Indexed OCR Text
Pages 141-160
وهي الصحيحة، لأن انسحاب العمل بالمتواتر في سائر الأزمنة مظنون، فما رفضنا إلا مظنونا بمظنون، وأما عكس هذه الصورة، أن يفرض التاريخ متواتراً، أو المتن آحاداً، فهذا غير متصور. هذا كله إذا علم المتقدم، فإن علم مقارنتهما، فإن أمكن التخيير بينهما تعين القول به، فإنه إذا تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير، وإن جهل التاريخ تساقطا ووجب الرجوع إلى غيرهما، لجواز أن يكون كل واحد منهما هو المتأخر فيكون ناسخاً، إذ التقدم يكون منسوخاً. هكذا أطلقوه . وهذا إذا لم يمكن تطرق النسخ إلى أحدهما، فإن أمكن فالشافعي يرجح ما لا يتطرق إليه ذلك، ورآه أولى من الحكم بتساقطهما، حكاه عنه الإمام في ((البرهان)) وذكر له مثالين تخرج منهما صورتان: (إحداهما) إذا أرّخ أحدهما وسكت الآخر عن التاريخ، كحديث (إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون) مع جلوس النبي وَّ في مرض وفاته والمقتدون به قيام. والحديث الأول مطلق، فغلب على الظن أنه كان قاله في صحته. و(الثانية) أن يكون إسلام راوي أحدهما متأخراً عن إسلام الآخر، كحديث قيس بن طلق في عدم نقض الوضوء بمس الذكر، وهو متقدم الإسلام، مع حديث أبي هريرة بالنقض، وهو متأخر الإسلام، فيتطرق النسخ إلى حدیث قيس . ثم حكى الإمام عن قوم بقاء التعارض، إذ لا يصار إلى الفسخ بمجرد الاحتمال، ثم توسط فقال: إن ◌َدِم المجتهد متعلّقا سواه فكقولي الشافعي، لأنه أولى من تعطيل الحكم وتعرية الحادث عن موجب الشرع، وإن وجد غيرها ووجد القياس مضطرباً عدل عنهما وتمسك بالقياس، ثم الخبر الذي بعد عن ظن النسخ يستعمل مرجحاً لأحد القياسين على الآخر. /وهذا التفصيل يفرض المسألة في قياسين تعارضا أو خبرين كذلك. وهو ٣٤٢ / بـ مخالف لتصويره السابق في تعارض خبرين مطلقاً، سواء وجد القياس مع كل منهما أو مع أحدهما أو لم يوجد البتة. وأورد الأبياري على تفصيله أنه هلّ عمل بالخبر الراجح وجعل القياس الموافق له مرجحاً؟! وأجاب ابن المنير بأنه لما لم يجد في ١٤١ التوقيف مستنداً استأنف الظن في الأقيسة فوجدها أيضاً متعارضة، ولكن وجد أحد قياسيه على وفق الخبر الراجح، فجعل القياس مستنداً، لأنه لو جعل الخبر الراجح مستنداً بعد أن سبق منه إلغاء كونه مستنداً لكان نقضاً لحكم ثبت. وحاصل الخلاف يرجع إلى أن المسألة توقيفية أو قياسية، ويظهر أثره في نقض حكم الحاكم . ونقل ابن المنير في الصورة الأولى أن مذهب مالك يقدم المؤرخ على المهمل، لأن المؤرخ يقطع به في وقت معين، بخلاف المهمل فإنه ما من وقت إلا ويحتمل فيه الثبوت والعدم، فيقدم المقطوع به في تاريخ معين، لأن المبينَ مقدم على المجمل، فالترجيح في هذه الصورة مبني على المقابلة بين البيان والإجمال، والترجيح في الثانية مبني على المقابلة بين الإجمال القوي والضعيف. وهذا يردّ إيراد الأبياري على المنقول عن الشافعي احتمال أن متأخر الاسلام تحمل في حال الكبر. وجوابه: أن التحمل في حال الإسلام أغلب، وقبل الإسلام أندر، فيقدم الغالب على النادر، وليس كل احتمال واقعاً، فتأمل هذا الفصل، فإن معرفته من غايات الآمال. (الضرب الثاني) - أن يكونا مظنونين، فإن علم تقدم أحدهما على الآخر نَسَخ المتأخر المتقدم، وإلا وجب الترجيح، فيعمل بالأقوى . (الضرب الثالث) - أن يكون أحدهما معلوما والآخر مظنونا، فإن علم تقدم أحدهما، وكان هو المظنون، كان المعلوم المتأخر ناسخا وإن كان المعلوم متقدماً، ما لم ينسخه المظنون فنعمل بالمعلوم. وإن جهل عمل بالمعلوم، سواء علمت المقارنة أو لا . النوع الثاني - أن يكونا خاصّين، فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين، أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا، والحكم فيها ما تقدم في النوع الأول. قال سليم: إن تعارض نصّان فإن كانا من أخبار الآحاد وعلم تقدم أحدهما نسخه المتأخر، وإلا قدم أحدهما على الآخر بضرب من الترجيح. وإن كانا قطعيين، كالآيتين والخبرين المتواترين، وعلم تقدم أحدهما نسخه المتأخر، وإن لم يعلم توقف فيهما ولم يقدم ١٤٢ أحدهما على الآخر بترجيح، لأن الترجيح طريقهُ غلبة الظن فلا يدخل في تقوية ما طريقه القطع : النوع الثالث - أن يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً، كقوله