Indexed OCR Text

Pages 301-320

المجتهدين، فاجتمع قول الإمام ((انعقد الإجماع)) وقوله: ((لا مجتهد في الزمان))، إذا
تبيّنا أنه لو كان في الزمان مجتهد، لم ينعقد الإجماع على تقليد، بل إما إن تختلف في
ذلك إن كان في تقليد الميت عند وجود مجتهد حي خلاف، وإما أن يتفق على أن
الميت لا يقلد حينئذ للاستغناء عنه بالمجتهد الحي، وهذه طريقة الغزالي، وابن
عبد السلام.
وثانيهما: إذا خلا عن مجتهد، ونقل عن المجتهدين ناقلون، هل يؤخذ بنقل كل
عدل أم لا، يؤخذ إلا بنقل عارف مجتهد في مذهب من ينقل عنه؟ هذا موضع
الخلاف. وقول الإمام ((فتيا غير المجتهد بقول الميت لا يجوز))، إن أراد روايته،
فهي مقبولة قطعاً إذا كان عدلاً، وأما العمل بالمروي، فإن كان حياً فلا شك في
جوازه، وإن كان ميتاً فهي مسألة تقليد الميت.
ولا يخفى إن محل هذا إذا کان ناقلا محضاً عن نص، أما إذا كان مخرجاً فليس
مما نحن فيه، لأن العامي الصرف لا قدرة له على التخريج، فلا يمكنه، فعلى هذا
فالخلاف في الناقل المحض، والذي رجحه الهندي أنه لا يؤخذ إلا بنقل مجتهد في
المذهب، قادر على النظر في المناظرة، ورجح غيره أنه يؤخذ بنقل كل عدل، ولا
يخفى أن ذلك عند التعارض في النقل.
فرع:
لو استفتى مجتهداً فأجابه، ولم يعمل بفتواه حتى مات المجتهد. فهل يجوز له
العمل بفتواه؟ يحتمل وجهين، والجواز هنا أقرب من التي قبلها.
مسألة غريبة تعم بها البلوى:
من عاصر مفتيا أفتى بشيءٍ، وصادف فتواه مخالفةً لمذهب الإمام الذي تقلده،
فهل يتبع المفتي، لأنه لا يخالفه إلا بعد اعتقاد تأويله، أو الإمام المتقدم، لظهور
كلامه. وهذه المسألة ذكرها إمام الحرمين في الغيائي وقال: فيه تردد، ثم قال:
والاختيار اتباع مفتي الزمان، من حيث إنه بتأخره سَبَرَ مذاهب من كان قبله،
ونظره في التفاصيل أشد من نظر المقلد على الجملة (قال): ولا يجيء ذلك في اتباع
مذاهب الأئمة المتأخرين عن الشافعي، لتفاوت مراتبهم وعسر الوقوف عليها.
٣٠١

قلت: وقد عمل بذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وقدم فتوى ابن عبد
السلام في تزويج الصغيرة على ظاهر نص الشافعي، وصنف فيه تصنيفاً، قال
الإمام: وهذا إذا كان الإمام المقلد نصَّ في المسألة، فأما إذا لم يصح فيه مذهب،
فليس إلا تقليد مفتي الزمان.
مسألة :
إذا اجتهد مجتهد في حادثة، فله ثلاث حالات، :
إحداهما:
أن يغلب على ظنه شيء، فيعمل به، ثم لا يتبين له خلافه.
الثانية: أن یتبین خلافه، فإن كان مستند الثاني أيضاً ظناً، فإن كان في حكم لم
ينقضه، إذ لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان في العبادات والمعاملات أخذ بالثاني
الذي رجح عنده، وإن كان مستند الثاني أيضاً يقيناً أخذ به.
الثالثة: أن لا يظهر للمجتهد فيه شيء ففيه الخلاف السابق، والأصح
الامتناع، وعلى هذا فيجيء خلاف التخيير أو الوقف.
مسألة :
إذا اجتهد مجتهد في حكم واقعة، وبلغ إلى حكمها، ثم تكررت تلك الواقعة،
وتجدد ما يقتضي الرجوع، ولم يكن ذاكراً للدليل الأول، وجب تجديد الاجتهاد،
وكذا إن لم يتجدد، لا إن كان ذاكراً على المختار، وقيل: يلزمه تجديد النظر، لعله
يظفر بخطأ أو زيادة لمقتضٍ. ذكر بعض هذا التفصيل الإمام الرازي وأتباعه،
وفصل أبو الخطاب من الحنابلة، بين ما دل عليه دليل قاطع، فلا يحتاج إلى
إعادته، وأما ابن السمعاني، فأطلق حكاية وجهين، واختار أنه لا يلزمه تكرير
الاجتهاد، وأطلق الرافعي أيضاً، حكاية وجهين، وقال النووي: أصحهما لزوم
الاجتهاد (قال): وهذا إذا لم يكن ذاكراً للدليل الأول، ولم يتجدد ما قد يوجب
رجوعه، فإن كان ذاكراً لم يلزمه قطعاً، وإن تجدد ما قد يوجب الرجوع لزمه قطعاً.
وقال القاضي شريح الروياني في كتابه ((روضة الحكام)): إذا اجتهد لنازلة،
٣٠٢

