Indexed OCR Text
Pages 501-520
شائعاً في جنس المشركين ، وأي رجل قتلوا منهم كانوا ممتثلين لأمره ، فإذا قال: ((اقتلوا المشركين))، وجب أن يقتلوا جميعهم ؛ لأن القتل يجب أن يتعلق ها هنا بمن يتعلق الرجل الذي أمر بقتله بهم . وحكي عن أبي بكر بن الباقلاني : أنه كان يسلم هذا . وإن امتنع ممتنع من تسليمه، قيل له: الدليل: أنه إذا قال: (( لا تقتل رجلاً من المشركين)) ، وجب أن يكف عن واحد من جنس المشركين ، وهذا لا خلاف فيه ، ولهذا قال أهل اللغة : إن النكرة في النفي تقتضي الجنس ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في الإثبات واحد (١) من الجنس . يبين صحة هذا: أنه إذا قال: (( والله لا أدخل داراً ، اقتضى الجنس ، فأي دار دخلها حنث في يمينه ، وإذا قال: لأدخلنَّ داراً)) ، اقتضى دخول دار من الجنس ، فأي دار دخلها برَّ في يمينه ، والبر والحنث في الأيمان بمنزلة الطاعة والمعصية . وأيضاً : فإن العموم معنى ظاهر تمس الحاجة إلى العبارة عنه والإخبار به في المخاطبة المتعلقة بالمصالح في الدين والدنيا ، وقد رأيناهم وضعوا لكل ما تمس الحاجة إلى العبارة عنه من الأشخاص والأفعال اسماً يخصه ويميزه (٢) عن غيره ، وجب أن يكون العموم والخصوص بمثابته ؛ لأن الداعي إليه كالداعي إلى [٦٧/ب] سائر ما وضعوا له من العبارات (٣). فإن قيل: هذا يبطل بالطعوم والروائح ؛ لأنها متغايرة متباينة ولم يضعوا لكل طعم ، ولا لكل رائحة اسماً يخصه ويميزه عن غيره مع الحاجة إلى العبارة (١) في الأصل : ( واحداً ) . (٢) في الأصل: ( تميزه ) بالمثناة الفوقية . (٣) هذا الدليل ساقه أبو الحسين البصري في كتابه: ((المعتمد في أصول الفقه)) (١/ ٢١٠) . مع اختلاف في التعبير . ٥٠١ i عنه، وكذلك قالوا (١) في المواجهة: ((فعلت أنت))، و((فعلتما أنتما))، و ((فعلتم أنتم))، وكذلك في الإخبار عن الغائب قالوا: ((فعل فلان))، و ((فعلها))، و ((فعلوا))، وقالو في الإخبار عن نفسه وعن غيره : ((فعلتُ) و ((فعلنا))، ولم يميزوا التثنية من الجمع ، وجعلوا اللفظ مشتركاً فيهما . قيل: قد ميزوا بالاضافة، فقالوا: ((طعم الخبز))، و (( طعم الماء))، و((طعم الفاكهة))، و((حلاوة السكر))، و((حلاوة العسل))، و ((حموضة الخل))، و ((حموضة المصل))، و((رائحة الكافور))، و ((رائحة المسك)) كما قالوا: ((لحم الغنم))، و((لحم البقر))، و(( لحم الجمل))، و ((لحم العصافير))، فميزوا بينها (٢) بالاضافة . وأما التثنية في الإخبار عن نفسه وعن غيره ، فهو أنهم وضعوا له لفظاً يدل عليه، فقالوا: ((فعلت أنا وأخي معي أو فلان))، و ((إنا فعلنا))، و ((فعلت أنا وجماعة معي أو فلان وفلان)) و((وإنا فعلنا))، وإنما لم يضعوا التثنية من لفظ الواحد ؛ لأنهم يثنون اللفظ بنظيره ، ولا نظير له في الإخبار عن نفسه وعن غيره ، لأنه لا يقول : أنا وأنا ، كما [ لا ] يقول أنت وأنت ، وهو وهو . فإن قيل : لفظ الجمع مع الرمز والإشارة ودلالة الحال يدل على قصد المتكلم ومن أحد من الخصوص ، فاستغنوا بذلك عن اللفظ ، كما تقول في قول القائل: ((أي شيء يحسن زيد))؟ فإنه يحتمل التكثير والتقليل والاستفهام ، وإنما يتوصل إلى قصد المتكلم بدلالة الحال . قيل : لم ننكر أن يكون في اللغة لفظ مشترك يدل دلالة الحال على قصد (١) في الأصل : ( قال ) . (٢) في الأصل : ( بينهما ). ٥٠٢ المتكلم به، وإنما أنكرنا أن يكون ما تمس الحاجة إلى العبارة عنه في مصالح دينه ودنياه لم يضعوا له لفظه، وهذه المعاني التي يحتملها قوله: ((أي شيء يحسن زيد؟))، وقد وضعوا لها لفظاً تُميز به عن غيره، فقالوا: ((علمه قليل أو كثير ، وأي شيء يحسن زيد ))؟. وأيضاً : فإن لفظة ( من) إذا استعملت في الاستفهام كقوله: (( من عندك))؟ و ((من كلمت)) ؟ صلح أن يجيب بذكر كل عاقل ، فثبت أن اللفظ يتناول الجميع (١). وكذلك إذا استعمات في المجازاة كقوله: (( من دخل داري أكرمته )» صلح استثناؤهم ؛ لأن الاستثناء : يخرج من اللفظ ما لولاه كان داخلاً فيه ، ألا تراه لما لم يتناول غير العقلاء لم يصح استثناؤهم ؟ فإن قيل : لا نسلم أن صيغة ( من ) لكل من يعقل ؛ لأن ممن يعقل الجن والملائكة ، ولا يدخلون فيه . قيل : الصيغة تناولت كل هؤلاء ، وإنما خرج ذلك بدليل ؛ لأنه إنما يسأله عمن يجوز أن يكون عنده ، وعمن يجوز دخوله (٢) . فإن قيل : إنما كان مجيباً ومستثنياً ؛ لأنه [٦٨/أ] أجاب بمن يصلح له اللفظ . قيل : هو يصلح له ويصلح لغيره عند المخالف ، فكان ينبغي أن لا يكون مجيباً حتى يعلم مراد المستخبر بقوله: ((من عندك؟))، ولما أجمعوا على أنه يجيب بكل من ذكره من جنس العقلاء بطل السؤال . (١) هذا الدليل ساقه أبو الحسين البصري في كتابه: ((المعتمد في أصول الفقه)) (١/ ٢٣٧) . مع اختلاف طفيف . (٢) هذا الاعتراض والجواب عنه، ذكره أبو الحسين البصري في كتابه: ((المعتمد في أصول الفقه)) (٢٢١/١ - ٢٢٢). ٥٠٣ أ 1- واحتج المخالف : بأن صيغة العموم لا تخلو من أن تكون ثبتت بالعقل أو بالنقل ، فلا يجوز أن يكون بالعقل ؛ لأنه لا مدخل له فيه ، ولا يجوز أن يكون بالنقل ؛ لأن النقل لا يخلو إما أن يكون تواتراً أو آحاداً ، ولا يجوز أن يكون تواتراً ؛ لأن التواتر لم يوجد ؛ لأنه لو وجد لعلمناه ، ولا يجوز أن يكون آحاداً ؛ لأن نقل الآحاد لا يوجب العلم ، ومسألة العموم طريقها العلم والقطع ، فلم يجز إثباتها بما لا يوجب العلم (١). والجواب عنه من وجوه : أحدها : أنا أثبتنا ذلك من طريق العقل والنقل ، وقد ذكرنا الطريقين جميعاً . الثاني : أنا أثبتناه من طريق ثالث ، وهو الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم وإرادتهم مثل ما ذكرته من الاستدلال بالنكرة في الإثبات والنفي والاستفهام والاستثناء ، وهذا قسم ثالث لم يذكره المخالف . جواب ثالث : أنا نقلبه عليهم فنقول : إثباتك إياه مشتركاً لا يخلو ذلك من أن يكون [عقلاً ] أو نقلاً، ونذكر القسمين. وهذا كما قال نفاة القياس : من [أن] إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون عقلاً أو نقلاً، ولا يجوز أن يكون عقلاً؛ لأنه لا مدخل له فيه، ولا يجوز أن يكون نقلاً على ما ذكره المخالف ، فقلنا لهم : تحريم القياس لا يخلو إما أن يكون بالعقل أو بالنقل ، وإذا كان جوابنا هناك ، فهو جوابنا ها هنا . (١) هذا الدليل ساقه أبو الحسين البصري في كتابه: ((المعتمد في أصول الفقه)) ( ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤) بأوسع مما هنا . ٥٠٤ 1 واحتج بأن لفظ الجمع يستعمل مرة في البعض ومرة في الكل ، واستعماله في البعض أكثر؛ لأنه يقال: ((غلق الناس))، و((فتح الناس))، و(( جمع التجار إلى دار السلطان)) ، ويراد به البعض دون الكل ، ويقول الواحد : ((غسلت ثيابي، وصَرَمْت نخلي))، ويريد به البعض ، فإذا كان كذلك كان حقيقة في البعض والكل ، وكان بمنزلة اللفظ المشترك ، مثل : ((العين)) و((الدَّون))، فإنه يحتمل: العين: ((عين الذهب))، و((عين الماء))، و((عين الميزان)) و((عين الركبة))، و((عين القوم))، وهو خيارهم، والعين على القوم، وهو: ((الجاسوس))، وكذلك ((اللون)) يحتمل ((البياض))، و(الحمرة))، و((السواد))، و((الصفرة))، ولا يجوز حمل اللفظ على بعضها إلا بدليل ، كذلك ها هنا . والجواب : أن هذا يبطل بأسماء الأعيان واستعمالها (١) في الحقيقة والمجاز ، مثل تسميتهم المال الكثير بحراً ، والرجل العالم والجواد بحراً ، وكذلك تسميتهم ((البهيمة حماراً)) و ((الرجل البليد)) حماراً، و ((البهيمة أسداً وليثاً)) و((الحية شجاعاً))، [٦٨/ب] و(«الرجل الذي به بأس وشدة شجاع )) . ويبطل أيضاً باستعمال لفظ الجمع في الواحد ، مثل قول الله تعالى : ( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (٢)، وقول الله عز وجل : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُم النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم ) (٣)، فأراد بالأول: ((نُعَيْم بن مسعود)) (٤) ، ومع هذا فلم يدل ذلك على الاشتراك . (١) في الأصل: ( واستعمال ) . (٢) (٩) سورة الحجر. (٣) (١٧٣) سورة آل عمران . (٤) هو : نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي . صحابي جليل، رضي الله عنه، هاجر= ٥٠٥ 1 i ويفارق هذا: ((العين)) و ((اللَّون))؛ لأن ذلك يستعمل بنفسه في أشياء مختلفة في كل واحد منها مثل استعماله في الآخر ، وليس كذلك = إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء وقعة الخندق، كان له دور كبير فيها، حيث استطاع الإيقاع بين اليهود والمشركين ، سكن المدينة ، ومات في خلافة عثمان بن عفان . انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) (١٥٠٨/٤)، و((الإصابة)) القسم السادس ص (٤٦١)، طبعة دار نهضة مصر . و(( الناس)) في أول الآية ، اختلف المفسرون في تفسيره ، هل يفسر بالفرد ، أو يفسر بالجمع ؟ على اتجاهين : الاتجاه الأول : أن المراد به فرد ، وهؤلاء على قسمين : قسم ذهب إلى أن المراد به : نعيم بن مسعود ، كما ذكر المؤلف ، وهو رأي عكرمة ، ومجاهد ، ومقاتل ، والكلبي . وقسم ذهب إلى أن المراد به : أعرابي ، طلب منه : أن يفعل ذلك ، نظير أجر له ، وهو رأي السدي . الاتجاه الثاني : أن المراد به جمع ، وأصحاب هذا الرأي على ثلاثة أقسام : القسم الأول : ذهب إلى أن المراد : ركب عبد القيس ، لما مروا بأبي سفيان يريدون المدينة ، فطلب منهم إبلاغ محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه ، بأنه يجمع الجموع لحربهم ، وهو رأي ابن إسحاق وجماعة . القسم الثاني : ذهب إلى أن المراد : المنافقون . القسم الثالث : ذهب إلى أن المراد : جماعة من هذيل من أهل تهامة ، وهو رأي أبي معشر . ويلاحظ : أنه لا يتم الاستدلال إلا على التفسير بالفرد . راجع في هذا: ((تفسير القرطبي)) (٢٧٩/٤ - ٢٨٠)، و ((تفسير القاسمي)) ( ١٠٣٨/٤ - ١٠٣٩ ). ٥٠٦ ها هنا ، فإنه يستعمل بنفسه عند الاطلاق للعموم والشمول ، بدليل ما ذكرنا من الاستدلال بالنكرة في الاثبات والنفي والاستفهام والاستثناء . واحتج بأن الاستفهام يحسن فيه ، ولو كان موضوعاً للجنس لم يحسن الاستفهام، كما لا يحسن في الأسماء الموضوعة للعدد، مثل: ((العشرة))، و ((المائة))، و ((الألف)). والجواب: أن الاستفهام يجوز في قوله: ((إنا فعلنا))، وقوله : ((رأيت بحراً))، و((رأيت حماراً))، وتقول: ((قلت ذلك ألف مرة))، فيحسن أن يكون قلته على التكثير أو على الوفاء والتكميل ، وتقول : ((رأيت زيداً)) فيقول السامع: ((رأيتَه نفسَه))، ولم يدل ذلك على الاشتراك . وجواب آخر وهو : أنه إنما يحسن الاستفهام فيه ؛ لأن اللفظ وإن كان موضوعاً للعموم بإطلاقه ، فظاهره قد يصلح للخصوص ، فيستفهمونه ليتيقن أنه إنما أراد الخصوص ؛ ولأنه قد يدخل الاستفهام على طريق التأكيد، كما إذا قال القائل: ((اقتل فلاناً))، صلح أن يراجعه، فيقول : ((أأقتله )) ؟ تأكيداً واحتياطاً ؛ لأن اللفظ ما تضمنه . واحتج : بأن اللفظ قد ورد وأريد به العموم ، وورد وأريد به الخصوص ، فلم يكن حمله على أحدهما أولى من حمله على الآخر ، فوجب التوقف . والجواب : أن اللفظ الدال على العموم هو التجرد عن القرائن ، وهذا اللفظ لم يرد قط إلا وهو دالّ على العموم ، وإنما يدل على الخصوص بقرينة . واحتج : بأنه لو كان موضوعاً للعموم حقيقة لكان إذا حمل على ٥٠٧ الخصوص أن يصير [ مجازاً ] (١). والجواب : أنه إذا حمل على الخصوص ، فقد حمل على بعض ما تناوله اللفظ، فلا يكون مجازاً، كما إذا قال: ((لفلان عشرة إلا خمسة))، إذا حمل اللفظ على الخمسة حمل على ما تناوله اللفظ ، ويكون حقيقة لا مجازاً . واحتج : بأن اللفظ لو كان موضوعاً للعموم لما جاز أن يوجد إلا وهو دال عليه ، كما لا يجوز أن يوجد الفعل إلا وهو دال