Indexed OCR Text

Pages 721-740

والبياض والإنسان لا في الألفاظ المركبة ، التي يقع فيها الصدق والكذب.
وفي قولهم : ثالث ثلاثة ، في أفراد هذه الألفاظ ليس فيها صدق ولا
كذب .
فصل
وأما تفسير الصحابة فيجب الرجوع إليه (١).
وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله في مواضع من كتاب طاعة الرسول
رواه صالح عن أبيه فقال: قال اللّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ
تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُم حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءً
مِثْلُ) (٢) فلما حكم أصحاب رسول اللّه مَ له في الظبي بشاة (٣) ، وفي
النعامة ببدنة (٤) ، وفي الضبع بكبش (٥) ، دل على أنه أراد
(١) راجع هذا الفصل في: ((المسودة)) ص (١٧٦).
(٢) (٩٥) سورة المائدة ، والآية في الأصل: (يقتله منكم .. )، وهو خطأ.
(٣) نقل ذلك البيهقي في ((سننه)) في كتاب الحج ، باب جزاء الصيد بمثله من النعم ..
(١٨١/٥) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
(٤) حَكَم في النعامة ببدنة كلٌ من عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت
وابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم، حكى ذلك البيهقي في (( سننه)) في كتاب
الحج ، باب فدية النعام وبقر الوحش وحمار الوحش (١٨٢/٥ ).
(٥) قضى بذلك عمر بن الخطاب وجابر بن عبد اللّه وابن عباس وعلي بن أبي طالب
رضي الله عنهم، نقل ذلك البيهقي في ((سننه)) في كتاب الحج باب فدية الضبع
(١٨٣/٥ - ١٨٤ ).
وقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه حديثاً يرفعه ، أخرجه عنه أبو داود
في كتاب الأطعمة باب في أكل الضبع (٣١٩/٢)، ولفظه: ( هو صيد، ويجعل
فيه كبش ، إذا صاده المحرم ) .
٧٢١
العدة في أصول الفقه - ٤٦

السنة (١) .
وقال : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن
الْهَدْيِ) (٢)، فلما استدل أصحاب رسول الله صل اتهم، فذبحوا البقرة عن
سبعة، دلّ على أن ذلك أيسر (٣).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب المناسك ، باب جزاء الصيد يصيبه المحرم ( ٢/
=
١٠٣٠ - ١٠٣١) بلفظ : ( جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيبه
المحرم كبشاً ، وجعله من الصيد ) .
وأخرجه عنه البيهقي في ((سننه)) في كتاب الحج ، باب فدية الضبع (١٨٣/٥ ).
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الحج ، (٢٤٦/٢ ) .
(١) وأخرج الدار قطني حديثاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعاً في كتاب
الحج (٢٤٧/٢) ، ولفظه: ( قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظبي
شاة ، وفي الضبع كبشاً ، وفي الأرنب عناقاً ، وفي اليربوع جفرةً فقلت لابن
الزبير : وما الجفرة ؟ قال : التي قد فطمت ورعت ) .
وأخرجه عنه البيهقي في كتاب الحج، باب فدية الضبع ( ١٨٣/٥ )، كما أخرجه
عن عمر بن الخطاب وقال : الصحيح أنه موقوف على عمر رضي الله عنه .
وأخرجه عن عمر بن الخطاب أبو يعلى كما حكى ذلك الهيثمي في ((مجمع الزوائد ))
في كتاب الحج ، باب جزاء الصيد (٢٣١/٣)، وقال عَقبَه: (وفيه الأجلح
الكندي ، وفيه كلام ، وقد وثق ) .
والأجلح هذا وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ((لا يحتج بحديثه)).
ولمزيد من الاطلاع، انظر: ((نصب الراية)) (١٣٤/٣)، و (( المنتقى من أحاديث
الأحكام)) ص (٣٨٩)، و ((تفسير ابن كثير)) (٩٧/٢) طبعة الاستقامة، عند
تفسير قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم .. ) الآية .
(٢) (١٩٦) سورة البقرة.
(٣) في مسألة الأيسر هنا، ذكر ابن الجوزي في تفسيره ((زاد المسير)) (٢٠٥/١) فيه
ثلاثة أقوال ؛ أولها : أنه شاة ، ونسبه إلى علي بن أبي طالب ، وابن عباس ،
والحسن ، وعطاء ، وابن جبير ، وابراهيم ، وقتادة ، والضحاك .
ثانيهما: أنه ما تيسر من الإبل والبقر لا غير . ونسبه لابن عمر وعائشة، والقاسم .=
٧٢٢

