Indexed OCR Text
Pages 381-400
فَرَضْتُمْ لَهُنَ فَرِيضَةَ) (١) ومعناه : أوجبتم لهن فريضة . والجواب : أن الحج ثبت وجوبه من طريق مقطوع به ، فلهذا أطلق عليه اسم الفرض. وقوله: ( وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ ) معناه : قدرتم . واحتج : بأن الفرض إنما سمي فرضاً؛ لما فيه من معنى الوجوب دون ما ذكر تموه من ثبوته من طريق يوجب العلم ؛ لأن النوافل ثابتة من هذا الطريق ، ولا يسمى فرضاً . والجواب : أنه إنما يسمى فرضاً لما فيه من معنى الوجوب من طريق مقطوع به ، فأما النوافل فإن كان طريقها مقطوعاً به ، فليس فيها معنى الوجوب ، فقد وجد أحد الشرطين [وفقد الآخر ] . واحتج : بأن تخصيص الواجب بما ثبت من طريق لا يوجب العلم ، وتخصيص الفرض بما ثبت من طريق يوجب العلم دعوى مجردة ، لا دليل عليها من لغة ولا شرع ولا طريق مستنبط منهما (٢) ، فلم يصح. ٠٠ والجواب : أنا قد دلنا عليه من جهة الاستنباط ، وهو أن أهل اللغة والشرع فرقوا بينهما في العبارة ، وقالوا : الفرض عبارة عن التأثير ، والوجوب عبارة عن السقوط ، و [ما] وجدنا التأثير أبلغ من السقوط جعلنا الفرض عبارة عما ثبت من طريق مقطوع علمه ؛ ليكون له مزية . . واحتج : بأن لفظ الوجوب آكد من لفظ الفرض ؛ لأنه أقل احتمالاً من لفظ الفرض ، فكان لفظ الوجوب أحق بما (٤٨/أ) ثبت من طريق (١) (٢٣٧) سورة البقرة . (٢) في الأصل : ( منها ) . ٣٨١ .م القطع ، يدل عليه قوله تعالى : ( إنّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) (١)، وأراد: ينزل عليك القرآن. وقال تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللّهُ لَهُ) (٢) وأراد به أحل الله له . وقال : ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) (٣)، وأراد بيناها. ويقال : فَرَضَ الحاكم على فلان لزوجته كذا وكذا من النفقة ، وأراد به قدّر، ويقال : فَرَض القوس إذا حزّ طرفيه. وأما الوجوب فإنه عبارة عن السقوط ، من قوله : وجبت الشمس ، ووجب القمر ، ووجب الحائط ، إذا سقط . وقال تعالى : ( فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) (٤) أي : سقطت ، فسمى ما لا بد من فعله واجباً ؛ لأن تكليفه سقط عليه سقوطاً لا ينفك منه إلا بفعله ، فكان احتمال لفظ الفرض أكثر من احتمال لفظ الواجب ، وكان الثابت بطريق مقطوع به باسم الواجب أحق منه باسم الفرض . والجواب : أن لفظ الفرض، وإن كان محتملاً لأشياء ، فجميعها عبارة عن التأثير ، والوجوب عبارة عن السقوط ، والتأثير آكد من السقوط ؛ لأنه قد يسقط فلا يؤثر ، فكان ما أثر آكد . فقوله : ( إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) يعني: أنزله ، و نزوله تأثير عندنا . (١) (٨٥) سورة القصص. (٢) (٣٨) سورة الأحزاب . (٣) (١) سورة النور . (٤) (٣٦) سورة الحج . ٣٨٢ وكذلك قوله : (مَا كَانَ عَلَى النّبِيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرْضَّ اللّهُ لَهُ) يعني : أحل له ، والإحلال له : تأثير له . وكذلك قوله : ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) أراد : بيناها ، والبيان تأثير فيها . وكذلك فرض الحاكم يعني : قَدّر ، والتقدير له تأثير في الحصر والتعيين . واحتج : بأنه لو كان الفرض عبارة عما كان في أعلى المنازل من الوجوب ، لوجب أن يختص الاسم بمعرفة التوحيد وتصديق الرسول ؛ لأنه أعلى منزلة من غيره . والجواب : أن الفرض لمّا كان عبارة عن العبادة التي تؤثر في نفس المكلف في المبادرة إليه والمسارعة إلى فعله ، وهذا التأثير موجود في جميع ما علم قطعاً أنه