فَحَكم أو لم يحكم، ثم حدثت تلك النازلة ثانيا، فهل يستأنف الاجتهاد؟ وجهان:
والصحيح: إن كان الزمان قريباً لا يختلف في مثله الاجتهاد لا يستأنف الاجتهاد،
وإن تطاول الزمان استأنف (انتهى) وهكذا العامي، يستفتي ثم تقع له الواقعة،
هل يعيد السؤال؟ فيه هذا الخلاف.
وقال الروياني في ((البحر)) والخوارزمي في ((الكافي)) والرافعي وغيره: ينظر، إن
علم أنه أفتاه عن نص كتاب أو سنة، أو إجماع أو كان قد تبحّر في مذهب واحد
من أئمة السلف، ولم يبلغ رتبة الاجتهاد، فأفتاه عن نص صاحب المذهب، فله
أن يعمل بالفتوى الأولى، وكذا لو كان المقلد ميتاً، وجوزناه، وإن علم أنه أفتاه
عن اجتهاد أوشك فلا يدري، والمقلد حي، فوجهان: (أحدهما): أنه لا يحتاج إلى
السؤال ثانياً لأن الظاهر استمراره على الجواب الأول.
وأصحهما: قال الرافعي: واختاره القفال، أنه يجب عليه تجديد السؤال ثانياً،
لأنه ربما يتغير اجتهاده، فعلى هذا يعمل بالفتوى الثانية، سواء وافقت الأولى أم
لا، قال في ((البحر)): وهما كالوجهين فيمن صلى الظهر إلى جهة الاجتهاد، ثم
صلى العصر، هل يعمل على اجتهاده الأول؟ وجهان، (قال): وهذا عندي إذا
مضت مدة الفتوى الأولى يجوز لغير الاجتهاد فيها غالباً، فإن قرب، لم يلزم
الاستفتاء ثانياً.
قال النووي: محل الخلاف فيما إذا لم يكثر وقوع هذه المسألة، فإن كثر لم يجب
على العامي تجديد السؤال قطعاً، وحكى في ((المنخول)) وجهين في وجوب
المراجعة، ثم اختار التفصيل، بين أن تبعد المسافة بينهما، أو تكرر الواقعة في كل
يوم، كالطهارة والصلاة، فلا يراجع قطعاً، وأطلق القاضي أبو الطيب في ((تعليقه))
القول بوجوب المراجعة على المقلد عند التكرار، وكلامه يقتضي تخصيص ذلك بما
إذا كانت المسألة مجتهداً فيها، أما لو كان المفتي حين أفتاه قال له ذلك عن نصّ فلا
يحتاج إلى الإعادة، وجعل الهندي في ((النهاية)) فيما إذا كان العامي ذاكراً للحكم،
وإلا وجب عليه الاستفتاء ثانياً قطعياً، وخصّ ابن الصلاح الخلاف بما إذا قلد
حياً، وقطع فيما إذا كان خبراً عن مَيْتٍ أنه لا يلزم العامي تجديد السؤال.
٣٠٣

مسألة :
إذا اجتهد في حادثة، وأفتى فيها، ثم تغير اجتهاده. لزم إعلامُ المستفتى
بالرجوع قبل العمل، وكذا بعده، حيث يجب النقض، ذكره النووي، ونقل في
(القواطع)) أنه إن كان عمل به لم يلزمه، وإن لم يكن عمل به يلزمه، لأن العامي
إنما يعمل به، لأنه قولُ المفتي، ومعلوم أنه ليس قوله من تلك الحالة التي يريد أن
يعمل به، وهل يجب نقض ما عمل؟ ينظر: فإن كان الثاني في محل الاجتهاد لم
ينقضه، وإن كان بدليل قاطع وجب نقضه لا محالة.
مسألة :
إذا رجع المجتهد عن قول تقدم له، ولم يقطع بخطأ نفسه، فهل يسوغ تقليده
في ذلك القول المرجوع عنه؟ كلام الشافعي يقتضي المنع، فإنه قال: «ليس في حل
من روى عني القديم)).
٣٠٤

الإِفتَاء وَالاستفتَاء
(المفتي) هو الفقيه . وقد تقدم في حدّ الفقه ما يؤخذ منه اسم الفقيه ، لأن من
قامت به صفة جاز أن يشتق لها منها اسم فاعل . قال الصيرفي : وموضوعٌ هذا
الاسم لمن قام للناس بأمر دينهم ، وعَلِيم ◌ُمَل عموم القرآن وخصوصه ، وناسخه
ومنسوخه ، وكذلك في السنن والاستنباط ، ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك
حقيقتها . فمن بلغ هذه المرتبة سمِّوه هذا الاسم ، ومن استحقه أفتى فيما
استفتي .
وقال ابن السمعاني : المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط : الاجتهاد ،
- والعدالة ، والكف عن الترخيص، والتساهل . وللمتساهل حالتان: (إحداهما)
أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادىء النظر وأوائل الفكر ،
فهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن يستفتى . (والثانية)
أن يتساهل في طلب الرخص وتأوُّل الشُبَه ، فهذا متجوِّز في دينه ، وهو آثَم من
الأول. فأما إذا علم المفتي جنساً من العلم بدلائله وأصوله وقصَّر فيما سواه ،
کعلم الفرائض وعلم المناسك ، لم يجز له أن يفتي في غيره . وهل يجوز له أن يفتي
فيه ؟ قيل : نعم ، لإحاطته بأصوله ودلائله . ومنعه الأكثرون لأن لتناسب
الأحكام وتجانس الأدلة امتزاجاً لا يتحقق إحكام بعضها إلا بعد الإشراف على
جميعها (انتهى) .
وتجوز ابن الصباغ فجوّزه في الفرائض دون غيره ، لأن الفرائص لا تبنى على
غيرها ، بخلاف ما عداها من الأحكام فإنها يرتبط بعضها ببعض ، وهو حسن .
وسواء القاضي وغيرهُ . وقيل : لا يقضي(١) القاضي في المعاملات . وقال ابن
(١) كذا في الأصول، ولعل الصواب: ((لا يفتي .. )). أو ((لا يقضي القاضي في غير المعاملات))
٣٠٥

