Indexed OCR Text

Pages 401-420

الضدين وجعل الجسم في مكانين في وقت واحد ، فإذا لم يجز ذلك ، لم يحسن
الأمر بالموجود .
ولأن الموجود قد خرج بوجوده عن كونه مأموراً به ؛ لأنه لو لم يكن
كذلك لكان لا يخرج عن كونه واجباً ، لأن الوجوب من مقتضى الأمر ،
وهذا يوجب بقاء الفرائض على المكلفين بعد فعلهم لها على الوجه المأمور به ،
وفي بطلان ذلك دليل على امتناع جواز الأمر بالموجود .
ولأنه لما لم يحسن أن يأمر الواحد منا في الشاهد من هو قائم بالقيام ومن
هو قاعد بالقعود لكون المأمور [ به ] موجوداً، وجب أن يكون أمر الله
تعالى محمولاً على ذلك ، فلا يحسن أمره بما هو موجود ؛ لأنه إنما يخاطب بما
هو متعارف بين أهل اللسان .
واحتج المخالف :
بأنه لو لم يصح الأمر بالموجود ، لم يصح ذم الكافر على كفره الذي هو
فيه في الحال ؛ لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجوداً، ولوجب أن لا
يكون المؤمن مأموراً بالإيمان ؛ لأن ما قد وجد منه لا يصح الأمر به على هذه
الصفة .
والجواب : أن الكافر إنما يستحق الذم على ما فعله (١) من اعتقاد الكفر
والبقاء عليه ، فلا يكون في ذلك دلالة على كونه مأموراً بما قد وجد منه .
مسألة(٢)
يصح أن يتقدم الأمر على وقت الفعل .
خلافاً للطائفة التي تقدم ذكرها في المسألة التي قبلها : أن الأمر
(١) في الأصل: ( نقله ) .
(٢) راجع في هذه المسألة: ((المسردة)) ص : (٥٧).
٤٠١
العدة في أصول الفقه - ٢٦

[٥٣/أ] لا يكون أمراً إلا في حالة الفعل، وما يتقدمه لا يكون أمراً، وإنما
هو إعلام .
دليلنا :
أن الواحد منا في الشاهد يحسن منه أن يأمر عبده بما يفعله في غد ،
وفيما بعد بأوقات ، ويطلق عليه اسم الأمر ، ويسمى قوله ذلك أمراً
[ف] وجب أن تكون هذه الصفة جائزة في أمر الله تعالى وأمر رسوله .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون ما يتقدم حال الفعل إعلاماً وتعريفاً ،
ولا يكون أمراً إلا في حال الفعل ، وتكون هذه سبيل أمر المولى عبده فيما
يفعله في الثاني .
قيل : قولك : إنه إعلام ، لا يخلو من أن يكون المراد به حصول
العلم للمأمور [أ] وأنه يحصل له به معلوم ، فإن أردت به حصول العلم
كان ذلك باطلاً ؛ لأن العلم هو الاعتقاد للشيء على ما هو به ، والأمر
هو حروف منظومة ، فكيف يجوز وقوع العلم بالأمر ؟ !
فإن أردت به أن المأمور يحصل له بذلك معلوم بأن يعلم ما أمر به في
الثاني ، فلا يخلو ذلك : من أن يكون يعلم وجوب ما أنبأ عنه لفظ الأمر ،
أو حدوث أمر مستأنف في الثاني ، وكلا الأمرين باطل ؛ لأنه إن اعتقد
وجوب ما أنبأ عنه القول لم يأمن أن يكون الآمر لم يرد بذلك القول وجوب
ما تضمنه ، وإنما أراد به الندب أو نحوه ، فإذا اعتقد هو غير ذلك كان
اعتقاده جهلاً ، وكذلك إن اعتقد أن الآمر سيجدد له أمراً في الثاني عند
حال الفعل ، لم يأمن أيضاً أن لا يوجد ذلك من الآمر بأن غيره دونه ،
فيكون اعتقاد المأمور جهلاً ، وإذا بطلت هذه الوجوه كلها ، لم يبق إلا
أن يكون ذلك القول أمراً .
٤٠٢

مسألة
[ جواز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها ] (١)
إذا أمر اللّه [ عبده ] (٢) بعبادة في وقت مستقبل ، جاز أن يعلمه بذلك
قبل مجيء الوقت .
خلافاً للمعتزلة في قولهم : لا يجوز أن يعلمه بذلك قبل الوقت (٣).
دليلنا :
إن إعلامه بذلك لا يفضي إلى الأمر بالمحال ، فيجب أن يجوز .
ولأن الأمر إذا جاز تعليقه بوقت وزمان ، جاز تعليقه بوقت معلوم
كالطلاق والوكالة، لما جاز تعليقهما (٤) بزمان مستقبل صح بوقت معين.
(١) راجع (( المسودة)) ص : (٥٧) .
(٢) غير موجودة في الأصل ، وقد أضفناها ؛ ليستقيم الكلام، ويدل عليه عود الضمير
في قوله : (يعلمه)، وهو كذلك في ((المسودة)) ص (٥٧) .
(٣) هذا القول لبعض المعتزلة ، وليس لكلهم ، كما ذهب إليه المؤلف ، يدل على ما
قلنا : ما ذكره أبو الحسين البصري في كتابه ((المعتمد)): (١٧٩/١) حيث قال :
( ... وقد ذهب قوم إلى أن الأمر بالفعل مقارن لحال الفعل ، وإنما تقدمه يكون
إعلاماً . وعندنا : أن الأمر لا يجوز أن يبتدىء به في حال الفعل ، بل لا بد من
تقدمه قدراً من الزمن ، يمكن مع الاستدلال به على وجوب المأمور به ، أو كونه
مرعياً فيه ، ويعقل الفعل في حال وجوبه فيه .. ) ثم ذكر بعد ذلك أدلته على ما
ذهب إليه .
وقد أشير إلى هذا في ((المسودة)) ص (٥٧) بالقول : ( وينبغي أن يكون الخلاف
مع بعضهم - أي المعتزلة - ؛ لأن مأخذ هذه المسألة لا يقتضيه أصول جميعهم ،
وهم فرقة كثيرة الاختلاف ، وأصحابنا ينصبون الخلاف مع مطلق الجنس ،
لا مع عموم الجنس ) .
(٤) في الأصل: ( تعليقه) بالإفراد ، والصواب ما أثبتناه ، لعواد الضمير على مثنى.
٤٠٣

