Indexed OCR Text

Pages 21-40

الثالثة: استصحاب الحكم العقلي:
عند المعتزلة، فإنّ عندهم أن العقل حُكْمٌ في بعض الأشياء إلى أن يَرِد الدليل
السمعي. وهذا لا خلاف بين أهل السنة في أنه لا يجوز العمل به، لأنه لا حكم
للعقل في الشرعيات.
الرابعة : استصحاب الدليل مع احتمال المعارض:
إما تخصيصاً إن كان الدليل ظاهراً، أو نسخاً إن كان الدليل نصّاً. فهذا أمره
معمول به بالإجماع. وقد اختلف في تسمية هذا النوع بالاستصحاب، فأثبته جمهور
الأصوليين ومنعه المحققون، منهم إمام الحرمين في ((البرهان)) وإلكيا في ((تعلیقه))،
وابن السمعاني في ((القواطع))، لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا من ناحية
الاستصحاب. ثم قال إمام الحرمين: إنها مناقشة لفظية، ولو سماه استصحاباً لم
يناقش. وقال أبو زيد: هذا قد يُعَدُّ من الاستصحاب، لأن دليل ثبوت الحكم
عندي غير دليل بقائه، فإن النص مثلاً أثبت أصله، ثم بقاؤه بدليل آخر وهو عدم
الْمُزِيل، لأنه لو كان دليل البقاء دليل الثبوت لما جاز النسخ، فإن النسخ يرفع البقاء
والدوام. قال إلكيا: وهذا ليس بشيء، لأن الدليل أما إن لا يقتضي الدوام،
كالمقيّد بالمرة أو المطلق، وقلنا: لا يقتضي التكرار، فلا يَرِد على هذا النسخ، لأنه
قد تم بفعل مرة واحدة وإما أن يدل على التقرير والبقاء نصّاً، كقوله: افعلوه دائماً
أبداً، وهو في الاستمرار ظاهر. فهما دليلان: نصٌّ في الثبوت وظاهر في
الاستمرار. فهذا هو الذي يرد عليه النسخ، وأبو زيد أطلق، وأصاب في قوله:
دليل الثبوت غير دليل البقاء، وأخطأ في قوله: دليل البقاء عدم المزيل، فهذا ليس
من الاستصحاب في شيء. (انتهى).
الخامسة : استصحاب الحكم الثابت بالاجماع في محل الخلاف:
وهو راجع إلى حكم الشرع، بأن يتفق على حكم في حالة ثم تتغير صفة المجمع
عليه ويختلف المجمعون فيه، فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال. مثال:
إذا استدل من يقول: إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته، لأن
الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك، فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن رؤية
٢١

الماء مبطلة. وكقول الظاهرية: يجوز بيع أم الولد، لأن الإجماع انعقد على جواز
بيع هذه الجارية قبل الاستيلاد، فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد.
وهذا النوع هو محل الخلاف، كما قاله في ((القواطع)) وكذا فرض أئمتنا
الأصوليون الخلاف فيها: فذهب الأكثرون - منهم القاضي، والشيخ أبو إسحاق
الشيرازي وابن الصباغ والغزالي - إلى أنه ليس بحجة. قال الأستاذ أبو منصور:
وهو قول جمهور أهل الحق من الطوائف، وقال الماوردي والروياني في ((كتاب
القضاء)): إنه قول الشافعي وجمهور العلماء، فلا يجوز الاستدلال بمجرد
الاستصحاب، بل إن اقتضى القياس أو غيره إلحاقه بما قبل الصفة ألحق به، وإلا
فلا. وقال ابن السمعاني: إنه الصحيح من المذهب.
وذهب أبو ثور وداود الظاهري إلى الاحتجاج به، ونقل ابن السمعاني عن المزني
وابن سريج والصيرفي وابن خيران، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي علي
القطني، وأبي الحسين القطان. قال الأستاذ: أبو إسحاق في ((شرح الترتيب)):
((كان أبو الحسين بن القطان شديد القول به، حتى أنه لو اقتصر ما كان يخرج إلا
استصحاب الحال. قال: وإنما أخذه أهل الكوفة من أصحابنا، وأهل ما وراء النهر
من أهل سمرقند وغيرهم أيضاً شديدو القول به. (انتهى). واختاره الآمدي وابن
الحاجب. وقال سليم في ((التقريب)) إنه الذي ذهب إليه شيوخ أصحابنا،
فيستصحب حكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه.
وحُكي الأول عن الحنفية والظاهرية ومتكلمي الأشعرية. والمعروف عن
الظاهرية إنما هو الثاني. قال الشيخ أبو إسحاق، كان القاضي أبو الطيب يقول:
داود لا يقول بالقياس الصحيح، وهنا يقول بقياس فاسد، لأنه حمل حالة الخلاف
٣٢ / ب على حالة الاجماع / من غير علة جامعة.
والمختار هو الأول، لأن محل الوفاق غير محل الخلاف، فلا يتناوله بوجه، وإنما
يوجب استصحاب الإجماع حيث لا يوجد صفة تغيره، ولأن الدليل إن كان هو
الإجماع فهو محال في محل الخلاف، وإن كان غيره فلا مستند إلى الإجماع الذي
يزعم أنه يستصحب .. قال أصحابنا: والقول باستصحاب الإجماع في محل الخلاف
٢٢

