ] الترك؛ لأن الترك أحد قسمي الفعل، فلما لم يكن تركه موجباً علينا ترك الفعل الذي تركه ، كذلك فعله ، لا يوجب علينا مثل فعله . والجواب : أن هذا يبطل بالأمر ، فإنه يَعْتَوِره معنيان : الأمر والترك، وترك الأمر لا يوجب ترك ما ترك الأمر به ، وأمره يوجب امتثال. ما أمر به . واحتج : بأن حمله على الندب أولى ؛ لأنه متحقق ، وما عداه مشكوك فيه . والجواب : أن حمله على الوجوب أولى ، لما فيه من الاحتياط والخروج من الغرر . واحتج أبو الحسن في مسألته (١) : بأن فعله قد يكون مصلحة له ، دون أمته . والجواب : أنه يبطل بأمره إذا خرج في رجل بعينه قد تكون مصلحة له ولا يختصه . (١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب : ( في مسائله ) . ٧٤٧ وذكر أيضاً : بأن الصغائر قد تقع من الأنبياء ، قال تعالى: ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (١) . وأخبر عن موسى لما قتل الرجل ( هَذَا مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ) (٢). وكذلك ما وجد من إخوة يوسف ، ومن داود ، وإذا ثبت وقوع الخطأ منهم ، لم يجب علينا احتذاء أفعالهم . والجواب : أنا قد بينا أنه إنما يجب ما كان على سبيل القربة والطاعة . واحتج من قال : إنها على الوقف : بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي عليه . ويحتمل أن يكون فعله واجباً ، ويحتمل أن يكون ندباً ، ويحتمل [أن يكون ] (٣) إباحةً، ويحتمل أن يكون مخصوصاً دون أمته ، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح الاقتداء به . والجواب : أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجباً عاماً فيه وفي أمته ، وإنما يكون ندباً أو خاصاً له عند انضمام قرينة الندب ، كما قلنا في صيغة الأمر إذا وردت [١٠٦/أ] متجردة عن القرائن اقتضت الوجوب ، وإنما يحمل على الندب بقرينة . وعلى أنه وإن كان محتملاً للوجوب والندب ، فحمله على الوجوب أولى ؛ لما فيه من الاحتياط . وجواب آخر ، وهو : أن الاتباع قد يكون في الفعل وإن اختلف (١) (١٢١) سورة طه. (٢) (١٥) سورة القصص. (٣) ما بين القوسين المعقوفين من تصويب الناسخ في هامش الأصل . ٧٤٨ ١ قصد التابع والمتبوع ، فالمتنفّل يأتمّ بالمفترض، فيتبعه في صلاته ، وإن اختلفا فى القصد والاعتقاد . وكذلك من خرج للجهاد ، فتبعه آخر يريد تجارة ، سمي متبعاً له في سفره ، وإن خالفه في قصده . ومما يلحق بأول المسألة ما رأيت (١) في آخر كتاب النفقات من كتاب الشافي بخط عتيق : روى محمد بن هبيرة البغوي (٢) عن أحمد بن حنبل رحمه اللّه قلت له : أليس أمر رسول الله عز التعٍ واحداً؟ قال : نعم ، إلا أن منه أشد ، قلت له : ففعله ؟ قال : فعله ليس عليك بواجب ، وذلك أنه كان يقوم حتى ترم قدماه (٣)، ويفعل أفعالاً لا تجب عليك (٤). وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة . فصل وإذا ثبت أن أفعاله على الوجوب ، فإن وجوبها من جهة السمع . خلافاً لمن قال : تجب بالعقل . (١) في الأصل : ( ورأيت ). (٢) من أصحاب الإمام أحمد الذين نقلوا عنه بعض المسائل . له ترجمة في: ((طبقات الحنابلة)) (٣٢٥/١) . (٣) هذا الحديث رواه المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أخرجه عنه البخاري في كتاب التهجد ، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه (٦٠/٢). وأخرجه عنه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ( ٢١٧١/٤ - ٢١٧٢). وأخرجه عنه الإمام أحمد في (( مسنده)) ( ٢٥٥/٤) . (٤) هذه