مراد منا ، مثل الصلوات ونحوها ، فوجب أن يكون جميعها فرضاً، وإن كان بعضها آكد من بعض ، كما أن التأثير الواقع في الشيء يتفاوت ، وإن كان الاسم يتناول جميعها ، ويفارق ذلك ما لا يقع منه التأثير . ر واحتج : بأن الواجب اسم لما يثاب على فعله ، ويعاقب على تركه ، والفرض اسم لهذا أيضاً، فإذا كانا متساويين في هذا المعنى ، لم يكن لأحدهما مزية لاختلاف اسمهما ، كما أن الندب والنفل لمّا كان معناهما واحداً وهو ما يستحق بفعله ثواب ، لم يكن لأحدهما مزية على الآخر . والجواب : أن الواجب وإن ساوى الفرض في الثواب والعقاب ، فقد خالفه من وجه آخر ، وهو : أن ثبوته من طريق مقطوع به ، فمنع من المساواة في التسمية ، كما أن الندب والمباح تساويا في إسقاط (٤٨/ب) العقاب ، واختلفا في التسمية لاختلافهما من وجه ، وهو : أن الندب یئاب على فعله ، والمباح لا ثواب عليه . ٣٨٣ واحتج : بأن اختلاف أسباب الوجوب ، وقوة بعضها على بعض ، لا يوجب اختلاف الشيئين في أنفسهما ، ألا ترى أن النفل قد ثبت بأخبار متواترة وثبت بأخبار الآحاد ، والكل متساوٍ (١) ، وكذلك الفرض قد ثبت بأخبار متواترة وأخبار الآحاد ، والكل سواء . والجواب : أن قوة بعضها على بعض توجب اختلافهما في أنفسهما ؛ لأن ما كان معلوماً أنه مراد الله تعالى قطعاً ، فإنه مخالف لما كان تجوزاً ، وكذلك ما يكفر جاحده مخالف لما لا يستحق هذه الصفة ، ومتى اختلفت الأشياء في أنفسها وأحكامها اختلفت الأسامي التي تستعمل فيها لاختلاف ما يستفاد بالعبارة منها . فإن قيل : فيجب أن تفرقوا في المنهيات ، كما فرقتم في المأمورات ، فتقولوا : لفظة الحرام عبارة عما ثبت من طريق مقطوع به ، وما لم يثبت بذلك لا يطلق عليه ذلك ، ويسمى مكروهاً . قيل : هكذا نقول . وقد قال أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور في المتعة : لا أقول حرام . وقال رحمه الله في رواية ابن منصور في الجمع بين الأختين المملوكتين : لا أقول حرام ، ولکن ینھی عنه . قال أبو بكر : إنما توقف لوجود الخلاف . فقد منع من إطلاق اسم الحرام مع كونه حراماً عنده ؛ لأنه مختلف فيه . مسألة [ الأمر بفعل الشيء لا يتناول الفعل المكروه ] أومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية صالح : إذا وطئها وهي (١) في الأصل : (متساوي ) والجادة ما أثبت. ٣٨٤ حائض ، لم يحل لها الرجوع بهذا الوطء إلى زوجها الأول ، لقوله تعالى : ( فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ) (١)، وظاهره : أن الوطء في حال الحيض ، لما كان منهياً عنه لم يدخل تحت الوطء المأمور به للإباحة . واختلف أصحاب أبي حنيفة : فذهب أبو بكر الرازي (٢) إلى أنه يتناول المكروه، واحتج في طواف المُحْدِث بقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (٣) وقال : جواز الفعل مراد، واللفظ يتناوله، فجاز إثباته ، وإن كانت الصفة التي حصل الفعل عليها مكروهة . واختار أبو عبد الله الجرجاني مثل قولنا . دليلنا : أن المأمور به ما اقتضاه الأمر وحث عليه : إما واجباً وإما ندباً ، والمكروه منهي عن فعله وممنوع منه ، فهو مضاد للمأمور به ، فلا يجوز أن - يكون اللفظ متضمناً له ، كما أن المحذور لما كان ضد الواجب لم يجز أن يكون الأمر متناولاً له ؛ ولأن المفعول على صفة لم يؤذن فيه بمثابة فعل آخر فصار كمن أمر بالصيام ، فأوقع ما يسمى صلاة . واحتج المخالف : بأن الطواف مأمور به ، والكراهة تعلقت بفعل آخر ، وهو ترك الطهارة . (١) (٢٢٢) سورة البقرة. والآية في الأصل: ( لا تقربوا النساء في المحيض حتى يطهرن ) والآية في