وقال : (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجَ) (١)،
فلما قال من قال من أصحاب رسول الله مظلته: يكون آخر ذلك يوم عرفة ،
استقر حكم الآية على ذلك (٢).
وقال : لما كان أكثر قول أصحاب رسول الله عسل التمر: ان الكلالة من
لا ولد له ولا والد (٣)، استقر حكم الآية على ذلك.
ثالثها : أنه على قدر الميسرة ، ونسبه لابن عباس .
=
على أنه قد روي عن الحسن وقتادة قولهما : أعلاه بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه
شاة .
كما نقل عن الإمام أحمد قوله : الهدي من الأصناف الثلاثة ، من الإبل والبقر
والغنم. حكى ذلك ابن الجوزي في ((تفسيره))، في الموضع السابق .
(١) (١٩٦) سورة البقرة .
(٢) لم يستقر حكم الآية على ذلك ، بل هناك خلاف . وما ذكره المؤلف منسوب إلى
ابن عمر رضي الله عنه، كما حكى ذلك ابن الجوزي في ((تفسيره)) (٢٠٦/١)،
حيث قال : (ونقل عن ابن عمر أنه قال : من حين يحرم إلى يوم عرفة ).
كما حكى عن علي رضي الله عنه أن هذه الثلاثة الأيام هي : قبل التروية بيوم .
ويوم التروية ، ويوم عرفة ، وبه قال الحسن وعطاء والشعبي وأبو العالية وابن
جبير ، وطاوس وإبراهيم .
وهناك آراء أخرى ذكرها ابن الجوزي في (( تفسيره))، فأرجع إليه إن شئت .
(٣) تفسير الكلالة بهذا، أخرجه عبد الرزاق في (( مصنفه)) في كتاب الفرائض ، باب
الكلالة (٣٠١/١٠ - ٣٠٤) عن أبي بكر وعمر وابن عباس رضي الله عنهم.
كما أخرج عن عمر وابن عباس أنهما قالا : الكلالة : من لا ولد له .
ومثل صنيع عبد الرزاق، صنع البيهقي في: (( سننه الكبرى)) في كتاب الفرائض ،
باب حجب الأخوة والأخوات من كانوا بالأب والابن وابن الابن (٢٢٤/٦ -
٢٢٥ )، فأخرج عن أبي بكر وعمرو ابن عباس - رضي الله عنهم - القول
الأول ، كما أخرج عن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - القول الثاني.
راجع في هذا الأثر أيضاً: ((تلخيص الحبير)) (٨٩/٣).
٧٢٣

والوجه فيه : أنهم شاهدوا التنزيل ، وحضروا التأويل ، فعرفوا ذلك ،
ولهذا جعلنا قولهم حجة .
فأما تفسير التابعين فلا يلزم .
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي داود: إذا جاء الشيء عن الرجل
من التابعين ، لا يوجد فيه عن النبي ، لا يلزم الأخذ به (١) .
وقال رحمه الله في موضع آخر: الاتباع أن يتبع ما جاء عن النبي عد الم
وعن أصحابه ، ثم هو بعد في التابعين مخير (٢) .
والوجه فيه : أن قول آحادهم ليس بحجة . ويفارق آحاد الصحابة ،
لأنه حجة .
وقال في رواية المروذي : ينظر ما كان عن النبي عزائه ، فإن لم يكن فعن
أصحابه ، فإن لم يكن فعن التابعين .
ويمكن أن يحمل هذا على إجماعهم .
مسألة
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٣).
لأن وقت الحاجة وقت الأداء ، فإذا لم يكن مبيناً تعذر الأداء ، فلم
یکن بد من البيان .
(١) هذه الرواية موجودة في ((مسائل الإمام أحمد )) التي رواها عنه أبو داود ص
(٢٧٦ - ٢٧٧)، وتكملة الرواية عند أبي داود: ( ولكن لا يكاد يجيء الشيء
عن التابعين إلا ويوجد فيه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
(٢) هذه الرواية موجودة بنصها في المرجع السابق ص (٢٧٦) .
(٣) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (١٧٨ - ١٨٢)، و (( شرح الكوكب
المنير)) ص (٢٣١)، و ((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة (٨٥/ب - ٨٦/أ).
٧٢٤

وأما تأخيره عن وقت الخطاب وقبل وقت الحاجة :
فقد اختلف أصحابنا : فقال شيخنا أبو عبد اللّه (١) رحمه الله يجوز
ذلك. وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية صالح وعبد الله في [١٠١/أ]
الآية ترد عامة ، ينظر ما جاءت به السنة ، فهو دليل على ظاهرها ، ولا
فرق بين تأخير البيان عن المجمل أو عن العموم .
وذلك مثل قوله تعالى: ( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (٢)، (وَالسَّارِقُ
وَالسََّرِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِ يَهُمَا)(٣)، (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا)(٤)،
( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) (٥) .
وبهذا قالت الأشعرية ، إلا أنهم لا يثبتون للعموم صيغة ، لكنهم
يجوزون تأخير بيان المراد ، كاللفظ الذي أراد خلاف ظاهره ، وبيان المجمل
إلى وقت الفعل .
وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي : لا يجوز تأخير البيان
عن وقت الخطاب .
فقال أبو بكر في أول كتاب التنبيه : لا يجوز تأخير البيان عن وقت
النطق .
وقال في مجموع له بخطه : بيان الرد على من قال بتأخير البيان إلى
وقت العمل ، وذكر كلاماً كثيراً .
(١) المراد به : الحسن بن حامد .
(٢) (٥) سورة التوبة .
(٣) (٣٨) سورة المائدة .
(٤) (٢) سورة النور .
(٥) (١٤١) سورة الأنعام .
٧٢٥