ولأن تعليقه بوقت معين آكد من الإطلاق ، يدل على هذا : أنه لو
أمر عبده بفعل شيء في وقت غير معين لم يحسن تأديبه على تأخيره ، ولو
علقه بوقت معين فأخّرّه عنه حسن تأديبه وتوبيخه .
واحتج المخالف :
بأنه لو أعلمه بذلك لكان قد علم أنه سيبقى إلى وقت الفعل لا محالة ،
ولو جاز ذلك لكان إغراءً له بالمعاصي ؛ لأنّه يتكل على التوبة منها ، وفي
بطلان هذا دليل على أنه لا يجوز أن يعلم المكلف ما أمر به .
والجواب : أنه لا يعلم أنه سيبقى إلى وقت الفعل ، للأصل الذي
تقدم ، وإنما يجوز أن يخبر به المكلف قبل الفعل .
وعلى أن هذا لا يمنع من إعلامه بالوقت وإن أفضى إلى ما ذكرت ،
كما لم يمنع ذلك من صحة التوبة ، وإن أفضى ذلك إلى ما ذكرت ؛ لأن
التوبة تَجُبّ ما قبلها من المعاصي ، فإذا علم بذلك أخلد إلى المعاصي ،
ثم عقب ذلك بالتوبة ، ثم لم يمنع هذا من صحة التوبة ، كذلك لا يمنع من
معرفة الوقت ، وليس لهم أن يقولوا : إنه يجوز أن يموت قبل كمال الفعل ؛
لأن الموت عليه أمارة في الغالب .
مسألة
[ بعض الواجبات أوجب من بعض ] (١)
يجوز أن يقال : إن بعض الواجبات أوجب من بعض
كالصلوات الخمس [ أوجب ] من المنذورات ، والزكوات أوجب
من النذور ، وكذلك الإيمان أوجب من غيره من العبادات ، وكذلك الكفر
(١) راجع ((المسودة)) ص: (٥٨)، و((شرح الكوكب المنير)) ص: (١١٠)،
و((تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول)) للمرداوي الورقة: (١١/أ).
٤٠٤
٢

أعظم من المعصية من سرقة حبة .
وقد قال أحمد رحمه الله: ((ركعتا الفجر آ كد من الوتر)).
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (١) ، وذكره أبو بكر بن الباقلاني
أيضاً .
ومن الناس من منع ذلك (٢) .
ولسنا نريد بهذا أنه يرجع إلى نفس الأمر وما يتعلق به ، وأن الأمر
بفعل الإيمان أشد تعلقاً به من تعلق الأمر بالصلاة الواجبة ؛ لأن الأمر
بفعل الشيء متى كان يعود إلى إيقاعه ، فإن الإيقاع للإيمان كإيقاع غيره .
ولا نريد به أيضاً : أن الإيمان أوجب من غيره ؛ لأجل أن فعله يقف
على أفعال متقدمة مثل النظر والاستدلال ؛ لأن سائر الطاعات لا تصح إلا
بتقدم غيرها عليها ، وهو الإيمان ، وكذلك الصلاة والزكاة لا يصحان إلا
بالنية المتقدمة ، كالإيمان .
وإنما نريد بذلك : أن المستحق من الثواب بأحد الفعلين أعظم مما
يستحق بغيره ، أو أن أحد الواجبين طريقه القطع والآخر غلبة الظن (٣).
(١) لأنهم فرقوا بين الفرض والواجب ، ومن فرق بينهما جعل الفرض أعلى من
الواجب .
انظر: ((شرح التلويح على شرح التوضيح)): (١٢٣/٢).
وقول الحنفية هو رواية عن الإمام أحمد ، وبها قال ابن شاقلا والحلواني الحنبليان.
انظر: ((شرح الكوكب المنير)) ص: (١١٠)، و((تحرير المنقول)) للمرداوي
ورقة : ( ١١/أ).
(٢) وممن منع ذلك ابن عقيل من الحنابلة ، وبعض المتكلمين .
راجع: ((المسودة)) ص (٥٨) .
(٣) هذا إشارة من المؤلف إلى ثمرة الخلاف .
٤٠٥

