Indexed OCR Text

Pages 361-380

وعلى ترك إيتاء الزكاة فدل [على] أنهم مخاطبون بالإيمان وإيتاء الزكاة ؛
لأنه لا يتواعد على ترك ما لا يجب على الإنسان ، ولا يخاطب به .
فإن قيل : ليس المراد بالآية أننا لم نؤد الزكاة ؛ لأنها ما كان (١) يتأتى
منهم فعلها ، وإنما المراد أننا لم نكن معترفين بالزكاة ولا مقرين ، وقد يعبر
بالفعل عن الإقرار بالشيء وإلزام حكمه ، كقوله تعالى : ( حَتَّى يُعْطُوا
الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (٢) ، يعني: حتى يضمنوا .
قيل : حقيقة الكلام تقتضي أن الوعيد على ترك إيتاء الزكاة ، فوجب
حمله على الحقيقة .
فإن قيل : ظاهر الكلام يقتضي أنه جعله صفة للمشركين ، فكأنه
قال : فويل للمشركين الذين هم على صفة لا يؤتون الزكاة .
قيل : هما صفتان ، وتقديره : فويل للقوم المشركين ، وقوله :
( الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) صفة ثانية لهم ، ويكون ذلك مثل قوله :
فويل للسارقين الذين لا يؤدون المسروق ، فيكون الوعيد على الصفتين
جميعاً .
فإن قيل : لو كان كذلك لوجب أن يكون الوعيد على اجتماع
الصفتين ، وقد أجمعنا على أن المشرك الذي لم يكن له مال متواعد على
٢٠
شركه .
قيل : الوعيد على كل واحد من الصفة بانفرادها دون اجتماعها ،
كما قال تعالى : (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُ
الْهُدَى وَيَتّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (٣)، وهذا توعد على كل
(١) في الأصل : ( كانت ) .
(٢) (٢٩) سورة التوبة .
(٣) (١١٥) سورة النساء.
٣٦١

واحد من المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين .
ويدل عليه أيضاً : قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ
نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ (١) نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوض
مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) (٢) ، وهذا يدل على
[٤٤/ب] أنهم دخلوا النار لتركهم إطعام المسكين وتركهم الصلاة .
فإن قيل : المراد به أنا لم نكن من المعتقدين بالصلاة ولا مقرّين بها .
قيل : قد أجبنا عن هذا ، وقلنا : حقيقة التوعد على ترك الفعل للصلاة
والإطعام .
فإن قيل : هذا حكاية عن قول أهل النار ، فلا حجة فيه .
قيل : إنما حكى ذلك عنهم ردعاً وزجراً لغيرهم ، ولو لم يكن فيه
حجة لم يصح الردع والزجر ؛ ولأنه لو لم يكن صحيحاً لوجب أن يعقبه
بذم ونكير ، كما قال تعالى: ( يَعِدِهُمْ وَيُمَنِّيِهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ
الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً) (٣).
ويدل عليه أيضاً قوله تعالى (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ وَالْمُشْرِ كِينَ مُنْفَكِّنَ حَتّى تَأْتِيَهَمُ الْبَيِّنَةُ) إلى قوله :
(وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لَيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا
الصَّلاَةَ) (٤)، وهذا يدل على أن الكفار مأمورون بإقامة الصلاة وإيتاء
الزكاة وسائر العبادات .
(١) في الأصل: ( لكن ) بإثبات النون فيهما ، وهو خطأ فلم أجد أحداً من القراء ،
قرأ بإثبات النون ، فلعل ذلك من صنع الناسخ .
(٢) (٤٢ - ٤٦) سورة المدثر .
(٣) (١٢٠) سورة النساء.
(٤) (١ - ٥ ) سورة البينة.
٣٦٢
أ

وأيضاً : فإن الخطاب متناول لهم بإطلاقه ، فوجب أن يكونوا داخلين ،
فيه كالمسلمين ، ونريد بالخطاب المطلق نحو قوله: ( أَقِيمُوا الصَّلاَةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ) (١)، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) (٢)،
ولسنا نريد قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاَةِ)(٣)
و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا) (٤)؛ لأن ذلك خاص في المؤمنين.
وأيضاً (٥) فإن الكفار يدخلون في النواهي؛ لأن الذمي يحد بالزنى والسرقة،
فوجب أن يدخلوا في الأوامر ؛ لأن من دخل في أحد الخطابين دخل في
الآخر .
فإن قيل : فلمَ لا يحدّ بشرب الخمر كما يحدّ المسلمون ؟
قيل : لأنه قد أعطى الأمان على أن يقر على شربه ، كما أعطى الأمان
على أن يقر على اعتقاده الكفر . ثم لا يدل هذا على أنه غير مأمور بالإيمان
ومنهي عن الكفر ، كذلك لا يدل ترك إقامة حدّ الشرب على أنه غير
منهي عنه .
فإن قيل إنما كلف النواهي ؛ لأنه يصح منهم أن يمتنعوا عن فعل
النواهي ، فلذلك صح أن يخاطبوا بها ، ولمّا لم يصح منهم فعل الأوامر لم
يصح أن يخاطبوا بها .
(١) (٤٣) سورة البقرة .
(٢) (٩٧) سورة آل عمران.
(٣) (٦) سورة المائدة .
(٤) (٧٧) سورة الحج .
(٥) في الأصل : ( فإن قيل: إن الكفار ... ) وهو خطأ لأمرين :
الأول : أن الكلام يؤيد ما ذهب إليه المصنف من أن الكفار داخلون في الأمر
المطلق ، فكيف يعترض على نفسه بما يؤيد قوله .
الثاني : أنه لو كان الكلام مساقاً على سبيل الاعتراض لأجاب عنه .
٣٦٣
٦

