Indexed OCR Text
Pages 341-360
صحت المعارضة فالسائل لا يرجح ، فإنه يكون بانياً ، هذا إذا أمكنه قطع الترجيح عن الدليل . فأما إذا کان الدليل في وضعه أرجح فلا وجه لمنعه على قول من قبل المعارضة ، فإنه ربما لا يجد غيره . فإن رجح المسئول مكّن السائل من معارضة الترجيح (انتهى) . ثم لا يجب على المعترض أن يبين أن ما عارض به مساوٍ لدليل المستدل - بل يكفي منه بيان مطلق المعارض . وهذا بخلاف المستدل فإنه لا يكتفى منه في دفعها إلا ببيان أن دليله راجح على ما عارض به المعترض ، لأن المستدل مدع الاستقلال دليله بالحكم ، والمعارض منكر له ، والمنكر يكفيه مطلق الإنكار ، بخلاف المدعي . وإذا تمت المعارضة من السائل فهل ينقطع المستدل أم يسمع منه الترجيح ؟ فقيل : ينقطع . والصحيح أنه ينقطع إن عجز عن ترجيح دليله . وجوابه بالقدح بما يرد على ذلك إن كان من جهة المستدل . واختلفوا في مسألتين : إحداهما - في دفعه بالترجيح بمرجح أقوى من مرجحه : فقيل : يمنع ، لأنه وإن كان مرجوحاً فلا يخرج عن كونه اعتراضاً والمختار - ورجحه المحققون - جوازه لأنه موطن تعارض ، وقد لا يجد السائل غيره مرجحاً . وقضية كلام إمام الحرمين أن السائل إذا عارض المستدل بترجيح أقوى ، وهو قادر على ترجيح مساوٍ فقد تعدى . وليس كذلك ، بل له المعارضة بالأقوى مع وجود المساوي ، لأنه لم يذكر الأقوى من جهة كونه أقوى ، بل من جهة كونه معارضاً ، ومزية القوة مصادفة . وقال ابن المنير: الأولى أن يذكر الأقوى ، لأنه إذا ساغ له الترجيح المساوي فالأقوى أولى. وفيه لطيفة ، وهي أنه يوقف المستدل عن نوبة أخرى من الترجيح ، لأنه قد اختلف مثلها ، فيحتاج المستدل حينئذ إلى ترجيحين أو ترجيح أقوى من ذلك الأقوى فيضيق عليه نطاق الكلام وهو غرض المناظرة وفي ذكر الأقوى اختصار (انتهى) . ولا خلاف أنه لو قابل(١) ترجيح المستدل لا يقبل (١) كذا في جميع النسخ. ٣٤١ الاستغناء به عن أحدهما ، فإن في الواحد كفاية ، والزيادة توجب الإثبات ، لأن ذلك غير منصبه . الثانية: هل يقبل معارضة المعارضة بدليل مستقل ؟ اختلفوا على مذاهب : أحدها - نعم ، لأنه دليل كالأول ، فجاز أن يعارض . وعلى هذا يتساقطان ويَسلم الدليل الأول من المعارض ، قال المقترح : وكلام إمام الحرمين في تعارض النصين يقتضي اختياره . والثاني - لا يقبل وإن قبلنا أصل المعارضة ، لانتشار الكلام وأدائه إلى الانتقال ، وإذا قبلنا ترجيح المستدل لدليله على ما عارض به السائل ، فهل يشترط أن يكون منشأ الترجيح مذكوراً في الدليل ؟ قيل ؛ يجب ، لأنه لو تركه أولاً لكان ذاكراً لبعض الدليل . وقيل : لا يجب ، لأن مراتب المعارضة لا يعرفها المستدل في بدء استدلاله ، فيؤدي إلى المشقة ، بخلاف الاحتراز لدفع النقض ، بدليل أنه إذا تعارض النصّان سُمِع الترجيح من المستدل بالاتفاق ، مع أنه لا يشترط أن يكون في نص المستدل ما يشير إلى الترجيح . والثالث - وهو اختيار الآمدي التفصيل : فإن كان التفصيل وصفا من أوصاف العلة تعيّنّ ذكره ، وإلا فلا ، لأنه قد أتى بكمال الدليل ، والترجيح أجنبي عنه . ٣٢٠/ب