على فاعل . والجواب : أن اللفظ الدال على العموم هو المتجرد عن قرينة ، ولا يوجد هذا اللفظ إلا وهو دال على العموم ، وإنما يدل على الخصوص بقرينة تنضم [٦٩/أ] إليه . واحتج بأن حمله على العموم يوجب التضاد ؛ لأنه يحمل على العموم وعلى الخصوص ، وهما ضدان . والجواب : أن اللفظ الذي يحمل على العموم لا يحمل على الخصوص ، والذي يحمل على الخصوص لا يحمل على العموم ، بل أحدهما مقترن والآخر متجرد . واحتج : بأنه لو كان اللفظ للعموم لما جاز أن يطلق لفظين عامين متنافيين إلا على وجه النسخ ، كالنصين المتنافيين ، فلما جاز أن يقول : ((اقتلوا المشركين))، ثم يقول: ((لا تقتلوا أهل الذمة))، فلا يكون ذلك نسخاً ، ثبت أن اللفظ ما دل على العموم بنفسه . والجواب : أن العمومين إذا وردا متنافيين فهما في معنى النسخ ؛ لأن النسخ يختص الأزمان ، والتخصيص يختص الأعيان ، فهما في المعنى (١) هذه الكلمة زادها الناسخ في هامش الأصل ، وإثباتها ضروري ، ليستقيم الكلام. ٥٠٨ سواء، وإن اختلفا في الاسم، وعلى أن العمومين إذا وردا متنافيين لم يوجد فيهما اللفظ الدال على استغراق الجنس ؛ لأنه لم يتجرد لفظ أحدهما عن قرينة تدل على أن المراد به الخصوص . واحتج : بأنه لو كان اللفظ موضوعاً للاستغراق ، لما جاز تخصيص الكتاب بأخبار الآحاد والقياس ، فإنه لا يجوز إسقاط حكم بخبر واحد وقياس . والجواب : أن التخصيص ليس هو إسقاطاً لحكم اللفظ كله ، وإنما يخرج بعضه ويبقى البعض، ويبين به أن هذا هو الذي كان مراعى باللفظ ، فلا يكون إسقاطاً لحكم الكتاب ، بل يكون بياناً للمراد به . فصل والدلالة على فساد قول من حمل العموم على أدنى الجمع ما تقدم . ولأن الصحابة لم ينقل عن أحد منهما أنه اعتقد في عموم القرآن والسنة أدنى الجمع ، والوقف في الباقي ، بل حملوا اللفظ على عمومه ، فدل على أنه ليس بموضوع الكلام ، إذ لو كان كذلك لنقل ذلك عنهم . ولاحتج به بعضهم على بعض . ولأن للخصوص لفظاً هو أخص به من لفظ العموم ، ولو كان المراد الخصوص (١) لعبر عنه باللفظ المختص به . ولأنه يصح أن يستثنى منه أكثر من قدر الخصوص . ولأنه لو جاز أن يحمل على أقل الجمع - لأنه اليقين - لجاز أن يحل على الواحد ؛ لأنه هو اليقين ؛ لأن لفظ الجمع قد يرد والمراد به الواحد (١) في الأصل : ( بالخصوص ). ٥٠٩ قال الله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) (١)، وقوله: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ) (٢) قيل تقديره: القِ القٍ على وجه التأكيد (٣). وقول عمر حين كتب إلى سعد : (٤) إني قد وجهت إليك ألفَيْ رجل . وإنما أنفذ إليه القعقاع (٥) ومعه ألف. فسمي الواحد ألفاً ؛ لأنه يسد مسدها ، ولما لم يجز حمله على الواحد ؛ لأن الإطلاق لا يتناوله ، كذلك أقل الجمع . (١) (٩) سورة الحجر. (٢) (٢٤) سورة ق . (٣) هذا أحد الأقوال ، وهناك ثلاثة أقوال هي : الأول : أن ضمير التثنية في قوله تعالى: ( ألقيا ) عائد إلى السائق والشهيد ، وإليه مال ابن كثير . : أن الألف في قوله : (ألقيا) هى نون التوكيد، سهلت إلى الألف . الثاني الثالث : أن ذلك لغة للعرب ، يخاطبون المفرد بالتثنية . راجع في هذا: ((تفسير الفخر الرازي)) (١٦٥/٢٨)، و ((تفسير ابن كثير)) (٢٢٤/٤)، و ((تفسير القاسمي)) (٥٥٠٤/١٥ ) . (٤) هو : سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري ، أبو إسحاق بن أبي وقاص ، أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وآخرهم موتاً . أول من رمى بسهم في سبيل الله ، له فضل كبير في فتح العراق . بنى الكوفة ، ووليها لعمر ، اعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان ، مات بالعقيق ، وحمل إلى المدينة سنة (٨٥٥) على الأرجح . له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (٦٠٦/٢)، و((الإصابة)) (٨٨/٣ - ٨٤). (٥) هو : القعقاع بن عمرو التميمي ، كان