ولا يلزم على ما ذكرنا أن يجوز كذب أكذبُ من كذب، وصدق
أصدَق من صدْق ؛ لأنهما أمران يرجعان إلى الخبر ، وهو وقوع الشيء
على ما أخبر به المخبر أو على خلافه ، وهذا لا يوجب اختلاف حال
الخبرين في أنفسهما .
ولأن الكذب ليس بكاذب ، ولا الصدق صادق ، فلم يجز أن يقال :
أصدق وأكذب ، ولأن أصدق (١) اسم علم ، فلا يستعمل فيه للمبالغة
كقولنا : زيد وعمرو ، وليس كذلك : صادق أصدق من صادق ؛ لأنه
يصح أن يقال : إن المراد به أن أحدهما أكثر صدقاً من الآخر . وأما
حسن أحسن من حسن ، فيجوز .
وقد ذكر أصحابنا في الاقتصار على تطليقة واحدة ، أنه أحسن من
الثلاث (٢)، وإن كانتا جميعاً قد اشتركتا في السنة (٣).
وهذا معنى قول الخرقي (٤): ((وطلاق السنة أن يطلقها طاهراً من
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب : ( الصدق).
(٢) في الأصل : ( الثلاثة ) .
(٣) هكذا اختار القاضي ، ومن قبله الحرفي القول بجواز الجمع بين الثلاث طلقات ،
وأن ذلك مسنون ما دام في طهر لم يمسها فيه . وهذا رواية عن الإمام أحمد .
وهناك رواية أخرى أن الجمع بين الثلاث بدعة ومحرم ، واختارها من الحنابلة
أبو بكر وأبو حفص .
انظر ((المغنى)) لابن قدامة ( ٣٠١/٧).
(٤) هو عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو القاسم الخرقي. من الطبقة الثالثة من
فقهاء الحنابلة. له مؤلفات كثيرة، لم يصلنا منها سوى ((المختصر في الفقه))،
وذلك لاحتراق كتبه . توفي بدمشق سنة (٣٣٤هـ) .
له ترجمة في: ((شذرات الذهب)): (٣٣٦/٢)، و((طبقات الحنابلة)): ( ٢/
٧٥ - ٧٦)، و ((المدخل لمذهب الإمام أحمد)) ص: (٢٠٩).
٤٠٦

غير جماع طلقة ، فإن طلقها ثلاثاً في طهر كان أيضاً للسنة وكان تاركاً
للاختيار (١) )).
ويدل على ذلك أن الواجبين الجائزين قد يشتركان في الوجوب ،
أحدهما أحسن من الآخر ، مثل من خفف صلاته ، وأداها آخر بركوع
وسجود أتم ، وكذلك من أعطى زكاته ماله فقيراً ، وأعطى الآخر إلى من
هو أحوج منه ، كان ذلك أحسن .
وأما الأولى : فهو على ضربين : منه ما هو آكد ، والثاني ما هو
دونه .
فالآكد مثل ركعتي الفجر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم داوم
على فعلها ، وحث الناس بوجوه الحث على إيقاعها ، ونبه على حكمها
بقوله : ( صلوهما فإن فيهما الرغائب ) (٢) وقال: ( هما خير من الدنيا
وما فيها ) (٣).
وكذلك الوتر ؛ لأن النبي عَ لّ داوم على فعله ، وحث الناس عليه
بقوله : ( أوتروا يا أهل القرآن ) (٤)، وقوله: ( إن الله زادكم صلاة
(١) هذا النص موجود في ((مختصر الخرقي)) ص (١٥٢) مع اختلاف طفيف .
(٢) لم أقف عليه .
(٣) هذا الحديث روته عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. أخرجه عنها مسلم في كتاب
صلاة المسافرين ، باب استحباب ركعتي سنة الفجر (٥٠١/١ ) .
وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الصلاة ، باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل
(٢٧٥/٢) .
راجع أيضاً: ((تلخيص الحبير)) ( ٢٠/٢).
(٤) هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه مرفوعاً. أخرجه عنه الترمذي
في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم (٣١٦/٢)، وقال فيه :
((حديث حسن)).
=
٤٠٧

هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر ) (١) ، فلهذا قال أحمد رحمه
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة باب استحباب الوتر (٣٢٧/١).
=
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة باب ما جاء في الوتر ، كما أخرجه عن
ابن مسعود رضي الله عنه في الموضع السابق (٣٧٠/١).
وأخرجه النسائي عن علي رضي الله عنه في كتاب قيام الليل وتطوع النهار ( ٣/
١٨٧ ) .
وأخرجه عنه الطيالسى في كتاب الصلاة باب ما جاء في فضل الوتر (١١٨/١).
وأخرجه عنه الإمام أحمد كما في الفتح الرباني في كتاب الصلاة باب ما جاء في
فضل الوتر ( ٢٧٣/٤ ) .
وأخرجه عنه الحاكم في المستدرك في أول كتاب الوتر (٣٠٠/١).
راجع في هذا الحديث أيضاً: ((تيسير الوصول)) (٢١٧/٢)، و((المنتقى)) (١٩٠).
(١) هذا الحديث أخرجه الترمذي عن خارجة بن حذافة رضي الله عنه في كتاب الصلاة
باب ما جاء في فضل الوتر (٣١٤/٢) وقال فيه: ( حديث غريب ، لا نعرفه إلا
من حدیث یزید بن أبي حبيب ) .
وتعقبه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي في الموضع السابق بأن ابن
أبي الحكم رواه في فتوح مصر ( ص ٢٥٩ - ٢٦٠ ) عن أبيه عن بكر بن مضر
عن خالد بن يزيد عن أبي الضحاك عن عبد الله بن أبي مرة ، وأبو الضحاك هو :
((عبد الله بن راشد الزوفي)). ثم علق الشيخ أحمد شاكر على هذا بقوله : ( وهذا
إسناد صحيح أيضاً ، وهو متابعة جيدة لیزید بن أبي حبيب ، ويرد قول الترمذي
انه لا يعر فه إلا من حديثه ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة باب استحباب الوتر (٣٢٧/١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصلاة باب ما جاء في الوتر (٣٦٩/١).
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة باب في الوتر (٣٠٨/١).
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة باب فضيلة الوتر (٣٠/٢).
وحديث خارجة هذا قال فيه البخاري : لا يعرف سماع بعض هؤلاء من بعض
كما نقل ذلك عنه ابن عدي في (( الكامل)).
وقد أعله ابن الجوزي في كتابه: (( التحقيق )) بابن إسحاق)) و ( بعبد الله بن
راشد )». ونقل عن الدار قطني أنه ضعفه .
٤٠٨