تنبيه: قسم ابن السمعاني / المعارضة إلى ما تكون بعلة أخرى ، وإلى ما هي(١) بعلة المعلل بعينها ، فالمعارضة بعلة أخرى تارة تكون في حكم الفرع ، وتارة في علة الأصل - وقد سبقا - وأما المعارضة بعلل المعلل فتسمى (قلبا) وقد سبق حكمه . وقال الكيا الطبري : قسم الجدليون المعارضة إلى ثلاثة أقسام : معارضة الدعوى بالدعوى والخبر الخبر، والقياس بالقياس : - فأما معارضة الدعوى بالدعوى فلا معنى لها إلا على تقدير وقع التشنيع . (١) في النسخ كلها (هو). ٣٤٢ - وأما معارضة الخبر بالخبر فصحيحة، مثل أن يسأل عن قضاءالفوائت في الأوقات المنهي عنها ، فيقول : لأنه عليه الصلاة والسلام قال : (من نام عن صلاة أو نسيها .... ) الحديث، فيرجع الكلام بعده إلى الترجيح . - وأما معارضة المعنى بالمعنى فعلى قسمين: (أحدهما) بين أصلين مختلفين. و(الثاني) من أصل واحد. ثم يتنوع نوعين: (أحدهما) في ضدّ حكمه فيكون معارضة صحيحة و (الثاني) في عين حكمه ولكن يتعذر الجمع بينهما . - فما كان بين أصلين مختلفين فهو الأصل في المعارضات . مثاله : طهارة الوضوء حكمية فتفتقر إلى النية ، قياساً على التيمم . فيقول المعارض : طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية ، قياساً على إزالة النجاسة فلا بد عند ذلك من الترجيح . - وأما ما كان من أصل واحد على الضد فضربان : (أحدهما) أن يجعل الأصل الواحد بينهما معينين مختلفين . و (الثاني) أن يجعل نفس ما علل به معنى له . فالأول كقوله: لما كان عدد الأقراء معتبراً بالمرأة وجب أن يعتبر بها عدد الطلاق، لأن البينونة متعلقة بها. فيعارضه بأنه يجب أن يعتبر بالفاعل قياساً على العدة. وفي الثاني يقول: نفس هذا المعنى يدل على أن الاعتبار بالفاعل، كالعدة. قال: وأما معارضة الفاسد بالفاسد فهل تجوز؟ إن أمكنه إيضاح الفساد بجهة أخرى فلا معنى للمعارضة. وإن كانت المعارضة أقرب إلى إيضاح الفساد فلا يمنع منها. ومثّلها بقول بعضهم: لا يصير مفرطاً بتأخير الزكاة، فلا يلزم إخراجها إذا تلف المال أو مات. فيقال: ولا يجب عليه الزكاة بحال من حيث إنه بتأخيرها(١) ولا ترکها أصلاً. (قال): وقد يعارض المحال بالمحال: كقول الحنفي: ما أدركه المأموم من صلاة الإمام فهو آخر صلاته. فيقال له: لو جاز أن يكون آخر بلا أول جاز أن يكون أول بلا آخر، ولو جاز أن يكون ماء لا نجس ولا طاهر جاز أن يكون ماء نجس وطاهر بناء على أن القابل للضدين لا يخلو عن أحدهما. : (١) كذا في النسخ. ٣٤٣ (قال): وهذا النوع ليس بمعارضة حقيقة ولكن قصد به امتحان المذاهب. (انتهى). ومسألة معارضة الدعوى بالدعوى سبقت في كلام الأستاذ أبي منصور وحكاية الخلاف فيها. وصرح الصيرفي في كتاب ((الدلائل والأعلام)) بمنعها، لعدم فائدتها، إذ لا يُلزم أحد بدعوى الآخر. قال الإمام: إلا أن يكون قد أخرج دعواه مخرج الحجة فيعارض بمثلها. كقول المالكي: المستحاضة تستظهر ثلاثة أيام. فقيل له: فما الفصل بينك وبين من قال: لا تستظهر، أو تستظهر بيومين أو أكثر أو أقل؟ فإن لم يكن هذا فالقول ساقط. السَادسُ عَشر: سُؤال التعَديَةُ وأدرجه الهندي في سؤال المعارضة في الأصل، وهي أن يعين المعترض في الأصل معنى غير ما عينه، ويعارض به، ثم يقول للمستدل: ما عللت به وإن تعدى إلى الفرع المختلف فيه، فكذا ما عللت به يتعدى إلى فرع آخر مختلف فيه وليس أحدهما أولى من الآخر. كقولنا: بكر فجاز إجبارها كالصغيرة. فيقال: والبكارة وإن تعدّت(١) للبكر البالغ فالصغر متعدٍ إلى الثيب الصغيرة. وهذا أيضاً اختلف فيه، والحق أنه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الأصل مع زيادة التسوية في التعدية. وجوابه إبطال ما عارض به، وحذفه عن درجة الاعتبار، وهل على المستدل أن يبين أنه لا أثر لما أشار إليه المعترض من التسوية في التعدية أو لا يجب؟ قال الأكثرون: لا يجب. وقال أبو القاسم الداركي رحمه الله: بل للتسوية في التعدية أثر في المعارضة فلابد من التعرض لإبطاله. ولخّص(٢) الأبياري شارح ((البرهان)) سر التعدية فحمل الأمر إلى أن سرَّها التبرّي من عهدة النسبة إلى العناد بإيراد وصف لا يعتقد اعتباره، فعداه المعترض إلى فروعه حتى يبين أنه يعتقد ذلك ويفرعه عليه. (قال): وهذا أمر أجنبي عن (١) في الأصول كلها (تعددت). (٢) في الأصول كلها (ويتلخص). ٣٤٤ م غرض الجدل، فإن الاعتناء به دفع لسوء الاعتقاد الذي يدفعه ظاهر الإسلام من غير حاجة خاصة بالجدل، قال ابن المنير: ولعمري إنه كما قال لو لم يكن لها سر سوى هذا، وليس الأمر كذلك، بل سرها عند واضعها أن المعترض إذا عارض معنى الأصل بمعنىَ أمكن أن يقول له المستدل: معناي أولى، لأني قد حققت تعديته إلى الفرع، وإنه يفيد حكماً لولاه ما استفدناه. وغاية ما صنعت أنك أبديت معنى في الأصل، فلعله قاصر فلا يتعدى إلى فرع يتحقق به كونه مفيداً، فيبين المعترض حينئذ أنه يساوي المستدل. فإن عدّى معناه إلى فرع من فروعه تحقق كونه مفيداً متعدياً. وحاصل الأمر طلب تساوي الانعدام بين المستدل والمعترض، ودفع احتمال القصور الذي هو إما قادح إن بنينا على أن العلة القاصرة مردودة، أو مرجوح إن بنينا على أنها مقبولة ولكن التعدية أولى. مسألة القول بالموجب والمعارضة، والقلب، والنقض، والمنع لا يختص بالقياس، بل يتوجه على سائر الأدلة من قياس وغيره، إلا المنع فإنه لا يتوجه على متن الكتاب. وفساد الوضع، والفرق، والمطالبة ببيان التأثير، والتركيب، والكسر، وكون محل النزاع لا يجري فيه القياس مختص بالقياس. ٣٤٥ فصْل اختلفوا في ترتيب الأسئلة على مذاهب: أحدهما : لا يجب ترتيبها، ولا حَجْر على المعترض فيما يورده منها على أي وجه اتفق . الثاني : يجب الترتيب، إذ لو جاوزنا إيرادها على أي وجه اتفق لأدى إلى التناقض من حيث إنه قد يوجد المنع بعد المعارضة، أويوجد النقض أو المطالبة قبل المنع ثم يمنع بعد ذلك. وهو ممتنع لما فيه من المنع بعد التسليم والإنكار بعد الإقرار. قال الآمدي: وهذا هو المختار، ولكن بشرط كونه عارفاً، وإلا فيفوت عليه أكثر مقصوده في الاسترشاد. ١/٣٢١ والثالث: / إن اتحد جنس السؤال، كالنقض والمطالبة والمعارضة في الأصل والفرع جاز إيرادها من غير ترتيب، لأنه لا تناقض. وهي