المصحف كما أثبتناه . (٢) وهكذا نقل عنه السرخسي في أصوله (٦٤/١). وذكر عنه الاحتجاج بآية الطواف . (٣) (٢٩) سورة الحج . ٣٨٥ العدة في أصول الفقه - ٢٥ والجواب : أن ترك الطهارة وإن كان منهياً عنه، فإن هذا النهي يعود إلى الفعل الذي هو في الأصل طواف ؛ لأنه منع من إيقاعه على هذا الوجه ، ولو كان هذا صحيحاً لوجب أن لا يكون السجود للشيطان منهياً ، وأن يكون النهي تعلق بإرادة فعله لغير الله تعالى . وكذلك قتل المؤمن لا يكون منهياً عنه، وإنما يتعلق النهي بقصده إلى قتل نفس المؤمن دون الكافر ، وهذا يوجب أن يكون جميع ما نهي عنه مأموراً به ، وهذا فاسد . مسألة [ تعلق الأمر بالمعدوم ] (١) الأمر يتعلق بالمعدوم ، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة . ويفيد هذا الخلاف أنه لا يحتاج إلى أمر ثانٍ . وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية حنبل: ((لم يزل الله يأمر بما شاء ويحكم)). فقد نص على أنه أمر فيما لم يزل ، ولا مأمور. وقال أيضاً - فيما خرجه في محبسه -: ((لم يزل متكلماً إذا شاء)). فقد أثبت قدم كلامه، وكلامه أمر ونهي . وهو قول الأشعرية ومن تابعهم من أصحاب الشافعي . وذهب المعتزلة وجماعة من أصحاب أبي حنيفة فيما ذكره أبو عبد الله الجرجاني (٢) في أصوله : إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم ، وأن أوامر الشرع (١) راجع في هذه المسألة التمهيد في أصول الفقه الورقة (٤٦ - ٤٧)، والمسودة ص (٤٤ - ٤٥ )، وروضة الناظر ص (١١٠)، وشرح الكوكب المنير ص ( ١٧٥ - ١٧٦ ). (٢) هو : محمد بن يحيى بن مهدي، وقد سبقت ترجمته ص (٢٦٩). ٣٨٦ الواردة في عصر النبي بالثم تختص بالموجودين في وقته ، فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل (١) . ثم اختلف القائلون : بأن الأمر يتعلق بالمعدوم : فمذهبنا أنه أمر إلزام وإيجاب على الحقيقة بشرط وجوده على صفة من يصح تكليفه ، سواء كان في الحال موجوداً يتوجه الخطاب إليه ، أو لم یکن ، وهو اختيار أبي بكر الباقلاني . ومنهم من قال : إن هذا أمر إعلام ، إذا كان كيف يكون ، وليس بأمر إيجاب وإلزام . ومنهم من قال : يتعلق بالمعدوم، إذا كان هناك موجود مخاطب ببلاغه، فأما إن لم يكن من يتوجّه الخطاب إليه فلا . والصحيح : ما ذكرنا؛ لأن إعلام المعدوم لا يصح ، وإنما يُعلم المواجَهُ بالخطاب ، ويصح الأمر لمن ليس بحاضر ليبلُغَ ذلك إليه. ولأن هذا القائل قد وافق أن الله سبحانه فيما لم يزل آمراً ناهياً ، ولا مخاطَب . والدلالة على توجه الأمر إلى المعدوم قوله تعالى : ( إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٢)، وهذا يقتضي أمره بالتكوين قبل وجوده . وكذلك قوله : (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (٣). ولأن الصحابة والتابعين كانوا يرجعون في إيجاب الحكم إلى الظواهر (١) وقد اختاره الغزالي في المستصفى (٨١/٢)، والآمدي في الإحكام (٢٥٣/٢)، والبيضاوي في المنهاج (٣٦٤/٣) مطبوع مع شرحه نهاية السول (٣٦٤/٢). (٢) (٤٠) سورة النحل . (٣) (٤٦) سورة غافر . ٣٨٧ المتضمنة للأمر من الله تعالى ومن نبيّه [٤٩/ب] عليه السلام على من يوجد في عصرهم لا يمتنع من ذلك أحد منهم ، فدل على أن الأمر تناول من كان معدوماً حال الخطاب . فإن قيل : يحتمل أن يكون ورد معها دلالة توجب مشاركة الجميع في هذا الحكم ، وإن لم ينقل إلينا . قيل : لو كان هناك دلالة أو قرينة لنقل ؛ لأن ما لا يتم الدليل إلا به لا يسوغ للراوي ترك نقله ، وحيث لم ينقل ثبت أنه ما كان ، يبين صحة هذا أنه معلوم، أن الجماعة لم تشترك في