قيل : الترك يحصل منهم ولا يكون طاعة ، ويحصل الفعل كذلك ، فلا
فرق بينهما .
وأيضاً : لما كان مخاطباً بشرط هذه العبادات ، وهو الإيمان وجب أن
يكون مخاطباً بالمشروط ، كما أن من خوطب بالطهارة كان مخاطباً
بالصلاة .
فإن قيل : إنما خوطب بالإيمان ؛ لأنه يتأتى منه ، ولم يخاطب بالعبادات،
لأنها [ لا ] تتأتى منه .
قيل : هذا لا يمنع التكليف ، كالمحدث هو مخاطب بالعبادة في حال
حدثه وإن لم تصح (١) منه .
واحتج المخالف :
بما روي عن النبي ◌ّ اللهِ: أنه لما بعث معاذاً (٢) إلى اليمن قال له :
ادعهم [ ٤٥/أ] [ إلى ] شهادة أن لا إله إلا اللّه، فإن أجابوك فاعلمهم: أن
لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ) (٣) ، فلو كان الخطاب يتوجه
عليهم بهذا الإيمان لأمره أن يدعوهم إليه .
(١) في الأصل : ( يصح ) .
(٢) هو : معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ، أبو عبد الرحمن .
شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلها . كان والياً للنبي صلى الله عليه وسلم على اليمن .
وولاه عمر الشام بعد موت أبي عبيدة . مات بناحية الأردن في طاعون عمواس
سنة (١٨هـ)، وقيل سنة (١٩هـ) وله من العمر (٣٨)، وقيل (٢٨) سنة.
له ترجمة في الاستيعاب (١٤٠٢/٣) .
(٣) حديث معاذ هذا رواه ابن عباس رضي الله عنهما ، أخرجه عنه البخاري في
كتاب الزكاة ، باب وجوب الزكاة (١٢٤/٢ ) .
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام
(٥٠/١ ) .
=
٣٦٤

والجواب : أنه لم يأمره بأن يدعوهم إلى ذلك ؛ لأنه لا يصح منهم فعله
في حال كفرهم ، فبدأ بما يصح فعله ، وهو الإيمان .
واحتج: بأنه كتب إلى كسرى وقيصر (١) ، ودعاهما إلى التوحيد ،
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الزكاة باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال
=
في الصدقة (١٢/٣)، وفي كتاب البر والصلة باب ما جاء في دعوة المظلوم (٤/
٣٦٨) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة (٣٦٦/١).
وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة ( ٥٦٨/١ ) .
وأخرجه عنه النسائي في كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة (٣/٥).
وأخرجه عنه الدارمي في الكتاب المذكور باب فضل الزكاة ( ٣١٨/١).
وأخرجه عنه الإمام أحمد كما في الفتح الرباني في كتاب الزكاة باب افتراض
الزكاة والحث عليها والتشديد في منعها (١٨٨/٨ - ١٩٠ ).
وأخرجه عنه الإمام الشافعي كما في بدائع المنن في كتاب الزكاة باب ما ورد في
فضلها ووجوبها وقتل مانعها (١٢٣/١).
وراجع في هذا الحديث أيضاً : نصب الراية (٣٢٧/٢).
ويلاحظ : أن جميع من أخرج الحديث ممن سبق ذكرهم ، لم يذكروا قوله :
( فإن أجابوك ، فاعلمهم أن لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم ) ، وإنما رأيت
أبا داود ذكر ذلك في آخر حديث أنس رضي الله عنه الذي أخرجه في كتاب
الجهاد ، باب على م يُقاتل المشركون (٤١/٢ - ٤٢)، ولفظه : ( أمرت أن
أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن
يستقبلوا قبلتنا ، وأن يأكلوا ذبيحتنا ، وأن يصلوا صلاتنا ، فإذا فعلوا ذلك حرمت
علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين ) .
(١) كتابة النبي صلى الله عليه وسلم لكسرى رواها ابن عباس رضي الله عنه، أخرجه
عنه البخاري في كتاب العلم باب ما يذكر في المناولة بلفظ : ( أن رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم بعث بكتابه رجلاً ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه
عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه ... ) (٢٦/١)، كما أخرجه عنه في =
٣٦٥
أ