من الشجعان الفرسان . أبلى بلاءً جميلاً في موقعة القادسية . ذكر سيف بن عمر : أن له صحبة . وسيف هذا ضعفه ابن السكن، وقال فيه أبو حاتم: ((متروك الحديث)). مات القعقاع نحو سنة (٤٠هـ). له ترجمة في: ((الاستيعاب)) (١٢٨٣/٣)، و((الإصابة)) (٢٤٤/٥ - ٢٤٥)، و ((الأعلام)) (٤٨/٦ ). ٥١٠ واحتج المخالف : بأن الثلاثة متيقن ، فوجب [٦٩/ب] حمله عليه (١). والجواب : أن هذا يوجب حمله على الواحد ؛ لأنه متيقن (٢) واللفظ قد يعبر به عنه . ويوجب أيضاً : أن يحمل لفظ العشرة على أقل من ذلك ، أنها (٣) قد تستعمل في بعضها بدليل ، وهو إذا اقترن به الاستثناء وأجمعنا على أنها تحمل على الجميع بظاهرها ، وعلى أن الثلاثة (٤) وإن كان متيقناً ، فإن اللفظ حقيقة فيما زاد عليه ، فلم يكن حمله على الثلاثة (٥) بأولى من حمله على الجميع . واحتج : بأن استعمال لفظ العموم في الخصوص هو الغالب ، فحمل عليه . والجواب : أن هذا الغالب لا يختص بثلاثة . واحتج : بأن العموم مأخوذ من الخصوص، ومنه قولهم: (( مطر عام )) . والجواب: أن العموم مأخوذ من قولهم: ((عممت الشيء أعمه عموماً ، وعمهم العدل والرخص والغلاء)). (١) الضمير عائد على ((الثلاثة)) باعتباره عدداً . (٢) في الأصل: ( لأنه نفي ). (٣) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: (لأنها) لأن الجملة تعليل لما قبلها . (٤) في الأصل : ( الثلاث ). (٥) في الأصل : ( الثلاث ) . ٥١١ فصل والدلالة على فساد قول من فرق بين الأخبار والأوامر . أن الطريق إلى إثبات أحدهما هو الطريق إلى الآخر ، فالممتنع من أحد الأمرين يلزمه الامتناع من الآخر ، ألا ترى أن استعمال اللغة في الأمرين على وجه واحد ، ورجوع الصحابة إلى أوامر الله تعالى وأخباره إلى ظاهر الخطاب ، كرجوعهم في الآخر ؟ فدل على أنه لا فرق بينهما . ولأنه ثبت أن اللّه إذا أمر بلفظ عام وجب حمله على العموم ، كذلك إذا اخبر بلفظ عام ؛ لأنه لا يجوز أن يخاطبنا ويريد بخطابه غير ما وضع له في اللغة ، ومتى لم يرد ذلك دل عليه وبينه . واحتج من فرق بينهما : بأن الأوامر تكليف، فلو لم يعرف المراد به، لاقتضى تكليف ما لا يطاق ، وليس كذلك الخبر عن الوعد والوعيد وغير ذلك ؛ لأنه لا يقتضي وجوب شيء يحتاج أن يعلم به . والجواب : أن الخبر إنما يخاطب به لفائدة كالأمر ، وإن كان فائدتهما تختلف ، ألا ترى أنه يزجر بالوعيد ويرغب بالوعد ، وذلك يقتضي العلم بمراده بها ، فالحال فيهما واحدة . ولأن المقصود وإن اختلفت جهاته ، فلا يوجب التفريق بين الأمرين ، مثل اختلاف المقصود في الأوامر . فإن قيل : الخبر لا يدخله نسخ ولا تخصيص ، والأمر يدخله الأمران . قيل : هذا يؤكد ما قلنا ؛ لأن الأمر لما جاز أن يقع فيه النسخ والتخصيص(١)، (١) في الأصل : ( والحظر ). ٥١٢ ومع هذا يحمل على العموم ، فالخبر مع امتناع وقوع النسخ أولى أن لا نحمله (١) على العموم . فإن قيل : يجوز وقوع الخبر عن مجهول ، نحو قوله تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ) (٢)، وقوله: (وَقُرُونَاً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً)(٣) ثم لا يبينه أبداً ، ولا يجوز أن يأمر بمجهول، ولا يبينه في الثاني. قيل : يجوز ذلك بأن يقول: ( أَقِيمُوا الصَّلاَةَ [٧٠/أ] وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (٤) ثم لا يبين ذلك ، وتكون فائدة الأمر صحة تنزيله ووجوب اعتقاده . فصل يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني (٥) فأما-المضمرات نحو قوله تعالى: (حُرَّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) (٦) و ( حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ) (٧)، معلوم أنه لم يرد نفس العين؛ لأنها فعل الله تعالى، وإنما المراد أفعالنا فيها، فيعم تحريمها بالأكل والبيع (٨). (١) في الأصل : ( أن لا يحمله .. ). (٢) (٥٨) سورة القصص . (٣) (٣٨) سورة الفرقان . (٤) (٤٣) سورة البقرة . (٥) راجع في هذا الفصل: ((المسودة)) ص (٩٠)، و((شرح الكوكب المنير)) ص (٣٤٥)، من الملحق . (٦) (٣) سورة المائدة . (٧) (٩٦) سورة المائدة . (٨) سبق للمؤلف ص (١٤٥) أن ذكر أن هذه الآية من قبيل المجمل مع أنه ذهب هنا إلى أنها عامة ، وهذا تناقض ، مع أن الصواب القول بعمومها . ٥١٣ العدة في أصول الفقه - ٣٣ وكذلك قول النبي عزائه: ( لا أحلّ المسجد لجنب) (١) ليس المراد عين المسجد ، وإنما المراد به أفعالنا ، فهو عام في الدخول واللبث . وكذلك قوله عليه السلام : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ) (٢)، (١) هذا الحديث أخرجه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً ، في كتاب الطهارة باب الجنب يدخل المسجد (٥٣/١ ) . وأخرجه ابن ماجه عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً ، في كتاب الطهارة ، باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد (٢١٢/١). وفي إسناد أبى داود: ((فليت العامري))، قيل فيه مجهول . ورد هذا بقول أحمد : (( ما أرى به بأساً)). وقال أبو حاتم : شيخ . أما إسناد ابن ماجه ففيه: ((محدوج الذهلي))، و((أبو الخطاب الهجري )) متكلم فيهما . وعلى هذا فحديث أبي داود أصح من حديث ابن ماجه ، وقد قال أبو زرعة : الصحيح حديث ميسرة عن عائشة . وقد صحح حديث عائشة ابن خزيمة ، وحسنه ابن القطان . راجع: ((نصب الراية)) (١٩٣/١ - ١٩٥)، و((تلخيص الحبير)) (١٣٩/١ - ١٤٠ ) . (٢) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، كما أخرجه عن أبي ذر رضي الله عنه وذلك في كتاب الطلاق ، باب طلاق المكره والناسي (١/ ٦٥٩ ) . وأخرجه الحا کم عن ابن عباس في کتاب الطلاق باب ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة (١٩٨/٢)، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه )) . وأخرجه الطحاوي عنه في كتابه: (( شرح معاني الآثار)) وذلك في كتاب الطلاق باب في طلاق المكره ( ٩٥/٣ ) . = ٥١٤ 1 i والنسيان لا يمكن رفعه ؛ لأنه قد تَقَضَّى ، والمراد به حكمه ، فهو عام في المأثم والحكم به . وكذلك قوله : ( لا نكاح إلا بولي" وشاهدين) عام في الصحة والكمال . وقد قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية صالح في الرجل يُحَدِّث نفسه بما إن سكت عنه يخاف (١) أن يكون قد أشرك (٢) ، فقال: يروى وقد أخرج هذا الحديث ابن حبان في ((صحيحه))، والطبراني في ((معجمه))، = وأبو نعيم في ((الحلية))، وابن عدي في ((الكامل)) والبيهقي . وفي كل طريق من طرقه مقال يقدح في صحته . وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد في ((العلل)) سألت أبي عنه ، فأنكره جداً . وقال البيهقي : ليس بمحفوظ عن مالك . كما قال محمد بن نصر : ليس له إسناد يحتج بمثله . وقال ابن أبي حاتم في كتابه: ((العلل)) (٤٣١/١) سألت أبي عنها فقال: ((هذه أحاديث منكرة ، كأنها موضوعة .. ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده )) . ونقل ابن حجر في ((التلخيص)) عن النووي قوله: ((إنه حديث حسن)). وقال ابن الديبع في كتابه: ((تمييز الطيب من الخبيث)) ص ( ٨١ - ٨٢ ) : ( رواته ثقات ) . ويلاحظ : أن الحديث لم يرد باللفظ الذي أورده المؤلف، وإن كان الأصوليون والفقهاء يوردونه كذلك، وإنما ورد بلفظ : ( إن الله تجاوز .. ) وبلفظ : ( إن اللّه وضع ... ) . وأقرب لفظ ورد للفظ المؤلف هو لفظ ابن عدي في ((الكامل)): ( رفع عن هذه الأمة ثلاثاً : الخطأ ، والنسيان ، والأمر يكرهون عليه) . راجع في هذا الحديث بالإضافة إلى ما سبق: ((تلخيص الحبير)) ( ٢٨١/١ - ٣٨٣)، و ((نصب الراية)) (٦٤/٢ - ٦٥)، و (٢٢٣/٣). (١). هكذا في الأصل، وفي ((المسودة)) ص (٩١): (خاف). (٢) وفي ((المسودة)) ص (٩١) زيادة: ( أشرك ، وذهب دينه). ٥١٥ عن النبي الثم أنه قال: ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها (١) ما لم تعمل [ أو ] (٢) تتكلم ) (٣) فاستعمل (٤) هذا في رفع المأثم ، وقد استعمله في رفع الحكم في رواية . (١) قوله: (أنفسها ) ، ذكر النووي في ضبطها وجهان : الرفع والنصب وحكى عن القاضي عياض قوله : ( أنفسَها ) بالنصب ، ويدل عليه قوله : إن أحدنا يحدث نفسه . كما حكى عن القاضي عياض عن الطحاوي قوله : أهل اللغة يقولون : (أنفسُها) بالرفع، يريدون بغير اختيارها، قال تعالى: ( وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ). راجع: (( شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٤٧/٢ ) . (٢) ساقطة من الأصل ، وهي ثابتة في لفظ الحديث، ولا يستقيم الكلام بدونها ، وهي ثابتة أيضاً في ((المسودة)) عندما نقل كلام المؤلف ص (٩١). (٣) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً. أخرجه عنه البخاري في كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون ( ٥٩/٧ ) بمثل لفظ المؤلف . وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإيمان باب تجاوز اللّه عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر ( ١١٦/١ - ١١٧ ). وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطلاق باب في الوسوسة بالطلاق (٥١٢/١). وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب من طلق في نفسه ، ولم يتكلم به ( ١/ ٦٥٨) وفي باب طلاق المكره والناسي (٦٥٩/١)، وزاد فيه: ( وما استكرهوا عليه ) . وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الطلاق باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته (٤٨٠/٣) وقال: ((حديث حسن صحيح)). وأخرجه النسائي عنه في كتاب الطلاق باب من طلق في نفسه (١٢٧/٦ -- ١٢٨). وأخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٣٩٨/٢ - ٤٢٥، ٤٧٤). وانظر: ((تلخيص الحبير)) (٢٨٢/١). (٤) في الأصل : ( فامتنع ) ، وهو خطأ ، والصواب : ما أثبتناه ، بدليل ما بعده ، وبدليل مجيئه في ((المسودة)) ص (٩١) ، عندما نقل عن المؤلف كلامه هنا . ٥١٦ أ وذهب الأكثر من أصحاب أبي حنيفة والشافعي إلى أنه لا يعتبر العموم في ذلك . دليلنا : أن قوله: ((رفع)) قد علم أنه ما أراد به نفس الفعل ؛ لأن ذلك لا یمکن رفعه بعد وقوعه . وكذلك قوله : ( لا نكاح إلا بوليّ ) لا يمكن رفعه بعد وقوعه ، وإنما أريد ما تعلق بذلك الفعل والعقد ، فصار اللفظ محمولاً على ذلك بنفسه ، لا بدليل ، ويحصل تقديره كأنه قال : رفع عن أمتي ما تعلق بالخطأ والنسيان ، فيعم المأثم والحكم ، ولا نكاح إلا بولي ، يعم الكمال والصحة . وكذلك : (لاَ تَقُل لهُمَا أُفّ) (١)، قد علمنا أنه لم يرد اللفظ (٢) بل أراد ذلك وما هو أعلى منه ، فصَار كأنه قال : لا تقربهما بسوء . واحتج المخالف : بأن قولنا : عموم ، معناه : خطاب موضوع للجنس ، ولفظ يعم الجنس ، وهذا لا يوجد في المعاني والمضمرات ، فإن المضمر والمعنى ليس بلفظ . والجواب : أنا قد بينا أن اللفظ مراد بهذا ، من الوجه الذي بينا . فإن قيل : فيجب أن يقولوا : إن التخصيص يدخل على المضمرات والمعاني . قيل : هكذا نقول . (١) (٢٣) سورة الإسراء. (٢) العبارة في ((المسودة)) ص (٩٢)، هكذا : ( قد علمنا أنه لم يرد تبيين اللفظ .. ) . ٥١٧ فصل (١) لفظ التحريم إذا تعلق بما لا يصح تحريمه ، فإنه يكون عموماً في الأفعال في العين المحرمة ، إلا ما خصه الدليل، نحو قوله تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيَتَّةُ) (٢)، (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم) (٣). وحكي عن البصري المعروف بالجُعْل (٤): أن هذا اللفظ يكون مجازاً ، ولا يدل على تحريم الأفعال . دليلنا : أن قوله تعالى: (حُرِّمَت عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) [٧٠/ب] قد علم أنه ما أريد به تحريم العين نفسها ؛ لأن العين