يؤدي إلى التكافؤ، لأنه ما من أحد يستصحب حال الإجماع في شيء إلا ولخصمه
أن يستصحبه في مقابله. وبيانه: أن في مسألة التيمم أن للخصم أن يقول: أجمعنا
على بطلان التيمم برؤية الماء خارج الصلاة فنستصحبه برؤيته فيها، وتغير الأحوال
لا عبرة به .
ونقل الكيا عن الأستاذ أبي إسحاق أنه استدل على النكاح بلا ولي بأن الأصل
في الأبضاع التحريم، فمن ادعى ما يبيح فعليه الدليل (قال): وهذا ليس بشيء،
فإنه يقال: الأصل التحريم قبل وجود أصل النكاح أو بعده؟ إن قلت: قبله،
فمسلّم، أو بعده، فهو محل النزاع، ويمكن أن يجعل ذلك معارضةً لكلامه.
قلت: قال الأستاذ أبو إسحاق في ((شرح الترتيب)): واتفق أن حضرني أبو علي
الهروي، يعني الزبيري، وقال: أنا أقرر الاستصحاب في موضع لا يمكن فيه
المعارضة، فقلت: هاتٍ، فقال: إذا قال المستدل في إبطال الوقف: أن ما وقف قد
تقرر - بالاتفاق - ملك المالك عليه فلا يُزَال إلا بدليل. فقلت: العكس فيه من
وجوه :
أحدها: أن يقال: ما يحصل من المنافع بعد الوقف قد حصل الاتفاق على أنها
غير مملوكة، لكونها معدومة، فلا تدخل في ملك الواقف إلا بدليل.
الثاني: أن الأصل أن لا ملك للواقف على الكراء الذي يأخذه بدلاً عن
المنافع، فلا يملك إلا بدليل.
الثالث: ما يتصرف فيه بعد الوقف من بيعه وهبته، الأصل أنه لم يكن ثابتاً .
قال الأستاذ: إذا كانت مسائل الاستصحاب هكذا، فلا يجوز أن يُجعل من
جملة الأدلة في الأحكام (قال): وما ادّعوه على الشافعي رضي الله عنه أنه قال
بالاستصحاب فلم يذكره احتجاجاً على طريق الابتداء، وإنما ذكره على سبيل
الترجيح بعد تعارض الأدلة (انتهى).
وقد أنكر ابن السمعاني القول بالاستصحاب جملةٌ، وقال: إنه الصحيح من
مذهبنا. أما في استصحاب العام والنص قبل الخاص والناسخ فليس ذلك
استصحاباً، لأن الدليل قائم وهو العام والنص. وأما استصحاب دليل العقل في
٢٣

براءة الذمة فإنما وجب استصحاب براءة الذمم لأن دليل العقل في براءة الذمة قائم
في موضع الخلاف أيضاً، كما في العام والنص، فوجب الحكم به. وأما في
استصحاب الإجماع فالإجماع الذي كان دليلاً على الحكم قد زال في موضع الخلاف
فوجب طلب دليل آخر. وهذه الطريقة حسنة، وقد سبقه إليها إمام الحرمين. وبه
تبين أن الخلاف فيما عدا استصحاب الإجماع لفظي، وبه صرح إمام الحرمين.
ثم قال ابن السمعاني: إنا لا نثبت براءة الذمة باستصحاب الحال ولا نحكم
لشيء لأجل الاستصحاب، لكن نطلب من المدعي حجة يقيمها، فإذا لم يقم بقي
الأمر على ما كان من غير أن نحكم بثبوت شيء. والخلاف واقع في ثبوت الحكم
باستصحاب الحال، وهذا لا نقول به في موضع ما. (انتهى) وهذه طريقة أخرى
تُغاير الأولى، قد ذكرها المتأخرون، وحاصلها التفصيل بين الدوام والابتداء،
ونقول: ليس في الدوام إثبات، وإنما هناك استمرار ما كان لعدم طَرَيان ما يرفعه.
وهي تنبني على الخلاف الكلامي في أن الباقي في محل البقاء هل يحتاج إلى مؤثر؟
وفيه قولان: فإن قلنا: لا يحتاج وصحت(١) وإلا لم ينتهض، لأنك في الدوام تريد
دليلاً وأنت مثبت به فكيف نقول: لم نحكم لشيء؟ وهذا الخلاف في أن الباقي هل
يحتاج إلى مؤثر ينبني على اختلاف آخر في أن علة الحاجة إلى المؤثر، هل هي
الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما، أو الإمكان بشرط الحدوث؟ والحق أن العلة
الإمكان، وأن الباقي يحتاج إلى مؤثر، كما تقرر في علم الكلام، فعلى هذا لا
تنتهض هذه الطريقة.
وممن زعم أن الخلاف لفظي ابنُ برهان، فقال في كتابه الكبير: إذا حقق
استصحاب الحال لم يبق خلاف، فإن قول القائل: الأصل يقتضى كذا فإنما
يتمسك به إلى أن يقوم دليل على خلافه. إما أن يريد بالأصل أصل الشرع، أم
أصل العقل: فإن أراد العقل فالخصم لا يعترف أن العقل يقتضي حكماً، ولأن
الأحكام العقلية إنما تثبت بدليل عقلي، فلا يستصحب الحال فيها، وإن أراد أصل
الشرع فباطل أيضاً، لأن الأحكام الشرعية إنما تثبت بأدلة شرعية. وهذه طريقة
(١) كذا في الأصول.
٢٤

أخرى. وقد يقال بالتزام الثاني بدليل شرعي مستقرأ من جزئيات الشريعة في
العمل به.
وبقي من الأنواع ما ذكره القاضي شريح الروياني أحد أئمة أصحابنا في كتاب
((روضة الحكام)) أنه إذا كان للشيء أصلّ معلوم من الوجوب أو الحل أو الحظر فإنه
يُرَدُّ إليه، ولا يترك بالشك، ولا يخرج عنه إلا بدليل. فلو أسلم إليه في لحم، فأتاه
المسلم إليه بلحم، فقال المسلم هو لحم ميتة، أو ذكاةً مجوسيٍ، فالقول قول
القابض، لأن الأصل تحريم ذلك، لأن الحيوان إن كان محرماً يبقى التحريم مالم
يُعلم زوالُه. ولو اشترى صاعاً من ماء بئر فيه قُلّتان، ثم قال: أردُّه بالعيب فإن
فأرة وقعت فيها، فالقول قول الدافع، لأن الأصل طهارة الماء. (انتهى).
وجعل ابن القطان القول بالاستصحاب يرجع إلى أن الباقي لا دليل عليه،
وهو أنه متى كنّا على حال مجمع عليها فنحن عليها، فمن ادعى الانفصال عنها
احتاج إلى دليل. قال القرطبي: القول بالاستصحاب لازم لكل أحد، لأنه أصل
تنبني عليه النبوة والشريعة، فإنّا إن لم نقل باستمرار حال تلك الأدلة لم يحصل
العلم بشيء من تلك الأمور. (انتهى). وقد سبق أن هذا محل وفاق. وأما الأستاذ
أبو منصور فجعل الخلاف معنوياً مبنياً على الخلاف في حكم الأشياء قبل ورود
الشرع، فمن زعم أنها مباحة استصحب الحال في كل ما رآه مباحاً، فلا يحظره إلا
بدليل. ومن زعم أنها محرمة لم يستصحب شيئاً.
السادسة: وتصلح أن تكون قسيماً لما سبق: استصحاب الحاضر في الماضي:
وهو المقلوب، فإن القسم الأول: ثبوت أمرٍ في الثاني لثبوته في الأول، لفقدان
ما يصلح للتعيين. وهذا القسم في ثبوته في الأول لثبوته في الثاني، كما إذا وقع
النظر / في أن زيداً هل كان موجوداً أمس في مكان كذا، ووجدناه موجوداً فيه
اليوم؟ فيقال: نعم، إذ الأصل موافقة الماضي للحال. وهذا القسم لم يتعرض له
الأصوليون، وإنما ذكره بعض الجَدَليين من المتأخرين. فنقول: إذا ثبت استعمال
اللفظ في هذا المدعى فندعي أنه كان مستعملاً قبل ذلك، لأنه لو كان الوضع غيره
فيما سبق لزم أن يكون قد تغير إلى هذا الوضع، والأصل عدم تغيّره.
٣٢٦ /
٢٥