الرواية عن الإمام أحمد نقلها ابن أبي يعلى في ((طبقاته)) (٣٢٥/١)، في ترجمة محمد بن هبيرة البغوي ، المذكور آنفاً . ٧٤٩ أ دليلنا : أن أصل النبوة لما لم يثبت عقلاً ، وإنما يثبت بدليل ، ففعله أولى . ولأن الأفعال الشرعية ، تختلف بحسب اختلاف أحوال المكلفين ، بدلالة أن الحائض مخالفة لحال الطاهر ، وكذلك المقيم مخالف للمسافر ، والغني والفقير ، لم يمتنع أن تكون حال النبي عب التم مخالفة لأحوالنا في الفعل ، فيكون ما يفعله صلاحاً له ، ومتى فعلنا مثله كان فساداً لنا ، فوجب الرجوع في اتباع أفعاله إلى دلالة أخرى غير الفعل . واحتج المخالف : بأن النبي ◌َ الله إذا فعل ذلك على وجه القربة كان من مصالحه ، فيجب أن يكون من مصالحنا . والجواب : أن هذا يوجب كون الصلاة مصلحة في حق الحائض ؛ لأنها مصلحة في حق الطاهر ، وكذلك الصيام والقصر في حق المقيم ، والزكاة في حق الفقير . واحتج بأن ما أوقعه صواب وحق ، فوجب اتباعه . والجواب : أن هذا يبطل بما كان مخصوصاً به من الأشياء ، ويبطل بالصلاة في حق الطاهر صواب وحق ، وليس ذلك بصواب في حق الحائض . واحتج : بأن في ترك اتباعه إظهار خلاف عليه ومباينة له ، وذلك يوجب التنفير عنه والتصغير لشأنه ، فوجب حملها على الوجوب . والجواب : أن هذا باطل بما كان مخصوصاً به . ويبطل أيضاً بأفعاله المباحة من الأكل والشرب واللبس والمشي ، ٧٥٠ فإن ترك اتباعه فيها يفضي إلى ما قالوه ، ومع هذا لا يجب اتباعه وعلى [١٠٦/ب] أن هذا يوجب المشاقة في حق من لا يوجبها، وعندنا أنه يجب اتباعه فيها ، وإنما تختلف في الطريقة التي بها يجب ، فلا يصح ما قالوه مسألة (١) يجوز أن يكون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول ، والعقل لا يمنع من ذلك ؛ لما فيه من المصلحة له ، فلما لم يمنع أن يتفق حكم زيد وعمرو فيما هو مصلحة لهما من الشرعيات ، ولم يمتنع أيضاً أن يختلف حكمهما في ذلك ، وجب أن يجوز كون النبي الثاني متعبداً بما تعبد به الأول . فإن قيل : لو جاز أن يكون الثاني متعبداً بما كان الأول متعبداً به لكان لا فائدة في بعثه وإظهار الإعلام على يده ، ولأنه لم يأت بشريعة مبتدأة ، وإنما نقل إلى قومه شريعة من تقدمه . قيل : إنما يحسن إظهار الإعلام على يد النبي الثاني ؛ لأنه لا بدّ من أن يأتي بما لا يعرف إلا من جهته ، إما أن يكون ما يأتي به في شريعة مبتدأة ، أو يكون ذلك مما كان الأول متعبداً به ، إلا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف إلا من جهة النبي الثاني (٢). فإن قيل : فما أنكرتم أن لا يجوز أن يتعبد الثاني بخلاف ما كان الأول (١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٨٢)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٤/أ)، و((روضة الناظر)) وشرحها ((نزهة الخاطر العاطر)) (١٪ ٤٠٠ ) وما بعدها . (٢) وقد تعقبه شيخ الاسلام ابن تيمية في ((المسودة)) ص (١٨٣) بقوله : ( وهذا فيه نظر ، فإنه يجوز عندنا إظهار الكرامات للأولياء ، فكيف للنبي المتبع ؟ وتكون فائدته التقوية كأنبياء بني إسرائيل ) . ٧٥١ متعبداً به ؛ لأنه حينئذ يصير راداً لما أتى به الأول ومخالفاً له فيه ، وهذا لا يجوز ، كما لا يجوز أن يخبر الثاني بخلاف ما أخبر به الأول . قيل: لو كان الثاني متعبداً بما تعبد به الأول [فذلك] لا يوجب أن يكون راداً لما أتى به في الأول؛ لأنه يقول : ما يأتي به الأول حق وصواب، مثل ما أتيت به ، وإن كان مخالفاً له ، كما أن المستشارين إذا أشار أحدهما بخلاف ما يشير به صاحبه ، لم يكن أحدهما راداً لرأي الآخر ، بل يقول كل واحد منهما : إن ما يراه صاحبي صواب منه ، وما رأيت أنا صواباً مني ، وليس هذه حال الخبر ؛ لأنه إنما يكون صدقاً وكذباً بحال (١) يرجع إليه ؛ لأنه إن كان مخبره على ما أخبر به كان صدقاً (٢)، وإن كان بخلاف ما أخبر به كان كذباً . وأما الأفعال الشرعية ، فإنها لا تكون حقاً وصواباً بحال يرجع إليها ، وإنما يكون صواباً ، لما فيه من المصلحة ، فيكون الفعل الواحد مصلحة في حال ، وتكون المصلحة في خلافه في حال أخرى ، كالمرأة الطاهر (٣) تكون المصلحة لها في الصلاة والصيام ، وإذا حاضت كانت المصلحة لها في ترك ذلك . وكذلك المقيم والمسافر ، والصحيح والمريض ، ولا يمتنع أن تكون المصلحة للنبي الثاني في أن يتعبد بخلاف ما تعبد به الأول . فإن قيل : كيف يصح هذا على أصلكم ، وعندكم أن العقل لا يبيح ولا يحظر ؟ قيل : من أصلنا : أن العقل لا مدخل له في إباحة شيء [١٠٧/أ] ولا (١) في الأصل : ( محال ) . (٢) في الأصل : ( صادقاً ). (٣) في الأصل: (والطاهر) ، والواو هنا لا معنى لها . ٧٥٢ ٢ : i حظره ، وكلامنا هاهنا : هل العقل يحيل ذلك ؟ ولسنا نمنع وجوب (١) أشياء لا يحيل وجودها العقل كرؤية الله تعالى، وأشياء يحيل العقل وجودها كاجتماع الضدين . مسألة (٢) إذا ثبت جواز ذلك ، فهل كان نبينا متعبداً بشريعة من قبله أم لا ؟ فيه روايتان : إحداهما : أن كل ما لم يثبت نسخه من شرائع من كان قبل نبينا عليه السلام فقد صار شريعة لنبينا ، ويلزمنا أحكامه من حيث إنه قد صار شريعة له ، لا من حيث كان شريعة من قبله . وإنما يثبت كونه شرعاً لهم بمقطوع عليه ، إما الكتاب أو الخبر (٣) من جهة الصادق أو بنقل متواتر ، فأما الرجوع إليهم وإلى كتبهم فلا . وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا ، فقال في رواية أبي طالب فيمن حلفت بنحر ولدها ، [ عليها ] كبش (٤) ، تذبحه وتتصدق بلحمه ، قال الله تعالى: ( وَقَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم ) (٥). (١) لعله ((وجود)). (٢) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٨٣)، و(( التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (١٠٤/ب - ١٠٦/ب)، و((روضة الناظر)) مع شرحها. ((نزهة الخاطر)) (٤٠٠/١ - ٤٠٣) . (٣) في المسودة ص (١٨٤): ( مقطوعاً عليه إما بكتاب أو بخبر ... ). (٤) في الأصل : ( فيمن حلفت بنحر ولدها كبشاً ) ، والتصويب من المسودة ص (١٨٤)، إلا أن القصة وقعت لرجل ، والرواية من نقل صالح ، وليست من نقل أبي طالب ، كما هنا . (٥) (١٠٧) سورة الصافات. ٧٥٣ العدة في أصول الفقه - ٤٨ فقد أوجب أحمد رحمه اللّه كبشاً في ذلك ، واحتج بالآية عليه ، وهي شريعة إبراهيم . وقال في رواية أبي الحارث والأثرم وحنبل والفضل بن [ زياد و](١) عبد الصمد (٢) وقد سئل عن القرعة ، فقال : في كتاب الله في موضعين : قال الله تعالى: ( فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (٣)، وقال: ( إِذْ يُلْقُونَ أقْلاَمَهُم) (٤) فقد احتج بالآيتين في إثبات القرعة ، وهي في شريعة يونس ومريم . وقال أيضاً في رواية أبي طالب وصالح في قوله تعالى : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) (٥) فلما قال رسول اللّه عَ لهِ: ( لا يُقتل مؤمن بكافر ) (٦) ، قيل له: أليس قد قال الله تعالى: ( النفس (١) زدنا ما بين القوسين؛ لأن ((الفضل)) ليس ابن ((عبد الصمد))، وإنما