وتعقب صاحبُ ((التنقيح)) ابن الجوزي فقال : أما تضعيفه بابن إسحاق ، فليس
==
بشيء ، فقد تابعه الليث بن سعد عن یزید بن أبي حبيب به .
وأما نقله عن الدار قطني أنه ضعف ((عبد الله بن راشد))، فغلط ؛ لأن الدار قطني
إنما ضعف ((عبد الله بن راشد البصري)) مولى عثمان بن عفان الراوي عن أبي
سعيد الخدري . وأما هذا راوي حديث خارجة ، فهو ( الزوفي ) أبو الضحاك
المصري ، ذكره ابن حبان في كتاب الثقات .
وقال ابن حبان فيه : إسناد منقطع ، ومتن باطل .
وقال الحاكم بعد إخراجه (٣٠٦/١): ( صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، رواته
مدنيون ومصريون ، ولم يتركاه إلا لما قدمت ذكره ، من تفرد التابعي عن
الصحابي ) ، وقد وافقه الذهبي على ذلك .
أما الإمام أحمد فقد أخرجه عن أبي بصرة رضي الله عنه ، كما في « الفتح الرباني )»
كتاب الصلاة باب ما جاء في وقت الوتر (٢٧٩/٤ - ٢٨٠ )، وقد أخرجه
بسندين، الأول رجاله - كما يقول الهيثمي في كتابه ((الزوائد» (٢٣٩/٢) -
رجال الصحيح ، خلا علي بن اسحاق ، شيخ أحمد ، وهو ثقة . أما السند الثاني
ففيه ابن لهيعة .
كما أخرجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في ((مسنده)) ( ١٨٠/٢،
٢٠٦، ٢٠٨) من طريقين في أحدهما ((الحجاج بن أرطاة))، وفي الأخرى:
((المثنى بن الصباح )) ، وهما ضعيفان .
وقد أخرجه الدار قطني أيضاً في الموضع السابق ذكره ( ٣٠/٢ ) ، عن ابن عباس
رضي الله عنهما ، وفيه النضر أبو عمر الخزاز ، ضعيف .
كما أخرجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٣١/٢) ، وفيه : محمد بن
عبيد اللّه العرزمي ، ضعيف .
وأخرجه الطيالسي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في کتاب الصلاة باب
ما جاء في فضل الوتر ( ١١٨/١ ).
وقد استوفى الكلام في ذلك الزيلعي في نصب الراية (١٠٨/٢ - ١١٢ ) ، وابن
حجر في ((تلخيص الحبير)) ( ١٦/٢)، وراجع أيضاً : تيسير الوصول ( ٢/
٢٠٨ ) .
٤٠٩

الله ((من ترك الوتر فهو رجل سوء (١))).
ومنها ما دون ذلك ، فيسمى نافلة السنين .
مسألة (٢)
[ حكم الزيادة على الواجب ]
إذا فعل الواجب على المداومة ، وزاد على ما يتناوله الاسم كالركوع
والسجود إذا داوم عليه المكلف ، فهل يكون عليه جميعه واجباً ؟
يحتمل أن يقال : الواجب أدنى ما يتناوله الاسم ، والزيادة نفل ،
وهذا اختيار أبي عبد الله الجرجاني وأبي بكر الباقلاني (٣).
(١) قول الامام أحمد هذا، رواه عنه هارون بن عبد الله البزار، وفيه : ( قال أحمد
في الرجل يترك الوتر عمداً : هذا رجل سوء ، يترك سنة سنها رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، هذا ساقط العدالة إذا ترك الوتر متعمداً ) . وقد رواه أبو طالب
وصالح كما يلي : ( من ترك الوتر متعمداً هذا رجل سوء وذلك لقوله تعالى :
(فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرٍهٍ))، وقد أمر النبي صلى اللّه
عليه وسلم ) .
انظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (١١١/٤)، و (( المغني)) لابن قدامة ( ٢/
١٣٣ - ١٣٤ ) .
(٢) راجع في هذه المسألة ((المسودة)) ص: (٥٨ - ٥٩)، و((تحرير المنقول وتهذيب
علم الأصول)) للمرداوي الورقة (١٢/ب)، و ((شرح الكوكب المنير)) (١٢٧ -
١٢٨) ، وكلهم عول على القاضي أبي يعلى .
(٣) ونسب المرداوي الحنبلي هذا القول إلى الأئمة الأربعة، كما في كتابه (( تحرير
المنقول)) الورقة: (١٣/ب)، وكذلك عزاه إليهم الفتوحي في ((شرح الكوكب))
ص : (١٢٧)، واختاره الغزالي في ((المستصفى)) (٧٣/١) وقد اختاره من
الحنابلة أبو الخطاب وابن قدامة المقدسي، كما في ((روضة الناظر)) ص (٢٠).
٤١٠