قال ابن دقيق العيد: وهذا كلام ظريف وتصرف غريب قد يتبادر إلى إنكاره
ويقال: الأصل استقرار الواقع في الزمن الماضي إلى هذا الزمن، أما أن يقال
الأصل انعطاف الواقع في هذا الزمان على الزمان الماضي فلا. وجوابه أن يقال:
هذا الوضع ثابت، فإن كان هو الذي وقع في الزمان الماضي فهو المطلوب، وإن لم
يكن فالواقع في الزمن الماضي، فعاد الأمر إلى أن الأصل استصحاب الحال في
الزمن الماضي. وهذا وإن كان طريقاً، كما ذكرنا، إلا أنه طريق جَدَلٍ لا جَلَّد،
والجدل طريق في التحقيق سالك على محجّ مضيق! وإنما تضعف هذه الطريقة إذا
ظهر لنا تغير الوضع، فأما إذا استوى الأمران فلا بأس.
قلت: وأما الفقهاء فظاهرُ قولهم أنَّ الأصلَ في کل حادثٍ تقديرُه بأقرب زمنٍ
منافاةُ هذا القسم. وقال بعضهم: لم يقل به أصحابنا الفقهاء إلا في صورة واحدة،
وهي [ما] إذا اشترى شيئاً وادعاه مدع وأخذه منه بحجة مطلقة، فإنه يثبت له
الرجوع على البائع. قالوا: فإن البينة لا توجب الملك ولكنها تُظهره، فيجب أن
يكون الملك سابقاً على إقامتها ويقدر له لحظة لطيفة. ومن المحتمل انتقال الملك
من المشتري إلى المدعي ولكنهم استصحبوا مقلوباً، وهو عدم الانتقال فيه فيما
مضى، استصحاباً للحال. وكذلك قالوا: إذا وجدنا ركازاً ولم ندر هل هو إسلامي
أم جاهلي؟ يُحكم بأنه جاهلي على وجه، لأنا استدللنا بوجدانه في الإسلام على أنه
كان موجوداً قبل ذلك. قلت: ومثله: إذا أشكل حال القرية التي فيها الكنيسة
هل أحدثها المسلمون أم لا؟ فقال الروياني: تُقَرّ، استصحاباً لظاهر الحال. ولم
يحكِ الرافعي غيره. ويقاربها صور (منها): لو أحرم بالحج وشك هل أحرم قبل
أشهره أو بعدها؟ كان محرماً بالحج قالوا: لأنه على يقين منه هذا الزمن وفي شك مما
تقدمه، ويمكن أن يوجد أيضاً. فهذه القاعدة. (ومنها): إذا اختلف الغاصب
والمالك فالصحيح تصديق المالك. فقد استصحبوا مقلوباً، وهو الحدوث فيما مضى
استصحاباً للحاضر. ويمكن خلافه، وكذلك مسائل الانعطاف في استصحاب
حكم الصوم على من نوى في النفل قبل الزوال، والثواب على الوضوء جميعه إذا
نوى عند غسل الوجه على وجه، وتعليق العتق على قدوم زيد، ثم يبيعه، فقدم
زيد ذلك اليوم، ونظائره ....
٢٦

٨
الأخذُ بأقلّ مَا قِيل
أثبته الشافعي والقاضي. قال القاضي عبد الوهّاب: وحكى بعض الأصوليين
إجماع أهل النظر عليه. وحقيقته - كما قال ابن السمعاني : أن يختلف المختلفون في
مقدَّر بالاجتهاد على أقاويل، فيؤخذ بأقلُّها عند إعواز الحكم، أي إذا لم يدلّ على
الزيادة دليلٌ.
وقال القفال الشاشيُّ: هو أن يَرِد الفعل من النبي وَله مبيّناً لمجمل ويحتاج إلى
تحديده، فيصار إلى أقل ما يؤخذ، كما قاله الشافعي في أقل الجزية بأنه دينار، لأن
الدليل قام أنه لابد من توقيت، فصار إلى أقل ما حكي عن النبي ◌ّ أنه أخذ من
الجزية. (قال): وهذا أصل في التوقيت قد صار إليه الشافعي في مسائل كثيرة،
كتحديد مسافة القصر بمرحلتين، ومالا ينجس من الماء بالملاقاة بقُلّتين، وأن دية
اليهودي ثلث دية المسلم.
وقال ابن القطان في كتابه: هو أن يختلف الصحابة في تقدير، فيذهب بعضهم
إلى مائة مثلاً، وبعضهم إلى خمسين. فإن كانت دلالة تعضد أحد القولين صير
إليها، وإن لم تكن دلالة فقد اختلف فيه أصحابنا:
فمنهم من قال: نأخذ بأقل ما قيل من حيث كان أقل، ويقول: إن هذا مذهب
الشافعي، لأنه قال: إن دية اليهودي الثلث، وحكى اختلاف الصحابة فيه، وأن
بعضهم قال بالنصف، وبعضهم بالمساواة، وبعضهم بالثلث، فكان هذا أقلّها.
ومثله ما ذهب إليه في الدية أنها أخماس، وروي أنها أرباع، فكانت رواية
الأخماس أولى، لأنها أقل ما روي، فنصير إليه .
٢٧

