Indexed OCR Text

Pages 441-460

ثم لا نسلم أنه لا يقتضيها اللفظ ؛ لأنا قد بينا أن النهي متعلق بصفة ،
وعدمها شرط في الفعل .
واحتج : بأنه لو كان إطلاق النهي يقتضي الفساد لوجب إذا صرف
عن إطلاقه أن يصير مجازاً .
والجواب : أنه إنما لم يصر (١) مجازاً ؛ لأنه قد حمل على بعض
موجباته ، وهو الكراهة ، فلهذا لم يصر مجازاً ، كالعموم إذا خص
بعضه ، وعلى أن هذا يبطل بالتحريم ، فإنه اذا صرف عنه لا يصير مجازاً ،
وإن كان الإطلاق يقتضيه .
مسألة (٢)
النهي إذا تعلق بمعنى في غير المنهى عنه دل على الفساد أيضاً (٣).
مثل : النهي عن البيع عند النداء ، والصلاة في الدار المغصوبة والثوب
المغصوب ، والصلاة بماء مغصوب ، وهذا ظاهر كلام أصحابنا رحمهم
(١) في الأصل : ( يصير ).
(٢) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٨٣)، و (( شرح الكوكب المنير )) ص
(٣٤٢) من الملحق .
(٣) وبهذا قال أكثر الحنابلة والمالكية والظاهرية، كما نقله الفتوحي في (( شرح الكوكب
المنير)) ص (٣٤٢) .
وأطلق القرافي المالكي القول بأنه يقتضي الفساد، كما في كتابه: (( شرح تنقيح
الفصول)) ص (١٧٣) .
وصرح الآمدي : بأنه لا يعرف من يقول بهذا القول غير مالك وأحمد في رواية
عنه، صرح بذلك في كتابه: ((الإحكام)) (١٧٥/٢ ).
وقد أفاض القول في هذه المسألة ابن حزم في كتابه: ((الإحكام)) (٣٠٧/٣ -
٣٠٨ ) .
٤٤١

1
اللّه في بطلان الصلاة في هذه المواضع ، وكذلك اختلافهم في الذبح بسكين
غصب .
خلافاً لأكثر الفقهاء في قولهم : لا يدل ذلك على الفساد ، وهو قول
الأشعرية أيضاً .
دليلنا :
ما تقدم من قوله ◌ِ اله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدّ).
ولأن النهي عن الفعل على هذه الصفة يخرجه عن أن يكون شرعياً ،
والصحة والجواز من أحكام الشرع ، وهذا الفعل منهي عنه ، فوجب أن لا
يكون ذلك شرعاً .
ولأنه لا فرق بين أن يكون النهي لمعنى في المنهي عنه أو في غيره في
توجه البطلان بدليل أن شراء الصيد في حق المحرم ، ونكاح المحرمة
باطل ، وإن لم يكن النهي متوجهاً لمعنى في المنهي عنه ، وإنما هو لمعنى آخر
وهو الإحرام ، كذلك لا يمتنع أن تفسد الصلاة في الدار المغصوبة لمعنى في
غيرها ، وهو تحريم الغصب ، وكذلك بيع المحجور عليه منهي عنه لمعنى
في العاقد لا في العقد ، وهو فاسد .
فإن قيل : ما يختص العاقد والمعقود عليه يتعلق بالعقد ويرجع إليه .
قيل : فيجب أن يفسد بيع الحاضر للبادي ؛ لأن النهي عن ذلك لمعنى
في المتعاقدين .
واحتج المخالف :
بأن النهي لا يرجع إلى المنهي عنه ، بدليل : أنه ممنوع من الجلوس
في الدار [٥٨/ب] في غير صلاة، وممنوع من لبس القميص وشرب الماء،
وإذا لم يرجع النهي إليه لم يؤثر فيها ، كما لو صلى وعنده وديعة قد طولب
٤٤٢

بها ، فلم يسلمها مع سعة الوقت ، أو طلّق في الحيض ، أو ذبح بسكين
غصب ، أو حد بسوط غصب ، أو استام على سوم أخيه ، أو توضأ بما
يملكه في دار مغصوبة ، فإن الوضوء صحيح ، وإن كان ممنوعاً في هذه
الحال .
والجواب : أنه إذا فرق بين الأمة وولدها في البيع ، لم يصح عند
الشافعي ، وإن لم يكن ذلك المعنى في العقد ، وإنما هو لمعنى في المبيع ،
وهو ما يلحقهما من الحزن بالفراق ، ثم هذا لا يصح ، وذلك أنه ممنوع من
الكون في الغصب ، وذلك يتنوع أنواعاً ، بعضه صلاة ، وبعضه قعود ،
وبعضه قيام ، وقد استوفيت الكلام على هذا في كتاب الصلاة .
وفي هذه المسألة طريقة أخرى ، وهو : أن النهي راجع إلى شرط
معتبر في العبادة ؛ لأن الصلاة أفعال تفتقر إلى أكوان ، وكذلك الحج ،
الوقوف فيه ركن يفتقر إلى كون في مكان ، فإذا كان الكون الذي هو
شرط : منهي عنه ، دل على الفساد ، كما لو رجع النهي إلى
نفسه ، ألا ترى أنه لو صلى في ثوب نجس أو في وقت منهي عن الصلاة
فيه ، لم يصح ؛ لأن النهي رجع إلى شرط معتبر ، ولم يرجع إلى نفس
الفعل الذي هو الاعتمادات ، كذلك ها هنا ، وكذلك القعود لا فرق بين
أن يرجع النهي إلى نفسه كأكل الربا ، أو يرجع إلى شرط كالمبيع بشرط
خيار مجهول ، أو أجل مجهول في أنه باطل في الموضعين .
فإن قيل : الصلاة اعتمادات بفعلها في نفسها (١) ، والنهي انصرف
إلى اعتمادات في الأرض كالمنهي عن المأمور ، فلا يصح ؛ لأن الصلاة
اعتمادات بفعلها في نفسها في مكان ، إذ لا بدّ لتلك الاعتمادات التي هي
(١) في الأصل: ( نفسه) وقد أتى المؤلف بالضمير بعد قليل، كما أثبتناه.
٤٤٣