وذهب أبو الحسن الكرخي إلى أن جميعه واجب (١) ، وقال في
الركوع إذا داوم عليه المكلف كان جميعه واجباً ، وكذلك القراءة إذا
طولها .
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رضي اللّه عنه ؛ لأنه استحب للإمام أن
ينتظر على المأموم في الركوع ما لا يشق على المأمومين . فلولا أن إطالة
الإمام في الركوع يكون جميعه واجباً لم يصح إدراك الركعة معه ؛ لأنه
يفضي إلى أن يكون المفترض مقتدياً يالمتنفل (٢) .
وجه ما ذكرناه (٣) : أن ما زاد على ما يتناوله الاسم مخير بين فعله
(١) اختار هذا بعض الحنابلة، كما في ((المسودة)) ص: (٥٨).
(٢) تُعُقِّبَ القاضي أبو يعلى في وجه استدلاله بما نقله عن الإمام أحمد هنا. فقال في
((المسودة)) ص (٥٨): ( ... وهذا ليس بمأخذ صحيح ؛ لأن الكل قد اتفقوا
على هذا الحكم مع خلفهم في هذه المسألة ، وفي مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل .. ) .
كما نقل في (( المسودة )) عن ابن عقيل أنه صرح بأن مأخذ شيخه أبي يعلى مأخذ
فاسد .
وقد غلّط أبو الخطاب شيخَه أبا يعلى في وجه استدلاله هذا ، وذلك في كتابه
التمهيد في أصول الفقه الورقة ( ٤٣/ب ) حيث قال : ( وهذا الاستثناء غلط ؛
لأن المفترض يمنع أن يقتدى بمن هو متنفل في جميع صلاته . فأما إذا أدرك معه ما
هو سنة في الصلاة ، فلا يكون قد اقتدى بمتنفل عند الجميع ، ولهذا لو أدركه في
حال الافتتاح والاستعاذة وقراءة السورة ، يكون قد أدركه وهو متطوع ، ثم لا
يقول أحد : إنه لا يصح اقتداؤه به .
وعلى أن عن أحمد في اقتداء المفترض بالمتنفل روايتين ، فكيف يحمل قوله في
هذه ) ؟
(٣) كلام المؤلف هذا ، وجوابه عن دليل القائلين بالوجوب يفيدان بأنه اختار القول
بأن الزيادة نفل .
لكن المرداوي في كتابه ((تحرير المنقول)) (١٢/ب) نقل عن المؤلف القولين . =
٤١١

وتركه من غير أن يقيم مقامه غيره ، وهذا يمنع وجوبه ، ألا ترى أن النوافل
لما كانت بهذه الصفة لم تكن واجبة ؟
ووجه من قال جميعه واجب أن قوله تعالى : ( ارْكَعُوا ) (١) يقتضي
ما يتناوله اسم الركوع ، وإن جاز الاقتصار على الجزء ، كما أن من أذن
لآخر في أن يتصدق من ماله بما شاء على زيد ، فتصدق عليه بألف ،
جاز ، وإن (٢) كان فاعلاً لما أمر به ، وإن كان له أن يقتصر على قدر درهم
واحد .
وكذلك قوله: ( فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسّرَ مِن الْقُرْآنِ) (٣)، يعبر عن
كل ما تيسر، وإن جاز الاقتصار على القليل. مثل من قال: (( بع عبدي
بما تيسر ))، جاز بيعه بما كان، وإن جاز له أن ينقص منه .
ولأن البناء كالابتداء ؛ ولهذا لو حلف : لا يأكل ولا يلبس ولا
يركب ، فاستدام ذلك حنث ، كما لو ابتدأ ، كذلك في مسألتنا .
والجواب : أن قوله : ( اركعوا ) يفيد أدنى ما يتناوله الاسم ، ألا
ترى أنه متى فعل هذا القدر سقط الفرض عن ذمته ، فلم يجز الزيادة عليه
إلا بدلالة . وبفارق هذا قوله لآخر : تصدق على فلان من مالي ؛ لأن
العادة [٥٤/ب] جارية أنه متى أراد تقدير العطية، فإنه يبينه للمأمور، فلما
وصرح ابن قدامة في كتابه ((روضة الناظر)) ص (٢٠) بأن المؤلف اختار القول
=
بالوجوب .
وذكر في ((المسودة)) ص (٥٩) أن الحلواني حكى عن المؤلف القول بالوجوب ،
كما ذكر أن المؤلف اختاره في كتابه (( العمدة » .
(١) (٧٧) سورة الحج .
(٢) الواو هنا قلقة، وقد دأب على التعبير بها في مواطن كثيرة .
(٣) (٢٠) سورة المزمل .
٤١٢
1
i
i

