Indexed OCR Text
Pages 201-220
فيه بجمع أحاديث الأحكام ويكتفي فيه بمواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة. وتبعه على ذلك الرافعي، ونازعه النووي وقال: لا يصح التمثيل بسنن أبي داود فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمها. وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حُكْميّ ليس في سنن أبي داود؟ (انتهى). وكذا قال ابن دقيق العيد في ((شرح العنوان)»: التمثیل بسنن أبي داود ليس بجید عندنا لوجهين: (أحدهما) أنه لا يحوي السنن المحتاج إليها. و(الثاني) أن في بعضه ما لا يحتجّ به في الأحكام (انتهى). وظاهر كلامهم أنه لا يشترط حفظ السنن بلا خلاف، لعُسْره. ولا يجري الخلاف في حفظ القرآن ها هنا. ولابد من معرفة المتواتر من الآحاد، ليميز بين ما يقطع به منها وما لا يقطع . وثالثها - الإجماع: فليعرف مواقعه حتى لا يفتي بخلافه. ولا يلزمه حفظ جميعه، بل كل مسألة يفتي فيها يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع، وإنما يوافقه مذهب عالم، أو تكون الحادثة مولّدة. ولابد مع ذلك أن يعرف الاختلاف. ذكره الشافعي في ((الرسالة)). وفائدته حتى لا يحدث قولاً يخالف أقوالهم فيخرج بذلك عن الإجماع . ورابعها - القياس : فليعرفه بشروطه وأركانه، فإنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي. ومنه يتشعب الفقه. ويحتاج إليه في بعض المسائل. فمن لا يعرف ذلك لا يمكنه الاستنباط في تلك المواضع. نعم، إن جوزنا تجزؤ الاجتهاد فهذه الحاجة لا تعم. والمسائل التي ترجع إلى النص لا يُحتاج إلى ذلك فيها. قال ابن دقيق العيد. (قال): ويلزم من اشتراط هذا أن لا يكون الظاهرية النفاة للقياس مجتهدين. وخامسها - كيفية النظر: فليعرف شرائط البراهين والحدود وكيفية تركيب المقدمات ويستفتح المطلوب ليكون على بصيرة. كذا ذكره المتأخرون. وأصله اشتراط الغزالي معرفته بعلم ٢٠١ المنطق قال ابن دقيق العيد: ولا شك أن في اشتراط ذلك على حسب ما يقع اصطلاح أرباب هذا الفن غير معتبر، لعلمنا بأن الأولين من المجتهدين لم يكونوا خائضين فيه. ولا شك أيضاً أن كل ما يتوقف عليه تصحيح الدليل ومعرفة الحقائق لابد من اعتباره. وسادسها - ان يكون عارفاً بلسان العرب وموضوع خطابهم: لغة ونحواً وتصريفاً، فليعرف القدر الذي يفهم به خطابهم وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز به بين صريح الكلام وظاهره، ومجمله ومبيَّنه، وعامّه وخاصه، وحقيقته ومجازه. قال الأستاذ أبو إسحاق: ويكفيه من اللغة أن يعرف غالب المستعمل، ولا يشترط التبحر. ومن النحو الذي يصح به التمييز في ظاهر الكلام، كالفاعل والمفعول والخافض والرافع وما تتفق عليه المعاني في الجمع والعطف والخطاب والكنايات والوصل والفصل. ولا يلزم الإشراف على دقائقه. ٣٥١/] وقال ابن حزم في كتاب ((التقريب)): يكفيه معرفة / ما في كتاب ((الجمل)) لأبي القاسم الزجاجي، ويفصّل بين ما يختص منها بالأسماء والأفعال. لاختلاف المعاني باختلاف العوامل الداخلة عليها. قال ابن دقيق العيد: واشتراط الأصل فيه متعين، لأن الشريعة عربية متوقفة على معرفة اللغة. نعم، لا يشترط التوسع الذي أحدث في هذا العلم، وإنما المعتبر معرفة ما يتوقف عليه فهم الكلام. قال المارودي: ومعرفة لسانه فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره، وقد قال الشافعي رحمه الله: على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه. وقال في ((القواطع)): معرفة لسان العرب فرض على العموم في جميع المكلفين، إلا أنه في حق المجتهد على العموم في إشرافه على العلم بألفاظه ومعانيه. أما في حق غيره من الأمة ففرض فيما ورد التعبد به في الصلاة من القراءة والأذكار، لأنه لا يجوز بغير العربية. فإن قيل: إحاطة المجتهد بلسان العرب تتعذر، لأن أحداً من العرب لا يحيط بجميع لغاتهم، فكيف نحيط نحن؟ قلنا: لسان العرب وإن لم يحط به واحد من العرب فإنه يحيط به جميع العرب، كما قيل لبعض أهل العلم: من يعرف كل ٢٠٢ العلم؟ قال: كل الناس. والذي يلزم المجتهد أن يكون محيطاً بأكثره ويرجع فيما عزَب عنه إلى غيره، كالقول في السنة. وقد زَلّ كثير بإغفالهم العربية، كرواية الإمامية: (ما تركناه صدقةً) بالنصب، والقدرية: (فحجّ آدمَ موسى) بنصب آدم، ونظائره. ويلتحق بالعربية التصريف، لما يتوقف عليه من معرفة أبنية الكلم، والفرق بينها، كما في باب المجمل من لفظ (مختار) ونحوه فاعلاً ومفعولاً . وسابعها - معرفة الناسخ والمنسوخ: مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ المتروك. ولهذا قال علي رضي الله عنه، لقاضٍ: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت . وكذلك معرفة وجوه النص في العموم والخصوص، والمفسَّر والمجمل، والمبين، والمقيد والمطلق. فإن قصّر فيها لم يجز. وثامنها - معرفة حال الرواة في القوة والضعف : وتمييز الصحيح عن الفاسد، والمقبول عن المردود. قال الشيخ أبو إسحاق والغزالي: ويقول على قول أئمة الحديث، كأحمد والبخاري ومسلم والدارقطني وأبي داود، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم، كما نأخذ بقول المقوِّمين في القيم، قال ابن دقيق العيد: وهذا مضطر إليه في الأحكام المبنية على الأحاديث التي هي في باب الآحاد، فإنه الطريق الموصل(١) إلى معرفة الصحيح من السقيم. قال الصيرفي: ومن عرف هذه العلوم فهو في الرتبة العليا، ومن قصر عنه فمقداره ما أحسن، ولن يجوز أن يحيط بجميع هذه العلوم أحد غير النبي وَّهِ، وهو متفرق في جملتهم. والغرض اللازم من علم ما وصفت ما لا يقدر العبد بترك فعله. وكلما ازداد علماً ازداد منزلة. قال الله تعالى: ﴿وفوقَ كلِّ ذي علم عليمٌ﴾ [يوسف / ٧٦] (قال): والشرط في ذلك كله معرفة ◌ُمله لا جميعه حتى لا يبقى عليه : (١) في الأصول كلها ((الموصول)). ٢٠٣ شيء، لأن هذا لم نره في السادة القدوة من الصحابة، فقد كان يخفى على کثیر من أدلة الأحكام فيعرفونها من الغير. وقال الغزالي: وهذه العلوم التي يستفاد منها منصب الاجتهاد، وعظم ذلك يشتمل على ثلاثة فنون: الحديث واللغة وأصول الفقه. وقال الإمام: أهم العلوم للمجتهد أصول الفقه . وشرط الغزالي والرازي أن يكون عارفاً بالدليل العقلي وبأننا مكلفون. وشرط الماوردي وإلكيا الطبري فيه الفطنة والذكاء، ليصل بهما إلى معرفة المسكوت عنه من أمارات المنطوق، فإن قلّت فيه الفطنة والذكاء لم يصح. وشرط الأستاذ أبو منصور والغزالي وإلكيا وغيرهم العدالة بالنسبة إلى جواز الاعتماد على قوله (قالوا): وأما هو في نفسه إذا كان عالماً فله أن يجتهد لنفسه ويأخذ باجتهاده لنفسه. فالعدالة شرط لقبول الفتوى، لا لصحة الاجتهاد. وقضية كلام غيرهم أن العدالة ركن. وقال الماوردي والروياني وابن السمعاني: إن قصد بالاجتهاد العلم صح اجتهاده وإن لم يكن عدلاً، وإن قصد به الحكم والفتيا كانت العدالة شرطاً في نفوذ حكمه وقبول فتياه، لأن شرائط الحكم أغلظ من شرائط الفتيا. قال ابن السمعاني: لكن يشترط كونه ثقة مأمونا، غير متساهل في أمر الدين. (قال): وما ذكره الأصحاب من عدم اشتراط العدالة مرادهم به ما وراء هذا. واختلفوا في اشتراط تبخّره في أصول الدين على وجهين حكاهما الأستاذ أبو إسحاق: (أحدهما) الاشتراط، وهو قول القدرية، و(الثاني) لا يشترط. بل من أشرف منه على وصف المؤمن كفاه. (قال): وعلى هذا القول جُلّ أصحاب كتب الحديث والفقه وغيرهم. وأطلق الرازي عدم اشتراط علم الكلام، وفصّل الآمدي فشرط الضروريات، كالعلم بوجود الربّ سبحانه وصفاته وما يستحقه وجوب وجوده لذاته، والتصدیق بالرسول وما جاء به، لیکون فیما يسنده إليه من الأحكام محقّاً. ولا يشترط علمه بدقائق الكلام ولا بالأدلة التفصيلية وأجوبتها كالنحارير من علمائه. وكلام الرازي محمول على هذا التفصيل. ٢٠٤ واختلفوا في اشتراط التفاريع في الفقه، والأصح أنه لا يشترط وإلا لزم الدور. وكيف يحتاج إليها وهو الذي يولدها بعد حيازة منصب الاجتهاد؟! فكيف يكون شرطا لما تقدم وجوده عليها. وذهب الأستاذ أبو إسحاق وأبو منصور إلى اشتراطه. وهُمل على اشتراط ممارسته الفقه كما صرّح به الغزالي فقال: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمن الصحابة. وكلام الأستاذ أبي إسحاق يخالفه، فإنه قال: يشترط معرفته بجمل من فروع الفقه يحيط بالمشهور وببعض الغامض كفروع الحيض والرضاع والدور والوصايا والعين والدين. (قال) : واختلف أصحابنا في المتعلق بالحساب. والصحيح أنه شرط، لأن منها ما لا يمكن استخراج الجواب منه إلا بالحساب وكذلك قال الأستاذ أبو إسحاق: معرفة أصول الفرائض والحساب والضرب والقسمة لابد منه. والحاصل أنه لابد أن يكون محيطاً بأدلة