ومنهم من احتج على القول بأقل ما قيل من كلام الشافعي فيما لو سرق رجل
متاعاً لرجل، فشهد شاهد بألف دينار، وآخر بألف وخمسمائة، أنه لا يحكم إلا
بما اتفقا عليه.
ومنهم من قال: هذا قول حسن إذا كان عليه دلالة، فإن لم يكن معه دلالة فلا
معنى له، لأنه ليس لأحد أن يقول بغير حُجّةٍ إلا وللآخر أن يقول بما هو أقلّ منه أو
أكثرُ بغير حُجّةٍ، وذلك أن القائلين أجمعوا على هذا المقدار واختلفوا فيما سواه،
فأُخذ بما أجمعوا عليه وتُرك ما اختلفوا فيه. يلزمه أن يقف في الزيادة ولا يقطع على
أنه لا شيء فيه، لجواز أن يكون فيه دلالة.
وأما ما قالوه في دية اليهودي، فإن الشافعي رحمه الله تعالى سلك فيه غير هذا
الطريق، وهو أنه قال: قد دل على أن لا مساواة بقوله: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن
كان فاسقاً لا يستوون﴾ [سورة السجدة / ١٨] فإذا بطلت المساواة فليس للناس إلا
قولان، فإذا بطل أحدهما صح الآخر. وأما جعله الدية أخماساً فبدليل، [لا] لأنه
أقل ما قيل .. وأما مسألة الشهادة فإنما حكم فيها بالأقل، لأنه ثبت ذلك بشاهدين،
وانفراد الآخر ليس بحجة، وهذا لا خلاف فيه.
(قال): وقد منع قوم من أهل النظر وقالوا: إن أصلكم هذا ينتقض بالجمعة،
فإن الناس اختلفوا هل تنعقد بأربعين أو باثنين أو بثلاثة، فوجب أن يؤخذ بأقل ما
قيل. فإن قلتم: الأصل هو الظهر ولا يُنتقل عنه إلا بدليل، قيل لكم: وكذلك
الأصل شغل ذمته بالجناية فلا تبرأ إلا بدليل. قالوا: وكذلك الغسل من ولوغ
الكلب يجب أن تأخذ بأقل ما قيل.
٣٢٦ / ب ثم أجاب ابن القطان: / بأن الكلام في هذه المسألة ليس في الحادثة التي قام
الدليل فيها، وإنما كان هنا في الحادثة إذا وقعت بين أصول مجتهد فيها بحادثة،
فنصير إلى أقل ما قيل، وهذا هو موضع الخلافِ بين أصحابنا المخرجِ على
وجهين. فأما مسألة الجمعة فدليلنا الخبر. ولو صح السؤال علينا لاَ نْقَلَب لأبي ثور
على أبي حنيفة، لأنه يجيزها بواحد. وأما ولوغ الكلب فقد صرنا إلى ما نص
عليه - عليه السلام. (قال): وهذه المسألة مبنية على حادثة قد تقدمت قبلنا
٢٨

وانقرض العصر عليها واختلفوا فيها، وأما اليوم فالمدار على الدليل. (انتهى).
وأجاب القفال عن مسألة الجمعة بأنها أقل ما قيل، لأنه أقل ما روي عنه عليه
الصلاة والسلام أنه مجمّع فيهم في زمنه ذلك.
وقسم ابن السمعاني المسألة إلى قسمين يخرج منهما الجواب:
(أحدهما) أن يكون ذلك فيما أصله براءة الذمة، فإن كان الاختلاف في وجوب
الحق وسقوطه كان سقوطه أولى، لموافقة براءة الذمة، مالم يقم دليل الوجوب، وإن
[كان] الاختلاف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه، كدية الذمة إذا وجبت على
قاتله، فهل يكون الأخذ بأقله دليلاً؟ اختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين.
(والثاني): أن يكون فيما هو ثابت في الذمة، كالجمعة الثابت فرضُها، اختلف
العلماء في عدد انعقادها، فلا يكون الأخذ بالأقل دليلاً، لارتهان الذمة بها فلا تبرأ
الذمة بالشك. وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلاً؟ فيه وجهان: (أحدهما): يكون
دليلاً ولا يُنتقل عنه إلا بدليل، لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعاً، وبالأقل خلافاً،
منذلك جعلها الشافعي تنعقد بأربعين، لأن هذا العدد أكثر ما قيل. (الثاني): لا
يكون دليلاً، لأنه لا ينعقد من الخلاف دليل في حكم، والشافعي إنما اعتبر
الأربعين بدليل آخر. قال ابن السمعاني: وهذا كله كلام بعض أصحابنا، وليس
فيه كبير معنى !. (انتهى).
وإنما يتم الأخذ بأقل ما قيل بشروط:
أحدها: أن لا يكون أحد قال بعدم وجوب الشيء. وإلا لم يكن الثلث دية
الذمي - مثلاً - أقلّ الواجب، بل لا يكون هناك شيء هو الأقل.
ثانيها: أن لا يكون أحد قال بوجوب شيء من ذلك النوع، كما لو قيل: إنه
يجب ها هنا فرس، فإن هذا القائل لا يكون موافقاً على وجوب الثلث وإن نقص
ذلك عن قيمة الفرس. والقائل بالثلث لا يقول بالفرس وإن نقصت قيمتها عن
ثلث الدية، فلا يكون هناك شيء هو أقل.
٢٩