السمعاني : ويلزم الحاكم من الاستظهار في الاجتهاد أكثر مما يلزم المفتي .
وفي فتوى المرأة وجهان حكاهما ابن القطان عن بعض أصحابنا (قال) :
وخصَّهما بما عدا أزواج النبي عليه الصلاة والسلام . والمشهور أن الذكورة لا
تشترط، ولا يلزم عليه كون الحكم لا تتولاه امرأة لأنها لا تلي الإمامة فلا تلي
الحكم . قال ابن القطان : وهذا التخريج غلط ، بل الصواب : القطع بالجواز .
والمستفتي : من ليس بفقيه .
ثم إن قلنا بتجزُّؤ الاجتهاد فقد يكون الشخص مفتياً بالنسبة إلى أمر مستفتياً
بالنسبة إلى الآخر . وإن قلنا بالمنع فالمفتي : من كان عالما بجميع الأحكام الشرعية
بالقوة القريبة من الفعل ، والمستفتي : من لا يعرف جميعها .
مَسألة
المجتهد يجوز له الإفتاء. وأما المقلد فقال أبو الحسين البصري وغيره: ليس له
الإفتاء مطلقاً. وجوّزه قوم مطلقاً إذا عرف المسألة بدليلها. فذهب الأكثرون إلى
أنه إن تحرى مذهب ذلك المجتهد، واطلع على مأخذه، وكان أهلاً للنظر والتفريع
على قواعده جاز له الفتوى، وإلا فلا . ونقله القاضي الحسين عن القفال . قال
القاضي : وله أن يخرِّج على أصوله وإن لم يجد له تلك الواقعة .
١/٣٦٧
قال الروياني : وأصل الخلاف أن تقليد / المستفتي هل هو لذلك المفتي ، أو
لذلك الميت ، أي : صاحب المذهب ؟ وفيه وجهان . فإن قلنا : ((للميت)) فله أن
يفتي ، فإن قلنا : ((للمفتي)) فليس له ذلك ، لأنه لم يبلغ مبلغ المجتهدين . وقال
العلامة مجد الدين بن دقيق العيد في ((التلقيح)): توقيف الفتيا على حصول المجتهد
يُفضي إلى حرج عظيم ، أو استرسال الخلق في أهوائهم . فالمختار أن الراوي عن
الأئمة المتقدمين إذا كان عدلاً متمكناً من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلّد قوله
٣٠٦

فإنه يكتفى به ، لأن ذلك مما يغلب على ظن العامّي أنه حكم الله عنده . وقد
انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا . هذا مع العلم الضروري بأن
نساء الصَّحابة كُنّ يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن
النبي ◌َّه. وكذلك فعل عليّ رضي الله عنه حين أرسل المقداد في قصة المذي.
وفي مسألتنا أظهر ، فإن مراجعة النبي ◌َّر إذ ذاك ممكنة، ومراجعة المقلد الآن
للأئمة السابقين متعذرة . وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم
شرائط الاجتهاد اليوم . (انتهى) .
وقال آخرون : إن عُدم المجتهد جاز له الإفتاء ، وإلا فلا . وقيل : يجوز لمقلِّد
الحيِّ أن يفتي بما شافهه به أو ينقله إليه موثوق بقوله، أو وجده مكتوبا في كتاب
معتمد عليه . ولا يجوز له تقليد الميت . وجعل القاضي في ((مختصر التقريب))
الخلاف في العالم (قال) : وأجمعوا على أنه لا يحل لمن شَدا شيئا من العلم أن يفتي.
(انتهى) قال الماوردي والروياني : إذا علم العامي حكم الحادثة ودليلها ، فهل له
أن يفتي لغيره ؟ فيه أوجه ، ثالثها : إن كان الدليل نصاً من كتاب أو سنة جاز،
وإن كان نظراً واستنباطاً لم يجز. (قال) : والأصح : أنه لا يجوز مطلقاً ، لأنه قد
يكون هناك دلالة تعارضها أقوى منها .
وقال الجوينى في ((شرح الرسالة)): من حفظ نصوص الشافعي وأقوال الناس
بأسرها غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها لا يجوز له أن يجتهد ويقيس ، ولا يكون
من أهل الفتوى ، ولو أفتى به لا يجوز . وكان القفال يقول إنه يجوز ذلك إذا كان
يحكي مذهب صاحب المذهب ، لأنه يقلد صاحب المذهب وقوله . ولهذا كان
يقول أحيانا : لو اجتهدت وأدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة فأقول : ((مذهب
الشافعي كذا ، ولكن أقول بمذهب أبي حنيفة))، لأنه جاء ليعلم ويستفتي عن
مذهب الشافعي فلا بُدّ أن أعرفه بأني أفتي بغيره . قال الشيخ أبو محمد : وهذا
ليس بصحيح ، واختار الأستاذ أبو إسحاق خلافه ، ونصُّ الشافعي يدل عليه .
وذلك أنه إذا لم يكن عالماً بمعانيه فيكون حاكياً مذهب الغير ، ومن حكى مذهب
الغير - والغير ميت - لا يلزمه القبول ، لأنه لو كان حيا وأخبره عنه بفتواه أو مذهبه
٣٠٧

في زمانٍ لا يجوز له أن يقلده ويقبله ، كما أن اجتهاد المفتي يتغيّر في كل زمان ولهذا
قلنا : إنه لا يجوز لعامي أن يعمل بفتوى مضت لعامي مثله . فإن قلت : أليس
خلافه لا يموت بموته فدل على بقاء مذهبه ؟ قلنا : كما زعمتم ، لكن هذا الرجل لم
يقلده قول هذا الرجل بأن الأمر فيه كيت وكيت ، فينبغي أن يكون عالماً بمصادره
وموارده . ويدل على فساد ما قاله أنه لو صح فتواه من غير معرفة حقيقة معناه لجاز
للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي . ويلزمه مثله . ولجاز أن يقول : هو
مقلد صاحب المقالة . ولكن اتفق القائلون به على الامتناع من هذا . أما إذا أفتى
بمذهب غيره فإن كان متبحراً فيه جاز ، وإلا فلا .
(قال) : وكان ابن سريج يفتي أحياناً بمذهب مالك ، وكان متبحراً ، لأنه
حُكي أن أصحاب مالك كانوا يأتونه بمسائل يسألونه إخراجها على أصل مالك
فيستخرجها على أصله فدل على أنه من كان بهذه الصفة يجوز ، وإلا فيمتنع .
وهكذا كل من كان في مذهب نفسه لا يعرف إلا يسيراً ليس له أن يفتي . (قال) :
والعلوم أنواع :
أحدها - الفقه : وهو فن على حدة ، فمن بلغ فيه غاية ما وصفناه فله أن
يُفتي، وإن لم يكن معه من أصول التوحيد إلا ما لا بد من اعتقاده ليصح إيمانه .
وثانيها - علم أصول الفقه : وما زال الأستاذ أبو إسحاق يقول : هو علم بين
علمين ، لا يقوى الفِقهُ دونه ، ولا يقوى هو دون أصول التوحيد ، فكأنه فرع
لأحدهما أصل للآخر ، فيخرج من هذا أنا لا نقول : أصول الفقه من جنسه حتى
لا بد من ضمه إليه ، لكن لا يقوى دليله دونه .
وثالثها - تفسير القرآن : وكلُّ ما تتعلق به الأحكام فليس ذلك من شأن
المفسِّر، بل من وظيفة الفقهاء والعلماء . وما يتعلق بالوعظ والقصص والوعد
والوعيد فيُقبل من المفسِّرين .
والرابع - سنن الرسول: لا يقبل من المحدثين ما يتعلق بالأحكام، لأنه يحتاج
إلى جمع وترتيب، وتخصيص وتعميم وهم لا يهتدون إليه .
٣٠٨
١