الشرع في غالب الأمر/، متمكنا من ٣٥١ / ب اقتباس الأحكام منها، عارفاً بحقائقها ورتبها، عالماً بتقديم ما يتقدم منها وتأخير ما يتأخر وقد عبر الشافعي رحمه الله عن الشروط كلها بعبارة وجيزة جامعة فقال: ((من عرف كتاب الله نصاً واستنباطاً استحق الإمامة في الدين)). وليس من شرط المجتهد أن يكون عالماً بكل مسألة ترد عليه، فقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين: لا أدري. وكثيراً ما يقول الشافعي: لا أدري. وتوقف کثیر من الصحابة في مسائل وقال بعضهم: من أفتى في کل ما سئل عنه فهو مجنون . هذا كله في المجتهد المطلق. أما المجتهد في حكم خاص فإنما يحتاج إلى قوة تامة في النوع الذي هو فيه مجتهد، فمن عرف طرق النظر القياسي له أن يجتهد في مسألة قياسية وإن لم يعرف غيره. وكذا العالم بالحساب والفرائض. هذا بناء على جواز تجزؤ الاجتهاد. وهو الصحيح كما سيأتي. وأما المجتهد المقيّد الذي لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه. وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع. قال ابن دقيق العيد: ٢٠٥ من عرف مأخذ إمام واستقل بإجراء المسائل على قواعده ينقسم إلى قسمين: - أحدهما: أن تكون تلك القواعد مما يختص بها ذلك الإمام وبعض المجتهدين معه. فهذا يمكن فيه الاجتهاد المقيد. - وأما القواعد العامة التي لا تختص ببعض المجتهدين، ككون خبر الواحد حجة، والقياس، وغير ذلك من القواعد فهو محتاج إلى ما يحتاج إليه المجتهد المطلق. فتنبه لهذا. وقد استقل قوم من المقلدين ببناء أحكام على أحاديث غير صحيحة، مع أن تلك الأحكام غير منصوصة لإمامهم، وهم يحتاجون في هذا إلى ما يحتاج إليه المجتهد المطلق، فإذا قصروا عنه لم يكن لهم ذلك، ولم يجز أن تنسب تلك الأحكام إلى ذلك الإمام (انتهى). وهذا موضع نفيس ينبغي التفطن له، وبه يزول الإشكال في التعرض لمسألة غير منصوصة للإمام ذكرها بعض أتباعه محتجاً فيها بقاعدة عامة، فيظن الواقف أن ذلك مذهب ذلك الإمام لكون ذلك المستنبط من جملة مقِلِّديه. والله اعلم. مَسألة لا يمكن وقوع الاجتهاد في كل مسألة فقهية، بل فيما هو منها خفي، إذ الظاهر أنه لا يتحقق بذل الوسع، فيطلبها لأنها تنال بأدنى تأمل . مَسألة بُدُّ من تعرف حكم الله في الوقائع، وتعرّف ذلك بالنظر غير واجب على التعیین، فلابد أن یکون وجود المجتهد من فروض الكفايات، ولابدّ أن يكون في كل قطر ما تقوم به الكفايات. ولهذا قالوا: إن الاجتهاد من فروض الكفايات. قال ابن الصلاح: والذي رأيت في كلام الأئمة يشعر بأنه لا يتأتى فرض الكفاية ٢٠٦ بالمجتهد المقيد (قال): والظاهر أنه لا يتأتي في الفتوى وإن لم يتأدّ به في آحاد العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى. قال بعضهم: الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب(١) فرض عين، (٢) وفرض كفاية (٣) وندب: - فالأول: على حالين: (أحدهما) اجتهاده في حق نفسه عند نزول الحادثة. و(الثاني) اجتهاده فيما تعين عليه الحكم فيه. فإن ضاق فرض الحادثة كان على الفور وإلا على التراخي. - والثاني: على حالين: (أحدهما) إذا نزلت بالمستفتي حادثة فاستفتى أحد العلماء توجه الفرض على جميعهم، وأخصُّهم بمعرفتها من خُصّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعا. لكن حكى أصحابنا وجهين فيما إذا كان هناك غير المفتي، هل يأثم بالرد؟ أصحهما: لا. والثاني: إن تردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر فيكون فرض الاجتهاد مشتركاً بينهما، فأيهما تفرد بالحكم فیه سقط فرضه عنهما. - والثالث على حالين: (أحدهما) فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل، ليسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله. و(الثاني) أن يستفتيه قبل نزولها. مَسألة يجوز خلوّ العصر عن المجتهد عند الأكثرين. وجزم به في ((المحصول)). وقال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم. ولعله أخذه من الإمام الرازي، أو من قول الغزالي في ((الوسيط)): قد خلا العصر عن المجتهد المستقل. ونقل الاتفاق فيه عجيب، والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا. والحق أن الفقيه الفطن القَيَّاس كالمجتهد في حق العامي، لا الناقل فقط. وقالت الحنابلة: لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق والزبيري في ((المسكت)) فقال الأستاذ: وتحت قول الفقهاء: لا يخلي الله زماناً من قائم بالحجة أمر عظيم، وكأن الله تعالى ألهمهم ذلك. ومعناه أن الله ٢٠٧ تعالى لو أخلى زمانا من قائم بحجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة وإذا زال التكليف بطلت الشريعة. وقال الزبيري: لن تخلو الأرض من قائم الله بالحجة في كل وقت ودهر وزمان، ولكن ذلك قليل في كثير، فأما أن يكون غير موجود - كما قال الخصم - فليس بصواب، لأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عطلت الفرائض كلها لحلّت النقمة بذلك في الخلق، كما جاء في الخبر: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس) ونحن نعوذ بالله أن نؤخر مع الأشرار (انتهى). وقال ابن دقيق العيد: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان. وقال في شرح خطبة ((الإلمام)): والأرض لا تخلو من قائم الله بالحجة، والأمة الشريفة لابد لها من سالك إلى الحق على واضح المحجة، إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى، ويتتابع بعده ما بقيٍ معه إلى قدوم الأخرى. ومراده بالأشراط الكبرى: طلوع الشمس من مغربها مثلاً، وله وجه حسن، وهو أن الخلوّ من مجتهد يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهو ترك الاجتهاد الذي هو فرض كفاية. وقال والده العلامة مجد الدين في كتابه ((تلقيح الأفهام)): عزّ المجتهد في هذه الأعصار، وليس ذلك لتعذر حصول آلة الاجتهاد، بل لإعراض الناس في اشتغالهم عن الطريق المفضية إلى ذلك. وتوقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم. فالمختار قبول فتوى الراوي عن ٣٥٢ / أ الأئمة المتقدمين كما سيأتي. وقال جده الإمام تقي الدين / أبو العزّ المقترح، معترضاً على قول إمام الحرمين: ((لا يجوز انحطاط العلماء)): إن أراد المجتهدين فلا يصح، لأنه يجوز ذلك في العادة، وزماننا هذا قد يشغر منهم. وإن أراد به النقلة فهذا يتجه، فإن العادة لم تقض بانحطاطهم. والدواعي تتوفر على نقل الأحاديث ولفظ المذاهب ونقل القرآن. نعم، إن فترت الدواعي وقلت الهمم فيجوز شغور الزمان عنهم، ولم يوجد ذلك (انتهى). وأما قول الغزالي: وقد خلا العصر عن المجتهد المستقل فقد سبقه إليه القفال شيخ الخراسانيين، فقيل: المراد مجتهد قائم بالقضاء، فإن المحققين من العلماء ٢٠٨ كانوا يرغبون عنه، ولا يلي في زمانهم غالبا إلا من هو دون ذلك. وكيف يمكن القضاء على الأعصار بخلوها عن مجتهد والقفال نفسه كان يقول للسائل في مسألة الصبرة: تسأل عن مذهب الشافعي أم ما عندي؟ وقال، هو والشيخ أبو علي والقاضي الحسين: لسنا مقلدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه. فماذا كلام من يدعي رتبة الاجتهاد. ولم يختلف اثنان أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد وكذلك ابن دقيق العيد، كما قاله ابن الرفعة . والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة. وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب، وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها . مَسألة الصحيح جواز تجزؤ الاجتهاد، بمعنى أنه يكون مجتهداً في باب دون غيره. وعزاه الهندي للأكثرين، وحكاه صاحب ((النكت)) عن أبي علي الجُبّائي وأبي عبد الله البصري. قال ابن دقيق العيد: وهو المختار، لأنه قد يمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى يحصل المعرفة بمأخذ أحكامه وإذا حصلت المعرفة بالمأخذ أمكن الاجتهاد. وقال الرافعي تبعاً للغزالي: يجوز أن يكون العالم بمنصب الاجتهاد في باب دون باب. والناظر في مسألة المشرّكة تكفيه معرفة أصول الفرائض، ولا يضره أن لا يعرف الأخبار الواردة في تحريم المسكر مثلا. وذهب آخرون إلى المنع، لأن المسألة في نوع من الفقه ربما كان أصلها نوعاً آخر منه، كتعليل الشافعي تخليل الخمر بالاستعجال، فلا تكمل شرائط الاجتهاد في جزء حتى يستقل بالفنون كلها. ومن فوائد الخلاف في هذا أنه هل يعتبر خلاف الأصولي في الفقه؟ فإن قلنا يتجزأ اعتبر خلافه، وإلا فلا. قيل: وكلامهم يقتضي تخصيص الخلاف إذا عرف بابا دون باب. أما مسألة دون مسألة فلا تتجزأ قطعاً . ٢٠٩ والظاهر جريان الخلاف في الصورتين، وبه صرح الأبياري، وتوسط فقال: إن أجمعوا في مسألة على ضبط مآخذها وكان الناظر المخصوص محيطاً بالنظر في تلك المآخذ صح أن يكون مجتهداً فيها، وإلا لم يصح، بناء على ما سبق أنه لا يجوز له الحكم بالدليل حتى تحصل غلبة الظن وفقدان المعارض من الشريعة، فإذا لم يكن الناظر بهذه المثابة فكيف يجزم أو يظن؟! قال أبو المعالي بن الزملكاني: الحق التفصيل: فما كان من الشروط كليا، كقوة الاستنباط ومعرفة مجاري الكلام وما يقبل من الأدلة وما يرد ونحوه فلابد من استجماعه بالنسبة إلى كل دليل ومدلول، فلا تتجزأ تلك الأهلية. وما كان خاصّاً بمسألة أو مسائل أو باب فإذا استجمعه الإنسان بالنسبة إلى ذلك الباب أو تلك المسألة أو المسائل مع الأهلية كان فرضه في ذلك الجزء الاجتهاد دون التقليد . أ ٢١٠ فصل في المجتهد مِن القدمَاء وَمِن الذي حَاز الرتبَة منهْم ذكره إلكيا. وهو فصل عظيم النفع، فإن مذاهبهم نقلت إلينا، ولابد من معرفة المجتهد منهم، ليعلم مَن الذي تعتبر فتواه، ومن يقدح الإجماع مخالفته ومن لا يقدح: - قال: اعلم أن الخلفاء الراشدين الأربعة لا شك في حيازتهم هذه الرتبة. - وألحق بهم أهل الشورى الذين جعلهم عمر رضي الله عنهم. - قال: وأما أبو هريرة فقد مال الأكثرون إلى إخراجه عن أحزاب المجتهدين، لأنه لم ينقل عنه التصدي للفتوى، وإنما كان يتصدّى للرواية . - وتوقف في ابن عمر رضي الله عنهما، إذ لم ينقل عنه التصدي للفتوى. - وأما ابن مسعود فكان فقيه الصحابة ومنتدبا للفتوى. ۔ وکذلك ابن عباس. - وزيد بن ثابت ممن شهد له الرسول بأنه أفرض الأئمة، والمعتبر تصدّيه لهذا المعنى من غير نكير، أو شهادة الرسول، ومراجعة الأولين له. وبعد النزول عن هذه الطبقة العالية، للشافعي وقفة في الحسن وابن سيرين، ويقول فيها: واعظ ومعبّر، ولم يرهما متصديين لهذا الشأن. والظاهر أنهما من المجتهدين، فإنهما كانا يفتيان على ما قاله السلف . وقال ابن برهان: أما الصحابة فلا شك أن الفقهاء المشهورين منهم من أهل الاجتهاد، وأساميهم معلومة في التواريخ. ولا شك في كون العشرة من أهل الاجتهاد، وكذلك من انتشرت فتاويه، كابن مسعود وعائشة وغيرهم، فإنهم ٢١١ كثرت فتاويهم. ونقل عن الحنفية أنهم قالوا: أبو هريرة وابن عمر [وأنس] وجابر ليسوا فقهاء، وإنما هم رواة أحاديث. وهو باطل، فإن ابن عمر أفتى في زمن الصحابة وتأهل للإمامة فزهد فيها. وأبو هريرة ولي القضاء، وأنس وجابر أفتيا في زمن الصحابة . وأما التابعون فقد اشتهر المجتهدون فيهم، كسعيد بن المسيب والأوزاعي والنخعي والشعبي. وقد نقل عن الشافعي، وقد نقل أنه قال في الحسن وابن سيرين: واعظ ومعبّر، ظن قوم أنه أراد أنهما ليسا من أهل الاجتهاد. وهذا باطل، فإن الحسن أفتى في زمن الصحابة، وابن سيرين كذلك. وقد شهد لهما أهل عصرهما بالجلالة والإمامة. وأما الفقهاء السبعة فأهل للاجتهاد ولا محالة. وكذلك الفقهاء الخمسة أرباب المذاهب. وقد اختلف أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة في المزني وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن سريج، فمنهم من ألحق هؤلاء برتبة المجتهدين في الدين، ومنهم من جعلهم من المجتهدين في المذاهب. قلت: وما ذكره إلكيا في أبي هريرة تابع فيه القاضي، فإنه قال: إنه لم يكن مفتياً / ب وإنما كان من الرواة. والصواب ما قاله ابن برهان./ وقد ذكره ابن حزم في الفقهاء من الصحابة وقال عبد العزيز الحنفي في ((التحقيق)): كان أبو هريرة فقيهاً، ولم یعدم شيئاً من أسباب الاجتهاد، وقد كان يفتي في زمن الصحابة، وما كان يفتي في ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد. وقد جمع الشيخ أبو الحسن السبكي جزءاً في فتاوي أبي هريرة. قال في ((المنخول)): والضابط عندنا فيه أن كل من علمنا قطعاً أنه تصدى للفتوى في أعصار الصحابة ولم يمنع عنه فهو من المجتهدين. ومن لم يتصدَّ له قطعاً فلا. ومن ترددنا في ذلك فيه ترددنا في صفته. وقد انقسمت الصحابة إلى متنسّكين لا یعتنون بالعلم، وإلی معتنین به فهم المجتهدون، ولا مطمع في عدّ آحادهم بعد ذكر الضابط وهو الضابط أيضاً في التابعين؛ وعدَّ ابن حزم في الأحكام فقهاء ٢١٢ الصحابة فبلغ بهم مائة ونّفاً. وهذا حيف. وقد قال الشيخ أبو إسحاق في ((طبقاته)) أكثر الصحابة الملازمين للنبي و ﴿ كانوا فقهاء، لأن طريق الفقه فيهم خطابُ الله ورسوله وأفعاله، وكانوا عارفين بذلك، لنزول القرآن بلغتهم. ولهذا