ثالثها: أن لا يوجد دليلٌ أخذ غير الأقل، وإلا كان ثبوته بذلك الدليل، لا بهذا
الطريق .
رابعها: أن لا يوجد دليل يدل على ما هو زائد وإلا وجب العمل به وكان مبطلاً
لحكم هذا الأصلِ. ولهذا لم يقل الشافعي بانعقاد الجمعة بثلاثة، ولا بالغسل من
ولوغ الكلب ثلاثاً، وإن كان أقل ما قيل، لقيام الدليل على اشتراط ما صار إليه .
وقال بعض الفضلاء: الأخذ بأقل ما قيل عبارة عن الأخذ بالمحقّق وطرح
المشكوك فيه فيما أصله البراءة، والأخذ بما يخرج عن العهدة بيقين فيما أصله
اشتغال الذمة. ولذلك جعل الأخذ بالأكثر في الضرب الثاني - وهو ما أصله
اشتغال الذمة - بمنزلة الأخذ بالأقل في الأول. وقد وهم بعضهم فأورد عدد الجمعة
سؤالاً، ولم يعلم أن الأخذ فيه بالأكثر بمنزلة الأخذ بالأقل، وبيانه أن المركّب من
أجزاء على قسمين: أحدهما: أن يكون بعضها مرتبطاً ببعض فلا يعتد به إلا مع
صاحبه، كصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار. (وثانيهما) أن لا يرتبط، كمن
وجب عليه لزيد عشرون درهماً يؤديها كل يوم درهماً. ونظير الثاني: دية اليهودي،
فإن أبعاض [الدية] من حيث هي لا تعلق لبعضها ببعض، فمن وجب عليه مائة
من الإبل وجب كل واحد منها من غير تعلق له بصاحبها، فإذا خرج ثلثها برىء
قطعاً، وبقي ما وراءه، والأصل عدمه، فلم يوجد. ونظير الأول: الجمعة فإن
أبعاض عددها يتعلق ببعض، فمن صلاها في ثلاثة لم يخرج عن العهدة بيقين ولم
يأت بما أسقط عنه شيئاً، فأخذنا بالأصل في الموضعين، وهما في الحقيقة شيء
واحد، وحاصله إيجاب الاحتياط فيما أصله الوجوب دون غيره. والفروع في
الموضعين لا تخفى ....
وبهذا يتبين أن الأخذ بأقل ما قيل مركب من الإجماع ومن البراءة الأصلية، فلا
يتجه من القائل المخالفة فيه، ولا يصح التمسك فيه بالإجماع وحده كما قال
القاضي والغزالي وتبعه ابن الحاجب. قال القاضي: ونقل بعض الفقهاء عن
الشافعي أنه تمسك بالإجماع، وهو خطأ عليه، ولعل الناقل زَلّ في كلامه. وقال
الغزالي: هو سوء ظنّ به، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر، ولا مخالفة فيه،
٣٠

والمختلف فيه سقوط الزيادة، والإجماع عليه. نعم، المشكل جعله دليلاً مستقلاً
مع تركيبه من دليلين، فكيف يتّجه ممن يوافق على الدليلين المذكورين مخالفة
الشافعي فيه.
وأما ابن حزم في ((الأحكام)) فأنكر الأخذ بأقل ما قيل، وقال: إنما يصح إذا
أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام، ولا سبیل إلیه. وحکی قولاً أنه يأخذ بأكثر
ما قيل ليخرج عن عهد التكليف بيقين. (قال): وليس الثلث في دية اليهودي
بأقلَّ ما قيل، فقد روينا من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن البصري، أن دية
اليهودي والنصراني ثمانمائة درهم، وهو أقل من ثلث دية المسلم، فكان ينبغي أن
تقولوا به، لأنه أقل ما قيل. وعن بعض المتقدمین أنه لا دیة للکتابي أصلاً، فليس
ثلث الدية أقلَّ ما قيل (قال): ولنا فيه تفصيل.
وقال القاضي عبد الوهاب: يمكن أن يقال: إن الواجب الوسطُ من ذلك.
وأوضح مثال لهذه المسألة قيمة المتلّف، بأن يجني على سلعة يختلف أهل الخبرة في
تقويمها، فیقومها بعضهم بمائة، وبعضھم مائتين، وکذلك إذا جرحه جراحة لیس
فيها أرش مقدّر.
مَسألة
في القول بالأخف:
هذا، قد يكون بين المذاهب، وقد يكون بين الاحتمالات المتعارضة أماراتها.
وقد صار إليه بعضهم، لقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر﴾ [سورة البقرة/١٨٥] ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [سورة
الحج / ٧٨ ] ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (بُعثت بالحنيفية السمحة) وهذا
يخالف الأخذ بالأقل، فإنّ هناك يشترط الاتفاق على الأقل، ولا يشترط ذلك
ها هنا. وحاصله يرجع إلى أن الأصل في المضار المنع، إذ الأخف منهما هو ذلك.
وقيل: يجب الأخذ بالأشق، كما قيل هناك: يجب الأخذ بالأكثر.
٣١
بـ

مَسْألة
النافي للحكم هَل يلزمه الدليل
٣٢٧ / ١
المثبت للحكم يحتاج للدليل بلا خلاف.
وأما النافي فهل يلزمه الدليل على دعواه؟ فيه مذاهب:
أحدها: نعم، وجزم به القفال والصيرفي، واختاره ابن الصباغ وابن
السمعاني، ونقله الأستاذ أبو منصور عن طوائف أهل الحق، ونقله ابن القطان عن
أكثر أصحابنا، وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي وجمهور الفقهاء، ولا يجوز
نفي الحكم إلا بدليل، كما لا يجوز إثباته إلا بدليل، وحكاه الباجي عن الفقهاء
والمتكلمين. وقال القاضي في ((التقريب)) إنه الصحيح، وبه قال الجمهور، وقال
صاحب ((المصادر)): إنه الصحيح، لأنه مدع، والبينة على المدعي، ولقوله تعالى:
﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ [ سورة يونس/٣٩] فذمهم على
نفي مالم يعلموه مبيناً، فدل على أن كلاً منهما عليه الدليل، ولقوله تعالى: ﴿قل
هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ في جواب: ﴿لن يدخل الجنة﴾.
[ سورة البقرة / ١١١ ]
الثاني: أنه لا يجب، وحكاه الماوردي وابن السمعاني وغيرهما عن داود وأهل
الظاهر، لأن الأصل في الأشياء النفيُ والعدمُ، فمن نفى الحكم فله أن يكتفي
بالاستصحاب، لكن ابن حزم في ((الأحكام)) صحح الأول.
والثالث: أن يلزمه في النفي العقلي دون الشرعي، حكاه القاضي في ((التقريب))
وابن فورك.
الرابع: قال الغزالي إنه المختار: أن ما ليس بضروري فلا يعرف إلا بدليل،
والنفي فيه کالإثبات، بخلاف الضروري، وظن بعضهم انفراد الغزالي به، ولیس
كذلك ففي ((الكافي)) للخوارزمي حكاية المذاهب الثلاثة. (ثم قال): ومن
٣٢