وقد حكي عن بعض أكابر المحدثين أنه سئل عن امرأة حائض ، هل يجوز لها
أن تغسل زوجها ؟ فقال لهم : انصرفوا إليَّ سويعةً أخرى ، فانصرفوا وعادوا ثانيا
وثالثا حتى قال من كان يتردد إلى الفقهاء : أليس أيها الشيخ رويت لنا عن عائشة
أنها غسلت رأس الرسول (َّـ) وهي حائض؟ فقال: الله أكبر، ثم أفتى به
(انتهى) .
وقد سبق آخر الكلام على شروط الاجتهاد كلامٌ لابن دقيق العيد ينبغي
استحضاره هنا .
مَسألة
وإنما يسأل من عرف علمه وعدالته ، بأن يراه منتصباً لذلك ، والناس
متفقون على سؤاله والرجوع إليه . ولا يجوز لمن عُرف بضد ذلك ، إجماعاً .
والحقُّ مَنْعُ ذلك ممن جهل حاله ، خلافاً لقوم . لأنه لا يؤمَن کونُه جاهلاً أو
فاسقاً ، كروايته ، بل أولى ، لأن الأصل في الناس العدالة ، فخبر المجهول يغلب
على الظن عند القائل به ، وليس الأصل في الناس العلم . وممن حكى الخلاف في
استفتاء المجهول الغزاليُّ والآمدي وابن الحاجب. ونقل في ((المحصول)) الاتفاق
على المنع ، فحصل طريقان . وإذا لم يعرف علمه بحث عن حاله . ثم شرط
القاضي في ((التقريب)) إخبار من يوجب خبره العلم بكونه عالماً في الجملة ، ولا
يكفي خبر الواحد والاثنين. وخالفه غيره. واكتفى في ((المنخول)) في (العدالة)
بخبر عدلين ، وفي (العلم) بقوله : إني مفتٍ (قال) : واشتراط تواتر الخبر بكونه
مجتهداً - كما قاله الأستاذ - / غير سديد، لأن التواتر يعتمد في المحسوسات، وهذا ٣٦٧/ب
ليس منه . وقال القاضي : يكفيه أن يخبره عدلان بأنه مُفْتٍ (انتهى).
وشرط القاضي وغيره من المحققين امتحانه ، بأن يلفق مسائل متفرقة ويراجعه
فيها ، فإن أصاب فيها غلب على ظنه كونه مجتهداً وقلّده وإلا تركه . وذهب بعض
٣٠٩

أئمتنا إلى أنه لا يجب ، وتكفى الاستفاضة من الناس. وهو الراجح في ((الروضة))
ونقله عن الأصحاب . وقيل : ليس له اعتماد قول المفتي : أنه أهل للفتوى
والمختار في ((الغيائيّ)) اعتماده بشرط أن يظهر ورعه ، كما يحصل باستفاضة الخبر
عنه ، وسبق مثله عن الغزالي. وقال ابن برهان في ((الوجيز)): قيل : يقول له :
أمجتهدٌ أنت فأقلدك ؟ فإن أجابه قلده . وهذا أصح المذاهب .
وإذا لم يعرف (العدالة) فللغزالي احتمالان . قال الرافعي : وأشبههما
الاكتفاء؟ فإن الغالب من حال العلماء والعدالة بخلاف البحث عن العلم ، فليس
الغالب في الناس العلم . ثم ذكر احتمالين في أنه إذا وجب البحث فيفتقر إلى عدد
التواتر ، أم يكفي إخبار عدل أو عدلين ؟ (قال): وأقربهما : الثاني . قلت :
وجزم الشيخ أبو إسحاق بأنه يكفيه خبر العدل الواحد عن فقهه وأمانته ، لأن
طريقه طريق الأخبار . قال النووي : والاحتمالان في مجهول العدالة هما في
المستور ، وهو الذي ظاهره العدالة ولم يختبر باطنه ، وهما وجهان ذكرهما غيره
وأصحهما الاكتفاء لأن العدالة الباطنة تعسر معرفتها على غير القضاة ، فيعسر على
العوام تكليفهم . وأما الاحتمالان المذكوران ثانيا فهما محتملان لكن المنقول
خلافهما . والذي قال الأصحاب أنه يجوز استفتاء من استفاضت أهليته ، وقيل :
لا تكفي الاستفاضة ولا يعتمد قوله : أنا أهل للفتوى . ويجوز استفتاء من أخبر
ثابت الأهلية بأهليته .
قال ابن القطان في كتابه ((الأصول)): من أسلم وهو قريب العهد فلقيه رجل
من المسلمين على ظاهر الإسلام ، فأخبره بشيء . فاختلفوا فيه : فقال أبو بكر في
كتابه : يجب عليه قبول ما أخبر به ولا يعتبر فيه شرائط المفتى السابقة ، وإنما تجب
تلك الشرائط فينا ، لأنه لا يشق علينا الاعتبار فيها ، فأما المسلم الآن فيشق عليه
هذا . وقال ابن أبي هريرة : ينظر : فإن كان شيئاً وقته موسَّعٌ فينبغي أن يتوقف
حتى يستغلم ذلك من خلق ، ولا يبادر حتى يعلم حال من أفتاه ويتابع عليه . وإن
كان شيئا وقته مضيَّق فعلى وجهين ؛ (أحدهما) يقبل قوله ، كقول أبي علي .
و(الثاني) يتوقف في ذلك ، كما يتوقف الحاكم في العدول وغيرها .
٣١٠