ولم يذكر في كتابه إليهما شيئاً من الشرائع فلو كانا (١) متعبدين بها
لذكرها .
والجواب عنه : ما تقدم .
واحتج بأن الكافر لا يصح منه فعل الصلاة والصيام في حال كفره ، فإذا
أسلم سقطت عنه ، فلا يتأتى منه الفعل في الحال ، ولا في المآل ، فلو قلنا :
إنه مخاطب بها لكان تكليف الزَّمِن فعل الصلاة قائماً ، والحائض فعل
الصلاة في حال حيضها .
والجواب : أنه وإن كان لا يتمكن من فعلها مع الكفر ، فقد جعل له
كتاب الجهاد باب دعوة اليهودي والنصراني (٥٤/٤ )، وأخرجه أيضاً في كتاب
==
المغازي باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر ، وفيه سمي
الرجل الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه : عبد الله بن حذافة السهمي
(١٠/٦)، وأخرجه رابعة في كتاب أخبار الآحاد باب ما كان يبعث النبي صلى
اللّه عليه وسلم من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد ( ١١١/٩).
وأخرجه القاضي عياض في كتابه الإلماع ص (٨١).
وأما كتابة النبي عليه الصلاة والسلام لقيصر فقد أخرجها البخاري عن ابن عباس
في كتاب العلم باب دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الإسلام (٥٤/٤ - ٥٧ )،
وفيه قصة سفيان بن أبي سفيان مع هرقل عظيم الروم ، وفيه : ( ثم دعا بكتاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرىء، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من
محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما
بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ،
فإن توليت فعليك إثم الأريسيين ، ( يَا أهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ
سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، ألاَّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ وَلاَ نُشَرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلاَّ
يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللّهِ فَإنْ تَوَلّوْاَ، فَقُولُوا اشْهَدُوا
بأنّا مُسْلِمُونَ).
(١) في الأصل : ( كانوا ) .
٣٦٦
أ

البسبيل إلى التوصل إليها ، بأن يقدم الإيمان ثم يفعل العبادات، كالمحْدث
الذي لا طريق له إلى فعل الصلاة إلا بأن يقدم الوضوء أو الغسل وإنما الذي
يمنع وجوب العبادة أن لا يتمكن من فعلها ، ولا يكون له طريق إلى
التوصل .
فإن قيل : إنما كان المُحدث مخاطباً بفعل الصلاة ، والحائض بفعل
الصيام وإن لم يصح الفعل منهما ؛ لأن الحدث لا ينفي فعل الصلاة ، فإنه
إذا تطهر لم تسقط عنه الصلاة التي لزمته في حال الحدث ، بل يفعلها بعد
طهر ، وكذلك الحائض .
فأما الكافر فإنه لا يتأتى منه في حال كفره ، وفي حال إسلامه يسقط
عنه القضاء ، فلا يتأتى منه الفعل بحال .
قيل : إنما لم يجب القضاء ؛ لأن الإسلام جعل مسقطاً لما سلف ، لئلا
يكون وجوب القضاء تنفيراً عن الإسلام ؛ لأن الكافر ربما أراد الإسلام وهو
شيخ ، فإذا علم أنه يلزمه قضاء ما ترك في عمره من صلاة أو صيام أو
زكاة ، نفّره ذلك عن اختيار الإسلام واعتقاده .
ويدل على أنه بهذا المعنى قوله تعالى : ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ) (١)، وقول النبي عَّهِ: ( الإسلام
يجب ما قبله ) (٢)، وهذا يدل على أن الإسلام هو المسقط ما سبقه من
الواجب .
(١) (٣٨) سورة الانفال.
(٢) هذا الحديث رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه أخرجه عنه مسلم في
كتاب الإيمان باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (١١٢/١)
بلفظ طويل وفيه : ( أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ... ). ؟
وأخرجه عنه الإمام أحمد كما في الفتح الرباني في كتاب الإيمان باب في كون =
٣٦٧
:
i

واحتج : بأن الكفر يمنع صحة العبادة ، ويمنع قضاءها في الثاني ،
فصار كالجنون ..
والجواب : أن الجنون يمنع الخطاب بالنواهي وبالإيمان ، والكفر لا
يمنع ذلك.
مسألة (١)
[ الأمر بالشيء نهي عن ضده ]
الأمر بالشيء نهيٌّ عن ضده من طريق المعنى ، سواء كان له ضد واحد ،
أو أضداد كثيرة ، وسواء كان مطلقاً أو معلقاً بوقت مضيق ؛ لأن من
أصلنا : أن إطلاق الأمر يقتضي الفور (٢).
وقد قال أحمد رحمه اللّه في رواية أبي طالب : لا يتنحنح في صلاته
فيما نابه (٣)، فإن النبي [ ٤٥/ ب] عِ الغِ قال: ((إذا نابكم في صلاتكم
الإسلام يَجُبُّ ما قبله من الذنوب (٩٣/١ - ٩٤) بلفظ: (الإسلام يَجُبُّ ما
=
قبله من الذنوب ) .
وقد نسبه الشيخ البنّا إلى سعيد بن منصور كما في الفتح الرباني ( ٩٤/١ ) .
وأخرجه الطبراني عنه كما أشار إلى ذلك العجلوني في كشف الخفاء ( ١٤٠/١ ).
وأخرجه ابن سعد في طبقاته عن الزبير بن العوام وجبير بن مطعم . حكى ذلك
العجلوني في كشف الخفاء (١٤٠/١)، والسيوطي في جامعه الصغير (١٧٩/٣ -
١٨٠ ) مطبوع مع شرحه فيض القدير .
(١) راجع في هذه المسألة: المسودة ص (٤٩ - ٥٠ )، وشرح الكوكب المنير ص
(٣٣٠ - ٣٣١) من الملحق، وروضة الناظر ص (٢٥ - ٢٦).
(٢) قد مضى في مسألة : الأمر المطلق هل يقتضي الفور ؟ أن للامام أحمد روايتين
في هذه المسألة .
(٣) هذه الرواية ذكرها الموفق ابن قدامة في كتابه المغني (٤٦/٢) في كتاب الصلاة
فصل : وأما النحنحة .. )).
=
٣٦٨
1