أصحابنا من قال: لا يخلو: إما أن یکون النافي شاكاً في نفیه أو نافياً له عن معرفة،
فإن كان شاكاً فلا علم مع الشك، وإن كان يدعي نفيه عن معرفة فتلك المعرفة إما
أن تكون ضرورية أو استدلالية، فإن كانت ضرورية فلا منازع في الضروريات،
وإن كانت استدلالية فلابد من إبراز الدليل. (انتهى). وقال القاضي عبد الوهاب
في ((الملخص)): الخلاف فيما لا يعلم ثبوته وانتفاؤه بالضرورة، وإنما يعلم بالدليل،
ويمكن إقامته عليه، فأما ما يعلم حِسّاً واضطراراً فلا سبيل إلى إقامة دليل على ثبوته
ونفيه، كعلم الإنسان بوجود نفسه وما يجدها عليه في أنه ليس في لجة بحر ولا على
جناح طائر ونحوه.
الخامس: إن نفی علم نفسه بأن يقول: لا أعلم، فلا يلزمه الدلیل، وإن كان
ينفي الحكم فيلزمه الدليل، لأن نفي الحكم حكم، كما أن الإثبات حكم، ومن
نفى حكماً أو أثبته احتاج إلى الدليل، قال ابن برهان في ((الأوسط)): وهذا التفصيل
هو الحق.
والسادس: ذكره بعض الجدلبين: إن ادعى لنفسه علماً بالنفي فلابد له من
الدليل على ما يدعيه، وإن نفى علمه فهو مخبر عن جهل نفسه، لكن الجاهل يجب
أن يتوقف في إثبات الأحكام ولا يحكم فيها بنفي ولا إثبات. واختاره المطرزي في
((العنوان)) وهو قريب من قول أصحابنا: أن الإنسان إن حلف على فعل نفسه
حلف على البتّ، لإمكان اطلاعه عليه، أو على فعل غيره حلف على نفي العلم.
والسابع: قاله ابن فورك: النافي لحكم شرعي إذا قال: ((لم أجد فيه دليلاً وقد
تصفحت الدلائل)) وكان من أهل الاجتهاد، كان له دعوى ذلك. ويرجع إلى ما
تقتضيه العقول من براءة الذمة.
(قال): وهذا النوع قريب من استصحاب الحال، فيجيء على قول من يقول
بالإباحة أو الحظر إن لا دليل عليه، فأما من قال بالوقف فلا يصح ذلك إلا على
طريق استصحاب الحال الشرعي.
والثامن: أنه حجة دافعة لا موجبة، حكاه أبو زيد في ((التقويم)). والتحقيق أن
القائل بأنه لا دليل عليه إن أراد أنه يكفيه استصحاب العدم الأصلي بأن الأصل
٣٣

يوجب ظن دوامه فهو صحيح، وإن أراد أنه لا دليل عليه البتة، وحصول العلم أو
الظن بلا سبب فهو خطأ، لأن النفي حكم شرعي، وذلك لا يثبت إلا بدليل.
وقال الهندي: في هذه خلاف، لأنه إن أريد بالنافي من يدعي العلم أوالظن بالنفي
فهذا يجب عليه الدليل، كما في الإثبات، لأن المسألة مفروضة فيما لا يعلم نفيه
بالضرورة، وإن أريد من يدعي عدم علمه أو ظنه فهذا لا دليل عليه، لأنه يدعي
جهله بالشيء، والجاهل بالشيء غير مطالب بالدليل على جهله، كما لا يطالب به
من يدعي أنه لا يجد ألماً ولا جوعاً ولا حرّاً ولا برداً.
مناظرة :
قال ابن العربي رحمه الله: ذكرت حكماً بحضرة الإمام أبي الوفاء بن عقيل،
فطولبت بالدليل فقلت: لا دليل على، لأني نافٍ، والنافي لا دليل عليه. فقال لي:
ما دليلك على أن النافي لا دليل عليه؟ قلت: هذا لا يليق بمنصبك، أنا نافٍ أيضاً
في قولي ((لا دليل على النافي)) فكيف تطالبني بالدليل؟ فأجاب: يدل على اللزوم
بأن يقال: النافي مُفتٍ، كما أن المثبت مُفتٍ، والفتوى لا تكون إلا بدلیل.
واستشهد بمسألة، وهي أنه لو قامت البينة على رجل أنه كان بالكرخ يوم السبت،
وشهدت أخرى أنه لم يكن بها يوم السبت، بل بالموصل. وكذلك من قال: إن
الله واحد يطالب بالدليل، وليست الوحدانية إلا نفي الثاني. فأجبت بأن هذا
دليل باطل، لأنك تروم به إثبات محال، وهو الدليل على النافي، وذلك لأن
الأسباب المقتضية مع تشعب طرقها وتقارب أطرافها فما من سبب يتعرض لإبطاله
إلا ويجوز فرض تعلق الحكم به، وهذا لا طريق إليه، مع أنه يفوت بهذا مقصود
النظر من العثور على الأدلة وبدائع الأحكام. قلت: وما هذا إلا كالمدعي
والمنكر، فإن المدعي مثبت والمنكر ينفي ولا يطالب بإقامة البينة على نفيه. وأما
مسألة الشهادة فلا تلزم للتعارض بين النفي والإثبات. وأما الوحدانية فالتعرض
لإثبات إله على صفة، فإثبات صفة الوحدانية فيها نفي الشركة.
٣٤