مَسألة
قال ابن السمعاني : ويجوز للعامي أن يطالب العالم بدليل الجواب ، لأجل
احتياطه لنفسه . ويلزم العالم أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعاً به ، لإشرافه على
العلم بصحته . ولا يلزمه إن لم يكن مقطوعاً به ، لافتقاره إلى اجتهاد يقصر عنه
فهم العامي .
مَسألة
إذا لم يكن هناك إلا مفتٍ واحد تعينت مراجعته . وإن كانوا جماعة فهل يلزمه
النظر في الأعلم ؟ فيه وجهان ، بناء على الخلاف السابق في تقليد المفضول ؛
(أحدهما) - وبه قال ابن سريج والقفال - أن عليه اجتهاداً آخر في طلبه ، لأنه
يتوصل إليه بالسماع من الثقات ولا يشق عليه ، وصححه الأستاذ أبو إسحاق
الأسفرائيني وإلكيا ، فإن الأفضل أهدى إلى أسرار الشرع . و (المختار) أنه لا
يجب ، بل يتخير ويسأل من شاء منهما . قال الرافعي : وهو الأصح عند عامة
الأصحاب ، وقال إنه الأصح ، كما لا يلزم الاجتهاد في طلب الدليل . وقد قال
الشافعي رضي الله عنه في الأعمى : كل من دلَّه من المسلمين على القِبلة وسِعه
اتباعُه ولم نأمره بالاجتهاد في الأوثق ، وفي خبر العسيف قال والد الزاني : فسألت
رجلا من أهل العلم ، وهناك رسول الله لو أعلم الكل ، ولم ينكر عليه
(انتهى) قال إلكيا : ويحتمل أن يقال : إنما يجب عند اختلاف الرأيين ، فإن لم
يظهر فلا يجب الأفضل .
وقال الشيخ أبو إسحاق : جاء رجل إلى الصيمري الحنفي بفتوى أصحاب
الشافعي أنه إذا كان الولي فاسقا فطلقها الزوج ثلاثا لم ينفذ الطلاق ، وله تزويجها
بعقد جديد ، فقال الصيمري : هؤلاء قد أفتوك أنك كنت على فرج حرام ، وأنها
حلال لك اليوم ، وأنا أقول لك : إنها كانت مباحة لك قبل هذا وهي اليوم حرام
٣١١

عليك . وقصد بذلك رد العامّي إلى مذهبه ، قال أبو إسحاق : فرجعت إلى
القاضي أبي الطيب وحکیت له القصة فقال ؛ کنت تقول : إنه كما قلت به، غیر
أن الله تعالى لم يكلفه تقليد الصيمري ، وإنما كلفه تقليد من شاء من العلماء ،
وإذا قلد ثقةً شافعيا تخلص من الإثم والتبعة إلى يوم القيامة .
مَسألة
إذا قلنا : له أن يجتهد في أعيان المفتين ، هل له أن يجتهد في أعيان المسائل التي
يقلد فيها ؟ بحيث إذا غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب فقيهٍ أقوى
وجب عليه تقليده ؟ اختلف جواب القاضي أبي الطيب والقدوري ، فأوجبه
القدوري وقال القاضي : ليس للعامي استحسان الأحكام فيما اختلف فيه الفقهاء
ولا أن يقول : قول فلان أقوى من قول فلان ، ولا حکم لمايغلب على ظنه ولا
اعتناء به ، ولا طريق له إلى الاستحسان كما لا طريق له إلى الصحة . ولو كان
يعتقد أن أحدهم أعلم، نقل الرافعي عن الغزالي أنه لا يجوز أن يقلد غيره . وإن
قلنا : لا يجب عليه البحث عن الأعلم إذا لم يعتقد اختصاص أحدهم بزيادة
علمٍ، قال النووي : وهذا - وإن كان ظاهراً - ففيه نظر ، لما ذكرنا من سؤال آحاد
الصحابة مع وجود أفاضلهم . (ثم قال): ((وعلى الجملة فالمختار ما ذكره
الغزالي)) . وفيما قاله نظر ، لما سبق من جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل .
وإذا قلنا: يطلب الأعلم، فهل عليه أن يطلب الأورع كذلك اختلفوا: فقيل:
عليه، استنباطاً . وقيل : لا ، إذ لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع ، والأصح
ترجيح الراجح علماً على الراجح ورعاً . فإن استويا قدم الأسنّ ، لأنه أقرب إلى
الإصابة ، لطول الممارسة .
وإذا كان هناك رجلان من أهل مذهبين : أحدهما شافعي مثلا ، والآخر
حنفي، فهل يجب عليه أن يميز بين أصل المذهبين فيعلم أيهما أصح ؟ قيل : يجب
عليه ذلك ، فإنه لا يشق عليه أن أحدهما بنى مذهبه على القياس والاستحسان
٣١٢