قال أبو عبيد في كتاب ((المجاز)): لم ينقل أن أحداً من الصحابة رجع في تفسير شيء من القرآن إلى النبي وَلاغير. ولهذا قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) غير أن الذي اشتهر منهم بالفتاوى والأحكام جماعة مخصوصة . ! ٢١٣ فَصل في زمَانة" الصحيح أنه لا يشترط في جواز الاجتهاد أن يكون المجتهد غير النبي ◌َّر، ولا أن يكون في غير زمن النبوة، وفيه مسألتان : إحداهما: في جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام: أجمعوا على أنه كان يجوز لهم أن يجتهدوا فيما يتعلق بمصالح الدنيا وتدبير الحروب ونحوها. وقد فعلوا ذلك، كما قال سليم، وكذلك ابن حزم ومثّله بإرادة النبي عليه السلام أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، فهذا مباح لأن لهم أن يهبوا من أموالهم ما أحبّوا. وكذلك قوله في تلقيح ثمار المدينة، لأنه يباح للمرء أن يلقح نخله وأن یترکها (قال): وقد أخبرني بعضهم أنه ترك ثماره سنین دون تدبیر فاستغنى عنه (انتهى). فأما اجتهادهم في أمر الشرع فاختلفوا أنه هل كان لهم أن يجتهدوا فيما لا نص فيه؟ على مذاهب. الأول - ليس لهم ذلك، لقدرتهم على النص، بنزول الوحي. وقد قال تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [سورة النجم / ٤] والضمير عائد على النّطق. وحكاه الاستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي. وقال القاضي في ((التقريب)): كل من نفى القياس أحال تعبّده [وَلَا] به. قلت: وهو ظاهر اختيار ابن حزم، واحتج بأنه ◌َليو كان إذا سئل ينتظر الوحي ويقول: ما أنزل علي في هذا الشيء. ذكر ذلك في حديث زكاة الحُمر، وميراث البنين مع الزوج والعمة. (قال): ولنا أخذه عليه السلام الفداء ثم نزل عتابه (١) أي زمان الاجتهاد. ٢١٤ عليه، فلا ينكر أن يفعل عليه الصلاة والسلام ما لم يتقدم نهي ربه تعالى فيه، إلا أنه لا يترك بل لابد من تنبيهه عليه. قلت: ثم قيل: هو ممتنع عقلاً، حكاه إمام الحرمين في ((التلخيص)). وذهب أبو علي وابنه أبو هاشم إلى أنه لم يكن متعبّدا به. وتوقف فيه كثيرون، منهم الرازي . والمذهب الثاني، وعليه الجمهور، وهو ظاهر مذهب الشافعي، - كما قاله الماوردي وسليم - ومذهب أحمد، وأكثر المالكية منهم القاضي عبد الوهاب والقاضيان أبو يوسف وعبد الجبار وأبو الحسين والقاضي في ((التقريب)): أنه يجوز لنبينا وغيره من الأنبياء عليهم السلام ذلك. وأومأ إليه الشافعي في ((الرسالة))، لأن الله تعالى خاطب نبيَّه كما خاطب عباده، وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبّر والاعتبار، وهو أجلّ المتفكرين في آيات الله، وأعظم المعتبرين بها. وأما قوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم / ٤] فالمراد به القرآن، لأنهم قالوا: إنما يعلّمه بشر. سلّمنا أن الضمير للنطق، ولا يلزم منه ما ذكرتم، لأن الاجتهاد الشرعي مأذون فيه. والدليل عليه في الآراء والحروب كثير، كقتله النضر ونحوه في الأمور التي تحرَّى فيها واختار أحد الجائزين. وأما الأحكام فلأنه أكمل من غيره، لعصمته من الخطأ، فإذا جاز لغيره الذي هو عرضة للخطأ فلأن يجوز للكامل أولى، ولأن العمل بالاجتهاد أشق من العمل باليقين فيكون أكثر ثواباً . والثالث - الوقف عن القطع بشيء من ذلك، لجوازه كله. وزعم الصيرفي في ((شرح الرسالة)) أنه مذهب الشافعي، لأنه حكى الأقوال ولم يختر شيئاً، فقال: ما سنّ رسول اللّهِ وَ الر مما ليس فيه نص كتاب، اختلفوا فيه: فمنهم من قال: جعل الله له ذلك لعلمه بتوفيقه. ومنهم من قال: لم يسنّ سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب. ومنهم من قال: بل جاءته رسالة الله فأثبت سنته بفرض الله. ومنهم قال: ألقي في روعه كل ما سنّ (انتهى). لكنه قال بعد هذا، في باب الناسخ والمنسوخ: قال بعض أهل العلم: وفي قوله تعالى: ﴿ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي﴾ [سورة يونس / ١٥] دلالة على أن الله جعل لرسوله أن يقول من تلقاء نفسه ٢١٥ بتوفيقه فيما لم يُنزل به كتاباً. قال: قيل في قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [سورة الرعد / ٣٩] : يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء. قال الشافعي : وهذا يشبه ما قيل. (انتهى). وحكى الماوردي في المسألة ثلاثة أوجه لأصحابنا، (ثالثها)، واختاره