شيء ، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء)) (١) . فجعل أمره بالتسبيح نهياً عن
ضده الذي هو التصفيق .
= كما أنه ذكر رواية أخرى نقلها المروزي عن الإمام أحمد أنه كان يتنحنح في
صلاته ، ليعلمه أنه يصلي .
(١) هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه أخرجه عنه البخاري في أبواب العمل
في الصلاة، باب التضفيق للنساء (٧٦/٢ ).
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصلاة باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذا نابهما
شيء في الصلاة (٣١٨/١ - ٣١٩) .
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء أن التسبيح للرجال والتصفيق
للنساء (٢٠٥/٢ - ٢٠٦)، وقال فيه: ((حديث حسن صحيح)).
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة باب التصفيق في الصلاة ، كما أخرجه عن
سهل بن سعد الساعدي (٢١٥/١ - ٢١٦).
وأخرجه عن أبي هريرة ابن ماجه في كتاب الصلاة باب التسبيح للرجال في
الصلاة والتصفيق للنساء ، كما أخرجه عن سهل بن سعد الساعدي وعن ابن عمر
رضي الله عنهما (٣٢٩/١ - ٣٣٠).
وأخرجه عن أبي هريرة النسائي في كتاب السهو باب التصفيق في الصلاة ،
وباب التسبيح في الصلاة (١١/٣ ) .
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة باب التسبيح للرجال والتصفيق للنساء
(٢٥٧/١) .
وأخرجه عنه الدار قطني في كتاب الصلاة باب الإشارة في الصلاة (٨٣/٢).
وأخرجه عنه الطيالسي في مسنده في كتاب الصلاة باب ما يجوز فعله في الصلاة
(١٠٩/١ ) .
وأخرجه الإمام الشافعي عنه في كتاب الصلاة باب ما يبطل الصلاة وما يكره وما
يباح فيها (٩٨/١ - ٩٩). كما أخرجه عن سهل بن سعد الساعدي .
٣٦٩
العدة في أصول الفقه - ٢٤

وهو قول أصحاب أبي حنيفة (١) وأصحاب الشافعي (٢).
وقالت الأشعرية (٣) : هو نهي عن ضده من طريق اللفظ ، وهذا بنوه
على أصلهم : أن (٤) الأمر لا صيغة له .
وقالت المعتزلة : الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده ، لا من جهة
اللفظ ولا من طريق المعنى ، وبنوا هذا على أصل : أن (٥) النهي لا يكون نهياً
لصيغته ، حتى تنضم إليه قرينة ، وهي (٦): إرادة الناهي ، وذلك غير
معلوم عندهم .
ويفيد الخلاف : توجه المأثم عليه بفعل صلاة بمجرد الأمر .
دليلنا :
أن الأمر عندنا يقتضي الوجوب والفور ، وقد دللنا على صحة ذلك .
(١) راجع في هذا: مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت مسألة : وجوب الشيء
يتضمن حرمة ضده ( ٩٧/١)، وتيسير التحرير مسألة: الأمر يقتضي كراهة
الضد (٣٧٣/١ ) .
(٢) الحقيقة : أن أصحاب الشافعي لم يتفقوا على هذا الرأي، بل هناك لهم قولان
آخران هما :
الأول : أن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده .
الثاني : أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده ، لا عينه ولا يتضمنه .
راجع في هذا : الإحكام للآمدي ( ١٥٩/٢ )، وجمع الجوامع وشرحه مع
حاشية البناني (٣٨٥/١ - ٣٨٨) .
(٣) نقل ابن السبكي في جمع الجوامع (٣٨٥/١ - ٣٨٦) عن الشيخ أبي الحسن
الأشعري قوله : ( إن الأمر النفسي بشيء معين نهى عن ضده الوجودي ) .
(٤) في الأصل (وأن ) بإثبات الواو ، والصواب : حذفها ، وقد حذفها ابن تيمية
الجد - (المسودة) ص (٤٩) - عند نقله كلام القاضي في هذه المسألة .
(٥) في الأصل ( وأن ) بإثبات الواو ، والصواب : حذفها ، والكلام فيه كسابقه .
(٦) في الأصل : (وهو ) .
٣٧٠