--
ترك ذكره دل أنه جعل الخيار إليه في ذلك ، فكان انضمام العادة إلى
الأمر هو الموجب لما ذكره دون اللفظ .
ولا يجوز أن يقال : البناء كالابتداء ؛ لأن الابتداء إنما وقع واجباً ،
لأنه ممنوع من تركه ، ولما كان البناء مأذوناً في تركه من غير أن يقيمه مقام
غيره لم يكن واجباً .
مسألة (١)
اللفظ الذي يتضمن الندب يدل على وجوب غيره .
نحو قوله مع الله: (بالغ في الاستنشاق ) (٢) إنه يفيد وجوب الاستنشاق ،
وإن كانت صفة .
(١) راجع في هذه المسألة: المسودة ص (٥٩)، وعنوان المسألة فيها: (إذا ورد الأمر
بهيئة أو صفة لفعل ، ودل الدليل على أنها مستحبة جاز التمسك به على وجوب
أصل الفعل ؛ لتضمنه الأمر به ؛ لأن مقتضاه وجوبها ... ) وهو عندي أحسن
وأوضح من عنوان المؤلف .
(٢) هذا الحديث صحيح رواه لقيط بن صبرة رضي الله عنه. أخرجه عنه الترمذي في
كتاب الصوم باب ما جاء في كراهته مبالغة الاستنشاق للصائم (١٤٦/٣ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة باب في الاستنثار (٣١/١) ، وفي كتاب
الصوم باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق (٥٥٢/١).
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة باب المبالغة في الاستنشاق ( ٥٧/١ ) .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار
(١٤٢/١ ) .
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده ، كما في الفتح الرباني في كتاب الطهارة باب
في المضمضة والاستنشاق والاستنثار (٢٥/٢ - ٢٦).
وراجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)) (١٦/١).
٤١٣
- -

وكذلك قوله صلى الله عليه [ وسلم ] في السعي بين الصفا والمروة
( اسعوا ) (١) يفيد وجوب المشي بين الصفا
(١) هذا الحديث روته حبيبة بنت أبي تجزئة رضي الله عنها. أخرجه عنها الإمام
أحمد في ((مسنده)) من طريقين، وفي كل منهما ((عبد الله بن المؤمل))، راجع
((الفتح الرباني)) في كتاب الحج باب وجوب الطواف بالصفا والمروة ( ٧٦/١٢ -
٧٧ ) .
وأخرجه عنها الإمام الشافعي في كتاب الحج باب السعي بين الصفا والمروة ( ٢/
٤٩ - ٥٠)، وفي إسناده ((عبد الله بن المؤمل)) أيضاً، وأخرجه عنها الدار قطني
إلا أنه سماها : حبيبة بنت أبي تجرأة، بالراء المهملة (٢٥٥/٢).
وأخرجه عنها البيهقي (٩٨/٥)، وفي إسناده (( ابن المؤمل)) كالدار قطني.
وأخرجه عنها الطبراني في ((الكبير)) كما حكى ذلك الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٢٤٧/٣) ثم قال بعد ذلك: ( وفيه ((عبد الله بن المؤمل)) وثقه ابن حبان،
وقال: ((يخطىء))، وضعفه غيره) .
وقد أخرجه عنها إسحاق بن راهويه، حكى ذلك الزيلعي في ((نصب الراية ))
(٥٥/٣) كما حكى أن ابن عدي أعل الحديث بابن ((المؤمل)) وأسند تضعيفه إلى
أحمد والنسائي وابن معين . ووافقهم على ذلك .
وقال الحافظ في ((الفتح)) (٤٩٨/٣): (أخرجه الشافعي وأحمد وغيرهما ، وفي
إسناد هذا الحديث ((عبد الله بن المؤمل))، وفيه ضعف. ومن ثم قال ابن المنذر:
إن ثبت فهو حجة في الوجوب . قلت : له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة
مختصرة . وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى وإذا انضمت إلى الأولى قويت ).
وابن المؤمل هذا، قال فيه النسائي في كتابه ((الضعفاء والمتروكين)) ص: (٦٣) :
( ضعيف ) ، وبمثل قوله قال الدار قطني .
ونقل عن ابن معين من طريقين القول بضعفه ، كما نقل عنه القول بأنه لا بأس به ،
عامة حديثه منكر ، وروى عباس عنه قوله : إنه صالح الحديث .
وقال ابن عدي: ((عامة حديثه الضعف عليه بين)).
راجع في هذا: ((الميزان)) (٥١٠/٢).
وأخرجه الواقدي في مغازيه عن بنت أبي تجزئة، نقل ذلك الزيلعي في ((نصب=
٤١٤

الراية)) (٥٧/٣). ومن طريق الواقدي أخرجه البيهقي في سننه ( ٩٨/٥ )
=
و ((الواقدي)) قال فيه البخاري في كتابه ((الضعفاء الصغير)) ص (١٠٤): (متروك
الحديث ) .
وقال فيه أحمد : كذاب . وقال ابن معين : ليس بثقة . هكذا في الميزان (٣/
٦٦٢ - ٦٦٦ ) .
وقال فيه النسائي في كتابه الضعفاء والمتروكين ص (٩٣): (متروك الحديث).
وروته تملك العبدرية رضي الله عنها. أخرجه عنها البيهقي في سننه ( ٩٨/٥ )،
كما أخرجه الطبراني في الكبير ، نقل ذلك الزيلعي في نصب الراية ( ٥٦/٣ )،
وقال : تفرد به ((مهران بن أبي عمر))، ومهران هذا : وثقة ابن معين وأبو حاتم .
وقال النسائي: (( ليس بالقوي )). وقال فيه البخاري : ( في حديثه اضطراب ) .
انظر ((الميزان)) (١٩٦/٤)، و((الضعفاء الصغير)) ص (١١١).
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٤٨/٣) عند كلامه على حديث ((العبدرية)):
(وفيه ((المثنى بن الصباح)) ، وقد وثقه ابن معين في رواية ، وضعفه جماعة .
وابن المثنى هذا: قال فيه النسائي في كتابه ((الضعفاء والمتروكين)) ص (٩٩):
( متروك الحديث ) .
وذكر الذهبي في ((المغني)) (٥٤١/٢) أن ابن معين ضعفه ، كما ذكر أن بعضهم
مشاه .
ونقل البخاري في كتابه ((الضعفاء الصغير)) (١١٢) عن يحيى قوله : (ولم نتركه
من أجل عمرو بن شعيب ، ولكن كان منه اختلاط في عقله ) .
وروته صفية بنت شيبة رحمها الله تعالى . أخرجه عنها الطبراني في الكبير ، نقل
ذلك الزيلعي في كتابه: ((نصب الراية)) (٥٧/٣)، كما نقل عن الدار قطني قوله :
((في هذا الحديث اضطراب كثير)).
وفيه: ((المثنى بن الصباح )) ، وقد مضى الكلام عنه .
وأخرجه الدار قطنى في سننه من طريق آخر عن صفية بنت شيبة عن نسوة من بي
عبد الدار أدركن النبي صلى الله عليه وسلم ( ٢٥٥/٢) .
ونقل الزيلعي في ((نصب الراية)) (٥٦/٣) عن صاحب التنقيح قوله: ((إسناده =
٤١٥