وقال في إثباته : اتفق الفريقان على أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة ،
ولم يحده إلا وقت التكليف .
وقال أبو الحسن التميمي في بعض مسائله : لا يختلف المسطور عن أحمد
رحمه الله : أنه لا يجوز تأخير البيان .
وبهذا قالت المعتزلة (١)، وأهل الظاهر : داود وشيعته (٢).
وقال أصحاب أبي حنيفة : يجوز تأخير بيان المجمل ، ولا يجوز تأخير
بيان العموم (٣) .
واختلف أصحاب الشافعي على مذاهب : فذهب الأكثر منهم إلى
جواز ذلك على الإطلاق . وقال بعضهم : يجوز في المجمل ، ولا يجوز
في العموم (٤).
فالدلالة على جواز تأخيره في الجملة :
قوله تعالى : ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ ) (٥) فأمره أن يتبع قرآنه ويسمعه (٦) ، وأخبر أنه يبينه فيما بعد ؛
لأن (( ثم)) تقتضي مهلةً وفصلاً .
فإن قيل : معناه : إن علينا إظهارَه وإعلانه ، ألا ترى أنه اشترط ذلك
في جميع القرآن ؟
(١) راجع في هذا: ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (٣٤٢/١).
(٢) راجع في هذا: ((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم (٧٥/١).
(٣) راجع في هذا: ((تيسير التحرير)) (١٧٤/٣)، و((مسلم الثبوت )) مع شرحه
((فواتح الرحموت)) (٤٦/١ ).
(٤) راجع في هذا: ((الإحكام)) للآمدي: (٢٨/٣)، و(( شرح جمع الجوامع))
مع ((حاشية البناني)) (٦٩/٢)، و((المستصفى)) (٣٦٨/١).
(٥) (١٨ - ١٩) القيامة.
(٦) في الأصل : ( يسمعها ) .
٧٢٦
١

i
قيل : حقيقة البيان هو إظهار الشيء من الخفاء إلى حالة التجلي
والإظهار ، وهذا إنما يكون فيما يفتقر إلى البيان ، فأما ما هو مبين فلا
یوجد .
وقولهم : إنه اشترط ذلك في جميع القرآن ، فلا يمتنع أن يكون المراد
به بعضه، كما قال تعالى: ( وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ
مَا نُزِّلَ إلَيْهِم) (١)، والمراد بعضه (٢).
وأيضاً قوله تعالى في قصة نوح: (إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ
وَعْدَكَ الْحَقُّ ) فقال: (إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إنّهُ عَمَلٌّ غَيْرُ
صَالِحٍ) (٣) فدل على أن الله تعالى قد كان أطلق الأهل، وأراد به المصلحين
منهم ، دون المفسدين ، وأخر بيانه عن وقت الخطاب .
وأيضاً : فإن اللّه تعالى أوجب الصلاة مجملة، فقال: (إنّ
الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلىَ الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) (٤)، ثم بينها
جبريل [١٠١/ب] عليه السلام بفعله صلاة في أول الوقت وآخره ، ثم
بينها رسول اللّه ◌َ الرمل بفعله، فقال عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني
أصلي ) .
وأيضاً : فإن تأخير بيان النسخ يجوز عن وقت الخطاب إلى وقت
الحاجة ، كذلك يجوز تأخير بيان التخصيص ؛ لأن النسخ تخصيص الأزمان ،
والتخصيص تخصيص الأعيان ؛ لأن قوله : توجهوا إلى بيت المقدس في كل
(١) (٤٤) سورة النحل .
(٢) تعقبه الشيخ ابن تيمية في ((المسودة)) ص (١٨١) بعد أن نقل عن المؤلف الاستدلال
بالآية ، والاعتراض على الاستدلال ورد الاعتراض .
تعقبه بقوله : ( هذا ضعيف ، بخلاف تفسير ابن عباس ، ولا دلالة في الآية على
محل النزاع ) .
(٣) (٤٥) سورة هود .
(٤) (١٠٣) سورة النساء.
٧٢٧

صلاة ، قام في جميع الأزمان ، وقد أراد به بعض الأزمان ، وأخر
بيانه .
وقوله تعالى: ( فَإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ ) (١) عام في جميع أعيان المشركين ، وأراد به بعضهم ،
وأخر بيانه عن وقت الحاجة ، فلم يكن بينهما فرق .
فإن قيل : تأخير بيان النسخ لا يخل بصحة الأداء ، وتأخير بيان
التخصيص يخل بصحة الأداء .
قيل : لا يخل بصحة الأداء ، لأنا لا نجوز تأخير البيان عن وقت الفعل .
وجواب [ آخر] وهو : أن خطاب العاجز عن الفعل يصح إذا أقدره
عليه في حال الفعل ، وعدم القدرة يخل بصحة الأداء ، ولا يمنع ذلك من
صحة الخطاب .
فإن قيل : لا يجوز أن تؤخر القدرة عن وقت الفعل ، فلا يخل بصحة
الأداء .
قيل : وكذلك لا يجوز أن يؤخر البيان عن وقت الفعل ، فلا فرق
بينهما .
فإن قيل : الخطاب العام في الأزمان مخالف للخطاب العام في الأعيان
في موضوع اللغة ، ألا ترى أن رجلاً لو قال لعبده أو وكيله : اعط فلاناً
كل يوم رطلاً من خبز ، فلما كان بعد مدة منعه من ذلك ، كان الخطاب
في الأول حسناً عند جميع العقلاء ، وإن كان قد أخر بيان وقت المنع إلى
وقت الحاجة ، ولو قال له : اعطه كل يوم رطلاً من تمر ، وهو يريد به
رطلاً من لحم أو خبز ، كان الخطاب قبيحاً ، فدل على الفرق بينهما .
(١) (٥) سورة التوبة .
٧٢٨
أ