بمنزلة سؤال واحد وحكى الآمدي في هذا القسم اتفاق الجدليين. فإن تعددت أجناسها، كالمنع من المطالبة والنقض والمعارضة ونحوه نظر: فإن كانت الأسئلة غير مرتبة قال الآمدي: فأجمعوا على جواز الجمع بينها إلا أهل سمرقند، فإنهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد لقربه إلى الضبط وبعده عن الخبط. وإن كانت مرتّبةً، كالمنع والمعارضة، فيقدم المنع ثم المعارضة ولا يعكس هذا الترتيب، وإلا لزم الإنكار بعد الإقرار، ونقله الآمدي عن أكثر الجدليين. وقيل: لا يمنع ذلك بعد تسليم وجود الوصف وإن سلم عن المنع تقديراً فلا يسلم عن المطالبة وغيرها. وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق. والمختار أنه لابد من ترتيب الأسئلة إذا لزم من تقديم بعضها على بعض منع بعد التسليم. فإن لم يلزم ذلك كان الترتيب مستحسناً لا لازماً. فعلى هذا اختلفوا: قال المحققون من المتأخرين: الترتيب المستحسن أن يبدأ بالمطالبات أولاً، لأنه ٣٤٦ إذا لم يثبت أركان القياس لم يدخل في جملة الأدلة. ثم بالقوادح لأنه لا يلزم من كونه على صورة الأدلة أن يكون صحيحاً. ثم بالمعارضة إذ لا يلزم من صحته وجوب العمل. ثم إذا بدأ بالمنوع فالأولى يمنع وجود الوصف في الفرع، لأنه دليل الدعوى، ثم يمنع ظهوره وانضباطه، لأن ذلك شرط كونه دليلاً، ثم يمنع كونه علة في الأصل، لأنه دلیل الدليل. فإذا نقض المنوع شرع في القوادح، فيبدأ بالقول الموجب لوضوح مأخذه، ثم بفساد الوضع واختصاصه بالشرع، ثم بالقدح في المناسبة كأنه يتبين به فوات شرط كونه علة، ثم بالمعارضة في الأصل، لأنه يرجع إلى تطريق الإكمال لشهادة الأصل، ثم بالنقض والكسر لأنه معارضة لدليل الاعتبار بدليل الإهدار، ثم بالمعارضة في الفرع. وليس في هذا الترتيب شيء لازم سوى تأخير المعارضة. وذهب الأكثرون من القدماء، كما قاله أبو الحسن السهيلي في ((أدب الجدل)) [إلى أنه] يبدأ بالمنع من الحكم في الأصل، لأنه إذا كان ممنوعاً لم يجب على السائل أن يتكلم على كون الوصف ممنوعاً أو مسلماً، ولا كون الأصل معللاً بتلك العلة أو بغيرها، ثم يطالبه بإثبات الوصف في الفرع بأن الأصل معلل بتلك العلة، ثم باطراد العلة، ثم بتأثيرها، ثم بكونها موضوعة ومحلها غير فاسد الوضع، ثم بالمحاماة عن مخالفة الإجماع والنص، ثم بالقلب، ثم بالمعارضة. (قال) هذا هو الترتيب الصحيح. وكذا جعل إمام الحرمين المعارضة آخر الأسئلة، لأنه إذا سلم الدليل خالياً عن القوادح كلها فإذ ذاك يرد عليه سؤال المعارضة. وقال أكثر الجدليين - وارتضاه متأخرو الأصوليين: أول ما يبدأ به الاستفسار، ثم فساد الاعتبار، ثم فساد الوضع، ثم يمنع حكم الأصل، لأن الحكم مقدم على العلة، لأن استنباط العلة بعده، ثم منع وجود العلة في الأصل، ثم النظر في علية الوصف، كالمطالبة، وعدم التأثير، والقدح في المناسبة، والتقسيم، وعدم ظهور الوصف وانضباطه، وكون الحكم غير صالح للإفضاء إلى ذلك المقصود، ثم النقض والكسر، لكونهما معارضة للدليل، ثم المعارضة في الأصل لأنها معارضة للعلة فكان متأخراً عن تعارض دليل العلة والمتعدية