مسألة
ولهَا تعَلَّق بالاسْتصحَاب
نقل الدبوسي عن الشافعي أن عدم الدليل حجة في إبقاء ما ثبت بالدليل، لا لما
لم يصح ثبوته (قال): ولهذا لم يجز الصلح على الإنكار، ولم يجز شغل الذمة بالدين
فلم يصح الصلح (قال): وعندنا هو جائز. ويقول: قول المنكر ليس بحجة على
المدعي، كقول المدعي ليس بحجة على المنكر (قال): وقال بعضهم: هذا الذي
قاله الشافعي یکون حجة في حق الله تعالى ولا یکون حجة على خصمه بوجه.
(انتهى).
وأنكر عليه ابن السمعاني ذلك وقال: عدم الدليل ليس بحجة في موضع.
والذي ادعاه على الشافعي من مذهبه / لا ندري كيف وقع له. والمنقول عن ٣٢٧ / ب
الأصحاب ما قدمناه. وأما مسألة الصلح على الإنكار فقد بيّنًا وجه فساده في
(الخلافيات)).
وذكر أيضاً مسألة الشفعة على هذا الأصل، وهي أن من كان في ملكه شقص
وباع شريكه نصيبه وأراد الشريك أخذه بالشفعة، أو كان جاراً - على أصولهم -
فأنكر المشتري الشقص ملكاً (قال): عند الشافعي لا يلتفت إلى إنكاره ويثبت له
الأخذ بالشفعة بظاهر ملكه بيده. وعندنا: ليس له حق الشفعة حتى يقيم البينة أن
الشقص ملكه. قلت: وقال الروياني في ((البحر)) (في باب التيمم): ظاهر كلام
الشافعي رحمه الله تعالى أن السكوت وعدم النقل دليل على عدم الحكم ولهذا قال
في الماسح على الخفين : هل يلزمه إعادة الصلاة؟ إن صح حديث علي رضي الله
عنه قلت به في الأمر بالمسح على الجبائر، لأنه لم يلزمه الإعادة. فإن صح قطعت
القول به (قال): فجعل سكوته عن الإعادة دليلاً على نفي وجوبها.
٣٥

قلت: بل ظاهر كلام الشافعي التفصيل بين أن يكون مما تتوفر الدواعي على
نقله أم لا، فإنه قال في تقدير أن خبر ماعز حيث رجم ولم يجلد ناسخ لحديث
الجمع بينهما. قال: فإن قال قائل: لعله جلده ورجمه. قيل: كانت قصته من
مشاهير القصص، ولو جلد لنقل. فإن قيل: رب تفصيل في القصص لا يتفق نقله
ودواعي النفوس إنما تتوفر على نقل كليات القصص. فإن صح في الحديث المتقدم
التصريح بالجلد فلا يعارضه التعلق بعدم نقل في حديث مع اتجاه وجه بترك النقل
فيه قال الشافعي مجيباً: الأمر كذلك، والحق أحق أن يتبع، ولولا أن أبا الزبير
روى عن جابر أن رسول الله و له رجم ماعزاً ولم يجلده .. تعارض الحديث الأول
بقصة ماعز. (انتهى).
أما إذا لم يعلم على الحكم سوی دليل واحد وعلة واحدة فهل يكون عدم كل
واحد منهما دالاً على عدم الحكم؟ ينبغي أن يُفَصَّل في ذلك بين الحكم العقلي
والشرعي فيقال: إن كان ذلك الحكم عقلياً فإن العكس فيه غير لازم، إذ لا يلزم
من نفي دليل معين أو علة معينة نفي الحكم، لجواز أن يكون ثَمَّ دليل آخر أو علة
أخرى ولم يعلم بهما، وعدم علمنا بالشيء لا يدل على عدمه، فلم يحصل القطع
واليقين بعدم ذلك الحكم عند عدم ذلك الدليل أو تلك العلة. وإن كان ذلك
الحكم شرعياً فإن العكس فيه لازم، لأنا مكلفون في الأمور الأخروية بغلبة الظن،
ونحن إذا لم نعلم على الحكم سوى دليل واحد أو علة واحدة غلب على الظن عدم
الحكم من عدم ذلك الدليل أو عدم تلك العلة، والظن متعبّد به في الشرعيات،
بخلاف العقليات فإن المطلوب فيها القطع واليقين، وأنه غير مظنون به في هذا
الموطن.
مسألة
إذا قال الفقيه: بحثت وفحصت فلم أظفر بالدليل، هل يقبل منه ويكون
الاستدلال بعدم الدليل؟ قال البيضاوي: نعم، لأنه يغلب ظنَّ عدمه. وقال ابن
برهان في ((الأوسط)): إن صدر هذا عن المجتهد في باب الاجتهاد والفتوى قُبل
٣٦

منه، أو في محل المناظرة لا يقبل، لأن قوله: ((بحثت فلم أظفر)) يصلح أن يكون
عذراً بينه وبين الله تعالى، أما انتهاضه في حق خصمه فلا، لأنه يدعو نفسه إلى
مذهب خصمه، وقوله: ((لم أظفر به)) إظهار عجز ولا يحسن قبوله، فيجب على
خصمه إظهار الدليل إن كان. وهذا التفصيل هو حاصل ما ذكره الكيا، على طول
فيه، بعد أن قيَّد جواز عدم التعلق بالدليل بشرط الإحاطة بمآخذ الأدلة إما من
جهة العبارة أو غيرها، كقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيها أوحي إلي محرَّماً على
طاعم﴾ [سورة الأنعام / ١٤٥] فجعل عدم الوحي في الأمر دليلاً، إذ هو عالم بالعدم .
وهذه الطريقة اشتهرت بين المتأخرين، يستدلون بها في مسائل لا تُحصى في طرق
النفي، وهو أن يقول: هذا الحكم غیر ثابت، لأنه لو ثبت لثبت بدلیل، ولا دليل
لأنه إما نص أو إجماع أو قياس، والأول منتفٍ، لأنه لو كان عن نص لنقل، ولم
ينقل ولو نقل لعرفناه بعد البحث والفحص التام. والإجماع منتفٍ لوجود الخلاف
بيننا، والقياس منتف لقيام الفارق بينه وبين الأصل الذي هو قياس علة الخصم.
ونازع القاضي نجم الدين القدسي صاحب الركن الطاووسي في كتابه
((الفصول)) بأنه يحتاج إلى الاطلاع على جميع النصوص من الكتاب والسنة، ثم إلى
معرفة جميع وجوه الدلالات. وهذا أمر لا يستطاع للبشر. وأسرار القرآن والسنة
كثيرة، ومظانها دقيقة، وعقول الناس في فهمها مختلفة، حتى إن منهم من يتكلم
على الآية الواحدة أو الحديث الواحد مجلدات كثيرة في فوائدها ودلالتها، ومع ذلك
لا ينتهي. ولذلك قال النبي ◌ّر في القرآن: (هو الذي لا تنقضي عجائبه) فلا يمكن
الانسان علم عدم النص الدالّ على نفي الحكم إلا إذا علم ذلك كله، وهو
مستحيل، ولو فرض علمه به لغفل عنه في بعض الأوقات، كما رووا أن عمر رضي
الله عنه أنكر المغالاة في المهر حتى قالت له المرأة: كيف مُنعناه وقد أعطانا الله ثم
قرأت: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ [سورة النساء / ٢٠] ولا شك
أن عمر رضي الله عنه كان حافظاً للآية عالماً بها، ولكن ذهبت عنه ذلك الوقت،
فعُلم أن ذلك عسير جداً، فكيف يصير قوله: ((بحثت فلم أجد)» دليلاً؟! وقد
يكون علمه قليلاً وفهمه ناقصاً وقوله غير مقبول، فلعله وجد وكتم، خوفاً أو
عيره. وفي تجويز ذلك فساد عظيم (انتهى ملخصاً) وقال الحواري في ((النهاية)):
٣٧