في كتاب القضاء: التفصيل بين أن يكون ذلك الحكم مما يشارك فيه الأمة، كتحريم الكلام في الصلاة، والجمع بين الأختين، فليس له أن يجتهد، لأنه يؤدي إلى أمر الشخص لنفسه، وبين أن لا يشاركهم فيه، كمنع توريث القاتل وحد الشارب. وقيل: يجوز لنبينا دون غيره. وأما وقوعه(١): فاختلفوا فيه على أربعة مذاهب: - فذهب الجمهور إلى وقوعه مطلقا، ومنهم الآمدي وابن الحاجب. قال المارودي: وتدل عليه قصة سليمان وداود، وقوله لعمر: (أرأيت لو تمضمضت)، وقول العباس له: إلا الإذخر فقال: (إلا الإذخر) فلو كان بالوحي لما تأخر الاستثناء . - ومنهم من أنكر وقوعه مطلقا. - ومنهم من فصّل فقال: كان لا يجتهد في القواعد، وكان يجتهد في الفروع، كقوله: (أرأيت لو تمضمضت). واختاره في ((المنخول)). - ومنهم من توقّف. واختاره / القاضي، فقال في ((المستصفى)): وهو الأصح، فإنه لم يثبت فيه قاطع. والمنكرون للوقوع. قالوا السنة كلها وحي ولكنه لا يتلى، والقرآن وحي يتلى. وفي السنن أن النبي بلهو قال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وفي حديث الذي سأله عن العمرة فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي ثم سُرّي عنه فقال: (اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك) وهو حديث صحيح. وهو دليل قطعي على أن السنة كانت تنزل كما ينزل القرآن. وهو أخذ (١) أي بالنسبة للأنبياء. ٢١٦ نزول الوحي وأعظمها(١) وصرح الشافعي رحمه الله في ((الرسالة)) بأن السنة منزلة كالقرآن وفي الحديث: (بلغوا عني ولو آية) . والمسألة متجاذبة، وليس فيها کثیر فائدة، فإنه علی کل حال يجب الأخذ بها وطاعتها كالقرآن. ومن أقوى أدلة القائلين بالوقوع قوله: (إلا الإذخر) عقيب ما قيل له: إلا الإذخر، ونحو ذلك. وليس قاطعاً، لاحتمال أن يكون أوحي إليه في تلك اللحظة . وادعى القرافي في أن محل الخلاف في الفتاوى، وأن الأقضية يجوز فيها بلا نزاع. وفيه نظر، لما سيأتي. وقال أبو الحسين في ((المعتمد)): إن أريد باجتهاد النبي ﴿4* الاستدلال بالنصوص على مراد الله، فذلك جائز قطعاً، وإن أريد به الاستدلال بالأمارات الشرعية: فإن كان أخبار آحاد فلا يتأتى منه عليه السلام، وإن كانت أمارات مستنبطة وهي التي يجمع بها بين الأصل والفرع فهو موضع الخلاف في أنه هل كان يجوز له أن يتعبد به عليه؟ والصحيح جوازه. فروع : الأول - إذا جوزنا، فهل کان يجب عليه؟ فیه وجهان حکاهما ابن أبي هريرة في ((تعليقه)) في الأقضية، وصحح الوجوب. وكذا حكاهما الماوردي في الأقضية ثم قال: والأصح عندي التفصيل بين حقوق الآدميين فيجب عليه، لأنهم لا يصلون إلى حقوقهم إلا بالاجتهاد، ولا يجب في حقوق الله. الثاني - إذا اجتهد فهل يستبيح الاجتهاد برأيه أو يرجع فيها(٢) إلى دلائل الكتاب؟ على وجهين حكاهما المارودي أيضاً، أحدهما: انه يرجع في اجتهاده إلى الكتاب، لأن سنته أصل كالكتاب. وقال الغزالي: يجوز القياس على الفرع الذي قاسه النبي ◌َّيه، وعلى كل فرع أجمعت الأمة على إلحاقه بالأصل (قال): لأنه صار أصلاً بالإجماع والنص فلا يعطى إلى مآخذهم . (١) كذا في الأصول كلها. ولعله : أخذة نزول الوحي وغطّتها (؟). (٢) كذا في الأصول كلها. ٢١٧ الثالث - إذا جوزنا له الاجتهاد فالمختار أنه لا يتطرق الخطأ إلى اجتهاده، لأنه لو جاز لوجب علينا اتباعه فيه، وهو ينافي كونه خطأ. والمسألة قد نص عليها الشافعي في ((الأم)) فقال في كتاب الإقرار: والاجتهاد في الحكم بالظاهر، ولن يؤمر الناس أن يتبعوا إلا كتاب الله وسنة رسوله الذي عصمه الله من الخطأ وبّرأه الله منه فقال: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [سورة الشورى / ٥٢] فأما من رأيه خطأ وصواب فلن يؤمر أحد باتباعه (انتهى). وقال ابن فورك: هو معصوم في اجتهاده كما هو معصوم في خبره. وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أصحابنا. وقال الهندي إنه الحق عندنا، وممن جزم به الحليمي في ((شعب الإيمان)) فقال في خصائص الأنبياء: ومنها العصمة من الخطأ في الاجتهاد وخصّوا بأدلاء (١) حتى تتسع الضروب من الاستنباطات فيما أوحي إليه. وإذا تفاوتت العلماء من اجله في ذلك فالنبي هو الذي أعلم العلماء أولى بالارتقاء فيه، وقد قال بعضهم: أن عامة سنن الرسول ترجع إلى القرآن. ومعلوم أن ذلك لا يقف عليه العلماء وإن بذلوا