والتركيب، لأن حاصلها ٣٤٧ يرجع إلى المعارضة في الأصل، ثم بعده ما يتعلق بالفرع لمنع وجود العلة في الفرع ومخالفة حكمه بحكم الأصل، ومخالفته للأصل في الضابط في الحكم، والمعارضة في الفرع، وسؤال القلب، ثم بعده القول بالموجب، لتضمنه لتسليم كل ما يتعلق بالدليل في الجملة، مع بقاء النزاع. ثم بعد ذلك المعارضة لأنها تسليم الدليل بخلاف القول بالموجب فإنه نزاع في دلالة الدليل على الحكم مع الاعتراف به. وقد أُورد على هذا الترتيب إشكالان: احدهما : أنه أخل بذكر الفرق، والقلب، فإن کان ذلك لأجل أنهما مندرجان تحت المعارضة وجب أن لا يذكر النقض، لأنه معارضة للدليل على العلية، فهو مندرج تحت المعارضة، وأن لا يذكر المطالبة، ولا القول بالموجب، لأنهما يرجعان إلى المنع . الثاني : أنه أخر القول بالموجب عن النقض وعن غيره من الاعتراضات، وقدمه على المعارضة. فإن كان ذلك لأجل الدليل إذا لم يسلم من القوادح، كالنقض وغيره لا يقال بموجبه لزم أن يتأخر أيضاً القول بالموجب عن المعارضة، لأن المعارضة أيضاً من جملة القوادح، لأنها مضادة للدليل، ومالم يسلم الدليل عن القوادح لا يقال بموجبه، وإن كان سبب تقدمه على المعارضة كون الدليل لم ينصب في موضعه توجه عليه القول بالموجب كذلك، فليقدم القول بالموجب على سائر الأسئلة المتأخرة عن فساد الوضع لأنه صار شبيهاً بفساد الوضع فيظهر أن حق القول بالموجب أن يتقدم على جميعها أو أن يتأخر عن جميعها. وحكى ابن السمعاني عن أصحابنا العراقيين أنهم قالوا: أول ما يبدأ السائل من الاعتراض أن ينظر في المختلف فيه هل يجوز إثباته بالقياس، فيمنع من القياس إن كان لا يجوز، ثم ينظر في الأصل هل يجوز أن يعلل، ثم ينظر في العلة هل يجوز أن يكون مثلها علة، ثم يذكر الممانعة في الأصل إن لم يكن مسلّماً، ثم يطالب بتصحيح العلة في الأصل، ثم يقول بموجب العلة إن أمكنه، ثم ينقض. ومنهم من يقدم النقض على القول بالموجب ثم يأتي على ما بقي من عدم التأثير والكسر وفساد الوضع. ثم يأتي بالقلب والمعارضة. (قالوا): وإن خالف ما ذكرناه وبدأ ٣٤٨ بغيره جاز، وإن كان قد ترك الأحسن إلا في الممانعة والنقض فإنه يجوز أن ينقض ثم يمانع. لأن الناقض يعترف بوجود العلة وأما المانع فيمنع وجود العلة، فإذا مانع بعد المناقضة فقد رجع فيما سلم، وهذا لا يجوز. مسألة قال الخوارزمي في ((النهاية)): صار جماعة من أئمة العصر إلى أن الجمع بين سؤالين لا يتصور، لأنه إذا منع ثم سلّم يكون أيضاً منّعَ بعد التسليم، وهو غير مسموح جدلاً، وهو فاسد، لأن المطالبة بعد المنع اعتراف بعد إنكار وهو مسموح في مجلس القضاء في أمر الفروج والدماء فلأن يسمع ذلك ها هنا أولى. ٣٤٩ فصْل ٣٢١/ب ذكروا أن جميع الأسئلة / ترجع إلى المنع والمعارضة، لأنه متى حصل الجواب عن المنع والمعارضة تم الدليل وحصل الغرض من إثبات المدعى ولم يبق للمعترض مجال، فيكون ما سواها من الأسئلة باطلاً فلا يسمع، لأنه لا يحصل الجواب عن جميع المنوع إلا بإقامة الدليل على جميع المقدمات وبيان لزوم الحكم فيها وإلا لاتجه المنع. وكذلك لا يحصل