فعل (٥) اللّه تعالى ، لا يتوجه التحريم إليها ، وإنما أريد تحريم أفعالنا فيها ، فصار اللفظ محمولاً على ذلك بنفسه ، لا بدليل ، وكل ما حمل اللفظ عليه بنفسه كان حقيقةً لا مجازاً كقوله : ( لا صلاة إلا بطهور ) حقيقة هذا رفع الفعل ، فلما استحال رفعه بعد وقوعه ، كان معناه : حقيقة في رفع حكمه ، كذلك ها هنا . (١) راجع في هذا الفصل: ((المسودة)) ص (٩٤). (٢) (٣) سورة المائدة. (٣) (٢٣) سورة النساء. وقد ذكر المؤلف ص (١٤٥ ) أن هاتين الآيتين من قبيل المجمل مع أنه رأى هنا : أنهما من قبيل العام ، وهو الصواب إن شاء الله تعالى . (٤) هو : الحسين بن علي بن إبراهيم ، أبو عبد الله البصري ، حنفي المذهب معتزلي المعتقد . مات سنة (٣٦٩ هـ) ، وله من العمر ثمانون سنة . له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٧٣/٨)، و((شذرات الذهب)) (٦٨/٣). (٥) في الأصل : (قول الله تعالى)، وهو خطأ، والصواب: ما أثبتناه الموافق لما نقل عن المؤلف في (( المسودة)) ص (٩٤) . ٥١٨ 1 ولأن من أراد أن يحرم على عبده أو ولده شيئاً ، فإنه يقول : حرمت عليك هذا ، فيفهم منه تحريم تصرفه فيه بنفس اللفظ ، فثبت أن اللفظ نفسه دل على ذلك ، فكان حقيقة . واحتج المخالف : بأن اللفظ اقتضى تحريم العين نفسها ، فإذا حمل على الفعل ، يجب أن يصير مجازاً ، كقوله : ( وَاسْألِ الْقَرْيَةَ) (١). والجواب : أنه وإن لم يتناول ذلك نطقاً ، فهو المراد من غير دليل ، ويفارق هذا دليل القرية ونحوه ؛ لأنا لم نعلم أن المراد به أهلها باللفظ ، لكن بدليل ؛ لأنه لا يستحيل جواب حيطانها في قدرة الله تعالى ، واحتيج إلى دليل يعرف به أنه أراد أهلها . مسألة في الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام (٢) مثل : الإنسان ، والسارق ، والزاني ، والقاتل ، والكافر ، والبيع، والصيد ، والدينار ، والدرهم ، وما أشبه ذلك ، فهو للجنس . وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد رضي الله عنه في كتاب طاعة الرسول ، فقال: قوله تعالى: (وَالسَّرِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِ يَهُمَا)(٣). فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم السارق ، وإن قلّ ذلك ، فقد وجب عليه القطع، ولما قال رسول اللّه مع القلم: ( لا يقطع في ثَمَر ولا كَثَر)، (١) (٨٢) سورة يوسف . (٢) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (١٠٥)، و((روضة الناظر)) ( ١١٩ - ١٢١ ) . (٣) (٣٨) سورة المائدة . ٥١٩ دل أنها ليست على ظاهرها ، وأنها على بعض السراق دون بعض . فقد صرح بأن إطلاق اللفظ اقتضى العموم في كل سارق . وبهذا قال أبو عبد الله الجرجاني وحكاه عن أصحابه (١). واختلف أصحاب الشافعي : فمنهم من قال مثل قوله ، ومنهم من قال : هي للعهد (٢) . دليلنا : أن لفظ الجمع اذا كان منكراً ، مثل: مسلمين، ومشركين ، ورجال ، كان لجمع منكر ، ولم يكن للجنس ، كما قال تعالى : (مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم منَ الأشْرَارِ ) (٣)، فإذا عرف بالألف واللام كان للجنس ، كذلك ها هنا . ولأنه يصح الاستثناء منه بلفظ الجمع ، كما قال تعالى : (إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) (٤)، وهذا يدل على أنه للجنس ، (١) راجع في هذا: ((تيسير التحرير)) (١٩٧/١). (٢) المشهور من مذهب الشافعية : أن المفرد إذا دخل عليه الألف واللام فهو للعموم. وهناك خلاف لبعض الأصحاب ، محصله كالآتي : أ - أنه لا يفيد العموم مطلقاً، واختاره الرازي . ب - أنه لا يفيد العموم إذا لم يكن واحده بالتاء ، واختاره إمام الحرمين . جـ - أنه لا يفيد العموم إذا لم يكن واحده بالتاء ، أو تميز واحده بالوحدة ، وهو اختيار الغزالي . راجع: « شرح جمع الجوامع مع حاشية البناني)) (٤١٢/١ )، المستصفى ( ٢/ ٥٣ - ٥٤ ) . (٣) (٦٢) سورة ص . (٤) (٢) سورة العصر . ٥٢٠ ،