معرفة القرينة، فلو كان موضوع اللفظ لا يفيد ، لم يقتصروا على نقل اللفظ والتعلق به دون القرينة . وأيضاً : فإنه يصح الأمر بالزكاة مع عدم المال بشرط وجوده ، وكذلك الأمر بالفعل للعاجز مع عدم الآلة بشرط وجودها ، كذلك المعدوم بشرط وجوده . فإن قيل : العاجز عاقل مخاطب عالم بالخطاب ، والمعدوم بخلاف ذلك . قيل : لا فرق بينهما وذلك أن المعدوم مأمور بشرط القدرة على ذلك . وأيضاً : فإنه يصح وصية الانسان إلى من يَحْدُث من أولاده ، والقيام بأمر الوقف ، وإن كان معدوماً في الحال ، ويكون أمراً صحيحاً لمن يحدث ، ويكون الحادث متصرفاً بالوصية السابقة في الحقيقة ، فدل على أن الأمر يتوجه إليه . وأيضاً : قد دلت الدلالة على أن أمر اللّه تعالى ونهيه هو كلامه ، وأنه قديم من صفات ذاته غير مُحدّث ، وأنه لم يزل آمراً ، ولا حاضرَ مأمور ، فدل على ما ذكرنا . فإن قيل : هذا أصل فاسد ؛ لأن المتكلم بالأمر ولا أحد يواجه ٣٨٨ ويسمع كلامه هاذ (١) سفيه ، غير جائز . قيل : هذا لا يصح لوجوه : أحدها : أن هذا إن كان صحيحاً ، فإنما يكون فيمن يفعل الكلام ويصح منه تركه ، فأما من يجب كونه متكلماً في أزليته فلا يصح هذا في حقه . الثاني : أنه لو كان هذياناً ، إذا لم يكن سامع (٢) للخطاب ، لوجب أن يقال إذاً : هذَى الطفلُ والمجنون والمبرسم ، وهناك من يسمع ذلك ، أن لا يكون هذياناً ، لأجل أن هناك سامعاً حاضراً (٣)، فلمّا لم يجب هذا، لم يصح ما قالوه . الثالث : أنهم لا يجدون كلاماً لأحد منا إلا وهناك سامع ؛ لأنه لا أحد منا متكلم في سر ولا جهر إلا واللّه تعالى سامع كلامه . وجواب آخر وهو : أن معنى الكلام لنفسه الإفهام والتعليم والإشعار بما يريد إفهامه بالكلام ، ويكون هذا بمثابة من زعم أنه لو كان عالماً قادراً بنفسه غير معلم ولا مقدر لأحد ، ولا ينتفع بكونه عالماً قادراً في قِدَمَه ، لوجب كونه سفيهاً عابثاً ، وإذا لم يجز ذلك لم يجب ما قالوه . وعلى أن الانسان منا قد يوصي إلى معدوم وقت الوصية ، ويأمره فيها وينهاه في وصيته ، (٥٠/أ) ولا يكون عبثاً ، مع أن الذم قد یصح قبل وجود المذموم ، بدليل أن الله تعالى ذم إبليس فيما لم يزل قبل خلقه . (١) في الأصل : (هادي) بدون اعجام . (٢) في الأصل : ( سامعاً للخطاب ) والصواب ما أثبتناه بـ لأن (كان ) هنا تامة ، بمعنى ( وجد ) . (٣) في الأصل: ( سامع حاضر ). ٣٨٩ واحتج المخالف : بأن الأمر يتعلق بمأمور ، والمعدوم ليس بشيء يصح تعلق الأمر به . والجواب : أن الأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني ، كما تعلقت الوصية بمن يحدث في الثاني ، وكما تعلق الأمر بالعاجز لقدرة تحدث في الثاني . واحتج : بأن الأمر إن كان إعلاماً يستحيل أن يوجد في المعدوم ، وإن كان إلزاماً يستحيل أيضاً أن يلزم المعدوم الذي ليس بشيء. والجواب : أنه أمر إلزام لمن يحدث في الثاني ، كما قلنا في الوصية وفي العاجز . واحتج : بأن الأمر لو تعلق بالمعدوم ، لوجب أن يتعلق بالصبي والمجنون ، لوجودهما ، ويكون الأمر متعلقاً بالبلوغ والعقل ، وفي اتفاق الجميع على امتناع ذلك دليل على امتناعه في المعدوم . والجواب : أن كل من أجاز تكليف المعدوم بشرط بقائه ، فإنه يقول : بأن الصبي والمجنون مأموران بشرط البلوغ والعقل ، ولا فرق بينهما ، وإنما معنى قول الأمة : إنهما غير مكلفين ، وإن القلم مرفوع عنهما : رفع المأثم عنهما ، ورفع الإيجاب المضيق . ويمكن أن يكون قوله : رفع القلم عنهما بالخطاب والمواجهة ؛ لأنه لا يصح مواجهتهما بذلك، لعدم علمهما بذلك. وقد ذكر أبو بكر بن الباقلاني هذا الجواب