تعالى: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمنٌ﴾ [البقرة/٢٢١] مع قوله: ﴿والمحصَنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [النساء / ٢٤] ففيه الأقسام الثلاثة: فإن كانا معلومين فإن عُلم تقدم العام وتأخر الخاص فأطلق في ((المحصول)) وغيره أن الخاص يكون ناسخاً أي العام في ذلك الفرد الذي تناوله الخاص. وهذا حكاه الشيخ في ((اللمع)) عن بعض الأصحاب. وقال: إنه بناء على أن تأخر البيان عن وقت الخطاب لا يجوز، وهو قول المعتزلة . (قال): والمذهب أن يقضى بالخاص على العام مطلقاً. وقيل: يتعارضان، وهو قول القاضي، وقالت الحنفية: إن كان الخاص مختلفاً فيه والعام مجمَعاً عليه لم يقض به على العام. وإن كان متفقاً عليه قضي به على العام . وقال الهندي: ما قال في ((المحصول)) موضعه إذا ورد بعد مظنون وقت العمل بالعام، فإن ورد قبل حضور وقته كان الخاص المتأخر مخصصا للعام المتقدم. وأما من لا يجوّز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب فعنده في الصورتين يكون الخاص خاصاً، وعليه يحمل إطلاق ((المحصول))، وبذلك صرح سليم في ((التقريب)). وإن علم تقدم الخاص فعندنا يبنى العام على الخاص، وعند الحنفية: ينسخه، وإن علم مقارنتهما فيكون الخاص مخصصا للعام. وإن جهل يبنى العام على الخاص عندنا، وعندهم يتوقف فيه. وقال سليم: الحكم في المسألتين - أعني المقارنة وجهل التاريخ - أن يبنى العام على الخاص. وقال عيسى بن أبان والكرخي: إن علم للصحابة فيه استعمال عمل به، وإلا وجب التوقف. وإن كانا مظنونين فالحكم فيه كما إذا كانا معلومين. وإن كان أحدهما معلوما ١٤٣ والآخر مظنونا قال الإمام: فها هنا اتفقوا على تقديم المعلوم على المظنون، إلا إذا كان المعلوم عاماً والمظنون خاصاً ووردا معاً، وذلك مثل تخصيص الكتاب والخبر المتواتر بخبر الواحد والقياس . قال الهندي: وهو غير مرضي، لإشعاره بأن ذلك يختص بحالة ورودهما معاً، لكنه ليس كذلك لأمرين: (أحدهما): لو تأخر الخاص المظنون عن العام المعلوم وكان قبل حضور وقت العمل بالعام المعلوم كان أيضاً مخصصاً وكان اختلاف الناس فيه كما في المتقارنين. نعم، يستقيم ذلك على مذهب المعتزلة. و(ثانيهما): لو تقدم الخاص المظنون على العام المعلوم فإنه يبنى العام عليه عندنا، وهو تقديم الخاص المظنون على العام المعلوم، مع أنهما لم يردا معاً. وحينئذ فالحكم في هذا تقديم المعلوم على المظنون إلا في هذه الصور الثلاث: الصورة التي ذكرها الإمام والصورتين اللتين ذكرناهما . النوع الرابع - أن يكون كل منهما عامًا من وجه خاصاً من وجه، فيمكن أن يخصّ كل واحد منهما عموم الآخر، كقوله تعالى ﴿وأن تجمعوا بين الاختين﴾ [النساء / ٢٣] مع قوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء / ٤]، فإن الأولى خاصة في الأختين عامة في الجمع في ملك النكاح واليمين، والثانية عامة في الأختين وغيرهما، خاصة في ملك اليمين. وكقوله عليه السلام: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) مع نهيه عن الصلاة في الوقت المكروه. فإن الأول خاص في وقت القضاء عام في الأوقات، والثاني عام في الصلاة خاص في الأوقات. ففيه الأقسام الثلاثة أيضاً . فإن كانا معلومين وعلم المتقدم فالمتأخر ناسخ عند من يقول: إن العام المتأخر ٣٤٣ / ا ينسخ الخاص المتقدم، بل هنا أولى، لأنه / لم يخلص خصوص الأول. وأما عند من لا يقول به فاللائق بمذهبه أن لا يقول بالنسخ هنا - كما في الأول - من جهة الخصوص، وفي الثاني من جهة العموم، بل يذهب في الترجيح وإن لم يعلم ذلك، سواء علمت المقارنة أو لم تعلم أيضاً فاللائق بالمذهبين أن يصار إلى الترجيح بكون أحدهما حظراً والآخر إباحة، أو بكون أحدهما مثبتا والآخر منفياً، أو شرعيا ١٤٤ والآخر فعليا. لأن الحكم بذلك طريقهُ الاجتهاد، وليس في ترجيح أحدهما على الآخر اطراح الآخر، بخلاف المتعارضين من كل وجه. - وأما إذا كانا مظنونين فكما في المعلومين، إلا أنه يرجح فيها بقوة الأشباه. وإن كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً، فإن علم تقدم المعلوم عمل به لكونه معلوماً، وإن علم تأخيره عمل به لكونه ناسخاً. وهذا على رأي من ينسخ الخاص بالعام. وأما على رأينا فالعمل بالمعلوم لكونه معلوما لتعذر النسخ وإن لم يعلم ذلك، سواء