الجواب عن المعارضة إلا ببيان انتفاء المعارض عن كلها وبيان كيفية رجوعها إلى ذلك: أما الاستفسار فلأن الكلام إذا كان محتملاً لا يحصل غرض المستدل إلا بتفسيره، فالمطالبة بتفسيره تستلزم منع تحقيق الوصف ومنع لزوم الحكم عنه، فهو راجع إلى المنع. وأما التقسيم فهو راجع إلى المنع أو المعارضة، لأن الكلام إذا كان محتملاً لأمرين فيضطره المنع إلى اختيار القسمين، وحينئذ يتجه عليه المنع أو المعارضة. وأما المطالبة فهي مع لزوم الحكم عن الوصف فهي داخلة في النقض. وأما النقض فمعارضة، لأنه يبطل العلة. وأما الفرق فكذلك، لأنه ما يكون بدا معنى في الأصل أو في الفرع عن المعنى الذي علل به المستدل. وأما الكسر فهو نوع من النقض، والنقض معارضة. وأما القول بالموجب فهو راجع إلى المنع، لأنه عبارة عن تسليم الدليل مع استيفاء النزاع في الحكم، وذلك منع لزوم الحكم مما ادعاه المستدل. وأما القلب فمعارضة في الحكم، وقيل: إنه راجع إلى المنع. وأما عدم التأثير فمعارضة في المقدمة، وذلك لأن المستدل إذا احتج بالقياس فقال له المعترض: ما ذكرته من المعنى الجامع غير صالح للعلية لثبوت الحكم بدونه كان ذلك معارضة في المقدمة، لأن ثبوت علية الوصف الجامع مقدمة في القیاس. ٣٥٠ وحاصله راجع إلى القدح في كون الجامع علة ببيان ثبوت الحكم بدون جزء من أجزاء العلة، وهو في الحقيقة معارضة في العلة، لأن المستدل يدعي كون المجموع المركب علة، والمعترض لعدم التأثير يبين كون بعض المجموع علة لا ذلك المجموع كله، وذلك معارضة للكل بالبعض، وهو لطيف غامض. وأما الترجيح فهو معارضة في حكم المسألة، وكيفية توجيهه أن يقال: موجب ما ذكرنا من الدليل راجح على ما ذكرتم ويبينه بطريقه، فلو لم يثبت موجبه للزم الترك بالدليل الراجح، وإنه ممتنع. وللخصم أن يمنع أنه غير الأول، لأنه شرط الغير أن يكون مغايراً له ذاتاً، بمعنى أنه يمكن وجود كل منهما بدون الآخر، احترازاً من المطلق والمقيد، فإن كان من المستدل فهو معارضته لما اعترض به المعترض، لأن المعارضة عبارة عن إقامة دليل يوقف به دليل خصمه. والترجيح كذلك. لأنه يقتضي ثبوت الراجح، فيدفع ما أبداه المعترض لكونه مرجوحاً. وأما فساد الوضع فهو منع لزوم الحكم عن الدليل، لأن ثبوت الحكم بالقياس بشرط أن لا يكون النص موجوداً لكن النص موجود. وأما فساد الاعتبار فيرجع إلى المنع، لأنه مع ثبوت القياس على مخالفة النص وقد وجد النص واعتبار القياس على وجوده اعتبار فاسد، فلا يترتب عليه الحكم، فإذاً فساد الاعتبار راجع إلى منع لزوم الحكم، وأما دعوى كون محل النزاع لا يجوز فيه القياس فهو راجع إلى المعارضة في العلة أو في الحكم. وإذا علمت رجوع جميع الاعتراضات إلى المنع والمعارضة فاعلم أن بعضهم زعم أن المعارضة راجعة إلى المنع. فائدة : قال بعضهم: حال المتناظرين، أو الناظر مع نفسه، في طلب وجه الحكم الشرعي كحال الخصمين بين يدي الحاكم، فالمستدل كالمدعي، والسائل كالمدعى عليه، والحكم المطلوب كالحق المدعى به. وأصل القياس كالشاهد. وعلة الأصل كنطق الشاهد بأداء شهادته. والشرع الذي هو الكتاب