1
الركوع والسجود والجلوس من مكان ، وما لا يتم الفعل إلا به يحصل
مأموراً به .
فإن قيل : هو مأذون له في العرف من جهة صاحب الأرض .
قيل : لو كان كذلك لم يكن مأثوماً في تلك الحال ، ولوجب أن
يحكم له بالثواب ، كما إذا صلى فيها بإذن سابق .
فإن قيل : هو منهي عن الامتناع من رد الغصب ، فهو فعل آخر غير
الصلاة المأمور بها .
قيل : يبطل بالصلاة في ثوب نجس ، فإنه منهي عن الامتناع من ترك
النجاسة ؛ لأن النجاسة طريقها التروك ، فهو فعل آخر غير الصلاة المأمور
بها على قولهم ، ومع هذا فالصلاة باطلة .
فإن قيل : النهي عن القُرَب يدل على الفساد ، ولا يدل على العقود (١) .
قيل : لا يصح ؛ هذا [٥٩/أ] لأنه خلاف إجماع الصحابة ، وذلك
أنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها (٢).
من ذلك احتجاج ابن عمر رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات
بقوله : ( وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) (٣).
وكذلك احتجاجهم في فساد عقود الربا بقوله : ( لا تبيعوا الذهب
بالذهب ، ولا الورق بالورق ، ولا البر بالبر ، ولا التمر [ بالتمر ]، ولا
(١) هذا إشارة إلى قول ثالث في المسألة وهو : أن النهي يقتضي الفساد في العبادات دون
المعاملات. وبه قال أبو الحسين البصري في كتابه: ((المعتمد)) ( ١٨٤/١ )،
وقد مرت الإشارة إلى ذلك قريباً .
(٢) في الأصل : ( عنه ) .
(٣) (٢٢١) سورة البقرة .
٤٤٤

الشعير بالشعير ، ولا الملح بالملح ، إلا سواءً بسواءٍ ، عيناً بعينٍ ، يداً
بيد ) ، فلولا أن إطلاقه يفيد فساد العقود ، لم يرجعوا إلى ظاهر الكلام .
وكذلك أوجبوا فساد النكاح في العدة ، وبيع ما ليس عنده ، وإن لم
يكن في هذه العقود قُرَّب .
فإن قيل : لم يوجبوا إفساد البيع في وقت النداء .
قيل : روي عن ابن سلام (١) في تفسيره بإسناده عن ابن عباس قال :
إذا أذن المؤذن يوم الجمعة حرم البيع . وتحريمه يدل على النهي عنه ،
والنهي يقتضي فساد المنهي عنه .
فإن قيل : البيع وقت النداء يؤدي إلى فوت الصلاة عن وقتها ، وهذا
لا يدل على الفساد .
قيل : بل يدل عليه ، ألا ترى أن الصائم منع من القُبلة إذا كانت
تحرك شهوته ؛ لأنه يعود بفساد العبادة ، فلو وجد تحريك الشهوة والإنزال
لفسد الصوم ، [فـ] كان يجب إذا وجد فوات الجمعة أن يفسد البيع .
فإن قيل : إنما منع من خطبة الرجل على خطبة أخيه ؛ لما فيه من وحشة
الإخوان ، وبيع الحاضر ؛ لما فيه من إدخال الضرر على الناس ؛ لما فيه
من إغلاء الأسعار .
قيل : هذا لا يمنع فساد البيع ، بدليل المنع من التفريق بين الوالدة
(١) هو يحيى بن سلام بن ثعلب بن زكريا البصري . الثقة الثبت . له علم بالكتاب
والسنة واللغة العربية . نزل المغرب ، وسكن افريقية . روى عن حماد بن سلمة
وهمام بن يحيى وغيرهما. له ((كتاب في التفسير)). مات سنة (٢٠٠ هـ).
له ترجمة في: ((طبقات المفسرين)) للداودي (٣٧١/٢)، ((وغاية النهاية )) في
((طبقات القراء)) لابن الجزري (٣٧٣/٢)، و((لسان الميزان)) (٢٥٩/٦).
٤٤٥
- - -
:

1
وولدها في البيع ؛ لما فيه من إدخال الضرر على كل واحد بحصول الوَلَه ،
لقوله عليه السلام : (لا تُولَه والدة على ولدها ) (١).
وكذلك لا يصح الجمع بين الأختين في عقد النكاح ؛ لما يحصل بينهما
من التباغض والتقاطع .
فأما الطلاق المخالف للسنة فإنما أوقعناه ، وإن كان منهياً عنه تغليظاً
علی فاعله (٢) .
وإيجابنا قضاء الصلاة في الأرض تغليظاً ، فهما (٣) في المعنى سواء (٤).
وأما الجلد بسوط غصب ، فإنما أجزأ ؛ لأنه لو لم يجزىء لأدى إلى
الزيادة في الحد ، ولا يجوز هذا . وليس كذلك في إعادة الصلاة ؛ لأنه
غير ممتنع . كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها ، فإنه يلزمه قضاء
يوم كامل .
وأما بيع الحاضر للبادي فالمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله :
(١) هذا الحديث رواه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه . أخرجه عنه البيهقي بسند
ضعيف ، كما أخرجه أبو عبيد في كتابه (« غريب الحديث )). من مرسل الزهري ،
والراوي عنه ضعيف . كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر في كتابه (( تلخيص
البير)) (١٥/٣)، وراجع أيضاً: ((فيض القدير)) (٤٢٣/٦).
(٢) إيقاع الطلاق في الحالة هذه قول الجماهير، خلافاً لبعض المبتدعة القائلين بعدم
الوقوع .
انظر ((المغنى)) لابن قدامة (٢٩٩/٧).
(٣) في الأصل : ( فيهما ) .
(٤) الصلاة في الأرض المغصوبة فيها روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله، إحداهما:
عدم الصحة ، وهو المشهور من المذهب ، والأخرى الصحة .
انظر ((المغني)) لابن قدامة (٦٣/٢)، و((التنقيح المشبع)) ص (٤٢).
٤٤٦

البطلان ؛ لما فيه من الضرر على أهل البلد (١).
واختلفت الرواية في البيع على بيع أخيه : فروى عنه ما يدل على
البطلان ، لما فيه من الضرر بأخيه (٢).
(١) القول بعدم صحة البيع وبطلانه هو ظاهر المذهب . وقد روى هذا اسماعيل بن
سعيد عن الإمام أحمد ، قال : سألت أحمد عن الرجل الحضري يبيع للبدوي ؟
فقال : أكره ذلك ، وأرد البيع في ذلك .
وعلى هذه الرواية يشترط لعدم صحة البيع ثلاثة شروط :
الأول : أن يكون الحاضر قَصدَ البادي ، ليبيع له سلعته .
الثاني : أن يكون البادي جاهلاً بسعر السلعة في السوق .
الثالث : أن يكون البادي جالباً للسلعة يريد بيعها .
وزاد القاضي أبو يعلى شرطين آخرين هما :
الأول : أن یکون البادي يريد بيع سلعته بسعر يومها .
الثاني : أن يكون بالناس حاجة إلى سلعة البادي .
وهناك رواية ثانية : أن البيع صحيح . نقل ذلك عن الإمام أحمد أبو إسحاق بن
شاقلا أن الحسن بن علي المصري : سأل أحمد عن بيع حاضر لباد ؟ فقال : لا
بأس به . فقال له : فالخبر الذي جاء بالنهي ؟ قال : كان ذلك مرة .
راجع في ذلك: ((مختصر الخرقي)) ص (٨٨)، و ((المغني)) لابن قدامة ( ١٩٣/٤ -
١٩٤)، و ((الإنصاف)) للمرداوي (٣٣٣/٤ - ٣٣٤).
(٢) بطلان البيع والحالة هذه هو ظاهر المذهب .
وقد ذكر ابن قدامة: أنه يحتمل صحة البيع. ولمزيد من ذلك ارجع إلى ((المغني))
(( ١٩١/٤ ) .
٤٤٧
!

مسألة (١)
[ دليل الخطاب حجة ]
وهو : أن يعلق الحكم بصفة ، نحو قوله : (في سائمة الغنم الزكاة (٢) ).
أو بعدد نحو قوله : (في أربعين شاة شاة ) (٣).
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٣٥١ - ٣٥٣، ٣٥٧ - ٣٥٩)،
و((روضة الناظر مع شرحها)) لابن بدران (٢٠٠/٢ - ٢١١)، و (( شرح
الكوكب المنير)) ص (٢٣٨ - ٢٥٤).
(٢) هذا جزء من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً . وهو الحديث الذي
روى فيه كتاب أبي بكر رضي اللّه عنه ، وفيه بين أحكام الزكاة التي فرضها
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرجه عن أنس بن مالك البخاري في كتاب الزكاة باب زكاة الغنم (١٣٩/٢)
من حديث طويل ، وفيه : ( وفي صدقة الغيم في سائمتها زكاة ، إذا كانت أربعين
إلى عشرين ... ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة (٣٥٨/١ - ٣٦٠)،
وفيه : ( وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة .. ).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الزكاة باب زكاة الغنم (١٣/٥ - ١٤)، وفيه :
(وفي صدقة الغنم ، في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة ... ).
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الزكاة باب زكاة الإبل والغنم (١١٣/٢ -
١١٦)، وفيه: (وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة واحدة).
وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الزكاة باب كتاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذي جمع فرائض الصدقة، وفيه زكاة الإبل والغنم (٢٢٦/١ - ٢٢٧)،
بلفظ قريب من لفظ الدار قطني .
راجع في هذا الحديث أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص ( ٣١٣ -
٣٣١)، و ((نصب الراية)) (٣٣٥/٢ - ٣٣٦).
(٣) هذا جزء من حديثين ، روى أحدهما ابن عمر ، والآخر علي رضي الله عن
الجميع .
٤٤٨