هو ابن ((زياد))، وهو من أصحاب الإمام أحمد ، وقد سبقت ترجمته . أما عبد الصمد هذا ، فهو من أصحاب الامام أحمد أيضاً ، كما سيأتي . وقد نقل صاحب ((المسودة)) ص (١٨٤) كلام المؤلف هنا ، كما أثبتناه . (٢) في ((طبقات الحنابلة)) (٢١٧/١ - ٢١٨) أربعة بهذا الاسم ، كلهم من أصحاب الإمام أحمد الذين رووا عنه : أ - عبد الصمد بن أبي سليمان بن أبي مطر . ب - عبد الصمد بن يحيى . جـ - عبد الصمد بن محمد العبادي . د - عبد الصمد بن الفضل . (٣) (١٤١) سورة الصافات . (٤) (٤٤) سورة آل عمران . (٥) (٤٥) سورة المائدة . (٦) هذا الحديث رواه أبو جحيفة رضي الله عنه . أخرجه عنه البخاري في كتاب الجهاد، باب فكاك الأسير (٨٤/٤) ولفظه: ( ... عن أبي جحيفة رضي اللّه = ٧٥٤ ٢ بالنفس ) ؟ قال : ليس هذا موضعه ، علي بن أبي طالب يحكي ما في الصحيفة ( لا يقتل مؤمن بكافر)، وعن عثمان ومعاوية (١): ((لم يقتلوا مؤمناً بكافر )) (٢) . عنه ، قال : قلت لعلي رضي الله عنه : هل عند کم شيء من الوحي إلا ما في كتاب == الله؟ قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر ) . وأخرجه أبو داود عن قيس بن عباد قال : انطلقت أنا والأشتر إلى علي رضي اللّه عنه ، وذلك في كتاب الديات ، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ (٤٨٨/٢). وأخرجه الترمذي عن ابي جحيفة في كتاب الديات ، باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر ( ٢٤/٤ ) . وأخرجه عنه النسائي في كتاب القسامة ، باب سقوط القود من المسلم للكافر (٢١/٨) . وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الديات ، باب لا يقتل مسلم بكافر (١١٠/٢ ). وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب القتل والجنايات ، باب ما جاء في قتل الجماعة بالواحد وأنه لا يقتل مسلم بكافر ( ٢٥٠/٢). وأخرجه عنه الطيالسي في ((مسنده))، في كتاب القتل والجنايات ، باب لا يقتل مؤمن بكافر ( ٢٩٣/١ ) . وانظر في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (٣٣٤/٤)، و ((المنتقى من أحاديث الأحكام )) ص (٦١٧) . (١) هو : معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب ، القرشي الأموي ، صحابي جليل . ولد قبل البعثة بخمس سنين على الأرجح . كان من كتاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم. ولاه عمر إمارة الشام، وأقره عثمان عليها . وبعد موت عثمان لم يبايع علياً ، وحصلت الفتنة الكبرى، التي كانت الأولى في حياة المسلمين ، التي انتهت بإمرة معاوية . توفي سنة ( ٦٠ هـ ) . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٤١٦/٣)، و((الإصابة)) (١١٢/٦). (٢) هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في (( مصنفه)) في كتاب العقول ، باب دية المجوسي= ٧٥٥ وهذا أيضاً يدل على أن الآية على ظاهرها في المسلمين ومن قبلهم ، ولكنه عارضها بحديث الصحيفة ، ولو لم يكن كذلك لما عارضها ، ولقال : ذلك خاص لمن قبلنا . وبهذه الرواية قال أبو الحسن التميمي في جملة مسائل خرجها في الأصول . وهو قول أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان عن أبي بكر الرازي . وفيه رواية أخرى أنه لم يكن متعبداً بشيء من الشرائع ، إلا ما دل الدليل على ثبوته في شرعه ، فيكون شرعاً له مبتدأ . أومأ إليه رحمه الله في رواية أبي طالب في موضع آخر ، فقال : ( النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) كتبت على اليهود، وقال: (١) ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا ) (٢) [ أي] (٣) في التوارة، ولنا (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاص فِي الْقَتْلَ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَاْلْأَنْثَى بِالْأَنْثَى) (٤). وبهذا قالت المعتزلة (٥) والأشعرية . عن ابن عمر رضي الله عنهما (٩٦/١٠) وأنمظه: (أن رجلاً مسلماً، قتل رجلاً من أهل الذمة عمداً ، فرفع إلى عثمان ، فلم يقتله به ، وغلظ عليه الدية ، مثل دية المسلم ، قال الزهري : وقتل خالد بن المهاجر رجلاً من أهل الذمة في زمن معاوية ، فلم يقتله به ، وغلظ عليه الدية ألف دينار ) . وراجع أيضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ١٦/٤). (١) في ((المسودة)) ص (١٨٥) (قال) بحذف الواو، وهو الأولى. (٢) (٤٥) سورة المائدة . (٣) الزيادة من ((المسودة)) ص (١٨٥). (٤) (١٧٨) سورة البقرة . (٥) راجع في هذا: ((المعتمد في أصول الفقه)) (٨٩٩/٢). ٧٥٦ 1 ١ واختلف أصحاب الشافعي : فمنهم من قال : ما لم [١٠٧/ب] يثبت نسخه شرع لنا . ومنهم من قال : ليس بشرع لنا . واختلف القائلون بأنه كان متعبداً : فقال بعضهم : بشريعة إبراهيم . وقال قوم : بشريعة موسى إلا ما نسخ . وقال قوم : بشريعة عيسى ؛ لأنها ناسخة لشريعة موسى . والأشبه: أنه كان متعبداً بكل ما صح من شرع من كان قبله من الأنبياء . فالدلالة على أنه شرع لنا : قوله تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُم اقْتَدِهِ) (١) ، فذكر الله تعالى أنبياءه (٢): إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، وغيرهم ، وأخبر أنه هداهم ، وأمر باتباعهم فيما هداهم به ، والأمر يقتضي الوجوب . فإن قيل : إنما أمر باتباعهم في التوحيد وما يدل العقل عليه لوجوه : أحدها : أنه أضاف ذلك إليهم ، فاقتضى ما يقطع على كونه شرعاً لهم ، وهو التوحيد ، فأما غيره من الأحكام فغير مقطوع عليه ، بل يحكم به من جهة غلبة الظن . ولأنه قال: ( وَمِنْ آبَائِهِمِ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) (٣)، وهدى الذرية هو التوحيد . (١) (٩٠) سورة الأنعام ، ولفظ الجلالة ليس في الأصل. (٢) في الأصل (وأنبياءه)، والواو لا معنى لها هنا . (٣) (٨٧) سورة الأنعام. ٧٥٧ ولأن اللّه تعالى ذكر من لم يكن نبياً في جملة من أمره بالاقتداء به من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم . ولأن ملة إبراهيم قد كان فيها المنسوخ ، ومعلوم أنه لا يتعبد بالمنسوخ . قيل : الهدي يتناول التوحيد وغيره ، فالآية تقتضي وجوب الاتباع في جمیعه . وعلى أن التوحيد لا يتبع فيه غيره عندهم ، وإنما يوحد بما هو مأمور [ به ] ، والآية تقتضي اتباع غيره . وجواب آخر وهو : أن التوحيد عندنا وما يدل العقل على صحته يجب بالشرع ، ولا يجب بالعقل عبادة موجبة ، ولا يصح السؤال . وقولهم : إننا لا نقطع على أن غير التوحيد هدى لهم ، فمتى لم نقطع على ذلك ونعلمه من جهة يقع العلم بها لم يجب اتباعه . وما ذكروه من الذرية ، فقد يكون التوحيد هدى لهم ، وقد يكون غيره هدى لهم ، فيجب اتباع جميعه . وأما ذكر من لم يكن نبياً في جملة أمره بالاقتداء به ، فغير مانع مما ذكرنا ؛ لأن من لم يكن نبياً كانوا على شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم متمسكين بها ، بدلالة قوله تعالى: ( وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُم إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١) وقد