علم التقارن أو جهل، فإنا نحكم بالمعلوم لكونه معلوماً . هذا حاصل ما ذكره أبو الحسين في ((المعتمد))، وتابعه صاحب ((المحصول)) وغيره. وأطلق الشيخ في ((اللمع)) وسليم في ((التقريب)) وغيرهما أنهما يتعارضان ولا يقدم أحدهما على الآخر بدليل، وفي جواز خلو مثل هذا عن الترجيح قولان. وإذا خلا سقطا ورجع المجتهد إلى البراءة، ونقل سليم عن أبي حنيفة رحمه الله تقديم الخبر الذي فيه ذكر الوقت، لأن الخلاف واقع في الوقت، فقُدّم ما فيه. وذكر الصيرفي في ((الدلائل)) في تعارض الآيتين أنه إن كان هناك توقيف صرنا إليه، وإن لم يكن إلا العموم ففيها وجهان: (أحدهما) أنّا ننظر إلى أيهما أعم اللفظين بوجه، فيجعل الآخر في الخاصة. و(الثاني) إلى أي اللفظتين ابتدىء بها فالأخرى معطوفة عليها، لأنك لو أثبت اللفظة الثانية كان فيها رفع ما ابتدىء بذكره، فلا يجوز أن يثبت من الثانية إلا ما لا يبطل الأولى، فيكون موافقاً للثاني على ما قلنا في الترتيب، كأنا قلنا: كل ملك يمين فهو مباح، لقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء / ٤] فذكر عموم الزوجات وعموم ملك اليمين، فكان أخص مما ذكرت من الزوجات وملك اليمين، فثبت أن الجمع بين الأختين الملك والنكاح مستثنى من عموم قوله: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون / ٦] ولم يصح أن تقابل الآية بالآية الأخرى لما وصفته (انتهى). قال ابن دقيق العيد: هذه المسألة من مشكلات الأصول، والمختار عند المتأخرين الوقف إلا بترجيح يقوم على أحد اللفظين بالنسبة إلى الآخر. (قال): وكأن مرادهم الترجيح العام الذي لا يخص مدلول العموم، كالترجيح بكثرة ١٤٥ الرواة وسائر الأمور الخارجة عن مدلول العموم من حيث هو مدلول العموم . وذكر أبو الحسين في ((المعتمد)) التفصيل السابق ثم قال: وقال الفاضل أبو سعيد محمد بن يحيى، فيما وجدته معلقاً عنه: العامّان إذا تعارضا فكما يخصص هذا بذاك لمعارضته أمكن أن يخصص ذلك بهذا، وليس أحدهما بأولى من الآخر فينظر فيهما: إن دخل أحدهما تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص. وكذلك إذا كان احدهما مقصوداً بالعموم رجح على ما كان عمومه اتفاقاً. (انتهى). قلت: وهذا هو اللائق بتصرف الشافعي في أحاديث النهي عن الصلاة في الوقت المكروه، فإنه قال: لما دخلها التخصيص بالإجماع في صلاة الجنازة ضعفت دلالتها تقدم عليها أحاديث المقضية وتحية المسجد وغيرها. ولذلك نقول: دلالة ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء/ ٢٣] على تحريم الجمع مطلقاً في النكاح والملك أولى من دلالة الثانية على جواز الجمع باليمين، لأن هذه الآية ما سيقت لبيان حكم الجمع. مَسَألة إذا عارض قياس مستنبط من نص كتاب ما في معنى حديث آحاد، فقيل: إن سميناه قياساً رجحنا عليه الخبر، لأن مستنده مقطوع به، قال في ((المنخول)): والمختار أنه لا يرجح عليه، لأن تسميته قياساً يرجع للقب وهو مقطوع به كالمنصوص، وأخبار الآحاد تقدم على قياس المستنبط من القرآن . مسألة قال الصيرفي: كل متعارضين لا يخرجان عن وجه من أوجه ثلاثة : (أحدها): أن لا يكون لها في الأصل حكم معلوم، كالواقع بابتداء الشرع، مثل الأحداث في الوضوء، فيترك اعتقاد الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر، لأنا لا ١٤٦ ندري أيهما الأولى، ويصار إلى ما عضده الدليل أو رجحه بقياس أو حفظ أو كثرة عدد . و(ثانيها): أن يكون مما يجب في العقل إباحته أو حظره فأي الخبرين جاء بخلاف ما كان متقدما في العقل والشرع فالخبر هو الذي معه دليل الانتقال، لأن الخبر إنما جاء بتوكيد ما تقدم، وقد علم زوال الأول إلى الثاني ولم يعلم زوال الثاني، كقوله عليه السلام: (فيما سقت السماء العشر) وقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) . و(ثالثها): أن يكون مباحاً، فيأتي بمثل ما جاء به الحكم، كالمزارعة، فإن الناس كانوا يستبيحون المزارعة بالثلث والربع، فنهي عنهما، وورد الخبر بإجازتهما، ولم يفد شيئا أفاد فيما كان الناس عليه، فخبر النهي أولى بالاستعمال، هذا إذا علم تقريره على المزارعة مدة ثم جاء الخبران، فإن كانوا مستعملين لها ولا يعلم أنهم أقروا عليها، فإذا جاء النهي عنها ثم جاء الخبر بإجازتها نظر فيهما على هذا الحال . فأما آي القرآن، فكل آية وردت