وإذا كان كذلك وجب أن يكون تركه محرماً، وتركه : فعل ضده ،
فوجب أن يكون فعل ضده منهياً عنه ، فكان الأمر باللفظ متضمناً لتحريم
فعل ضده .
فإن قيل : يجوز أن يكون تاركاً لفعل من غير أن يكون فاعلاً لضده ؛
لأن السكون معنى يبقى ، فلا يكون فاعلاً له في حال بقائه .
قيل : السكون لا يبقى ، وكل تارك للفعل ، فإنما هو تارك بفعل
ضده ، فالتارك للحركة فاعل للسكون ، والتارك للسكون فاعل للحركة .
ولأن قولهم : أُمِرَ بالقيام ، ولا يمكنه فعله إلا بترك القعود ، فثبت أنه
منوع من القعود .
ولأن من أذن لغيره في دخول الدار ، ثم قال له : أخرج ، تضمن
هذا القول منعه من المقام فيها ، واللفظ إنما هو أمر بالخروج ، وقد عقل منه
المنع من المقام الذي هو ضده .
ولأن السيد إذا قال لعبده : قم ، فقعد ، صلح أن يعاقبه على القعود ،
فلولا أن أمره تضمن رد ذلك لما صلح توبيخه .
ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن نهياً عن ضده لصلح أن يبيح له ضده
مع الأمر به ، وفي اتفاق الجميع على امتناع ذلك دليل على ما قلناه .
ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن نهياً عن ضده لما كان الكافر منهياً عن
الكفر ، وحيث كان مأموراً بالإيمان ، وفي اتفاق الجميع على أن كون الكافر
منهياً عن الكفر لكونه مأموراً بالإيمان دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن
ضده .
واحتج المخالف :
بأن لفظ النهي قوله: ((لا تفعل))، ولفظ الأمر قوله: ((افعل))، فلا يجوز
أن يجعل الأمر نهياً .
٣٧١
-

والجواب : أنه نهى عن ضده من طريق المعنى دون اللفظ ، فلا يلزمنا
ذلك ، وعلى أن اللفظ قد يدل على الشيء ، وإن لم يكن عبارة عنه ، مثل
قوله: ( لاَ تَقُل لَهُمَا أُفّ)(١)، أن هذه الصيغة لا يعبر بها عن الضرب
والقتل ، وإن كانت دالة(٢) على نفيهما .
واحتج : بأن النوافل مأمور بها ، وضدها وهو الترك غير منهي [٤٦/أ]
عنه .
والجواب أنا لا نسلم هذا ، بل نقول : ضدها منهي عنه ، لا يستحب
تركه ، فيكون الأمر الذي هو ندبه يتضمن النهي ، وكل أمر يتضمن النهي
على حسب الأمر ، إن كان الأمر إيجاباً كان النهي محرماً ، وإذا كان الأمر
استحباباً كان النهي تنزيهاً ، فسقط ما قاله .
واحتج بأن النهي عن الشيء ليس بأمر بضده (٣) ، كذلك الأمر بالشيء
لیس بنهي عن ضده .
والجواب : أن هذا على وجهين : إن كان له ضد واحد ، كان النهي
عنه أمراً بضده ، كالكفر منهي عنه ويتضمن الأمر بضده من جهة المعنى ،
وهو الإيمان ، وكذلك النهي عن الحركة يتضمن الأمر بضدها ، وهو
السكون . وإن كانت له أضداد كثيرة ، فهو مأمور بضد من أضداده ،
يترك به النهي عنه ، ويكون مخيراً فيها ، مثل النهي عن القیام ، له أضداد من
النوم والقعود والمشي ، فهو مأمور بواحد منها (٤) ؛ لأنه لا يكون ممتنعاً عن
المنهي عنه بفعل ضد واحد من أضداده ، ولا يكون ممتثلاً للمأمور به إلا
بترك جميع أضداده ، فلا فرق بينهما .
(١) (٢٣) سورة الاسراء.
(٢) في الأصل : ( دلالة ) .
(٣) في الأصل : ( عن ضده) .
(٤) في الأصل : ( منهما ) .
٣٧٢

واحتج بأنه إذا لم يكن العلم بالشيء جهلاً بضده ، والقدرة على الشيء
عجزاً عن ضده، وإرادة الشيء (١) كراهة لضده ، كذلك الأمر بالشيء
وجب أن لا یکون نهیاً عن ضده .
والجواب : عن العلم : فهو أنه لا يمتنع أن يكون عالماً بالشيء وبضده ،
ويمتنع أن يكون الشيء واجباً ، ولا يكون ضده محرماً ، أو يكون مستحباً ،
ولا يكون ترك ضده مستحباً ، فإذا كان كذلك ، فبان الفرق (٢).
وأما القدرة على الشيء ، فإنها ليست بعجز عن ضده ؛ لأن الاستطاعة
عندنا مع الفعل ، فيكون القادر على الشيء هو الفاعل التارك لضده ، والتارك
للشيء لا يكون عاجزاً عنه ، وليس كذلك في مسألتنا ، فإنه لا يجوز أن يكون
مأموراً بالفعل إلا وهو منهي عن فعل ضده .
وأما إرادة الشيء فهي كراهية لضده عندنا .
فإن قيل : أليس لو قال لزوجته : أنت طالق إن أمرتك بأمر فخالفتيني،
ثم قال : لا تكلمي أباك ، فكلمته ، لم يحنث ؛ لأنه إنما نهاها ولم يأمرها ،
فدل على أن الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده .
قيل : الأيمان محمولة على العرف ، والعرف في الأمر : صيغة الأمر
وهو قوله : افعلي ، فلهذا لم تحمل يمينه على صيغة النهي ؛ لأنه ليس صيغة
النهي صيغة الأمر ، ولهذا قلنا : الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق الحكم
لا من طريق اللفظ .
فأما من قال : الأمر بالشيء نهيّ عن ضده من طريق اللفظ فغير
(١) في الأصل: (الشرك)، والصواب: ( الشيء) كما أثبتناه ؛ لأن المؤلف قد
أتى بالصواب في معرض الرد على هذا الدليل .
(٢) كلمة : (فبان) مكررة في الأصل ، والفاء في هذه الكلمة قلقة لا وجه لها ، فالأولى
حذفها .
٣٧٣
:
٠