وحكاه عمن قال بخطاب المعدوم . واحتج : بأنه لو جاز أمره الذي هو الإيجاب والإلزام ، لجاز ذمه ولعنه وتسميته بأسماء المدح والذم . والجواب : أنه إنما لم يوصف بذلك ؛ لأنه ليس بإيجاب مضيق ، وإنما يستحق الذم للتفريط ، ويستحق المدح لوجود الفعل ، فلم يتصفوا بذلك ٣٩٠ ! لهذا المعنى ، وجرى ذلك مجرى المأمور إذا كان عاجزاً بشرط القدرة ، فإنه لا يوصف بذلك قبل القدرة ، وإن كان مأموراً . واحتج بأن من شرط الأمر وجود المأمور ، كما أن من شرط القدرة وجود القادر ، فاستحال وجود قدرة بغير قادر ، كذا يجب أن يستحيل وجود أمر بغير مأمور . والجواب : أن نظيره أن من شرط الأمر آمر كما أن من شرط القدرة قادر . ولأنه إنما لم يصح قدرة بغير قادر ، لأن من شرطها وجود القادر بها؛ لأنها إنما كانت قدرة لقيامها بقادر يأتي (١) الفعل بها ، وليس كذلك الأمر ؛ لأن من شرطه وجود الآمر لكونه قائماً به ، إذ الأمر كلامه ، وليس من شرطه وجود المأمور ، كما ليس من شرط القدرة وجود المقدور ، إلا أن يكون مما لا ينفى ، ألا ترى أنه يجوز أن يوصي الرجل في وصيته بما يعلمه ولده بعده إذا وجد ومخلفيه فيكون ما يعمله من يوجد منهم (٥٠/ب) بعده بأمر عند وصيته . فإن قيل : كيف تصح هذه المسألة على أصولكم ، وعندكم أن المعدوم ليس بشيء، وتدلون (٢) عليه بقوله: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً) (٣) وقوله: ( هَلْ أَتَّى عَلَىَ الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) (٤). (١) في الأصل : (ويأتي )، والواو هذه قلقة، لا معنى لها ، فحذفناها ؛ ليستقيم الكلام . (٢) في الأصل : ( وتدلون) بلام واحدة . (٣) (٩) سورة مريم. (٤) (١) سورة الانسان . ٣٩١ قيل : يصح على أصلنا من الوجه الذي بيّنا، وهو أنه أمر بشرط وجوده على صفة من يصح تكليفه، وعلى أصل المخالف فهو لازم ؛ لأن عندهم المعدوم شيء . فإن قيل : فكيف يصح هذا على أصلكم ، وقد قلتم : إن شريعة من قبلنا ليس بشرع لنا ، فلو كان الخطاب غائياً لدخل فيه كل مكلف يوجد في الثاني ؟ قيل : الصحيح من الروايتين أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه ، وعلى الرواية الثانية ليس بشرع لنا ، لقيام الدلالة على نسخه . وقد ذكر أبو عبد الله الجرجاني : أن هذا خلاف في عبارة ؛ لأنه لا يدعى إلى فعل شيء، ويجب أن تكون فائدته ما ذكرنا من أنه لا يحتاج إلى تكرار الأمر . مسألة (١) [ أمر الله العبد بما يعلم أنه سيحال بينه وبينه جائز ] يجوز الأمر من اللّه تعالى بما في معلومه أن المكلف لا يمكن منه ويحال بينه وبينه بكونه مع شرط بلوغه حال التمكن . وهذا بناء (٢) على أصلنا في تكليف ما لا يطاق ، وتكليف الكفار العبادات . وهو مذهب الأشعري ومن وافقه من أصحاب الشافعي ، وهو اختيار (١) راجع في هذه المسألة: ((التمهيد)) لأبي الخطاب الورقة: (٣٦)، و ((المسودة)) ص : (٥٢ - ٥٣) فإنهما اعتمد على كتاب: ((العدة))، كثيراً. (٢) في الأصل: (بناه)، والتصويب من ((المسودة)) ص (٥٣). ٣٩٢ 1 أبي بكر الرازي والجرجاني (١) . وذهبت المعتزلة إلى أنه لا يجوز ذلك (٢). دليلنا : أنه لو لم يكن أمراً ، لوجب أن لا يصح منه الدخول في العبادة بنية الفرض ؛ لأنه لا يعلم هل يحال بينه وبين القدرة على فعلها ، فلا يكون فرضاً، ولما أجمعنا على صحة العزم على نية الفرض مع هذا التجويز علمنا أنه أمر صحيح . يبين صحة هذا : أنه لا يصح أن ينوي الفرض في ليلة الشك ؛ لأنه لا يتحقق الفرض ، ولما صح نية الفرض ها هنا علم أنه أمر صحيح . ولأنه يصح الأمر من اللّه تعالى بالإيمان من يعلم أنه لا يؤمن ، كذلك جاز أن يأمر بالفعل من يحول بينه وبينه ؛ لتساويهما في تعذر الفعل من جهة المأمور في الموضعين . فإن قيل : المأمور هناك لم يؤت في ترك الفعل من قبل اللّه تعالى ، وإنما أتى في ذلك من قبل نفسه ، فلم يحصل الأمر عبثاً . قيل : إذا سبق علمه أنه لا يؤمن ، فقد تحقق تعذر الفعل من جهة المأمور حين الأمر ؛ لأن علمه لا ينقلب ؛ لأن ضد العلم الجهل ، وهو يتعالى عن ذلك ، كذلك ها هنا . ولأن في هذا فوائد ، وهو امتحان المكلف واستصلاحه وتوطين النفس (١) راجع في هذا: ((شرح جمع الجوامع مع حاشية البناني)): (٢١٨/١)، و «تيسير التحرير)): (١٣٧/٢) . (٢) راجع في هذا: ((المغني)) لعبد الجبار، ((قسم الشرعيات))، (٥٩/١٧ - ٦٠، ١٢٦)، و((المعتمد في أصول الفقه)) لأبي الحسين البصري (١٧٧/١ ). ٣٩٣ على فعل العزم على الطاعة ، ومسرة الآمر بأمره وإيثار الإقرار من المأمور بالتزام طاعته والإخبار بالعزم على امتثال أمره إلى غير ذلك . وأيضاً : فإنا وجدنا (٥١/أ) في الشاهد يحسن أمر المولى عبده بأن يسقيه الماء عند الحاجة إليه ، وإن لم يكن على ثقة من تمكن العبد بما أمر به ، وجوز أن يحال بينه وبينه ويخترم دونه ، كذلك أوامر الله تعالى يجب أن تكون محمولة على ذلك . فإن قيل : اللّه تعالى عالم بالعواقب ، فلا يحسن أمره بما يعلم استحالة وقوعه من المكلف ، فإذا علم أن المكلف سيحال بينه وبين ما كلف ، لم يحسن أمره به ، كما لأ يحسن أمره بما علم استحالة حدوثه منه ، وليس كذلك الأمر في الشاهد؛ لأنه لا يعلم العواقب، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في أمر اللّه تعالى، وإنما اعتبر فيه الظن بتمكين المأمور ما أمر به ، فإذا ظن ذلك حسن أمره . قيل : هذا يبطل بأمره بالإيمان من (١) يعلم أنه لا يؤمن ، فإنه يصح ، وإن كان عالماً بالعواقب أنه لا يؤمن ، كذلك ها هنا . ب ولأن الأمر حال وروده يحصل للمأمور اعتقاد الوجوب وسكون النفس إلى فعله في الثاني ، ويصح تعلق الأمر بهذا المعنى ، ألا ترى أن الإيمان بالله تعالى يحصل بمجرد الاعتقاد ، وإن لم يقارنه شيء من أفعال الجوارح ؟ ولأن هذا القول لو صح لوجب أن يمنع من إطلاقه القول بأن الإنسان منهي عن الزنا في المستقبل ، ومأمور بالإيمان ؛ لأنه لا يعرف بقاؤه إلى ذلك الوقت . (١) في الأصل: ( لم ). ٣٩٤ i واحتج المخالف : بأن الله تعالى إذا علم من حال المكلف أنه (١) سيحال بينه وبين ما أُمر به ولا يمكّن من فعله ، فإن فعلَه يستحيل وقوعه منه ، وما يستحيل وقوعه لم يحسن الأمر به ، ألا ترى أنه لا يحسن الأمر بصعود السماء والمشي على الماء وقلب العصا حيَّة ، وما يجري هذا المجرى مما يستحيل وقوعه من المأمور به ؟ والجواب : أنه يبطل بالأمر بالإيمان إذا حكم أنه لا يؤمن ، فإنه يصح ، وإن كان يستحيل وقوعه ، كذلك ها هنا . وعلى أن الأمر بذلك لا يحصل فيه فائدة ؛ لأن المقصود من الأمر تعريض المكلف لاستحقاق الثواب فيما يوقعه ، فمتى علم عجز المكلف عن ذلك لم يحصل له سكون النفس إلى فعل ما أمر به ، فصار الأمر عبثاً ، وهذا حصل من جهة سكون النفس واعتقاد وجوب الفعل ، وتعذره بعد ذلك بسبب من جهة نية الآمر ، فلهذا فرقنا بينهما . وفيه فوائد، منها : إظهار أمره بذلك ، وإقرار المأمور به بوجوب طاعته إن بقي ، ولاعتقاده أن في أمره بذلك استصلاحاً له في غير ذلك الفعل، وتوطنة النفس على الطاعة في جميع ما يأمره ، وليعرضه بذلك لثواب العزم على طاعته . مسألة (٢) [ يجوز الأمر من اللّه تعالى بما يعلم أن المأمور لا يفعله ] وقال أحمد رحمه الله في رواية حنبل : علم الله تعالى أن آدم سيأكل (١) في الأصل : ( أن ). (٢) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٥٤)، وكتاب (( الفصول في أصول = ٣٩٥ ٦: من الشجرة التي نهاه عنها قبل أن يخلقه . خلافاً [٥١/ب] للمعتزلة في قولهم: لا يجوز (١). دليلنا : أنه أمر إبليس بالسجود لآدم مع علمه أنه لا يفعله ، وكذلك أمر الكفار بالإيمان مع علمه أنهم لا يؤمنون . ولأن أمره مع علمه أن المأمور لا يفعله كأمره مع علمه أنه يحال بين المأمور وبين الفعل ، وقد بينا فيما تقدم جوازه . واحتج المخالف : بأنه لا يصح أن يريد من المكلف ما يعلم أنه لا يفعله ، لأنه عبث . والجواب: أن هذا ليس بعبث ؛ لأن الله تعالى قد عرض المأمور بما أمره به إلى النفع إذا أداه ، وإظهار (٢) أمره بذلك وإقرار المأمور به بوجوب طاعته . ولأن هذا يبطل بأمره لإبليس بالسجود مع علمه أنه لا يفعله . مسألة (٣) [ يجوز أن يرد الأمر من الله تعالى متعلقاً باختيار المأمور ] وهذا بناء على أصلنا : أن (٤) المندوب مأمور به مع كونه مخيراً في فعله وتركه . الفقه)) للجصاص الورقة (١٠٦) فإن المؤلف قد استفاد من هذا الكتاب . = (١) راجع في هذا: ((المغني)) القاضي عبد الجبار ((قسم الشرعيات)): (٥٩/١٧ - ٦١، ١٢٦)، و ((المعتمد في أصول الفقه)) (١٧٨/١ - ١٧٩). (٢) في الأصل ( أو إظهار ) . (٣) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص (٥٤ - ٥٥)، فإنه اعتمد على القاضي أبي يعلى كثيراً . (٤) هكذا في الأصل : ( وأن) ، والواو هنا زائدة ، الصواب حذفها . ٦ ٣٩٦ خلافاً للمعتزلة في قولهم : لا يجوز ذلك (١) . دليلنا : أن الله أرخص لنا القصر في السفر، وأوجب الإتمام في الحضر ، وعلق ذلك باختيار نا . وهكذا القول في اختيار واحد من الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين ، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن يرد الأمر معقوداً بشرط اختيار المأمور . واحتج المخالف : بأنه لا طريق لنا إلى معرفة ما هو مصلحة لنا فنختاره ، فلم نأمن أن تكون المصلحة في غير ما نختاره ، فلا يجوز أن يكون ذلك موكولاً إلى اختيارنا ، وفارق هذا ما يؤديه إليه اجتهادنا أنه مصلحة لنا ، وإن كان متعلقاً باختيارنا ؛ لأن الاجتهاد قد بين لنا طريقه ، فجرى مجرى المنصوص عليه ، فإذا أدانا اجتهادنا إليه وحكمنا به ، علمنا أنه مصلحة لنا ، وما لم يجعل لنا طريق إلى معرفته فلا نعلم عند اختيارنا له أنه مصلحة لنا ، بل جائز أن تكون المصلحة في غيره . والجواب : أنه ليس من شرط صحة الأمر أن يقع على وجه المصلحة لنا ، فقد (٢) يجوز أن يأمر بما لنا فيه مصلحة وما لا مصلحة لنا فيه. ويأتي الكلام فيه . على أنه يبطل بما ذكرنا من رخصة القصر والكفارة على طريق التخيير . (١) انظر: كتاب ((المغني)) القاضي عبد الجبار ((قسم الشرعيات)): (١٢٦/١٧)، و ((المعتمد)) لأبي الحسين البصري: (١٧٨/١). (٢) في الأصل: (وقد) . ٣٩٧ مسألة (١) [ ورود الأمر والنهي بالتكليف دائماً ] يجوز أن يرد الأمر والنهي بالتكليف دائماً إلى غير غاية ، فيقول : ((صلوا في كل يوم أبداً ما بقيتم))، و ((صوموا رمضان أبداً ما حييتيم)) فيقتضي ذلك الدوام مع بقاء التكليف ، وهذا مع قولنا : إن الأمر يقتضي التأكيد . خلافاً للمعتزلة في قولهم : لا يجوز أن يرد بذلك ، ومتى ورد اللفظ بهذا لم يقتض الدوام ، وإنما هو للحث على التمسك بالفعل . دليلنا : أنه ليس بأمر بمحال . ولأنه تصرف في الملك فجاز كتصرف (٥٢/أ) أحدنا في ملكه . ولأن لفظة التأييد (٢) موضوعة في اللغة لدوام الفعل دون انقطاعه ، كما أنها (٣) موضوعة لما لا يعقل ، فلم يجز إطلاق