بإباحة شيء في جملة الخطاب، كقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً .. ﴾ [الأنعام / ١٤٥] فأخبر بتحريم شيء مما تضمنته الآية فهي مخصوصة لا محالة. ولو جاء خبر بتحليل ما جاء الخبر الآخر بتحريمه نظر في الخبرين، لأن أحدهما يوجب خصوص الآية والآخر يوجب عمومها وليس هذا مما يصلح أن يأتي بعد الحظر ولا قبله ولا في الأخبار، لأن السنة لا تنسخ القرآن، فإن كان الحظر بيان الآية لم يجز أن يرفع ذلك بالخبر، لأنه يكون نسخاً للقرآن، ويكون خبر التحليل بإزاء خبر التحريم، فكأنه لم يقم دليل الخصوص، فإن قوي أحدهما / على صاحبه فالحكم له (قال): ويجيء الخبران ٣٤٣ / ب مختلفين، والإنسان مخير بينهما، كالإفراد والقِران والتمتع للحاج، فلا يضر ذلك الاختلاف وإن كان محالاً أن يفعله النبي بَّر في حجة واحدة، وإن لم يمكن استعمالها كخبر ميمونة (نكحها وهو محرم) و(مانكحها [إلا] وهو حلال). فأحدهما غلط من الراوي فيصار إلى الدليل يعضد أحدهما . ١٤٧ سَبب الاختلاف فى الروَايَات قال الشافعي رحمه الله في ((الرسالة)): ورسول الله وَليل يقول القول عاماً يريد به العام، وعاماً يريد به الخاص، ويُسأل عن الشيء فيجيب على قدر المسألة، ويؤدي عنه المخبر الخبر مبعّضاً، والخبر مختصراً، والخبر يأتي ببعض معناه دون بعض، ويحدث الرجل عنه الحديث قد أدرك جوابه ولم يدرك المسألة على حقيقة الجواب لمعرفته السبب الذي يخرج عليه الجواب، ويسنّ في الشيء سنة وفيما يخالفه أخرى فلا يخلص بعض السامعين من اختلاف الحالتين اللتين سنّ فيهما، ويسنّ سنة في نصّ معناه فيحفظهما حافظ آخر في معنى، يخالفه في معنى، ويجامعه في معنى سنة غيرها لاختلاف الحالين فيحفظ غيره تلك السنة، فإذا أدى كلُّ ما حفظ رآه بعض السامعين اختلافاً، وليس فيه شيء. ويسنّ بلفظ مخرجه عام جملة بتحريم شيء أو تحليله، وليس في غيره خلاف الجملة فيستدل على أنه لم يُرد بما حرم ما أحل، ولا بما أحل ما حرم. (قال): ولم نجد عنه شيئا مختلفاً فكشفناه إلا وجدنا له وجهاً يحتمل به أن لا يكون مختلفاً، وأن يكون داخلا في الوجوه التي وصفت (انتهى). ١٤٨ القَول في ترجيح الظواهر من الأخبَار المتعَارِضَةِ وهو إنما يكون بالنسبة إلى ظن المجتهد، أو بما يحصل من خلل بسبب الرواة، كما سبق . وأما التعارض في نفس الأمر بين حديثين صحيحين فغير صحيح، قال ابن خزيمة: لا أعرف أنه روي عن الرسول حدیثان بإسنادين صحيحين متضادين، ومن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما. وقال الشافعي في ((الرسالة)): ولم نجد حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج، أو على أحدهما دلالة إما موافقة كتاب الله أو غيره من السنة أو بعض الدلائل (انتهى). وهو باعتبارين: (أحدهما) أن يرجح أحدهما على الآخر من جهة الإسناد، و(الثاني) بالمتن . ١٤٩ أمَا الترجيح بالإسناد فَله اعتبارات أولها - بكثرة الرواة: فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل بخلافه، كاحتجاج الحنفية على عدم الرفع في الركوع، بحديث إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، أن النبي وَلّ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود .. فيقول: قد روى الرفع ثلاثة وأربعون صحابيا، وكثير منها في الصحيحين. وكرواية التغليس بالصبح على رواية الإسفار. هذا مذهب الأكثرين، وهو الصحيح عندنا ونصّ عليه الشافعي في ((الرسالة)) وقال: الأخذ بحديث عبادة بن الصامت في الربا أولى من حديث أسامة: (إنما الربا في النسيئة) لأنه رواه مع عبادة عمرُ وعثمان وأبو سعيد وأبو هريرة، ورواية خمسة أولى من رواية واحد، وقرّره الصيرفي واحتج له بأن الله جعل الزيادة من العدد بالنسبة لشهادة النساء موجباً للتذكر فقال: ﴿أن تُضِلَّ إحداهما فتذكّرَ إحداهما الأخرى﴾ [البقرة / ٢٨٢] وكذلك جنس الرجال كلما كثر العدد قوي الحفظ، ونقله ابن القطان عن الجديد (قال): وأشار إلى الفرق بأن الشهود منصوص على عدالتهم فكفينا مؤونة الاجتهاد، والأخبار مبنية على الاجتهاد والاستدلال، والأولى ترجيح الأكثر، لأنهم عن الخطأ أبعد (قال): وذهب في القديم إلى أنهما سواء وشبّهه بالشهادات . قلت: وعكس ابن كج وابن فورك في كتابيهما هذا النقل فقالا: قال الشافعي رحمه الله تعالى في القديم: يرجح الخبر الذي هو أكثر