والرأي، والآخر على النص . والأصح: أنه لا يجب، لتعذر ذلك/عليه، ومن ١/٣٦٨
ثَمّ لا يجب طلب الأعلم في الأصح . وقال إلكيا : أما اتباع الشافعي أو أبي حنيفة
على التخيير من غير اجتهاد مع اختلاف مذاهبهم فاختلفوا فيه : فقيل : يجوز ،
كما يتبع مجتهدي العصر في آحاد المسائل . وقيل : لا يجوز من حيث إمكان درك
التناقض .
ولو اختلف جواب مجتهدين ، فالقصر في حق العاصي بسفره ، واجب عند أبي
حنيفة رحمه الله ، والإتمام واجب عند الشافعي رضي الله عنه . فإن قلنا بقول ابن
سريج اجتهد في الأوثق والأفقه . وإن قلنا بخلافه قال الروياني : ففيه أوجه :
(أصحها) في ((الرافعي)): أنه يتخير ويعمل بقول من شاء منهما، ونقله المحاملى
عن أكثر أصحابنا ، وصححه الشيخ في ((اللمع)) والخطيب البغدادي ، واختاره
ابن الصباغ فيما إذا تساويا في نفسه ، ونُقل عن القاضي ، واختاره الآمدي مستدلاً
بإجماع الصحابة وأنهم لم ينكروا العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل . وأغرب
الروياني فقال : إنه غلط . قال ابن المنير : لو لم أجد تخيير العامي عند اختلاف
المفتين منصوصاً عليه في الحديث لما كان الهجوم على تقريره سائغاً ، وذلك أن
النبي ◌َّ بعث سرية إلى بني قريظة وقال: ((لا تنزلوا حتى تأتوهم))، فحانت
صلاة العصر في أثناء الطريق فاختلفوا حينئذ ، فمنهم من صلى العصر ثم توجه ،
ومنهم من تمادى وحَمَل قوله : ((لا تنزلوا)) على ظاهره . فلما عرضت القصة على
النبي وَلّه لم يخطىء أحداً منهم. ونحن نعلم أن السَرِيّة ما خلت عمن لا نظر له
ولا مفزع إلا تقليد وجوه القوم وعلمائهم ، وكان ذلك المقلد مخيّراً ، وباختياره
قلّد ولم يلحقه عتب ولا عيب .
و(الثاني): يأخذ بالأغلظ ، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر .
و(الثالث) ) يأخذ بالأيسر والأخف .
و (الرابع) : يجب عليه تقليد أعلمهما عنده ، فإن استويا قلد أيَّهما شاء . وهو
ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، لأنه قال في ((الأم)) في القبلة فيما إذا
٣١٣

اختلفوا على الأعمى ، عليه أن يقلد أوثقهما وأدينهما عنده . ويفارق ما قبل السؤال
حيث لا يلزمه الاجتهاد ، لأن في الاجتهاد في أعيانهم مشقة .
و (الخامس) : يأخذ بقول الأول لأنه لزمه حين سأله ، حكاه الرافعي عن
حكاية الروياني ، وقضيته أنهما لو أجاباه في مجلس واحد دفعةً أنه يتخير قطعاً ، لأنه
لم يسبق أحدهما فنقول : قد لزمه قول السابق .
و (السادس) حكاه الرافعي: يأخذ بقول من يبني على الأثر دون الرأي .
وحكى ابن السمعاني (سابعا) ، وقال : إنه الأولى ، أنه يجتهد في قول من
یأخذ منهما .
وحكى الأستاذ أبو منصور (ثامنا) وهو : التفصيل بين ما في حق الله تعالى
وبين حق عباده : فإن كان فيما بينه وبين الله تعالى أخذ بأيسرهما ، وما كان في
حقوق العباد فبأثقلهما ، وبه قال الكعبي .
وحكى الخطيب البغدادي في كتاب ((الفقيه والمتفقه)) (تاسعاً) عن أبي عبدالله
الزبيري ، أنه إن اتسع عقله للفهم فعليه أن يسأل المختلفين عن حجتهما فيأخذ
بأرجح الحجتين عنده . وإن قصر عن ذلك أخذ بقول المعتبر عنده .
ويخرج من كلام الماوردي (عاشر) وهو الأخذ بقولهما إن أمكن الجمع ، فإنه قال
في (باب استقبال القبلة) : ولو كانا عنده في العلم سواء فوجهان : (أحدهما)
يتخير . و(الثاني) يأخذ بقولهما ويصلي إلى جهة كل واحد منهما .
وذكر الغزالي في المسألة تفصيلاً بين أن يتساويا فيراجعهما مرة أخرى ويقول :
تناقض عليَّ جوابكما وتساويتما فما الذي يلزمني ؟ فإن خيّراه بين الجوابين اختار
أحدهما ، وإن اتفقا في الأخذ بالاحتياط أو الميل إلى أحدهما فعل، وإن أصرّا على
الخلاف : فإن كانا سواء في اعتقاده اختار أحدهما ، وإن كان أحدهما عنده أرجح
فوجهان : اختار القاضي التخيير ، واختار الغزالي اتباع الأفضل ، لرجحان الظن
بالنسبة إليه . وهذا يدل على ترجيح قول الأعلم عند الاختلاف ، مع اختياره أنه
لا يجب . وكأنه إنما أوجب هنا ما عرض له من الضرورة والإصرار ، وقبل ذلك لا
٣١٤

ضرورة تدعو إلى اتباع الأعلم .
والحاصل أن تعريفه إما باعتبار الضرورة وعدمها فلا يلزم من اعتبار حال
الضرورة بالنسبة إلى حكم اعتبار ضدها بالنسبة إلى ذلك الحكم ، وإما لأن العمل
الذي أشاروا إليه في زمن الصحابة وعدم وجوب تقليد الأعلم لا يتناول هذه
الصورة . قيل : وكأن الخلاف هنا مخرَّج على الخلاف في العلتين إذا تعارضتا مه
وإحداهما تقتضي الحظر ، وقال الأستاذ أبو منصور : بل من الخلاف في أن المصيب
واحد ، أو : كل مجتهد مصيب ، فمن خير بينهما بناه على أن كل مجتهد مصيب،
ومن أوجب تقليد الأعلم قال : المصيب واحد . وهذا كله إذا لم يكن عمل
بأحدهما ، فلو استفتى عالما فعمل بفتواه ثم أفتاه آخر بخلافه لم يجز الرجوع إليه في
ذلك الحكم، قاله في (الإحكام)).
وقال إلكيا : إن تساويا في ظنه ولا ترجيح اختلف فيه : فقيل : يحكم
بخاطره، وهو قول أصحاب (الإلهام) . وقيل : يتعين عليه التعلق بعلم الأدلة
العقلية بتلك الواقعة ليكون بانياً على اجتهاد نفسه . وقيل : يتوقف في ذلك .
(انتهى). وقال في ((المحصول)): يجتهد ، فإن ظن أرجحيةً في أحدهما عمل به ،
وإن ظن استواءهما مطلقاً فيمكن أن يقال : لا يتصور وقوعه ، لتعارض أمارتي
الحل والحرمة . ويمكن أن يقال بوقوعه ويسقط التكليف ويتخير بينهما، وإن ظن
الاستواء في الدين دون العلم قلد الأعلم . وقيل : يتخير. وبالعكس : الأدين،
وإن ظن أحدها أعلم والآخر أدين فالأقرب الأعلم ، فإن العلم أصل والدين
مكمِّل .
مَسَسألة
إذا استفتى المتنازعان فقيهاً مع وجود الحاكم ، قال ابن السمعاني : فإن التزما
فتياه عملا به ، وإلا فالحاكم أحق بالنظر بينهما . ولو لم يجدا حاكما لم يلزمهما فتيا
الفقيه حتى يلتزماه . وإن التزما فتيا الفقيه ثم تنازعا إلى الحاكم فحكم بينهما بغيره
٣١٥