لفظ التأبيد على ما لا يجب دوامه ؛ لأنه يصير وجود هذا اللفظ كعدمه . ولأنه لو قال : صلوا أبداً فإنه مصلحة لكم ما بقيتم ، لكان ذلك مقتضياً للتأبيد ، كذلك إذا أطلق . ولأن من امتنع من هذا الإطلاق يقول : إن فيه قطع الثواب . ولأنا نعلم أنه لا بد لها من الانقطاع بالموت والجنون ، وهذا لا يصح ؛ لأن الثواب غير مستحق على الله تعالى على ما نبينه . · ولأن الأمر ثابت مع بقاء الأمر ، فلا يدخل فيه حال الجنون والموت ؛ (١) راجع هذه المسألة في: ((المسودة)) ص (٥٥). (٢) في الأصل. (التأكيد). (٣) في الأصل : ( أن ) ٣٩٨ لأنه غير مكلف فيه ، والأمر تناول المكلف . واحتج المخالف : بأن الثواب واجب عليه على الأعمال دائماً غير منقطع ، فلو دام عليهم التكليف بطل ثواب عملهم ، ولو أثابهم في خلال ذلك ، لم يكن ثوابهم إلا منقطعاً . والجواب : أن أقل نعمة الله تعالى على خلقه يستحق بها عليهم أن يعبدوه ، فلا يستحق عليه الثواب ، ولو كان الثواب على العمل مستحقاً لم يستحق الثناء والشكر والحمد والمدح ، كما أن قاضي الدين ورادّ الغصب والوديعة ، لما كان ذلك مستحقاً عليه لم يستحق الشكر والثناء . وفي إجماعنا - على أنه يجب علينا الشكر والثناء والحمد لله على نعمه علينا - دليل على أنه غير مستحق عليه . واحتج : بأن هذه العبادات لا بد لها من الانقطاع ؛ لأنه إنما حسن الأمر بها لما فيها من الثواب للمكلف ، ودوامها يقطع الثواب ، فإذا كانت لا بد لها من الانقطاع بالموت ، كان لفظ التأبيد فيها مستعملاً على وجه المجاز . فوجب أن يسقط اعتبار الحقيقة فيه ، ويكون القصد المبالغة في الحث على التمسك بالعبادة . والجواب : أنا قد بينا أن الثواب غير مستحق ، على أن الأمر إنما يتعلق بمأمور مكلف ، وهو إنما تكون هذه الصفة ما دام في دار التكليف ، فإذا خرج من كونه مكلفاً بالموت ، لم يبق عليه حكم الأمر ، فإذا كان كذلك كانت حقيقة التأبيد ثابتة مع بقاء الأمر ، فلا يكون سقوط الأمر دلالة على سقوط حقيقة التأبيد عند الاستعمال . على أن هذا يبطل به لو قال : افعلوا ذلك أبداً فإنه مصلحة لكم ما بقيم ، لكان ذلك مقتضياً للتأبيد ، وإن كان لا بد من الانقطاع بالموت ، ٣٩٩ كذلك لفظ التأبيد بهذه المثابة . واحتج : بأن الآمر منّا في الشاهد قد يقترن إلى لفظ الأمر لفظ التأبيد ، فلا يكون مراده به الدوام ، كقول المولى لغلامه : لازم هذا الغريم أبداً [٥٢/ب]، يريد به أن لا يفارقه حتى يستوفي الدين ، كقول الأب لابنه : لازم المعلم أبداً (١) ، ولا تفارقه حتى تتعلم منه القرآن ونحوه ، فوجب أن تكون أوامر الله محمولة على المتعارف في الشاهد . والجواب : أن دلالة الحال تقترن إلى الأمر فيصير كأنه قال : لازم الغريم والمعلم ما لم تستوف الدين ، وما لم تتعلم منه ، وهكذا أوامر الله يكون ذلك تقديرها ، كأنه قال : افعلوا ذلك ما دمتم مكلفين . واحتج بأن المأمور قد يتخلله الجنون والنوم والإغماء ، ولفظة التأبيد تعم ذلك ، ومعلوم أن الخطاب لا يتوجه إليه . والجواب : أنا قد بينا أن الأمر يتعلق بمأمور مكلف ، فهذه الأحوال مستثناة لعدم التكليف ، ويبطل به إذا قال : افعلوا أبداً فإنه مصلحة ، فإنه يصح وإن كان هذا موجوداً . مسألة (٢) من شرط الأمر أن يكون المأمور به في مستقبل الوقت غير موجود، وحكى عن طائفة من المتكلمين أن الأمر بالموجود جائز . دليلنا : أن استحالة وقوع ما هو موجود من المكلف كاستحالة الجمع بين (١) في الأصل (حتى ) وهو تحريف . (٢) راجع في هذه المسألة: ((المسودة)) ص: (٥٧)، و ((روضة الناظر)) في شروط الفعل المكلف به ص (٢٨ - ٢٩). ٤٠٠ i