بعض الفقهاء يتكايس ويقول: الدليل على أنه لا نص ها هنا أنه لو كان لعثر عليه
صاحب المذهب مع مبالغته في البحث وعلمه بموارد النصوص. والظاهر أنه إذا
عثر على النص لا يخالفه. وهذا قريب، لأنه لا يدعي نفي الحكم قطعاً بل ظناً،
فيكفيه نفي الدليل ظاهراً إن تمسك بالقياس النافي للحكم.
٣٨

٨
شَرع من قَبَلنا
ويشتمل على مسألتين :
إحداهما: فيما كان النبي ◌َ ◌ّ [متعبدأ به] قبل البعثة:
وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب:
أحدها: أنه كان متعبداً بشرع قطعاً، ثم اختلفوا: فقيل: كان على شريعة آدم
عليه السلام، لأنه أول الشرائع. وقيل: نوح، لقوله تعالى: ﴿شرع لكم من
الدين ما وصَّ به نوحاً﴾ [سورة الشورى / ١٣] وقيل: إبراهيم، لقوله تعالى: ﴿إن
أولى الناس بإبراهيم لَلّذين اتبعوه﴾ [سورة آل عمران / ٦٨]، وحكاه الرافعي في
((كتاب السير)) عن صاحب ((البيان)) وأقرَّه، وقال الواحدي: انه الصحيح، قال
ابن القشيري في ((المرشد)) وعُزي للشافعي، وقال الأستاذ أبو منصور: وبه نقول،
وحكاه صاحب ((المصادر)) عن أكثر أصحاب أبي حنيفة، وإليه أشار أبو علي
الجبّائي. وقيل: على شريعة / موسى. وقيل: عيسى، لأنه أقرب الأنبياء إليه، ٣٢٨ / أ
ولأنه الناسخ المتأخر، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني فيما حكاه الواحدي
عنه. لكن قال ابن القشيري في ((المرشد)): ميل الأستاذ أبي إسحاق إلى أن نبينا
محمداً وَ﴿ كان على شرع من الشرائع، ولا يقال: كان من أمة ذاك النبي كما يقال
كان على شرعه. (انتهى). وقيل: كان متعبداً بشريعة كل من قبله إلا مانسخ
واندرس، حكاه صاحب ((الملخص)). وقيل: يتعبد لا ملتزماً دين واحدٍ منِ
المذكورين، حكاه النووي رحمه الله تعالى في زوائد ((الروضة)). وقيل: كان متعبدا
بشرع ولكنا لا ندري بشرع من تعبد، حكاه ابن القشيري.
٣٩

والمذهب الثاني: أنه لم يكن قبل البعثة متعبَّداً بشيء منها قطعاً، وحكاه في
((المنخول)) عن إجماع المعتزلة. وقال القاضي في ((مختصر التقريب)) وابن القشيري:
هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين. ثم اختلفوا فقالت المعتزلة بإحالة ذلك عقلًا،
إذ لو تعبد باتباع أحد لكان عصى من مبعثه، بل كان على شريعة العقل. قال ابن
القشيري: وهذا باطل إذ ليس للعقل شريعة. وذهبت عصبة أهل الحق إلى أنه لم
يقع ولكنه ممتنع عقلاً. قال القاضي: وهذا نرتضيه وننصره، لأنه لو كان على دين
لنقل، ولذكره عليه السلام، إذ لا يظن به الكتمان. وعارض ذلك إمام الحرمين
وقال: لو لم يكن على دين أصلاً لنقل، فإن ذلك أبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي
(قال): فقد تعارض الأمران، والوجه أن يقال: كانت العادة انخرقت في أمور
الرسول عليه الصلاة والسلام، منها انصراف هَمّ الناس عن أمر دينه والبحث
عنه .
والمذهب الثالث: التوقف. وبه قال إمام الحرمين وابن القشيري والكيا
والآمدي والشريف المرتضى في ((الذريعة)) واختاره النووي في ((الروضة)) إذ ليس
فيه دلالة عقل، ولا ثبت فيه نص ولا إجماع. وقال ابن القشيري في ((المرشد)): كل
هذه أقوال متعارضة، وليس فيها دلالة قاطعة، والعقل يجوّز ذلك، لكن أين
السمع فيه. ثم الواقفية انقسموا: فقيل: نعلم أنه كان متعبدا ونتوقف في عين ما
كان متعبداً به. ومنهم من توقف في الأصل، فجوز أن يكون وألا يكون.
تنبيهات :
الأول:
الخلاف في الفروع. أما في الأصول فدين الأنبياء كلهم واحد، على التوحيد
ومعرفة الله وصفاته.
الثاني: قال العراقي في ((شرح التنقيح)): المختار في هذه المسألة أن يقال: متعبِّد
(بكسر الباء) على أنه اسم فاعل، أي إنه عليه السلام كان كما قيل في سيرته: ينظر
إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقة لا تليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار
حراء يتعبَّد، حتى بعثه الله. أما (بفتحها) فيقتضي أن الله تعالى تعبده بشريعة
٤٠