رواة، لأن المصير إلى الأخبار إنما هو من طريق علم الظاهر، ويحتمل الغلط والكثرة تدفع الغلط. وقال في الجديد: إنهما سواء، وعوّل في ذلك على أنهما قد استويا جميعاً في لزوم الحجة عند ١٥٠ الانفراد، فإذا اجتمعا فقد استويا ويُطلب دلالة سواهما، وبالقياس على الشهادة (انتهى). وقال سليم: أومأ الشافعي إلى أنهما سواء في موضع آخر، وحيث قلنا: يرجح بالكثرة فقال القاضي: لا أراه قطعياً، وقال إمام الحرمين: إن لم يمكن الرجوع إلى دليل آخر قطع باتباع الأكثر فإنه أولى من الإلغاء، ولأنا نعلم أن الصحابة لو تعارض لهم خبران بهذه الصفة لم يعطّلوا الواقعة، بل كانوا يقدمون هذا. (قال): وأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة ظنية، والاعتماد على ما يؤدي إليه اجتهاد الناظر . وفي المسألة رأي رابع صار إليه القاضي والغزالي أن الاعتماد على ما غلب على ظن المجتهد، فرب عدل أقوى في النفس من عدلين، لشدة تيقظه وضبطه. فلما كثر العدد ولم يقوَ الظن بصدقهم كان خبرهم كخبر الواحد سواء . وبالجملة، فالراجح هو الأول. قال ابن دقيق العيد: بل هو أقوى المرجحات، فإن الظن يتأكد عن ترادف الروايات. ولهذا يقوى الظن إلى أن يصير العلم به متواتراً . وهنا تنبيهات : الأول : لو تعارضت الكثرة من جانب والعدالة من جانب آخر. ففيه احتمالان لإلكيا (أحدهما): ترجيح الكثرة، لقربها من المستفيض والتواتر. و(الثاني): ترجيح العدالة، فإنه رب رجل يعدل ألف رجل في الثقة، ونعلم أن الصحابة كانوا يقدمون رواية الصديق على رواية عدد من أوساط الناس . (قال): وهذا لا نجد له مثالاً من النص، فإن الذي أورده كثير من العلماء يحتمل التأويل، كتعارض الأخبار في القراءة خلف الإمام وتعارض الأخبار في الأذان للصبح قبل الوقت. وللقياس مجال وراء الخبر، وان وجدنا مثالاً فحكمه ما ذکرنا . ١٥١ وهذه المسألة قد ذكرها أستاذه في ((البرهان)) وحكى فيها الخلاف عن المحدثين، وأن منهم من يقدم العدد، ومنهم من يقدم مزية الثقة، (ثم قال): والمسألة لا تبلغ القطع، والغالب على الظن تقديم مزية الثقة . الثاني - لا يخفى أن صورة المسألة / أن لا يبلغ عدد المخبرين في الكثرة إلى حالة ٣٤٤ / ١ تقتضي العلم . الثالث - أن هذا بالنسبة إلى الأخبار. أما الآيات فإذا جاءت آيتان تدل على معنى واحد، وآية واحدة تدل على خلافه، فهل تُرجَّح الأولى. قال ابن القطان في كتابه: ذهب بعض أصحابنا إلى تخريجه على قولين، فيرجح بكثره الآي کما يرجح الخبر بكثرة الرواية. وذهب بعضهم إلى أنهما سواء . والفرق بينهما وبين الأخبار أن الخطأ من الرواة ممكن، وهو شيء مبني على الاجتهاد، بخلاف الآي. ومن قال بالأول قال: إن ذلك يساوي الأخبار في قوة الدلالة عليها. والعمومان أقوى في النفس من عموم واحد كما قال الشافعي رضي الله عنه في شاهد ويمين وشاهدين، أنه يؤخذ بالأقوى، وتلك على قولين، وهذه على وجهين . ثانيها - بقلة الوسائط وعلو الإسناد: لأن احتمال الغلط والخطأ فيما قلّت وسائطه أقل، وهو أحد فوائد طلب الإسناد العالي، كقول الحنفي : الإقامة مثنى، كالأذان، لما روى عامر الأحول عن مكحول أن أبا محيريز حدّثه أن أبا محذورة حدثه أن النبي وّ علّمه الأذان والإقامة، وذكر فيه الإقامة مثنى مثنى. فنقول: بل هي فرادى، لما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، فإن خالداً وعامراً من طبقة واحدة روى عنهما شعبة، وحديث عامر بينه وبين النبي وَّ ثلاثة، وخالد بينه وبين النبي وَ لَو اثنان . واعلم أن الترجيح بهذا ظاهر، إذا كان لا يعزّ وجود مثله، فإن كان فهو مرجوح من هذه الحيثية، لأن الترجيح بالأغلب مقدم على الأندر . ١٥٢ وثالثها - تقدم رواية الكبير على رواية الصغير : لأنه أقرب إلى الضبط، ومثّلوه برواية ابن عمر الإفراد في الحج، ورواية أنس القِرانَ. وما قيل فيه يتولج على النسا(١) وسبب هذا الترجيح - والذي قبله - زيادة الظن بالضبط. وقد رجح الشافعي في ((الرسالة)) بتقديم أنس في أحاديث ربا الفضل وفي صلاة الخوف فقال بتقدم أنس في الصحبة. وهل تتقدم رواية الخلفاء الأربعة على غيرهم أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد، ومثله رواية أكابر الصحابة على غير الأكابر . ورابعها - بفقه الراوي : سواء كانت الرواية بالمعنى أو باللفظ فتقدم رواية الفقيه على