والسنة الحاكم الذي ينفذ الحكم أو يرد، بالتصديق أو بالتكذيب. وردّ السائل القياس لوجود النظر كتزييف ٣٥١ الشهود وردهم بأمر لازم لا خلاف فيه. والممانعة في حكم الأصل ووصفه كإنكار حضور الشهود. والممانعة في وجود علة الأصل كإنكار شهادتهم، ومثله إنكار وجود العلة في الفرع، والوضع الفاسد كتنافي الشهادة وتوافقها. والمطالبة بالدليل على صحة العلة كتكليف المدعي تعديل الشهود. والنقض كإظهار كذب الشهود في مثل ما شهدوا به عليه. والقول بالموجب كتفسير الشهادة بما يحتملها ليخرج من عهدتها بالشيء المدعى به. والمعارضة كمقابلة الشهود ببينة تشهد بخلافها(١)، فتتهافت الشهادتان، وكلها مفسدة للقياس، وإذا سلم منها كان معمولاً به. مسألة قال البلعمي: الانقطاع كاسمه، وحكمه مقتضب من لفظه، وهو قصوره عن بلوغ مغزاه، وعجزه عن إظهار مراده ومبتغاه. وقال الصيرفي: الانقطاع من المجیب ما دام السائل مطالباً یکون إما بالخروج من مسألة إلى مسألة عن جواب ما سأل عنه، أو الاعتراف بأن لا جواب عنه، أو کون ما يدفعه عدله على نفسه إما جحد الضرورة أو سمع أو غير ذلك من الأصول، أو السكوت عن الجواب بعد أن أخذ فيه. وانقطاع السائل بأن لا يكون معه زيادة في سؤاله، وقد يتهيأ للسائل أن يقول: هذا مذهب صحيح وإليه كنت أدعوك اللهم إلا أن يكون ما قد ظهر من الخلاف يدل على خلاف هذا. والخروج من مسألة إلى أخرى لا يتصل لمناقضة الخصم أو السكوت بعد أن يقع الجواب. قال الأستاذ أبو منصور: الانقطاع عبارة عن العجز عن بلوغ الغرض المقصود إما(٢) بانتقاله من دليل لم يصححه إلى دليل آخر. واختلفوا فيمن سئل عن مسألة فأجاب بالدليل، فقيل: انقطاع، والتحقيق: إن كان فيه تنبيه على الحكم لم يكن (١) كذا في النسخ كلها، والمراد: تشهد بخلاف الشهادة. (٢) لعل (أما) مقحمة، حيث لم يأت بعدُ مقابل لها. ٣٥٢ انقطاعاً ولا انتقالاً. وهذا كما سأل إسحاقُ الحنظليُّ الشافعيِّ عن بيع دور مكة فقال: (هل ترك لنا عقيل من رباع؟) وهذا إنما هو دليل استدل به على جواز البيع . ٣٥٣ فصْل في الانتقَال وقد منعه الجمهور. وقال الشاعر: وإذا تنقّل في الجواب مجادل دل العقول على انقطاع حاصر ١/٣٢ ولأنا لو جوزناه لم يأت إفحام الخصم ولا / إظهار الحق، وذلك لأنه يشرع في كلام وينتقل إلى غيره قبل تمام الأول وهكذا إلى مالا نهاية له، فلا يحصل المقصود من المناظرة وهو إظهار الحق وإفحام الخصم. واستثنوا من ذلك ما إذا استفاد من الكلام المنتقل عنه فائدة لو لم يذكره أولاً لم تحصل له تلك الفائدة. ذكره صاحب ((الإرشاد)). فأما السائل لو انتقل من السؤال قبل تمامه وقال: ظننت أنه لازم فبان خلافه فمکنوني من سؤال آخر ففيه خلاف حكاه بعضهم، وقال الأصح أنه يُمكّن منه إذا كان انحداراً من الأعلى إلى الأدنى. فإن كان ترقّياً من الأدنى إلى الأعلى، كما لو أراد الترقّي من المعارضة إلى المنع فقيل: لا يُمكَّن لأنه مكذِّب لنفسه. وقيل: مُكَّن، لأن مقصوده الإرشاد. وأما المسئول فیمكّن من الغرض کما سيأتي. ولو أراد العدول من دلیل إلی دلیل لا يؤيد الأول كان منقطعاً. فإن