صحيح ؛ لأن العرب فرقت بين لفظ الأمر والنهي ، فجعلت لفظ الأمر
موضوعاً للإيقاع والحث على الفعل ، ولفظ النهي لنفي الفعل ، فلم يجز
أن يجعل أحدهما الآخر ، كما لا يجوز ذلك في الخبر والاستخبار .
فإن قيل : ليس يمنع [٤٦/ب] هذا، ألا ترى أن القائل إذا قال: ائت
الشمس من المغرب ، عقل منه : أنها تغرب من المشرق .
قيل : إنما عقل هذا من معنى اللفظ ، لا من موضوعه وصيغته ، ونحن
لا تمنع هذا في الأمر ، وإنما نمنع أن يعقل النهي من نفس اللفظ .
مسألة (١)
[ المندوب مأمور به حقيقة]
+ - إذا صرف الأمر عن الوجوب ، جاز أن يحتج به على الندب والجواز ،
ويكون حقيقة فيه، ولا يكون مجازاً ، وهذا بناء على أصلنا : أن (٢) المندوب
مأمور به حقيقة .
وقال أصحاب أبي حنيفة : لا يحتج به ، ويكون مجازاً (٣).
واختلف أصحاب الشافعي ، فمنهم من قال : مثل قولنا ، ومنهم من
قال : مثل قولهم (٤) .
دليلنا :
أن حقيقة الواجب : ما يثاب على فعله ، ويعاقب على تركه ، وحقيقة
(١) راجع في هذه المسألة: المسودة ص (١٦)، وشرح الكوكب المنير ص (١٢٦) ،
والتمهيد الورقة (٢٤ - ٢٦ ).
(٢) في الأصل: ( وأن ) ، والواو هنا زائدة ، والصواب حذفها .
(٣) راجع في هذا: تيسير التحرير (٣٤٧/١)، وفواتح الرحموت (٣٧٧/١).
(٤) راجع في هذا: المستصفى (٧٥/١)، والإحكام للآمدي (١١٢/١).
٣٧٤

الندب : ما يثاب على فعله ، ولا يعاقب على تركه ، فإذا حمل الأمر على
الندب ، فقد حمل على شيء فيه بعض أحكام الواجب ، وليس فيه البعض
الآخر ، فكأنه أخرج منه بعض مقتضاه ، وحمل على بعض ، فكان ذلك
حقيقة لا مجازاً ، كما قلنا في لفظ العموم : يقتضي استغراق الجنس ، فإذا
خص ، أخرج منه بعض المراد ، وبقي البعض ، فيكون ذلك حقيقةً لا
مجازاً ، وكذلك ها هنا .
ولا يشبه هذا الاسم الأسد ، إذا استعمل في الرجل الشديد ، واسم
الحمار إذا استعمل في الرجل البليد ، حيث كان مجازاً فيهما ؛ لأنه يستعمل
في شيء، لا يتضمنه ما هو موضوع له بحال ، فكان اللفظ منقولاً عما
وضع له إلى غيره ؛ فلذلك كان مجازاً ، وفي هذا الموضع استعمل في بعض
مقتضاه ، ولم يعدل عن جميعه ، فكان ذلك حقيقة لا مجازاً ، ولأنه لو قال :
له على عشرة إلا واحداً ، كان ذلك حقيقة في التسعة ، كما لو لم يستثنٍ منه ،
كذلك ها هنا .
واحتج المخالف :
بأن اللفظ موضوع لإفادة الوجوب دون الجواز ، وإنما الجواز تابع
للوجوب ، وأنه لا يجوز أن يكون واجباً ، ولا يجوز فعله ، فإذا سقط
الوجوب وجب أن يسقط الجواز ؛ لأنه تابع له .
والجواب : أنا لا نسلم أن الجواز تابع للوجوب ، بدليل أنه قد ينفرد
الجواز عن الوجوب ، فيكون الشيء جائزاً ، ولا يكون واجباً ، فلو كان
تابعاً له لم ينفرد عنه ، فهو بمثابة العموم إذا خص بعضه (١) ، كان الباقي
حقيقة ؛ لأن الباقي ينفرد عن الخصوص ، كذلك ها هنا .
(١) في الأصل : ( بعض ) .
٣٧٥
1