قيل: قوله: ((اعطه كل يوم رطلاً من تمر))، وهو يريد رطلاً
من لحم أو خبز لا يفيد المأمور به ، فكان عبئاً أو لغواً ، وليس كذلك إذا
قال: ((اقتلوا المشركين))، فإن القتل المأمور به معقول معلوم ، والخطاب
مفيد ، وإنما أخر بيان من يوقع القتل فيه ، كما أخر في النسخ بيان الزمان
الذي يوقعه فيه .
فإن قيل : لا يجوز تأخير بيان النسخ ، إلا أن يقترن به بيان النسخ ،
فيقول : صلوا إلى بيت المقدس ، ما لم أنسخه عنكم ، وهذا يمنع من عموم
الخطاب في جميع الأزمان . وقيل : إن هذا سؤال كان يورده ابن
الدقاق (١) .
قيل : هذا خطأ ؛ لأن هذا مقرون بكل خطاب ، وإن لم ينطق به
المخاطب ؛ لأن الدليل قد دل على جواز النسخ ، فصار ذلك مقدراً في
خطاب صاحب الشرع ومقروناً به ، وإن لم يذكره ، فوجب [١٠٢/أ]
أن يكونا سواء ، فيجب أن يخبر هذا في بيان العموم ، فيقول (٢):
اقتلوا المشركين إلا من أبين لكم .
ودليل آخر ، وهو : أنه يجوز أن يخاطب العاجز عن الفعل ، ويؤخر
خلق القدرة له وإيجاد الآلة التي بها يتمكن من الفعل إلى وقت الفعل ؛ لأنه
لا حاجة به إلى ذلك قبل الفعل، كذلك البيان لا حاجة به إليه قبل الفعل ،
ولا فرق بينهما ؛ لأن الفعل يفتقر إلى القدرة كما يفتقر إلى البيان .
فإن قيل : تأخير القدرة عن الفعل لا يفضي إلى أن يعتقد المخاطب
جهلاً ؛ لأنه يعلم أنه أريد به حال القدرة ، والبيان متى تأخر اعتقد
المخاطب جهل ما أمر به .
(١) هو محمد بن محمد بن جعفر ، أبو بكر الدقاق ، وقد سبقت ترجمته ص (١٠٧).
(٢) في الأصل : ( فإذا قال ).
٧٢٩

قيل : لا يعتقد جهلاً ؛ لأنه يعتقد قتل المشركين أجمع ، ما لم يرد
البيان .
واحتج المخالف :
بأن تأخير البيان يؤدي إلى اعتقاد الجهل والعزم على الباطل ؛
لأن المخاطب يلزمه اعتقاد عمومه ، وهذا اعتقاد الشيء على خلاف
ما هو به ، وذلك جهل ، ويلزمه أن يعزم على قتل من وصل إلى قتله من
المشركين ، وهذا عزم على باطل ؛ لأن من بذل الجزية أو أمنه (١) مسلم لا
يجوز قتله ، وإذا أدّى إلى هذا ، وجب أن لا يجوز تأخيره .
والجواب : أنه لا يؤدي إلى هذا ؛ لأنه يعتقد عمومه إذا تجرد
عما يخصه ويصرفه عن ظاهره ، كما نقول أجمع في النسخ ، وكما نقول
إذا أسمعه اللّه العام ولم يسمعه الخاص ، وكان بيان الخصوص في الأصول
سابقاً للعموم ، وكان يحتاج إلى الاجتهاد في طلبه ، واستقراء الأصول
بسببه، فإنه في حال اجتهاده يعتقد العموم إن تجرد عما يخصه عند المخالف،
كذلك في مسألتنا يعتقد العموم والظاهر إن تجرد ، والخصوص والباطن إن
اقترنت به قرينة .
واحتج : بأن العموم والخصوص يفيد كل واحد منهما غير ما يفيده
الآخر ، فلا يجوز أن يعبر بأحدهما عن صاحبه من غير بيان ، كما لا
يعبر بالصلاة عن الصيام ، وإذا كان كذلك ، بطل أن يعبر بالعموم عن
الخصوص من غير إشعار .
والجواب : أنه باطل بالعموم في الأزمان ، فإنه يفيد غير ما يفيده
الخصوص ، ومع هذا فقد يعبر بأحدهما عن صاحبه كذلك .
ولا يشبه هذا ما قالوه من الأمر بالصلاة ، أنه لا يكون عبارة عن
(١) في الاصل : ( لو أمنه ) .
٧٣٠
1