من دونه، لأنه أعرف بمقتضيات الألفاظ . وقيل: هذا في خبرين مرويين بالمعنى، فإن رويا باللفظ فلا مرجح . والصحيح الأول، لأن للفقيه مزيةً التمييز بين ما يجوز وما لا يجوز . قال ابن برهان: أو يكون أحدهما أفقه من الآخر، مثل رواية عائشة أن النبي وَ ل ◌ّ (كان يصبح جنباً من غير احتلام ويصوم) على رواية أبي هريرة (من أصبح جنبا فلا صوم له). (قال): وسبب تقديمه أن عائشة كانت أفقه من أبي هريرة . قلت: والأولى أن يكون هذا مثالاً لتقديم شاهد القصّة على من لم يشاهدها وإنما أخبر بها، فإن أبا هريرة لما سئل عن ذلك ذكر أن الفضل بن عباس حدثه به، وعائشة كانت مباشرة للواقعة. وقال ابن دقيق العيد: وهذا لا ينبغي تمثيله بالصحابة تأدباً. وقد مثل برواية إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، مع رواية الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، فإن الأولين فقيهان مشهوران، والأخيرين إما شيخان أو دونهما في الفقه . (١) كذا في مخطوطتين. وفي الباريسية والازهرية (يتولح على السا). ١٥٣ خامسها - بعلمه بالعربية: فإن العالم بها يمكنه التحفظ عن مواقع الزلل، فيكون الوثوق بروايته أكثر (قال): ويمكن أن يقال: إنه مرجوح، لأن العالم بها يعتمد على معرفته، فلا يبالغ في الحفظ، والجاهل بها يكون خائفاً فيبالغ في الحفظ . سادسها - الأفضلية : فتقدم رواية الخلفاء الأربعة في رفع اليدين على رواية ابن مسعود. سابعها - حسن الاعتقاد : فتقدم رواية السني على المبتدع، كرواية إبراهيم بن أبي يحيى مع غيره. قال الهندي: وهذا فيه نظر، لأن بدعته إن كانت بذهابه إلى أن الكذب كبيرة كان ظن صدقه أكبر. ثامنها - كون الراوي صاحب الواقعة : لأنه أعرف بالقصة، كقول ميمونة: (تزوجني رسول الله يقر ونحن حلالان) فتقدم على رواية ابن عباس (نكحها وهو محرم) وقد خالف في هذا الجرجاني من الحنفية . تاسعها - كون أحدهما مباشراً لما رواه : كترجيح خبر أبي رافع في تزويج النبي وَل ميمونة وهما حلالان على خبر ابن عباس، لأن أبا رافع كان السفير بينهما. وحديث عائشة في صوم الجنب على أبي هريرة. عاشرها - الأقرب إلى الرسول وَلير على غيره: وإنما كان سببا للترجيح، لأن الظاهر والغالب أن كثرة المخالطة تقتضي زيادة في الاطلاع. وهذا ذكره ابن برهان ومثّله برواية على رضي الله عنه أن النبي ◌َّ (ما كان يحجزه شيء عن القرآن سوى الجنابة) على رواية ابن عباس لكونه أقرب ثم ذكر بعد ذلك كون أحدهما اعرف بحال النبي وَّر من غيره، كأزواجه فتقدم ١٥٤ روايتهن على رواية غيرهن . حادي عشرها - إذا كان أحدهما أقرب إليه باعتبار الجسم: كتقديم رواية ابن عمر الإفراد على غيره، فإنه قال: كنت آخذاً بزمام ناقة النبي ونَ﴾، وقال: (ليلني منكم ذوو الأحلام والنهي). ثاني عشرها - كون أحدهما جليس المحدثين أو أكثر مجالسة من الآخر: لأنه أقرب إلى معرفة ما يعتور الرواية ويداخلها من الخلل. ثالث عشرها - كثرة الصحبة : ترجح روايته على قليلها، لما يحصل من زيادة الظن بسبب كثرة الصحبة في المعرفة بأحوال المصحوب. وقد نقل هذا عن بعض التابعين فقدم رواية ابن مسعود على رواية وائل بهذه العلة، وبسب طول الصحبة . رابع عشرها - بكونه مختبراً : فيرجح العدل بالتزكية على العدل بالظاهر. هذا إن قبلنا رواية المستور، وإلا فلا تعارض بينهما. خامس عشرها - العدل بالممارسة والاختبار: على من عرفت عدالته بالتزكية، فإنه ليس الخبر كالمعاينة. سادس عشرها - بكونه / معدّلاً بصريح التزكية: ٣٤٤ / ب فيرجح على المعدل بالحكم بالشهادة، لأن عدالته ضمنية. سابع عشرها - بكونه معدّلاً بالحكم بها: على المعدّل بالعمل على روايته، للخلاف في كون ذلك تعديلاً وأطلق في ((المحصول)) أن عمل المزكي برواية من زكّاه مرجح لروايته على من لم يعمل بها . ثامن عشرها - التزكية مع ذكر أسباب العدالة: أرجح من التزكية المجردة، قاله في ((المحصول)): ١٥٥ تاسع عشرها - بكثرة المزكين للراوي: كتقديم حيث بسرة على حديث طلق، لكثرة المزكين والرواة لبسرة، وقلة ذلك في حديث طلق . العشرون - حفظ الراوي للفظ الحديث واعتماد الآخر على المكتوب : فالحافظ أولى، لما لعله يعتور الخط من نقص وتغير. قال الإمام: وفيه احتمال، ويؤيده أن البخاري روی في كتابه المفرد في رفع الیدین، روی حدیث سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود قال: ألا أحدثكم بصلاة رسول الله وَّر، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة ثم لم يعد. (قال): قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس قال عاصم فلم أجد فيه ((ثم لم يعد)). قال البخاري: هذا أصح، لأن الكتاب أثبت عند أهل العلم. قلت: ومن هذا يؤخذ ترجيح رواية عبد الله بن عمرو بن العاص على رواية أبي هريرة، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: ما من أصحاب النبي ◌ّ أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب . الثالث والعشرون: قوة حفظه وزيادة ضبطه وشدة اعتنائه: فيرجح على من كان أقل في ذلك. حكاه إمام الحرمين عن إجماع أهل الحديث، ومثّله برواية عبيد الله بن عمر بن عبد العزيز على رواية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، لأن الشافعي قال: ((بينهما فضل ما بين الدرهم والدنانير)) والتفضيل لعبيد الله. ثم قال: وهو عندي كاختصاص أحد الخبرين بكثرة الرواة . الرابع والعشرون: سرعة حفظ أحدهما وإبطاء نسيانه: مع سرعة حفظ الآخر وسرعة نسيانه، لأن نسيان الأول بعد الحفظ بطيء. وهذا ذكره الهندي احتمالاً، وصدّر كلامه بأنهما متعارضان . ١٥٦ الخامس والعشرون: أن لا يكثر تفرده بالروايات عن الحفاظ : فإن كثر فيجوز أن يقدم خبره عليه على خبره(١). قاله الغزالي. أي وإن قلنا زيادة الثقة . السادس والعشرون - دوام عقله : فيرجح على من اختلط في عمره ولم يعرف أنه روى الخبر في حالة سلامة عقله أو حال اختلاطه . السابع والعشرون - شهرة الراوي بالعدالة والثقة: فيرجح رواية المشهور على الخامل، لأن الدين كما يمنع من الكذب كذلك الشهرة والمنصب . الثامن والعشرون - شهرة نسبه : فإن احتراز مشهور النسب مما يوجب نقص منزلته المشهورة فيكون أكثر. قاله الآمدي وابن الحاجب، وفيه نظرٌ بل الظاهر أنه لا مدخل لذلك في الترجيح . نعم، قال في ((المحصول)): رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهوله. التاسع والعشرون - عدم التباس اسمه : فيرجح رواية من لم يلتبس اسمه باسم غيره من الضعفاء على رواية من يلتبس فيه ذلك. وهذا بشرط أن لا يعسر التمييز. قاله في ((المستصفى)) و((المحصول)). الثاني: بوقت الرواية : - فيرجح الراوي في البلوغ على الذي روى في الصبا وفي البلوغ، لأن البالغ أقرب إلى الضبط، ويرجح الخبر الذي لم يتحمل رواية إلا في زمن بلوغه على من لم يتحمل إلا في زمن صباه، ولهذا قدم رواية ابن عمر في الإفراد على رواية أنس في القِران. فإن قيل: فكيف قدم الشافعي رواية ابن عباس في التشهد على رواية ابن (١) كذا في جميع الأصول ١٥٧ مسعود؟ قلنا: لأن متأخر الصحبة مقدم على متقدمها في الرواية، لاحتمال النسخ . - ويرجح من لم يرو إلا في حال الإسلام، ويرجح متأخر الإسلام، فيرجح مِن تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه، لأن تأخر الإسلام دليل على روايته آخِراً، كتقديم رواية أبي هريرة في النقض من مس الذكر على رواية قيس. والظاهر أن روايته بعد إسلامه. هكذا ذكره الشيخ أبو إسحاق وابن برهان، وتبعهم البيضاوي وغيره. وجزم الآمدي بعكسه معتّلاً بعراقة المتقدم في الإسلام ومعرفته. وليس بشيء. وقال الأستاذ أبو إسحاق: يقدم خبر المتأخر الإسلام إن كان في أحد الخبرين ما يدل على أنه كان في ابتداء الإسلام، وإن جاز أن تكون روايته متأخرة عن رواية المتأخر، فإذا مات المتقدم قبل إسلام المتأخر وعلمنا أن الأكثر رواة المتقدم فتقدم على رواية المتأخر، فهاهنا نحكم بالرجحان، لأن النادر ملحق بالغالب . وقال الأستاذ أبو منصور: إن جهل تاريخهما فالغالب أن رواية متأخر الإسلام ناسخ، كما نسخنا رواية طلق برواية أبي هريرة، وإن علم التاريخ في أحدهما وجهل في الآخر نظر: فإن كان المؤرخ منهما في آخر أيام النبي ◌َّ فهو الناسخ لما لا يعلم تاريخه فينسخ قوله عليه السلام: (إذا صلى الإمام قاعداً فصلوا قعوداً) بصلاة أصحابه قياما خلفه وهو يصلي قاعداً في مرضه الذي مات فيه، وإن لم يعلم التاريخ فيهما ولا في أحدهما واحتيج إلى نسخ أحدهما بالآخر فقيل: الناقل منهم عن العادة أولى من الموافق لها. وقيل: المحرِّم أولى من المبيح، وكذا الموجب أولى، فإن كان أحدهما موجبا والآخر محرما لم يقدم أحدهما على