أ
[٥٩/ب] أو باسم نحو قوله : ( في الغنم الزكاة ) .
ويعبر عنه : بأن المسكوت عنه يخالف حكم المنصوص عليه بظاهره .
وقد نص أحمد رضي الله عنه على هذا في مواضع :
فقال في رواية صالح: ((لا وصية لوارث)) دليل أن الوصية لمن لا
يرث .
وقال رضي الله عنه في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يحل للمسلمة أن
تكشف رأسها عند نساء أهل الذمة (١) ؛ لأن الله تعالى يقول: ( أوْ
نِسَائِهِنَّ) (٢).
وقد أخرجه عن ابن عمر أبو داود في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة . كما
=
أخرجه عن علي ، غير أن زهيراً - أحد رواة حديث علي - شك في رفع الحديث
إلى النبي صلى الله عليه وسلم (٣٦٠/٢، ٣٦١ - ٣٦٢)، ومحل الشاهد عنده
بلفظ : ( وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة ... ).
وأخرجه الترمذي عن ابن عمر في كتاب الزكاة باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم
ولفظه كلفظ أبي داود ، غير أنه حذف كلمة (الغنم ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزكاة باب صدقة الغنم ( ٥٧٧/١ ) ، ولفظه
كلفظ المؤلف .
(١) قول الإمام أحمد رحمه اللّه هنا هو أحد التفسيرين للآية، وهو مبني على كون
الإضافة في قوله تعالى : ( نسائهن) أي المؤمنات . وهذا قول أكثر السلف ، كما
قال الفخر الرازي .
وهناك تفسير آخر هو : أن المراد بالآية جميع النساء . وحمل الفخر الرازي قول
السلف على الاستحباب .
راجع في هذا: ((مفاتيح الغيب)) الرازي (٢٠٧/٢٣)، و((أحكام القرآن))
للجصاص (١٧٥/٥)، و((محاسن التأويل)) للقاسمي (٤٥١٢/١٢) .
(٢) (٣١) سورة النور .
٤٤٩
العدة في أصول الفقه - ٢٩

وقال رحمه الله في رواية محمد بن العباس (١) وقد سأله عن الرضاع
فقال: عن النبي ◌ّ له: ( لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان (٢) ) فأرى
الثلاثة تحرم (٣).
وقال رحمه الله في رواية حنبل وقد سئل عن الأكل من منزل المجوسي
فقال : ما كان من صيد أو ذبيحة فلا ، قال اللّه تعالى: ( وَطَعَامُ الّذِينَ
(١) في ((طبقات الحنابلة)) (٣١٥/١) شخصان بهذا الاسم، أحدهما : النسائي،
والآخر : المؤدب ، أبو عبد اللّه الطويل . ولم يذكر صاحب الطبقات شيئاً عن
حياتهما .
(٢) هذا الحديث روته أم الفضل رضي الله عنها مرفوعاً. أخرجه عنها مسلم في كتاب
الرضاع باب في ((المصة والمصتان)) (١٠٧٤/٢) بلفظ: ( لا تحرم الرضعة أو
الرضعتان ، أو المصة أو المصتان ) .
وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب النكاح باب لا تحرم المصة ولا المصتان ( ١/
٦٢٤) بمثل لفظ المؤلف في شطر الحديث الأول ، وبقيته كلفظ مسلم .
وأخرجه الدارقطني عن زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعاً وذلك في کتاب
الرضاع (١٧٣/٤ ) .
وراجع في هذا الحديث: (( المنتقى من أحاديث الأحكام )) ص ( ٦٠٧ ) ،
و((تلخيص الحبير)) (٥/٤)، و((نصب الراية)) (٢١٧/٣).
(٣) وقد نقل عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه في مسائله الورقة ( ١٥٠/أ) قال :
( سألت أبي هل تحرم المصة والمصتان ؟ فقال : لا أجترىء عليه . قلت : إنها
أحاديث صحاح ، قال : نعم ، ولكن أجيز عنها ) .
ولكن ابن قدامة يقول : إن الصحيح من مذهب الحنابلة : أن العدد المحرم هو
خمسة رضعات فصاعداً .
وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد ، مفادها : أن قليل الرضاع وكثيره يحرم .
راجع ((المغني)) لابن قدامة ( ١٤٠/٨ ).
٤٥٠
!