والمروة (١) ، وأن نطقه يفيد مشياً على صفة هي السرعة .
وقد استدل أحمد رضي الله عنه على وجوب الاستنشاق بالحديث (٢)
الذي ذكر فيه المبالغة ، فقال رضي الله عنه في رواية الميموني وحنبل ،
واللفظ لحنبل : إذا نسي المضمضة قبل الاستنشاق يعيد الصلاة (٣) ، لقول
صحيح، و(( معروف بن مشكان)) باني كعبة الرحمن ( أحد رواة الحديث )
=
صدوق ، لا نعلم من تكلم فيه ، ومنصور هذا ( أحد رواة الحديث أيضاً )
مخرج له في الصحيحين )) .
(١) اختلفت الرواية عن الامام أحمد رحمه اللّه في حكم السعي بين الصفا والمروة في
الحج : أ - فقيل : هو ركن .
ب - وقيل : هو سنة ، لا يوجب تركه شيئاً .
وقال القاضي أبو يعلى : هو واجب ، واختاره الموفق ابن قدامة ، وانتصر له .
انظر ((المغني)) لابن قدامة (٣٤٩/٣ - ٣٥٠).
(٢) المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله : أن الاستنشاق واجب في الطهارتين الكبرى
والصغرى . وقطع القاضي بأنها الرواية الوحيدة عن الإمام أحمد، وقد ذكر غيره
رواية أخرى : أنها واجبة في الطهارة الكبرى ، مسنونة في الصغرى .
انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١٢٠/١).
والرواية الأولى من مفردات الإمام أحمد ، كما صرح بذلك البهوتي في كتابه :
((منح الشفاء والشافيات في شرح المفردات)) ص (٣٣ - ٣٤).
(٣) هذه الرواية رواها أبو داود في ((مسائله)) ص: (٧)، ونصها : ( سئل ( أي
الإمام أحمد ) عمن نسي المضمضة والاستنشاق حتى صلى ؟ قال : يمضمض
ويستنشق ويعيد الصلاة . قلت : لا يعيد الوضوء ؟ قال : ليس هذا من فرض
الوضوء ) .
ونصها في رواية صالح في ((مسائله)) الورقة (٥) هكذا: (سألت أبي عمن نسي
المضمضة والاستنشاق حتى يصلى ؟ قال : يعيد المضمضة والاستنشاق ويعيد
الصلاة ) .
=
٤١٦

النبي معزائر: (إذا استنشقت فانتر) (١).
وقال أصحاب أبي حنيفة : لا يدل ذلك على الوجوب ، حكاه
الجرجاني .
دليلنا :
أن الأمر يتناول شيئين أحدهما الاستنشاق ، والثاني المبالغة ؛ لأن
المبالغة لا تحصل إلا بوجود الاستنشاق ، وكذلك السعي لا يحصل إلا بوجود
المشي ، فسقوط أحدهما لا يوجب سقوط الآخر ، كالعموم إذا خص .
وذهب المخالف إلى أن نفس المنطوق به هو المبالغة ، وهو السعي ،
وذلك غير واجب ، فلم يجب مدلوله .
والجواب : أنا قد بينا أن الأمر اقتضى أمرين .
وقد أوردها صالح في الورقة ص (٩) بأوضح مما سبق حيث قال : ( قلت : رجل
==
نسي المضمضة والاستنشاق وصلى ؟ قال : يعيد الصلاة . قلت : يعيد الصلاة
ويعيد الوضوء ؟ قال : لا ، ولكن يمضمض ويستنشق ) .
(١) هذا الحديث رواه سلمة بن قيس رضي الله عنه مرفوعاً: أخرجه عنه الترمذي
في كتاب الطهارة باب ما جاء في المضمضة والاستنشاق (٤٠/١) بلفظ: (إذا
توضأت فانتثر، وإذا استجمرت فأوتر)، وقال: ((حديث حسن صحيح )) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الطهارة باب الأمر بالاستنثار (٥٨/١ )، ولفظه
كلفظ الترمذي .
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الطهارة باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار
( ١٤٢/١ - ١٤٣ ) .
راجع في هذا الحديث أيضاً: ((نصب الراية)): (١٦/١)، وتيسير الوصول)):
(٣١٠/٢) .
٤١٧
العدة في أصول الفقه - ٢٧