لزمهما فتيا الفقيه في الباطن ، وحكمُ الحاكم في الظاهر . وقيل : يلزمهما حكم
الحاكم في الظاهر والباطن، ولو اختلفا فدعا أحدهما إلى فتوى الفقهاء ، ودعا
٣٦٨/ب الآخر إلى حكم الحاكم ، أجيب الداعي إلى حكم الحاكم ، لأن فتيا/الفقيه إخبار
وحكم الحاكم إجبار ، وإذا دُعي الخصم إلى فتاوي الفقهاء لم نجبره ، وإن دعي
إلى حكم الحاكم أجبره . وإذا كان الفقيه عدلاً والحاكم ليس بعدل فأفتاهما الفقيه
بحكم وحكم الحاكم بغيره لزمهما في الباطن أن يعملا بحكم الفقيه ، ولزمهما في
الظاهر أن يعملا بحكم الحاكم .
وحكي عن بعض الأصوليين أنه لا يجوز للمفتي أن يفتي بالحكاية عن غيره ،
بل إنما يفتي باجتهاده ، لأنه إنما سئل قوله . فإن سئل عن حكاية قول غيره جازت
حكايته . ولو جاز للمفتي أن يفتي بالحكاية جاز للعامي أن يفتي بما في كتب
الفقهاء . (قال): وإذا أفتاه باجتهاده ثم تغير اجتهاده : فإن كان قد عمل به لم
يلزمه أن يعرفه بتغير الاجتهاد ، وإلا لزمه .
(قال) : وإذا أفتاه بقول مجمع عليه لم يخير في القبول فيه . وإن كان مختلفا فيه
خُيّر بين أن يقبل منه أو من غيره . وهذه الشبهة على قول من قال : كل مجتهد
مصيب ، وكذا إن قلنا : المصيب واحد ، لأنه لا يجب عليه الأخذ بقول واحد من
المفتين بغير حجة بأولى من الآخر . فإن كان هذا التخيير معلوماً من قصد المفتي لم
يجب عليه أن يخيره لفظاً ، بل يذكر له قوله فقط . وليس كذلك الحكم ، لأن
الحاكم منصوب لقطع الخصومات . قال ابن السمعاني : وعندي أنه لا يجب عليه
أن يبين له تخييره ، لأنا بينا أنه لا بد للمستفتي من الاجتهاد في أعيان المفتين ، وإذا
وجب عليه ذلك فاختار أحد العلماء باجتهاده فكذلك العامي يلزمه الأخذ بقول
هذا العالم ولا يجب تغييره .
٣١٦

مَسألة
هل يجوز للمجتهد ، وقد سأله العامي عن يمين مثلاً وكان معتقده الحنث، أن
يُحيله على آخر يخالف معتقده أو لا ؟ الظاهر المنع ، لأنه إذا غلب على ظنه شيء
فهو حكم الله في حقه وحق من قلَّده ، وكما لا يجوز له العدول عنه لا يجوز له أمر
مقلُّده بذلك. والأحوط أنه لا يؤثر في حق المستفتي لا تشديداً ولا تسهيلاً ولا
بحيلة . وقد عرف حكم الله تعالى عليه على غيره .
ثم رأيت عن أحمد التصريح بجواز إرشاده إلى آخر معتبر وإن كان يخالف
مذهبه . وفي ((تعليق)) القاضي أبي الطيب ، في (باب الإحصار في الحج) إن المحرم
لا يتحلل بالمرض وإن كان يعتقد جوازه كالحنفي ، نص عليه الشافعي وهذا يرد
قول الداركي أن الطلاق في النكاح الفاسد ، كالنكاح بلا وليّ ، يقع على معتقَد
إباحته ، إذ لو كان كذلك لأفتى الشافعي من يرى مذهب أبي حنيفة بجواز
التحلل. فلما أفتاه بمذهبه دون مذهب المخالف بطل قول هذا القائل .
مَسألة
هل يجوز للعالم أن يفتي في حق نفسه فيما يجرى بينه وبين غيره ؟ قال بعض
شراح ((اللمع)): ذكر بعض أصحابنا المتأخرين أنه لا يجوز ، كما لا يحكم نفسه
فيما يجري بينه وبين غيره . (قال) : وقياس هذا أنه لا يجوز فتواه لوالده وولده فيما
هذا شأنه. قلت: قد حكى الروياني في ((البحر)) في هذا احتمالين. فلو رضي
الآخر بفتواه فيما بينه وبينه فالظاهر الجواز . ويحتمل أن يقال : إنه إذا أفتى بنص
يقبل قطعاً ، وإن كان قياساً ففيه نظر .
وأما فتوى نفسه مما يعود على أمر دينه فيما بينه وبين الله فالذي يقتضيه له أن
يعمل بما أدى إليه اجتهاده . وقد قال النبي عليه الصلاة واللام : (استفت نفسك
٣١٧