٢
أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُم (١) ) وهؤلاء ليسوا أهل كتاب (٢).
ونقل عنه أيضاً رحمه الله : ليس على المسلم نصح الذمي ، قال النبي
عَخالٍ: (والنصح لكل مسلم) (٣).
ونقل عنه أيضاً رحمه الله : يقتل السبع والذئب والغراب ونحوها (٤)
ولا كفارة عليه؛ لأن الله تعالى قال: ( لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُم
حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِن
النَّعَمِ ) (٥) . فجعل الجزاء في الصيد ، وهذا سبع فلا كفارة فيه .
(١) (٥) سورة المائدة .
(٢) وقد قال الإمام أحمد في رواية أبي داود في: ((مسائله)) ص (٢٥٧)، وقد
سأل الإمامَ أحمدَ رجلٌ عن الأكل عند المجوسي، فقال: لا بأس، ما لم يأكل
من قدورهم ، ويأكل من فواكههم ، ذكر شيئاً أو أشياء ذهب عليّ . قيل له :
جبنهم ؟ فذهب إلى الرخصة ، ولم يصرح به .
وحكى ابن قدامة في كتابه: ((المغني)) (٣٨٩/٩) الإجماع على تحريم صيد
المجوسي وذبيحته ، إلا ما لا ذكاة له .
(٣) هذا الحديث رواه جرير بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ : ( بايعت رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم ).
أخرجه عنه البخاري في كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :
((الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين (٢٢/١)، كما أخرجه في مواضع
أخرى من صحيحه .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أن الدين النصيحة (٧٥/١ ).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الأدب باب في النصيحة (٥٨٣/٢ ).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب البيعة باب البيعة على النصح لكل مسلم (١٢٦/٧ -
١٢٧ ) .
وأخرجه عند الدارمي في كتاب البيوع باب في النصيحة (١٦٤/٢).
(٤) في الأصل : ( ونحوه ) .
(٥) (٩٥) سورة المائدة .
٤٥١

وقال في كتاب طاعة الرسول : قوله: ( وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُم
الّذِينَ مِنْ أصْلاَ بِكُم) (١) ، يرجع في حليلة الابن من الرضاعة إلى قول
النبي عَلِ: ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) (٢).
(١) (٢٣) سورة النساء.
(٢) هذا الحديث أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها بمثل لفظ المؤلف كما أخرجه
عن ابن عباس رضي الله عنهما بمثل لفظ المؤلف أيضاً ، وذلك في كتاب الرضاع
باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل (١٠٧٠/٢)، وفي باب تحريم ابنة الأخ من
الرضاعة ( ١٠٧١/٢ - ١٠٧٢ ) .
وعن علي رضي الله عنه أخرجه الترمذي في كتاب الرضاع باب ما جاء يحرم
من الرضاعة ما يحرم من النسب (٤٤٣/٣) بلفظ: ( إن الله حرم من الرضاع ما
حرم من النسب ) ، وقال : حديث حسن صحيح .
وعن عائشة رضي الله عنها أخرجه ابن ماجه بمثل لفظ المؤلف ، غير أنه أبدل
كلمة ( الرضاعة ) بكلمة : (الرضاع ) ، كما أخرجه بمثل لفظ المؤلف أيضاً عن
ابن عباس رضي الله عنه، وذلك في كتاب النكاح باب ما يحرم من الرضاع يحرم
من النسب .
وعن ابن عباس أخرجه النسائي في كتاب النكاح باب تحريم بنت الأخ من الرضاعة
(٨١/٦ - ٨٢ ) .
وهناك روايات للحديث ، نذكر منها ما استطعنا الاطلاع عليه :
١ - يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب .
٢ - يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب .
٣ - يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة .
٤ - يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة .
٥ - ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة .
٦ - ان الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب.
٧ - ان الله حرم من الرضاعة ما حرم من الولادة .
٨ - يحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم .
=
٤٥٢
١

وقال رضي الله عنه في رواية حنبل: قول إبراهيم صلى الله عليه لأبيه
( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ) (١)؟ فثبت أن الله
سميع بصير .
وقد احتج في هذه المواضع بدليل الخطاب .
وبهذا قال مالك (٢) وداود (٣).
وقال أصحاب أبي حنيفة : ليس بحجة (٤) .
٩ - حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب .
١٠ - ما حرمته الولادة حرمه الرضاع .
وللاطلاع على هذه الروايات راجع: ((صحيح البخاري )) في كتاب فرض
الخمس باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم (١٠٠/٤ )،
وسنن أبي داود (( في كتاب النكاح باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب
(٤٧٤/١)، و((سنن الدارمي)) في كتاب النكاح باب ما يحرم من الرضاع
(٧٩/٢) و((الموطأ)) في كتاب الرضاع باب رضاعة الصغيرة (٢٣٨/٣).
وراجع أيضاً: ((المنتقى من أحاديث الأحكام)) ص (٦١٠)، و((نصب الراية))
(١٦٨/٣)، (٢١٨)، و((تلخيص الحبير)) (١٦٦/٣)، و(٤/٤)، و((فيض
القدير شرح الجامع الصغير)) (٤٥٩/٦).
(١) (٤٢) سورة مريم .
(٢) نص القرافي على هذا في كتابه: ((شرح تنقيح الفصول)) ص (٢٧٠) .
(٣) هو داود بن علي بن خلف ، الأصبهاني أصلاً ، الكوفي مولداً ، البغدادي نشأةً
ووفاةً . إمام المذهب الظاهري . أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور .
ولد سنة (٢٠٢ هـ)، وقيل غير ذلك. ومات سنة ( ٢٧٠ هـ).
له ترجمة في: ((شذرات الذهب)) (١٥٨/٢)، و((وفيات الأعيان)) (٢٦/٢).
وما نقله المؤلف عن داود الظاهري مخالف لما ذهب إليه ابن حزم في كتابه :
((الإحكام)) (٨٨٧/٧). وحكاه عن جمهور الظاهرية من أن دليل الخطاب
ليس بحجة .
(٤) راجع في هذا ((تيسير التحرير)) (٩٨/١) وما بعدها .
٤٥٣