الصيام، ألا ترى أنها لا تكون عبارة عنها بلفظ مقارن، فلو قال: ((صلّ ))
ثم قال عقيبه : أردت بذلك الصيام لم يصح، ولو قال في العموم: (( اقتلوا
المشركين))، ثم قال متصلاً به: ((إلا النساء))، صح .
واحتج : بأنه لا سبيل للمخاطب إلى معرفة مراد المخاطب به ، فرجب
أن يكون قبيحاً ، كما يقبح أن يخاطب العرب بلغة الزنج ولغة العجم ، وكما
يقبح أن يقول: ((صلوا))، ويريد به: ((صوموا))، ويقول: ((صوموا))
ويريد به : ((صلوا)).
[١٠٢/ ب] والجواب: أن ذلك الخطاب غير مفيد؛ وليس كذلك
ها هنا ؛ لأن هذا الخطاب مفيد ؛ لأنه عرف لفظه ، وعقل معناه ، واعتقد
فيه العموم إن بقي على حالته ، والخصوص إن دل عليه الدليل .
واحتج : بأن من خوطب بالعموم ، فقد ألزم اعتقاده والإخبار به
لغيره ، فلو كان المراد به الخصوص ، وقد أخبر عنه بالعموم لكان قد ألزم
الإخبار بالكذب ، وهذا لا يجوز تكليفه .
والجواب : أن هذا يبطل بالنسخ ، فإن هذا المعنى موجود فيه ، ومع
هذا فإنه يصح تأخيره . وعلى أنه يعتقده ويخبر عنه إن حكي معه ، ولم ينقل
عنه ، كما قلنا في النسخ .
واحتج : بأن من أطلق كلاماً له ظاهر ، ثم قال بعد استقراره من غير
إشعار بخلاف ذلك استقبح منه ، وإن كان متعلقاً بحق آدمي لم يقبل منه ،
وإذا كان ذلك مستقبحاً منه ، لم يجز أن يرد كلام الله تعالى وكلام رسوله
على ذلك .
والجواب : أن هذا المعنى موجود في النسخ ، وعلى أنه إنما يقبح ذلك في
اللفظ الصريح ، فأما المحتمل ، فلا .
واحتج : بأن البيان في العام كالاستثناء ، فإذا لم يجز تأخير أحدهما ،
كذلك الآخر .
٧٣١

والجواب : أنه لم يجز إلحاق التخصيص بالاستثناء دون إلحاقه بالنسخ ،
وإلحاقه بالنسخ أولى ؛ لأن لفظ الخصوص إذا انفرد استقل بنفسه ، فإنه
يقول بعد يوم : لا تقتل أهل الذمة ، فيفيد حكماً بنفسه كلفظ النسخ ، فكان
إلحاقه به أولى . ويفارق لفظ الاستثناء ، فإنه لا يستقل بنفسه ، ولا يفيد
حكماً ، فإنه لو قال : اقتلوا المشركين ، ثم قال بعد يوم : إلا أهل الذمة
لم يفد هذا بمجرده فائدة ؛ لأنه لا ندري هذا الكلام إلى ماذا يرجع .
واحتج : بأن الله تعالى أمر نبيه بالتبليغ على الفور ، فإذا أخر البيان عن
وقت الخطاب ، لا يكون قد بلغ على الفور .
والجواب : أنا لا نسلم أنه أمر بالتبليغ على الفور ، بل أمر به على
التراخي ، وعلى أن البيان مخالف لحكم التبليغ ، وذلك لأن التبليغ يجوز
أن يتأخر بدليل آخر يدل عليه ، والبيان لا يجوز عندهم أن يتأخر بدليل يدلّ
عليه، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر .
واحتج : بأن تأخير البيان يفضي إلى أن يكون اللفظ الوارد في حكم ما
لم يرد ، ويكون المخاطب به بعد وروده بمنزلته قبل وروده ؛ لأنه لا ندري
المراد به .
والجواب : أنه باطل بالنسخ ، فإن لفظ العموم المستغرق للأزمان
يرد (١) مع تجويز النسخ ، ولا يكون بمنزلة ما لم يرد ، وعلى أنه إذا لم
يرد ، لم يعقل المكلف شيئاً ، ولا يفيد إلزام حكم عبادة ، وليس
كذلك [١٠٣/أ] ها هنا، فإنه يفيد إلزام حكم عبادة واعتقاد العموم، إن
عريَ اللفظ عن دليل التخصيص .
واحتج : بأنه لو جاز تأخير البيان ، وأن يكون بيانه من جهة النبي
عَ التِّ ، فيخترم النبي قبل بيان المراد به ، فيلزم الأمة العمل ، كذلك
(١) في الأصل: (فيرد) ، والفاء هنا لا معنى لها ، لذلك حذفناها .
٧٣٢
- -
-