قال تعالى: (وَاتّبعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَّيَّ ) (٢)، وقالَ: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)(٣)، فلما (١) (٨٧) سورة الأنعام ، وفي الأصل: ( فاجتبيناهم). (٢) (١٥) سورة لقمان . (٣) (١١٥) سورة النساء. ٧٥٨ كان سبيل المؤمنين متبعاً ، لم يمتنع أن يؤمر النبي باتباع ما اتبعه غيره ممن تقدمه . وقولهم : إن في شريعة إبراهيم منسوخاً لا يضر ؛ لأنا لما علمنا أنه لا يصح تكليف المنسوخ ، علم أن الأمر لم يتناوله . فإن قيل : لما أمر باتباعهم في هداهم صار ذلك ثابتاً بدليل شرعي ، ونحن لا نمنع ذلك ، وإنما الخلاف في حالة الإطلاق . قيل: عندكم إذا دل على ذلك دليل شرعي [١٠٨/أ] صار حكماً مبتدأ ، فإذا فعله الإنسان ، لم يكن مقتدياً بهم ولا متبعاً لهم ، والآية تقتضي اتباعهم والاقتداء بهم فيه . ويدل عليه قوله تعالى : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) (١) الآية، ولم يأمر بالاتباع، فلو كان الاتباع واجباً بأمر مجدد في شريعته لكان يقترن به ، فاما لم يقترن به أمره دل على أنه إذا ثبت أنه شرع لغيره وجب عليه وعلى أمته الاتباع . ويدل عليه قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) (٢)، فأمره باتباع ملة إبراهيم ، وأمره على الوجوب . ويدل عليه قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ) (٣)، ولم يفرق بين نبينا وبين سائر الأنبياء ، قال: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولِئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )، (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١) (٤٥) سورة المائدة. (٢) (١٢٣) سورة النحل . (٣) (٤٤) سورة المائدة . ٧٥٩ ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (١)، والتوراة مما أنزله وتواعد من لم یحکم بها . يؤكد هذا ما روي أن الرُّبَيِّعَ (٢) كسرت سن جارية فقال النبي صَلفعِ: ( كتاب الله القصاص) (٣). والذي في كتاب الله ما حكاه عن التوراة، وأن السن بالسن ، ثبت أن النبي عَ لِ حكى الأحكام عنها ، وعمل بها . فإن قيل: قوله : ( كتاب الله القصاص) إشارة إلى قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه ) (٤)، ولم يرد قوله: ( السن بالسن ) . قيل : هذا عام ، و ( السن بالسن ) خاص ، فكان رد كلامه إلى ما هو نص أولى من العموم . وأيضاً : فإن الحكم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه ، حتى يرد دليل بنسخه وإبطاله ، وليس في نفس بعثة النبي ما يوجب نسخ الأحكام التي (١) (٤٤ - ٤٥، ٤٧) المائدة . (٢) هي : الربيع بنت النّضْر الأنصارية . أم حارثة بن سراقة ، وأخت أنس بن النضر ، وعمة أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم . صحابية جليلة . لها ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٨٣٨/٤)، و((الإصابة)) القسم السابع ص (٦٤٢) طبعة دار نهضة مصر . (٣) هذا الحديث رواه أنس بن مالك رضي الله عنه. أخرجه عنه البخاري في كتاب الديات ، باب السن بالسن ( ١٠/٩ ). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الديات ، باب القصاص في السن: (٥٠٣/٢). وأخرجه عنه النسائي في كتاب القسامة، باب القصاص في السن : (٢٣/٩). وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الديات ، باب القصاص في السن : (٨٨٤/٢). وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٦٢٠). (٤) (١٩٤) سورة البقرة . ٧٦٠ ١