واختلفوا : إذا علق الحكم بشرط ، فمنهم من قال : ما عداه (١).
ومنهم من قال : لا يدل . واختاره الجرجاني .
وقال ابن داود والأشعر [ية](٢): دليل الخطاب ليس بحجة (٣).
واختلف أصحاب الشافعي : فذهب ابن سريج (٤) والقفال(٥) إلى أنه ليس
(١) يظهر أن هنا كلمة ساقطة هي: ( بخلافه)، حيث تصبح العبارة : ( فمنهم من
قال : ما عداه بخلافه ) ، وهكذا ذكره ابن عقيل عندما نقل مذهب الحنفية .
انظر ((المسودة)) ص (٣٥٧) .
(٢) في الأصل: (الأشعر)، وهو متردد بين: (الأشعري) وبين: ( الأشعرية )،
وما أثبتناه هو الصواب الموافق لما في ((المسودة)) ص (٣٥١)، حيث نقل عن
المؤلف ذلك بلفظ : ( الأشعرية ) .
(٣) المعروف عن الأشعري أنه يقول بحجية مفهوم المخالفة ، نقل ذلك عنه الغزالي في
((المستصفى)) (١٩١/٢)، والآمدي في ((الإحكام)) (٦٨/٣).
(٤) في الأصل : (سريح) بالسين والحاء المهملتين ، وهو تصحيف والصواب :
(سريج) بالسين المهملة، والجيم المعجمة، وهو كذلك في ((المسودة )) ص
(٣٥١) .
وابن سريج هو : أحمد بن عمر بن سريج البغدادي ، أبو العباس . فقيه الشافعية
في عصره . صنف أربعمائة مصنف . تولى قضاء شيراز . كانت له مناظرات مع
أبي بكر بن داود الظاهري . مات سنة ( ٣٠٦ هـ )، وله من العمر (٥٧) سنة
وستة أشهر .
انظر ترجمته في: ((البداية والنهاية)) (١٢٩/١١)، و(( تاريخ بغداد)» ( ٤/
٢٨٧)، و((شذرات الذهب)) (٢٤٧/٢)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي
(٢١/٣)، و ((النجوم الزاهرة)) (١٩٤/١).
(٥) هو : محمد بن إسماعيل ، أبو بكر ، القفال الكبير . الشاشي موطناً ، الشافعي
مذهباً . فقيه ، أصولي ، متكلم ، مفسر ، محدث . له مؤلفات كثيرة، منها :=
٤٥٤
:
١

بحجة (١) .
وذهب الأكثر منهم إلى أنه إن علق بصفة فهو حجة ، وإن علق
باسم لم يكن حجة (٢) .
ومنهم من قال : هو حجة ، وإن علق باسم مثل قولنا . قال ابن
فورك: وهو الصحيح (٣).
ورأيت في جزء وقع إليّ تخريج أبي الحسن التميمي : أن دليل الخطاب
ليس بحجة .
فالدلالة على صحة ما قلناه :
أنه تعالى لما أنزل قوله : ( اسْتَغْفِرْ لَهُم أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُم
إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَّن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُم) (٤) ،
قال ◌َ لِ: (والله لأزيدن على السبعين )، ذكره يحيى (٥) بن سلام (٦)
((كتاب في أصول الفقه))، و((شرح الرسالة)). مات سنة (٣٦٥ هـ).
=
له ترجمة في: ((شذرات الذهب)) (٥١/٣)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي
(٢٠٠/٣)، و((النجوم الزاهرة)) (١١١/٢).
(١) هكذا نقل عنهما الآمدي في ((الإحكام)) (٦٨/٣)، وكذلك في ((المسودة))
ص (٣٥١) .
(٢) هكذا في ((جمع الجوامع)) (٢٥٢/١)، حيث قال: (المفاهيم إلا اللقب حجة).
(٣) وهو منسوب أيضاً لأبي بكر الدقاق والصير في الشافعيين، كما في ((جمع الجوامع))
. (٢٥٤/١ ) .
(٤) (٨٠) سورة التوبة .
(٥) في الأصل: (بحر)، وهو خطأ، لعله من الناسخ، وقد ذكره المؤلف ص (٧١٥)
بأنه يحيى بن سلام .
(٦) سبقت ترجمته ص (٤٤٥) .
٤٥٥