واحتج : بأن الشيء الواحد لا يكون له حقيقتان .
والجواب : أنه يبطل بالمستثنى منه ، فإن الاسم حقيقة فيه .
مسألة
[ في الفرق بين الفرض والواجب ] (١)
فالفرض : ما ثبت وجوبه بطريق مقطوع به ، مثل نص القرآن [٤٧/أ]
المتواتر ، وإجماع الأمة (٢).
والواجب : ما ثبت من طريق غير مقطوع به ، كأخبار الآحاد
والقياس ، وما كان مختلفاً في وجوبه كوجوب المضمضة والاستنشاق وغسل
اليدين عند القيام من نوم الليل والتسبيح في الركوع والسجود وغير
ذلك (٣) .
هذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله ، ذكره في مواضع :
فقال في رواية أبي داود (٤) وابن إبراهيم: ((المضمضة والاستنشاق
(١) راجع في هذه المسألة: المسودة ص (٥٠ - ٥١)، وروضة الناظر ص (١٦) ،
وشرح الكوكب المنير ص (١١٠) .
(٢) هذه إحدى روايات ثلاث نقلت عن الإمام أحمد في تعريف الفرض ، على
القول بالفرق بينه وبين الواجب .
والرواية الثانية هي : أن الفرض ، ما لا يسقط في عمد ولا سهو .
والرواية الثالثة هي : أن الفرض : ما ثبت بالقرآن .
انظر : المسودة ص (٥٠) .
(٣) وممن قال بهذا الرأي من الحنابلة أبو إسحاق بن شاقلا والحلواني ، وعزاه ابن
عقيل إلى الأصحاب .
انظر : شرح الكوكب المنير ص (١١٠) .
(٤) هو: سليمان بن الأشعث بن إسحاق، أبو داود السجستاني، إمام في الحديث ، =
٣٧٦
1

لا تسمى فرضاً، ولا يسمى فرضاً إلا ما كان في كتاب الله تعالى (١).
فقد نفى اسم الفرض عن المضمضة والاستنشاق مع كونهما واجبين
عنده .
وقال أيضاً - رحمه الله في رواية المروزي وقد سأله عن صدقة الفطر -
أفرض هي ؟ فقال ما اجترىء أن أقول : إنها فرض .
وكذلك نقل الميموني عنه وقد سأله هل يقول : بر الوالدين فرض ؟
فقال : لا ، ولكن أقول : واجب ، ما لم يكن معصية .
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (٢) .
صاحب السنن . من أصحاب الامام أحمد ، وممن رووا عنه كثيراً من الحديث
=
والفقه . له كتاب مسائل الإمام أحمد . ولد سنة ( ٢٠٢ هـ ) ومات بالبصرة
سنة ( ٢٧٥ هـ) .
له ترجمة في: البداية والنهاية (٥٤/١١)، وتذكرة الحفاظ (٥٩١/٢ )،
وتاريخ بغداد ( ٥٥/٩ )، وتهذيب التهذيب (١٦٩/٤)، وطبقات الحنابلة
(١٥٩/١)، وطبقات المفسرين الداودي (٢٠١/١)، ووفيات الأعيان (١/
٢١٤ ) .
(١) نص الرواية كما في مسائل الإمام أحمد من رواية أبي داود ص (٧) هو : ( حدثنا
أحمد بن حنبل ، وسئل عمن نسي المضمضة والاستنشاق حتى صلى ؟
قال : بمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة ، قلت : لا يعيد الوضوء ؟ قال : لا ،
ليس هذا من فرض الوضوء ) .
ولكن المحقق ذكر في هامش الكتاب المذكور نص الرواية من نسخة المكتبة
الظاهرية وهو : ( سمعت أحمد سئل عن المضمضة والاستنشاق فريضة ؟ قال :
لا أقول فريضة إلا ما في الكتاب ) .
(٢) راجع في هذا: أصول السرخسي (١١٠/١ - ١١٣)، وتيسير التحرير (٢)
١٣٥)، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت (٥٨/١ ).
٣٧٧
:

ونقل عبد الله وأبو الحارث عن أحمد رحمه الله : كل ما في الصلاة
فرض (١) .
فظاهر هذا أن التسبيح في الركوع والسجود والتشهد الأول والتكبير
غير تكبيرة الإحرام وقول سمع الله لمن حمده يسمى فرضاً مع كونه مختلفاً
في وجوبه ، فعلى هذا لا فرق بين الواجب والفرض والختم واللازم والمكتوبة،
وحد الجميع واحد ، وهو قول أصحاب الشافعي .
ونقلتُ من خط أبي اسحاق (٢) في تعاليقه : قال أبو عبد الله: لا
أقول فرضاً إلا في كتاب الله. معنى قوله : إن الذي قاله الرسول سنة ،
بدلالة قوله : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) (٣)، وقوله (إنما أنسى لأسنّ) (٤)
(١) هذه الروايات الأربع التي استدل بها المؤلف موجودة بنصها في المسودة ص
(٥٠ - ٥١ ).
(٢) يعني : ابن شاقلا .
(٣) هذا الحديث صحيح رواه العرباض بن سارية رضي الله عنه مرفوعاً ، أخرجه عنه
الترمذي في كتاب العلم ، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ( ٤٤/٥ ) .
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب السنة ، باب في لزوم السنة ( ٥٠٦/٢ ).
وأخرجه عنه ابن ماجه في المقدمة ، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين
(١٥/١).
وأخرجه عنه الدارمي في المقدمة ، باب اتباع السنة (٤٣/١ - ٤٤ ).
وأخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده ( ١٢٦/٤ ) .
(٤) هذا الحديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ ، في كتاب الصلاة ، باب العمل في
السهو (٢٠٥/١)، مطبوع مع شرح الزرقاني، حيث قال: ( بلغني : أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((إني لأنسى، أو أنسى لأسن))).
وقد نقل الزرقاني في شرحه للموطأ (٢٠٥/١) عن ابن عبد البر قوله في الحديث :
( لا أعلم هذا الحديث روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنداً ولا مقطوعاً
من غير هذا الوجه، وهو أحد هذه الأحاديث الأربعة التي في الموطأ، لا توجد =
٣٧٨
:

قال : وقول أبي عبد اللّه، كل ما في الصلاة فرض ، أراد بذلك : ما أخذ
عن الرسول عليه .
والوجه للفرق بينهما (١) : أنا نجد كل مميز يسبق عقله إلى أن صلاة
الظهر آكد من صلاة المنذورة ، وإن كانتا واجبتين . وكذلك الإيمان بالله
تعالى آكد وأبلغ من صدقة خمسة دراهم من مائتي درهم . وكذلك الزكاة
آكد من النذر في الصدقة .
فهذه أمور يجدها كل عاقل في نفسه ، فوجب أن يفرق ما هو آكد
باسم يفارق ما هو دونه ، فيجعل اسم الفرض : عبارة عما كان في أعلى
المنازل في الوجوب ، والوجوب عما كان دونه ، وإن كان اسماً عاماً في
نفسه .
ولأن أهل اللغة فرقوا بين الفرض والوجوب ، فقالوا : إن الوجوب
مأخوذ في الأصل من السقوط ، يقال : وجب الحائط ، يعني : سقط .
والفرض عبارة : عن التأثير ، ومنه فرضة القوس لموضع الحَزّ ، أو
عين القَدْر من قولهم: ((فَرَض القاضي النفقة))، بمعنى قدَّرها.
في غيره مسندة ولا مرسلة ، ومعناه صحيح في الأصول ) .
=
كما نقل الزرقاني أيضاً عن بعض العلماء : القول بجواز الاحتجاج به ؛ لأن البلاغ
من أقسام الضعيف ، وبخاصة رواية الإمام مالك ، الذي يقول فيه سفيان : إذا
قال مالك : بلغني ، فهو إسناد صحيح .
(١) المؤلف هنا اختار القول بالتفريق بين الفرض والواجب ، وانتصر له ، مع أنه
نقل عنه في المسودة ص (٥٠) قوله في مقدمة المجرد : (الفرض والواجب سواء ،
لا يختلفان في الحكم ولا في المعنى ) .
ونقل أبو البقاء الفتوحي في كتابه شرح الكوكب المنير ص (١١٠) القولين عن
المؤلف .
٣٧٩
:

:
والتأثير آكد من السقوط ؛ لأن الشيء قد يسقط ولا يؤثر ، وكذلك
ذكر التقدير في الشيء يدل على الحصر والتعيين (١) [٤٧/ب] فيصير كالنذر
المضموم إلى الإيجاب . والوجوب لا يفيد هذا المعنى ، فَبَانَ أن الفرض في
اللغة آكد من معنى الواجب .
وقد بينا أن الوجوب تتفاوت منازله ، فوجب أن يخص اسم الفرض
الذي وضع للمبالغة في التأثير : عبارة [ عما ] كان في أعلى المنازل ، وما دونه
خص باسم الواجب ، فيصير الوجوب الذي هو سقوط التكليف على
المأمور به في مضمون الأمرين. وفي الفرض زيادةً معنى اللزوم ، فكان
الفرض لما أثر في نفس المكلف ، لما تضمن من الدعاء إلى إيقاعه والمبادرة إلى
فعله ، ما لا يؤثر فيه الواجب الذي يفرض .
ولأن العبارة (٢) مختلفة في عادة أهل الشرع أيضاً، ألا ترى أنهم
يقولون : الواجب في الحكم كذا ، ولا يقولون : فرض في الحكم ، ويقال
في حقوق الآدميين مثل الديون والشفعة : واجبات ، ولا يقال : إنها
فروض ، ويقال : واجب عليك أن تفعل كذا ، ولا يقولون : فرض
عليك ، ويقال : أوجبت على نفسي ، ولا يقال : فرضت ، ولا يقال في
العادة لمن تلزم طاعته : فرضت عليك كذا، فبان أن معنى اللفظين مختلف في
اللغة والشريعة .
واحتج المخالف :
بقوله تعالى: ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجِّ ) (٣) وأراد به أوجب
الحج . وقوله : (وَإِنْ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
(١) في الأصل: ( والتغيير ).
(٢) في الأصل ( العبادة ).
(٣) (١٩٧) سورة البقرة.
٣٨٠
!
١