الخطاب ، وليس المراد به هذا الظاهر ، وتكون الأمة قد كلفوا غير المراد .
والجواب : أنه لا يجوز في صفة الحكيم أن يخترم رسوله المبلّغ المبين
عنه معنى ما أراد ، قبل (١) أن يبينه للناس ، وإذا كان كذلك لم يفض (٢)
إلى ما قالوه .
وعلى أنه باطل بالنسخ ، لأنه يرد معرضاً ، ثم قد يحترم النبي قبل بيان
الناسخ ، كذلك ها هنا .
وعلى أن هذا غير ممتنع في بيان العموم ؛ لأنه إن اخترم قبل البيان
تمسك الناس بذلك العموم ، وأخذوا بموجبه ، إذ ليس عليهم أن يعلموا
مراد الله تعالى به من غير الظاهر منه .
فصل
وما ذكرنا من الدلائل ، فهو دليل على أصحاب أبي حنيفة في فرقهم
بين بيان العموم وبيان المجمل ، ومما يخصهم أن بيان المجمل كبيان
العموم ؛ لأنه ينكشف به المراد باللفظ ، ثم جاز ذلك في المجمل ، وجب
أن يجوز في العموم .
فإن قيل : فرق بينهما ، وذلك أن بيان العموم إذا أفاد إلزام اعتقاد أمر
ليس بمراد ، وهذا يقبح أن يرد به التكليف ، والمجمل يفيد اعتقاد حكمه
وبيان صفته حال الحاجة ، فيحصل به توطين النفس لفعل المأمور به ، وهذا
حسن في التكليف .
قيل : يبطل بالنسخ ، فإنه يجوز تأخيره ، وإن أفضى إلى ما قالوه .
(١) في الأصل : (مثل ) .
(٢) في الأصل : ( يفضي ) بإثبات الياء.
٧٣٣

وعلى أنا قد بينا أنه يعتقد عموم ذلك ، ما لم يخص ، وينقل عنه ، كما
يعتقد ذلك في الزمان .
مسألة (١)
أفعال النبي ◌َ لِ ينظر فيها ، فإن لم يكن على سبيل القربة ، كالأكل
والشرب واللباس والقيام والقعود ونحو هذا ، فإنه يدل على أنه فعل مباح ؛
لأن النبي مع الله لا يفعل المحظور ، وإن فعل لم يقر عليه .
وقد أومأ أحمد رحمه اللّه إلى هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله
عن الاضطجاع، فقال: ما فعلته إلا مرة، وليس هو من أمر النبي عَ اللهِ.
فلم يجعل ذلك حجة ؛ لأن الاضطجاع ليس بقربة .
وإن كان على سبيل القربة والطاعة والعبادة ، فعلى ثلاثة أضرب :
ما كان بياناً ، أو امتثالاً لأمر ، أو ابتداءً من غير سبب .
فإن كانت بياناً لم تدل على شيء غير البيان ، ويكون حكمها مأخوذاً من
المبين ، فإن كان المبين واجباً ، فقد بين الواجب ، وإن كان ندباً ، فقد
بين الندب .
والبيان على ضربين: [ بيان ] مجمل وتخصيص عموم .
فبيان المجمل نحو قوله تعالى: ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ) (٢)
ثم أخذ النبي يوم الحصاد العشر، فكان فعله صلى اللّه عليه بياناً لذلك [١٠٣/ب]
المجمل ، وفعله لا يدل على غير البيان .
(١) راجع هذه المسألة في: المسودة ص (١٨٧)، و((التمهيد في أصول الفقه)) الورقة
(٨٩/ب - ٩٠/أ ).
(٢) (١٤١) سورة الأنعام .
٧٣٤
١
.

وبيان التخصيص نحو قوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسََّرِقَةُ فَاقْطَعُوا
أَيْدیھُمَا ) (١) هذا عام في كل سارق سرق ، قليلاً أو كثيراً ، من حرز
وغیر حرز ، فإذا حمل إلیه سارق من غیر حرز وأقل من ربع دینار فلم
يقطعه كان (٢) هذا بياناً وقع به التخصيص .
وإنما يعلم أن هذا خرج على وجه البيان ، إذا تقدم العام .
وإن كانت امتثال أمر ، لم تدل (٣) أيضاً في أنفسها على شيء ، غير أن
ينظر إلى الأمر ، فإن كان على الوجوب ، علمنا أنه فعل واجباً بالأمر ،
وان كان ندباً ، علمنا أنه فعل الندب بالأمر ، فأما من فِعْلِهِ ، فلا .
وأما إن كان ابتداءً من غير سبب مستند إليه ففيه روايتان : إحداهما :
أنها على الوجوب ، أومأ إليه رحمه اللّه: في مسائل ، فقال في رواية
حرب: يمسح رأسه كله ، كذا جاء الحديث أن النبي مع لتم: ((مسح الرأس
کله )) (٤) .
وقال أيضاً رحمه الله في رواية الأثرم : إذا رمى الجمار ، فبدأ
(١) (٣٨) سورة المائدة.
(٢) في الأصل مكررة .
(٣) في الأصل: ( يدل ) بالياء.
(٤) هذا جزء من حديث روته الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها .
أخرجه عنها أبو داود في كتاب الطهارة ، باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه
وسلم ( ٢٨/١ ) .
وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الطهارة ، باب ما جاء أن مسح الرأس مرة
(٤٩/١)، وقال: ((حديث حسن صحيح)).
وأخرجه عنها البغوي في كتابه: ((شرح السنة))، كتاب الطهارة ، باب مسح
الرأس والأذنين (٤٣٨/١ ).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((ذخائر المواريث)) (١٨٧/٢)، والمنتقى من
أحاديث الأحكام)) ص (٤٤) .
٧٣٥

بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى، لم يصح، قد فعل النبي عز الفلم الجمار (١)، وبين
فيها سنته (٢) .
وقال أيضاً في رواية الجماعة: المغمى عليه يقضي؛ لأن النبي مع التع
أغمي عليه ، فقضى (٣) . وقد احتج بأفعاله على الوجوب .
(١) في ((المسودة)) ص (١٨٧): (قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم الرمي وبين
فيه سنته ) .
(٢) ترتيب رمي الجمار قد جاء فيه عدة أحاديث. منها ما روته عائشة رضي الله عنها .
أخرجه عنها أبو داود في كتاب المناسك ، باب في رمي الجمار (٤٥٦/١ ).
وأخرجه عنها الحاكم في (( مستدركه)) في كتاب المناسك ، باب طواف الإفاضة
ورمي الجمار: (٤٧٧/١ - ٤٧٨)، وقال: ((هذا حديث صحيح)) على شرط
مسلم ، ولم يخرجاه .
وأخرجه عنها الإمام أحمد في ((مسنده)): (٩٠/٦).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٤١٣) ،
و ((نصب الراية)) (٨٤/٣ ) .
(٣) بعد طول البحث لم أقف على هذا الحديث ، وانما الذي رأيته هو ما رواه الدار قطني
في « سننه)) في كتاب الصلاة، باب الرجل يغمى عليه وقد جاء وقت الصلاة هل
يقضي أو لا؟ (٨١/٢) عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أغمي عليه في
الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فأفاق نصف الليل ، فصلى الظهر والعصر
والمغرب والعشاء .
وقد ذكر أبو داود في (( مسائله)) التي نقلها عن الإمام أحمد ص ( ٤٩ ) أنه سأل
الإمام أحمد عن المغمى عليه ، هل يقضي ؟ قال : نعم ، يقضي ما فاته ، واحتج
بحديث عمار .
وأيضاً ، فإن ابن قدامة في كتابه: ((المغني)) (٣٥٣/١ - ٣٥٤) ذكر أن المذهب
في المغمى عليه : أنه يقضي ما فاته ، واستدل لذلك ، ولم يذكر الحديث الذي
أورده المؤلف ، وانما ذكر فعل عمار - رضي الله عنه - واستدل به ، ولو كان
هناك حديث مرفوع ، لذكره ، وكان هو الفيصل في المسألة .
٧٣٦
٢

وبهذا قال أصحاب مالك (١) .
وفيه رواية أخرى : أن ذلك لا يقتضي الوجوب ، وإنما يقتضي
الندب ، نص عليه رحمه الله في رواية إسحاق بن ابراهيم فقال: الأمر من
النبي سوى الفعل ؛ لأن النبي مع المه يفعل الشيء من جهة الفضل ، وقد يفعل
الشيء هو له خاص ، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين .
وقال في رواية الأثرم : وقيل له : أليس ينبغي أن يستعمل بأن يقول
كما يقول المؤذن ؟ قال : ويجعل هذا واجباً، إنما روي أن النبي عَ التّهِ كان
إذا سمع المؤذن ، قال كما يقول (٢) ، فهو فضل ، ليس على أنه واجب .
وهو اختيار أبي الحسن التميمي فيما وجدته له مسألة مفردة ، يقول
فيها : انتهى إليّ من قول أبي عبد الله: أن أفعال رسول اللّه من الفل ليست على
الإيجاب ، إلا أن يدل دليل ، فيكون ذلك الفعل الدليل الذي صار به على
الإيجاب .
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة ، فيما حكاه أبو سفيان السرخسي عن
(١) راجع في هذا: ((شرح تنقيح الفصول)) ص (٢٨٨).
(٢) حديث فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا رواه معاوية بن أبي سفيان رضي
الله عنه . أخرجه عنه البخاري في كتاب الأذان ، باب ما يقول إذا سمع المنادي
(١٥٠/١) .
وأخرجه عنه النسائى في كتاب الصلاة ، باب القول مثل ما يتشهد المؤذن (٢١/٢).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة ، باب ما يقال في الأذان ( ٢١٨/١).
وأخرجه عنه البغوي في كتابه: ((شرح السنة)) في كتاب ((الصلاة )) باب إجابة
المؤذن (٢٨٥/٢ - ٢٨٦ ) .
٧٣٧
العدة في أصول الفقه - ٤٧
٠