وإن أفتاك الناس وأفتوك) . وأما فتواه فيما يعود على والده وولده فينبغي أن يجيء
فيه ما سبق .
مَسألة
لا يجوز عندنا للمفتي أن يفتي بقول بعض السلف وهو لا يعرف علته، خلافاً
لأصحاب الرأي . قاله الأستاذ أبو منصور .
مَسألة
متى يلزم العامّيَّ العملُ بما يلقنه المجتهد ؟ فيه أوجه : (أحدها) : بمجرد
الافتاء. و (الثاني): إذا وقع في نفسه صدقه وحقيقته . قال ابن السمعاني: إنه
أولى الأوجه. قال ابن الصلاح: ولم أجده لغيره. و (الثالث) ذكره احتمالاً: أنه
إذا شرع في العمل به، كالكفارات. وهو يقوى على قول من يقول : إن الشُروع
فيما يلزمُ ملزمٌ . و(الرابع) - وهو الأصح - لا يلزمه إلا بالتزامه ، كالنذر، فيصير
بالتزامه لازماً له ، لا بالفتيا . ويؤيده ما سبق من التخيير فيما إذا اختلف عليه
جواب المفتين . و (الخامس) - واختاره ابن الصلاح - أنه إنما يلزمه إذا لم يجد غيره
سواء التزم أو لا ، أو برجحان أحدهما ، أو بحكم حاكم . وإذا قلنا بالأول فكان
السؤال مثلا عن يمين فقال له المجتهد : حنثت فهل يقدر الحنث واقعاً بقول
المجتهد ، كحكم الحاكم ، أو إنما يقع الحنث بالالتزام بلفظه أوبنية ؟ فيه نظر .
٣١٨

مَسألة
هل يجب على العاميّ التزام تقليد مذهب معين في كل واقعة ؟ فيه وجهان .
- قال إلكيا : يلزمه .
- وقال ابن برهان : لا، ورجحه النووي في (أوائل القضاء) وهو الصحيح ،
فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير
تقليد .
وقد رام بعض الخلفاء زمن مالك ◌َمْلَ الناس في الآفاق على مذهب مالك
فمنعه مالك واحتج بأن الله فرق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيها ، فلم ير
الحجر على الناس ، وربما نودي: ((لا يفتي أحد ومالك بالمدينة)) قال ابن المنير:
وهو عندي محمول على أن المراد : لا يفتي أحد حتى يشهد له مالك بالأهلية .
وذكر بعض الحنابلة أن هذا مذهب أحمد ، فإنه قال لبعض أصحابه : لا تحمل
على مذهبك فُيُخْرجوا ، دعهم يترخصوا بمذاهب الناس . وسئل عن مسألة من
الطلاق فقال : يقع يقع ، فقال له القائل : فإن أفتاني أحد أنه لا يقع يجوز ؟
قال: نعم ودلَّه على حلقة المدنيين في الرصافة . فقال ؛ إن أفتوني جاز ؟ قال :
نعم . وقد كان السلف يقلُّدون من شاؤوا قبل ظهور المذاهب الأربعة ، وقد قال
النبي الصلاة والسلام عليه (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يُؤخذ
بعزائمه) .
- وتوسط ابن المنير فقال : الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأئمة
الأربعة، لا قبلهم. والفرق أن الناس كانوا قبل الأئمة الأربعة لم يدوِّنوا مذاهبهم
ولا كثرت الوقائع عليهم ، حتى عرف مذهب كل واحد منهم في كل الوقائع وفي
أكثرها ، وكان الذي يستفتي الشافعي - مثلا - لا علم له بما يقوله المفتي ، لأنه لم
يشتهر مذهبه في تلك الواقعة ، أو لأنها ما وقعت له قبل ذلك ، فلا يتصور أن
٣١٩

١/٣٦٩ يعضده إلا سرٌّ خاص، وأما بعد أن فهمت المذاهب ودوِّنت واشتهرت وعرف
المرخّص من المشدِّد في كل واقعة ، فلا ينتقل المستفتي - والحالة هذه - من مذهب
إلى مذهب إلا ركوناً إلى الانحلال والاستسهال . وحكى الرافعي عن أبي الفتح
الهروي أحد أصحاب الإمام أن مذهب عامة أصحابنا أن العامّي لا مذهب له .
مَسَألة
فلو التزم مذهباً معيناً ، كمالك والشافعي ، واعتقد رجحانه من حيث الإجمال
فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر ؟
فيه مذاهب :
(أحدها) : المنع ، وبه جزم الجيلي في الإعجاز ، لأن قول كل إمام مستقل
بآحاد الوقائع ، فلا ضرورة إلى الانتقال إلا التشهيّ ، ولما فيه من اتباع الترخّص
والتلاعب بالدين .
و (الثاني): يجوز، وهو الأصح في ((الرافعي))، لأن الصحابة لم يوجبوا على
العوام تعيين المجتهدين ، لأن السبب - وهو أهلية المقلّد للتقليد عام بالنسبة إلى
أقواله ، وعدم أهلية المقلَّد مقتضٍ لعموم هذا الجواب . ووجوب الاقتصار على
مفتٍ واحد بخلاف سيرة الأولين .
بل يقوى القول بالانتقال في صورتين : (إحداهما) إذا كان مذهب غير إمامه
يقتضي تشديداً كالحلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء ثم فعله ناسياً أو جاهلا ،
وكان مذهب مقلَّده عدم الحنث ، فخرج منه لقول من أوقع الطلاق ، فإنه
يستحب له الأخذ بالاحتياط والتزام الحنث قطعاً . ولهذا قال الشافعي : إن
القصر في سفر جاوز ثلاثة أيام أفضل من الإتمام .
و (الثانية) إذا رأى للقول المخالف لمذهب إمامه دليلاً صحيحاً ولم يجد في
مذهب إمامه دليلاً قويا عنه ولا معارضاً راجحاً عليه ، فلا وجه لمنعه من التقليد
٣٢٠
١