في تفسيره عن قتادة(١) قال: لما نزلت [٦٠/أ] هذه الآية قال رسول الله عز له:
( قد خيرني ربي فوالله لأزيدنّهم على السبعين ) .
وفي لفظ آخر : ( فلأستغفرن لهم ) ، فأنزل الله عز وجل في سورة
المنافقين: (سَوَاءٌ عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم
لَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُم إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الفَاسِقِينَ (٢)) (٣).
(١) هو قتادة بن دعامة السدوسي ، أبو الخطاب . الحافظ الأعمى . روى عن أنس
والحسن وغيرهما . وعنه أبو حنيفة والأوزاعي وغيرهما . كان يدلس . وكان
يقول : كل شيء بقدر إلا المعاصي. توفي بالطاعون سنة (١١٨ هـ).
له ترجمة في: ((البداية والنهاية)) (٣١٣/٩)، و«تذكرة الحفاظ)) (١٢٢/١)،
و ((شذرات الذهب)) (١٥٣/١)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (٤٣/٢)،
و ((ميزان الاعتدال)) (٣٨٥/٣)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٧٦/١).
(٢) (٦) سورة المنافقون .
(٣) هذا السبب هو من رواية عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ، وهو مرسل ، ولكن
رجاله ثقات، كما قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٣٣٦/٨ - ٣٣٧).
والسبب هذا معارض بما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير باب
قوله: ( اسْتَغْفِرْ لَهُم أوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُم) عن ابن عمر رضي اللّه عنهما
(٨٥/٦): أن اللّه أنزل بعد صلاة النبي على المنافق آية التوبة (وَلاَ تُصَلِّ
عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَ قَبْرِهٍ).
وكذلك رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل عمر رضي الله عنه
( ١٨٦٥/٤ ) .
وإذا ذهبنا إلى الترجيح بينهما وجدنا : أن حديث ابن عمر رضي الله عنه ثابت ،
رواه الشيخان وغيرهما ، أما أثر قتادة فهو مرسل ، والحديث المسند الصحيح
مقدم على المرسل .
على أن الحافظ ابن حجر قال في ((الفتح)) (٣٣٧/٨): ( يحتمل أن تكون الآيتان
معاً نزلتا في ذلك .. ) .
٤٥٦

وهذا فسوق المشرك ، فعقل أن ما زاد على السبعين يخالف حكمه حكم
السبعين .
فإن قيل: روى عمر أن رسول اللّه مع الله قال: ( لو علمت إذا زدت
على السبعين أن يغفر الله لهم لزدت ) (١) .
وهذا يمنع التعلق بالدليل ، ويوجب التوقف عن الحكم بالدليل .
قيل: قوله: ((لو علمت ... لزدت))، تعلق بدليل الخطاب ، لأنه
ما استفاد الزيادة إلا من ناحية الدليل ، وعدم العلم بالغفران لهم لا يمنع
الاحتجاج ؛ لأنا استدللنا به ، فلا يقطع على العلم به ، كما إذا استدللنا
بالعموم وأخبار الآحاد .
فإن قيل : الكافر لا يغفر له من جهة السمع ، فغير جائز أن يخالفه
النبي ◌ِّالته ، فدل ذلك على بطلان الخبر .
قيل: الحديث قد صح، وليس بمنكر استغفار النبي عَ لّه لهم ؛
(١) حديث عمر رضي الله عنه، أخرجه عنه البخاري مرفوعاً في كتاب التفسير،
باب قوله : ( اسْتَغْفِرْ لَهُم أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم
سَبْعِينَ مَرّةً) (٨٥/٦) بلفظ: ( ... إني خيرت، فاخترت لو أعلم أني
إن زدت، على السبعين يغفر له، لزدت عليها ... )، وانظر ((فتح الباري))
(٣٣٣/٨) .
وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير باب من سورة التوبة ( ٢٧٩/٥ )، وقال
فيه: (( حديث حسن صحيح غريب)).
وأخرجه النسائي في كتاب الجنائز باب الصلاة على المنافقين ( ٥٤/٤ ) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((أسباب نزول القرآن)» للواحدي ص (٢٥٧)
و ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (٣٧٨/٢)، و((محاسن التأويل)) للقاسمي
(٣٢٢٤/٨)، و((تيسير الوصول)) (١٢٧/١).
٤٥٧