أصحابه (١)، وأهل الظاهر أيضاً (٢).
وذهبت المعتزلة (٣) والأشعرية الى أن ذلك على الوقف ، ولا يحمل على
الوجوب ، ولا على الندب إلا بدلالة .
واختلف أصحاب الشافعي على مذاهب :
منهم من قال : هي على الوجوب .
ومنهم من قال : هي على الندب .
ومنهم من قال : هي على الوقف (٤) .
فالدلالة [١٠٤/أ] على أنها على الوجوب :
قوله تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) إلى قوله: (وَاتَّبِعُوهَ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (٥) ، فأمر باتباعه ، والأمر على الوجوب .
۔
(١) هناك رأيان للحنفية في هذه المسألة هما :
الأول: الندب. قال في ((تيسير التحرير)): (١٢٣/٣): (وهو معزو في
المحصول إلى الشافعي ، وفي القواطع إلى الأكثر من الحنفية .. ).
الثاني: الإباحة، وقد أفاد صاحب ((مسلم الثبوت)) (١٨١/٢ ) أنه الصحيح
عند أكثر الحنفية . واختاره أبو بكر الجصاص .
(٢) راجع في هذا: ((الاحكام)) لابن حزم (٤٢٢/٤).
(٣) راجع في هذا: ((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (٣٧٧/١).
(٤) نسب الآمدي في ((الإحكام)): (١٦٠/١) القول بالوجوب إلى ابن سريج
والاصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران ..
أما القول بالندب فنسبه إلى الإمام الشافعي بصيغة ( قيل) ، واختاره إمام الحرمين .
أما القول بالوقف فنسبة إلى جماعة من الشافعية ، منهم الصير في والغزالي .
(٥) (١٥٨) سورة الأعراف.
٧٣٨
F

فإن قيل: الاتباع هو : أن يفعل ذلك على الوجه الذي فعله النبي عله ،
فإذا لم يعلم الوجه الذي أوقع الفعل عليه ، من وجوب أو ندب أو إباحة ،
لم نكن متبعين له .
قيل : الاتباع يكون في الفعل ، وإن اختلف قصد التابع والمتبوع ،
كالمتنفّل يأتم بالمفترض ، فيتبعه في صلاته، وإن اختلفا في القصد والاعتقاد
وكذلك من خرج للجهاد ، فتبعه آخر يريد تجارة ، سمي متبعاً له في سفره
وإن خالفه في قصده .
فإن قيل : في الآية إضمار ، وتقديره : واتبعوه في فعله ، فيحتاج أن
تثبت صفة الفعل على أي وجه وقع ، حتى يتبع فيه .
قيل : نحن نستدل بالآية على وجوب اتباعه في فعله الواقع منه وفي
صورته وصفته ، فأما كيفية وقوعه فلا تعرض له .
ويدل عليه قوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) (١).
فإن قيل : هذا يدل على أن التأسي بالنبي مستحب .
قيل : قوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) تهديد (٢)
يدل على أن ذلك إيجاب وإلزام .
فإن قيل: قوله : ( لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) ليس
بتهديد ؛ لأن الرجاء تأميل المنفعة .
(١) (٢١) سورة الأحزاب.
(٢) في الأصل : ( تهديداً ) بالنصب .
٧٣٩

قيل : المراد به ها هنا لمن كان يخاف الله واليوم الآخر . قال أبو ذؤيب
الهذلي (١) :
إذَا لَسَعَتْهُ النّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا
وخَالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلٍ (٢)
يريد : لم يخف لسعها من اشتيار (٣) العسل في بيوت النحل . والنوب:
(١) هو : خويلد بن خالد بن محرث ، وقيل : خويلد بن محرث ، من بني مازن بن
سويد بن تميم بن سعد بن هذيل . شاعر مخضرم . أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ،
ولم يره. قال حسان: (( هذيل أشعر الناس، وأبو ذؤيب أشعر هذيل)) . مات في
خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بطريق مكة ، قريباً منها . وقيل : مات
بالمغرب ، وقيل : بمصر .
له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٦٤٨/٤)، و((الاصابة)) (٦٣/٧ )،
و ((الشعر والشعراء)) (٦٥٣/٢)، و((طبقات الشعراء)) ص (١٠٣، ١١٠).
(٢) هذا البيت نسبه السكري في كتابه: ((شرح أشعار الهذليين)) (١٤٤/١) إلى
الشاعر المذكور . وهو البيت الخامس عشر من قصيدة بلغت ثلاثة وعشرين بيتاً ،
يقول في مطلعها :
أساءلت رسم الدار أم لم تسائل عن السّكْنِ أو عن عَهْدِه بالأوائِل
وقد ذكر السكري في كلمة : ( خالفها ) روايتين ، إحداهما بالخاء المعجمة ،
والثانية بالحاء المهملة. كما ذكر أن ((العوامل)) هي التي تعمل العسل والشمع.
(٣) في الأصل : (سعار ) من غير اعجام .
و ((اشتيار العسل)) اجتناؤه، وأخذه من موضعه. قال أبو عبيد: ((شرتُ العسل،
واشترته ، اجتنيته وأخذته من موضعه)).
انظر: ((اللسان)): (١٠٣/٦) مادة: ((شور))، و((معجم مقاييس اللغة)):
(٢٢٦/٣)، في المادة المذكورة .
٧٤٠
--