الجهد فيه فهو إذاً يفهمه عليه الصلاة والسلام فهمَالا يبلغه فهم غيره (انتهى)(٢). وقيل: يجوز بشرط أن لا يقر عليه. وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق في ((اللمع)) وحكاه ابن برهان عن أكثر أصحابنا والخطابي في أعلام الحديث(٣) عن أكثر العلماء، وجعله عذراً لعمر في الكتاب الذي أراد النبي ◌َّ أن يكتبه، وارتضاه الرافعي في العُدد، في الكلام عن سكنى المعتدة عن الوفاة، وكذا ابن حزم في ((الاحكام)) قال: كفعله بابن أم مكتوم إذ أنزلت (عبس) . قلت: وهو قول لا نور عليه. وقول ابن الحاجب أنه المختار غير صواب. ولا (١) في الأصل (بادلا) وهي كلمة (أدلاء) مسهلة الهمزة، جمع دليل .. (٢) هكذا جاء في الأصول كلها هذا النصّ المنقول من كتاب الصفي الهندي والذي جاء منه في شعب الإيمان عند الكلام عن الإيمان بالأنبياء وخصائصهم هو جملة واحدة هي ((ومنها .. الاجتهاد)) وهي منقولة بالمعنى لأن الذي في شعب الإيمان ٢٤١/١ ((ومنها أن يعصم من الزلل في رأيه فإذا اجتهد في الحوادث لم يخطىء ولم يحكم إلا بالصواب والحق)). (٣) لعله أعلام السنن. وهو شرحه على البخاري، وله معالم السنن شرحه على أبي داود .. ٢١٨ خلاف أنه لا يجوز التقرير عليه. وقال الماوردي والروياني في كتاب القضاء: اختلف أصحابنا في عصمة الأنبياء من الخطأ في الاجتهاد على وجهين: أحدهما: أنهم معصومون، وهو مقتضى الوجه القائل بأنهم لا يجتهدون إلا عن دليل ونص. و(الثاني) المنع، لكن لا يقررهم الله عليه ليزول الارتياب به، وإن جاز أن يكون غيرهم من العلماء مُقَرّاً عليه، وهو مقتضى الوجه القائل بأنه يجوز أن يجتهد بالرأي من غير استدلال بنص. وقالا : قال ابن أبي هريرة: نبينا عليه الصلاة والسلام معصوم في الاجتهاد من الخطأ دون غيره من الانبياء لأنه لا نبي بعده يستدرك بخلاف غيره من الانبياء. قلت: وهكذا رأيته في ((تعليقه)) في الأقضية. فحصل في عصمتهم في الاجتهاد مذاهب: (ثالثها): نبينا فقط. وقال الماوردي: وهذا لا وجه له، لأن جميع الأنبياء غير مُقَرّين على الخطأ في وقت التنفيذ، ولا يمهلون على التراخي حتى يستدركه من بعدهم. قلت: وهو قول حكاه القاضي عياض، وهو أفسد الأقوال، وقيل: الخلاف في غير أمور الدنيا، أما أمور الدنيا فيجوز على الكل، لحديث التلقيح. مَسألة تصرفاته وي تنحصر فيما يكون بالإمامة، والقضاء، والفتوى. ووجه الحصر أنه إن كان فيما يتعلق ببعث الجيوش وقسمة الغنائم فهو من تصرف الإمامة العظمى، وإن تعلق بإنفاذ الحكم بين الخصمين فهو القضاء الذي يتولاه القضاة، وإن تعلق بالعبادات والأمور الدنيوية فهو الفتوى. والخلاف في الكل . ثم إذا دارت الحادثة بين تنزيلها على القضاء أو على الفتوى فعندنا تنزيلها على القضاء أولى . ٢١٩ المسألة الثانية فِي جَواز الاجتهاد مِن غَير الأنبيَاءِ فِى زمَانهْم كاجتهاد الصحابة في عصر الرسول . والكلام فيه في مقامين : الجواز ، والوقوع : أما الجواز : فمنهم من منع منه مطلقا ، ونقل عن الجبائي وأبي هاشم . وهو ضعيف، لأنه لا يؤدي إلى مستحيل . فإن / أرادوا منع الشرع توقف على الدليل فهو مفقود . ومنهم من جوزه مطلقا ، وبه قال أكثر أصحابنا ، كما نقله ابن فورك والقاضي أبو الطيب وغيرهما ، ونقله إلكيا عن محمد بن الحسن ، وهو المختار عند الأكثرين، منهم صاحب المستصفى، وقال في ((التقريب)): إنه المختار . ومنهم من فصّل بين القريب والبعيد . ومنهم من فصل بين الغائب والحاضر مطلقا. ومنهم من فصّل بين الغائب عنه من الولاة والقضاة فيجوز دون الحاضرين حكاه الغزالي . ثم المجوّزون اختلفوا: فقيل: يكتفى بسكوته عليه السلام، حكاه في المستصفى. ومنهم من قال : يجوز إن لم يوجد في ذلك منع . قال الهندي : وليس بمرضي ، لأن ما بعده أيضا كذلك ، فلم تكن له خصوصية بزمانه عليه الصلاة والسلام ومنهم من قال: إن ورد الإذن بذلك جاز، وإلا فلا . ثم من هؤلاء من نزّل السكوت على المنع منه مع العلم بوقوعه منزلة الإذن، ومنهم من اشترط صريح الاذن ، حكاه ابن السمعاني . ثم قال : والأولى أن يقال : إنه لا يجوز للحاضر الاجتهاد قبل سؤال النبي عليه السلام ، كما لا يجوز الاجتهاد قبل طلب النص ، وكما لا يجوز للسالك في برية محوفة أن يقول على رأيه مع تمكّنه من سؤال من يخبره عن الطريق عن علم . وإذا سأل النبي عليه الصلاة والسلام يجوز أن ٢٢٠