لأن مغفرة الله تعالى لهم مما يجوز في العقل، ولا يحيلها ، ويصح أن يجاب
في ذلك : أفتغفر لهم ؟ ، وهذا قبل التوقيف على أن عذابهم غير منقطع .
فإن قيل : فأنتم تثبتون وجوب الغفران بعد السبعين ، والخبر يمنع
ذلك .
قيل : لو خلينا وظاهر الخبر لقلنا بوجوبه ، لكن لما قال تعالى :
( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (١)
نقلنا عن ظاهره .
فإن قيل : عادة العرب في قول القائل : لا أفعل كذا وإن سألتني
سبعين مرة ، تأكيد للنفي ، وهذا لا يخفى على السامع ، فلم يجز أن يفهم
عنه دليل الإثبات .
قيل : قد فهم النبي منه دليل الإثبات بقوله: (لأسْتَغْفِرَنَّ لَهُم
سَبْعِينَ مَرَّةً ) ، فلولا أن اللفظ يقتضي ذلك لم يسأله .
وجواب آخر وهو : أنه لو كان المراد تكثير الاستغفار لم يحسم الطمع
في مغفرتهم ، فلما لم يفعل ذلك دل على أنه أراد التقدير والتحذير دون
التكثير .
فإن قيل : فهذا الخبر لا يصح عن النبي عَ للِ ؛ لأنه حلف أنه يستغفر
للكافر ، ولو كان قد حلف على ذلك لكان لا بد من أن يفعله ؛ لأن في
تركه تركاً للوفاء بالعهد ، وهو منزه عن ذلك ، ولو فعله لكان يجاب
دعاؤه ، وهذا يؤدّي إلى أن اللّه تعالى يغفر للكافر .
قيل : إنما حلف على ذلك قبل النهي ، ثم نهاه عن ذلك بقوله : ( وَلاَ.
تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً )، وإذا كان كذلك فقد حصل
(١) (٨٤) سورة التوبة .
٤٥٨

منه الوفاء بالعهد ، ولم تحصل الإجابة للنهي فيما بعد .
فإن قيل [٦٠/ب]: ليس في الخبر أن النبي يدفع عقل من الآية ما زاد
على السبعين مخالف لحكم السبعين من حيث تخصيص هذا القدر بالذكر ،
بل إنما قال: ( وَاللّه لأزيدنّ على السبعين )؛ لأن الاستغفار للكفار كان
مباحاً عنده في تلك الحال ؛ لأن غفران الكافر جائز في طريق العقل ، فلما
حظر اللّه هذا القدر من الاستغفار ، بقي ما زاد على السبعين على أصل
الإباحة .
قيل : لو كان كذلك ما كان لقوله: (والله لأزيدنّ على السبعين )
معنى ، وذلك مباح كله ، قاله أو لم يقله ، فعلم أن المراد به : أن ما وراء
السبعين بخلاف السبعين .
وعلى أنه أي حاجة كانت في الاستغفار للمشركين بعد موتهم ، لا سيما
والأصل (١) الحظر في الأشياء .
فإن قيل : فهذا من أخبار الآحاد ، وهذه مسألة أصل ، فلا يكون
دليلها خبر واحد .
قيل : مسألة الأصل تتضمن علماً وعملاً ، فيجب أن يثبت العمل فيه
بالخبر ، ويكون العلم دليله شيء آخر ؛ لأن العلم مسألة ، والعمل (٢) به
مسألة أخرى .
فإن قيل : فلو صح هذا الخبر فلا حجة فيه ؛ لأن من أصحابنا من
يقول : إن المحصور بالعدد يدل على أن ما عداه بخلاف حكمه ، وهذا
مخصوص بالعدد .
(١) في الأصل : ( وأصلها ) .
(٢) في الأصل : ( والعلم ) .
٤٥٩
٠٠

قيل : تخصيصه بالعدد تنبيه على القول في نظيره وحكمه .
وأيضاً : فإنه إجماع الصحابة ؛ لأن يَعْلى بن أمية (١) روى أنه قال
لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما : ما بالنا نقصر وقد أمنّاً ، وقد قال الله
تعالى: ( وَإِذَا ضَرَبْتُم فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ
تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٢) ؟
فقال عمر رضي الله عنه: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول اللّه تلاته
فقال : ( صدقة تصدق اللّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته ) (٣)، وهذا
احتجاج بدليل الخطاب ؛ لأن نطق الآية يفيد القصر بشرط الخوف ،
وسقوطه مع وجود الأمن من جهة الدليل .
(١) هو يَعْلَى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي الحنظلي ، أبو صفوان أو أبو
خالد . صحابي جليل . أسلم يوم الفتح . كان معروفاً بالسخاء والكرم . قتل
بصفين سنة ( ٣٨ هـ ) .
انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) (١٥٨٥/٤)، والإصابة (( القسم السادس ص
(٧٢٥)، طبعة دار نهضة مصر .
(٢) (١٠١) سورة النساء.
(٣) هذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ، باب صلاة المسافر وقصرها
(٤٧٨/١ ) .
وأخرجه أبو داود في تفريع أبواب صلاة السفر ، باب صلاة المسافر (٢٧٤/١).
وأخرجه النسائي في أول كتاب تقصير الصلاة في السفر (٩٥/٣ ).
وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير ، باب من سورة البقرة ( ٣٤٣/٥) .
وأخرجه ابن ماجه في كتاب الصلاة ، باب تقصير الصلاة في السفر (٣٣٩/١).
وأخرجه الدارمي في كتاب الصلاة باب قصر الصلاة في السفر (٢٩٢/١ -
٢٩٣ ) .
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ( ٢٥/١، ٢٦) .
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((تلخيص الحبير)) (٥٨/١ - ٥٩)، و ((نصب
الراية)) (١٩٠/٢)، و((تيسير الوصول)) (١١١/١ - ١١٢).
٤٦٠