مسألة (١)
المذكور متى جعل دلالة على نفس عبادة ، فإن ذلك دلالة على وجوبه
فيها .
وذلك مثل قوله تعالى: ( وَقُرْآنَ الفَجْرِ ) (٢)، لما دل على صلاة
الفجر فهم وجوبه فيها .
وكذلك قوله تعالى: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ
اللّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ (٣) ) فلما نبه بذكر الحلق على الإحرام كان ذلك
واجباً فيه . وكذلك قوله (٤): (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (٥)، لما دل على
الصلاة كانا واجبين فيها ؛ لأن الشيء يجعل دلالة على الغير متى كان
مقصوداً في نفسه مطلوباً منه ، وهذه الأمور مقصودة من هذه العبادات
مرادة فيها .
ولأن العادة جارية أن ذكر معظم الشيء يجعل دلالة على باقيه ، ولا
يجعل الجزء منه دلالة عليه ، فكان ذكر الشيء على وجه الدلالة على غيره
تنبيهاً على كونه بعضاً منه .
(١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٦٠)، و((تحرير المنقول)) الورقة
(١٢/ب ) .
(٢) (٧٨) سورة الاسراء .
(٣) (٢٧) سورة الفتح.
(٤) (قوله ) مكررة في الأصل .
(٥) (٧٧) الحج .
٤١٨

مسألة (١)
[ ما لا يتم به الواجب إلا به فهو واجب ]
إذا أمر الله تعالى [ عبده ] بفعل من الأفعال وأوجبه عليه ، وكان
المأمور لا يتوصل إلى فعله إلا بفعل غيره وجب [٥٥/أ] عليه كل فعل لا
يتوصل إلى فعل الواجب إلا به (٢) .
(١) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص: (٦٠)، و((تحرير المنقول)» للمرداوي
الورقة (١٢/ب)، و((روضة الناظر)) ص (١٩ - ٢٠)، و (( شرح الكوكب
المنير)) ص : (١١٢) .
(٢) يفهم من ثنايا كلام المؤلف رحمه الله : محل النزاع ، ولكنه غير مدرك بصورة
واضحة ، ولتوضيحه نقول :
ما لا يتم المأمور إلا به على صورتين :
الأولى : ما لا يتم الوجوب إلا به ، فليس بواجب ، حكاه المرداوي في (( تحرير
المنقول)) الورقة (١٢/ب) إجماعاً.
الثانية : ما لا يتم الواجب إلا به ، وذلك على قسمين :
الأول : غير مقدور للمكلف ، فليس بواجب عند الحنابلة .
الثاني : مقدور للمكلف ، فواجب عندهم ، حكاه المرداوي والموفق ابن
قدامة وأبو البقاء الفنوحي .
وهناك طريق أخرى للتقسيم تابع ابن قدامة الغزالي فيها .
كما أن هناك طريق ثالثة سلكها أحد آل تيمية في ((المسودة)).
انظر : المراجع السابقة في أول المسألة .
وما لا يتم المأمور إلا به ، إما أن يدخل في هيئة المأمور به أو لا ، فإن كان داخلاً ،
فلا خلاف في كونه داخلاً في المأمور به .
وإن كان خارجها ، فإما أن يكون سبباً أو شرطاً ، وكل منهما ، إما شرعي أو
عقلي أو عادي ، وفي كل ذلك خلاف. أفاده أبو البقاء الفتوحي في كتابه (( شرح
الكوكب المنير)) ص (١١٢)، والمرداوي في: ((تحرير المنقول)) الورقة (١٢/ب).
٤١٩

وذلك مثل أن يجب عليه أن يتطهر للصلاة ، ولا يمكنه أن يتطهر
إلا بشراء الرشاء واستقاء الماء ، فيلزمه الشراء والاستقاء ؛ لأنه يلزمه فعل
الواجب عليه إذا كان له طريق إليه ، فلا يجوز له تركه مع الإمكان ، وهو
في الحال متمكن على هذا الوجه فلهذا لزمه .
ولهذا قال (١) أصحابنا : إذا وجد الماء بأكثر من ثمن مثله ، بزيادة لا
تجحف بماله لزمه شراؤه (٢).
فإن قيل : فيجب أن توجبوا عليه اكتساب الاستطاعة لفعل الحج ،
واكتساب النصاب ليؤدي الزكاة .
قيل : ذلك شرط في الوجوب دون الفعل ، ولا يجب عليه أن يفعل
ما يوجب به العبادة على نفسه ، وليس كذلك ها هنا، فإنه معنى لا يتوصل
إلى أداء الواجب عليه إلا به ، فلزمه فعله .
ولهذا قال أصحابنا في المفلس : إذا كانت له حرفة لزمه أن يكتسب ،
(١) في الأصل : ( فقال ) .
(٢) زيادة ثمن الماء على ثمن المثل على حالتين :
الأولى : أن تكون الزيادة يسيرة ، مع استغنائه عن الثمن ، ففي هذه الحالة
يجب عليه شراء الماء .
الثانية : أن تكون الزيادة كثيرة ، ولها صورتان :
الأولى : أن تكون مجحفة بماله ، فلا يلزمه الشراء .
الثانية : أن تكون غير مجحفة ، فعلى وجهين :
الوجه الأول : يلزمه الشراء ؛ لأنه واجد للماء ، وقادر
عليه .
الوجه الثاني : لا يلزمه الشراء ؛ لأن فيه ضرراً عليه
بالزيادة .
أفاد ذلك ابن قدامة في كتابه («المغني)) (٢٢١/١).
٤٢٠