الآخر إلا بدليل . وقال إلكيا: يرجح أحد الخبرين على الآخر بإمكان تطرق النسخ إلى أحدهما إن لم يجد متعلقا سواهما، كحديث طلق وأبي هريرة. هذا إذا لم يكن أحدهما محتملا، فإن كان فلا، كحديث ابن عُكيم: جاءنا كتاب رسول الله وَالر قبل موته بشهر أن ا لا تنتفعوا من الميتة بإهاب / ولا عصب، فإنه يمكن أن يكون المراد به قبل الدباغ، فإن الإهاب اسم له قبل الدباغ، وبعده يسمى السختيان للأديم . ١٥٨ ويدخل في هذا القول في الترجيع في الأذان وإيتار الإقامة، لأن الترجيع في رواية أبي محذورة، وسعد القرظ، متأخر عن أذان بلال رضي الله عنهم . واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح. وقد تتعارض هذه المرجحات، كما في كثرة الرواة وقوة العدالة وغيره، فيعتمد المجتهد في ذلك ما غلب على ظنه . فائــدة : قال إلكيا الطبري: إنا لا ننكر تفاوتاً بين الذكور والإناث في جودة الفهم وقوة الحفظ، ومع هذا لم يقل أحد أن رواية الذكر تقدم على رواية الأنثى، لأن هذا أمر يرجع إلى الجنس، والترجيح إنما يكون بالنوع . قلت: قد حكى سليم فيه الخلاف فقال: لا تقدم رواية الذكر على الانثى، ولا الحر على العبد، خلافاً لمحمد بن الحسن، لأن الذكورة والحرية لا تأثير لهما في قوة الخبر، فلا يدخلان في الترجيح. (انتهى). وكذا قال الأستاذ: لا ترجح رواية الذكر. وقيل: إنما يقدم الذكر في غير أحكام النساء. أما أحكامهن فيقدمن على غيرهن، لأن همتهن وقصدهن لما حفظنه أكثر، وبه جزم السهيلي في ((أدب الجدل))، فحصل ثلاثة مذاهب. الثالث: بكيفية الرواية : (فمنها): يرجح الحديث المتفق على رفعه إلى النبي وَ لّر على المختلف في رفعه، والمتفق على وقفه، كتقديم حديث عبادة في (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) على حديث جابر (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج إلا أن يكون وراء الإمام) فإنه موقوف في ((الموطأ)). و(ثانيها): يرجح الخبر المؤدَّى بلفظ النبي وَلَّ على المروي بمعناه. وحكى صاحب ((المصادر)) عن الشريف المرتضى أنه إن كان راوي المعنى عارفاً فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، وإلا قُدِّم من روى اللفظ . و(ثالثها): يرجح الخبر الذي اتفقت رواته على أنه من لفظ النبي وَلّل على الخبر ١٥٩ الذي اختلف فيه: هل هو من لفظه أو هو مدرج من لفظ غيره؟ كخبر السعاية وما يعارضه في العتق، قاله الأستاذ أبو منصور . (رابعها): يرجح الخبر الذي حكى الراوي سبب وروده على من لم يحكه، لزيادة الاهتمام من الحاكي، كما رجح الشافعي رواية ميمونة في النكاح وهو حلال، على رواية ابن عباس. أما إذا انطبق أحدهما على سبب خاص والآخر مطلق فيقدم المطلق، كما قاله إلكيا، بناء على أن العبرة بالعموم (قال): وقد يتصور بصورة السبب ولا يكون في حقيقته، كما روي أن امرأة كانت تستعير المتاع فتجحده فقطعها النبي ◌َله، فقال قوم من المحدثين لما ذكر الاستعارة والجحود دل على أن المستعير إذا جحد يقطع. قيل: هذا ظاهره، لكن يحتمل أن يقال: إنما نقل الجحود والاستعارة لأنه سبب لموافقة ما يوجب القطع، كما قال: (من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه)، ولأنه روي في حديث آخر أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع فتجحده فسرقت فأهمّ قريشاً شأنُها فقال: (والله لو سرقت فلانة) وأشار إلى امرأة عظيمة القدر لقطعتها . فلما ذكر السرقة علم أنها سبب القطع لا الاستعارة، وأن الاستعارة كانت سبب جرأتها على السرقة . (خامسها) أن يتردد الأصل في رواية الفرع عنه، فإنها مقبولة على المختار، إذا لم يجزم بالإنكار، وحينئذ فالخبر الذي لم [يتردد فيه الأصل](١) راجح على هذه. (سادسها) أن يختلف رواة أحد الحديثين ويتفق رواة الآخر. قال أبو منصور: فرواية من لم تختلف طرق رواياته أولى، وذلك كرواية أكثر الصحابة حديث نُصُب الزكاة، أولى من ذكر الاستئناف بعد مائة وعشرين من الإبل، لأن الاستئناف في إحدى روايتي على، والرواية الأخرى عنه بخلافه. وحكى في ((اللمع)) فيه وجهين: (أحدهما) تقدم رواية من لم يختلف عليه. و(الثاني) يتعارضان عمن اختلف عليه، ويتساقطان. وتبقى رواية من لم يختلف. قلت: وهو في الحقيقة راجع إلى الأول . (١) هنا في الأصول كلها بياض. ولعل ما أضيف من السياق هو المكمّل. ١٦٠