ترك الدليل الأول لعجز السائل عن فهمه لا يعد انقطاعاً. وعلى ذلك حملت قضية إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. وجوز بعضهم الانتقال مطلقاً. محتجاً بالاحتجاج على الكافر ﴿فإن الله یأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ [البقرة/٢٥٨] بعد الاحتجاج عليه بأن الله يحيي ويميت. قال الأصفهاني: وهذا ليس بانتقال، بل هو في غاية الحسن والكمال في صنعة الجدل وبيانه أنه لما وضع الاحتجاج على الملحد بما يعجز هو عنه ويعترف به. وذلك بأن الله يحيي ويميت، أورد الملحد شبهة خيالية عليه فبدّل ذلك المثال المعجوز عنه بمثال لا يقدر علی إیراد شبهة خیالیة علیه، وهو قوله: إن الله يأتي ٣٥٤ بالشمس من المشرق. وهذا لأن كل واحد من المثالين يعجز عنه الملحد قطعاً، إلا أن المثال الثاني لا قدرة له ولا لغيره علی إیراد شبهة خيالية علیه، فإذن الدليل على أن الله قادر على ما يعجز مدّعي الإلهية، والمثالان مشتركان في ذلك، إلا أن المثال الأول أمكنه أن يبدي خيالاً فاسداً عليه، والثاني ليس كذلك. والاستدلال بالمشترك بين المثالين وليس انتقالاً أصلاً. وقال الأستاذ أبو منصور: ليس هذا انتقالاً، لأن خصمه لم يفهم دليله الأول، وعارضه على إحياء الموتى بتركه قتل من يمكنه قتله. والحجة عليه باقية لعجزه عن إحياء من قد مات، فلما تقررت هذه الحجة ألزمه حجة أخرى هي إلى فهم خصمه أقرب فقال: إن كنت إلهاً فاقلب الشمس في سيرها إلى طلوعها من مغربها إن كنت مجريها، فاعترف خصمه عن جوابه في الحجة الثانية وكان في التحقيق منقطعاً عن الجواب في الأولى قبل الثانية لو أنصف من نفسه. وقال الإمام في ((الأربعين)): الدلیل کان شيئاً واحداً وهو حدوث مالا يقدر الإنسان على إحداثه، فهو يدل على قادر آخر غير الخلق. ثم هذا المعنى له أمثلة الإحياء والإماتة وطلوع الشمس من مشرقها. فهذا كان انتقالاً من مثال إلى مثال. أما الدليل فشيء واحد في الحالين. ٣٥٥ فصْل في الفَرْض وَالبنَاء اعلم أن للمسؤول في الدلالة ثلاثة طرقٍ: أحدها : أن يدل على المسألة بعينها. والثاني : أن يفرض الدلالة في بعض شعبها وفصولها. والثالث : أن يبني المسألة على غيرها، فإن استدل عليها بعينها فواضح. وإن أراد أن يفرض الكلام في بعض أحوالها جاز، لأنه إذا كان الخلاف في الكل وثبت الدليل في بعضها ثبت الباقي بالإجماع. وإن أراد أن يفرض الدلالة في غير فرد من أفراد المسألة لم يجز. وأما إذا أراد أن يبني المسألة على غيرها فيجوز، لأنه طريق من طرق المسألة. وإما أن يبنيها على مسألة أصولية، كقول الظاهري في الغسل لا ... (١) بناء على منع القياس، وإما أن يبنيها على مسألة أخرى فرعية، كالخلاف في الشعر هل ينجس بالموت؟ بناء على أنه هل تحله الحياة أم لا؟ هذا إذا كان طريقهما واحداً. فإن اختلف لم يجز بناء بعضها على بعض. كما لو سئل الحنفي عن قتل المسلم بالكافر فقال: أنا أبنيه على أن الحر يقتل بالعبد، فهذا لا يصح فيه البناء، لأنهما مسألتان مختلفتان. واعلم أنه قد كثر في عباراتهم (والفرض والبناء) من غير تحقيق. ومعناه: أن يسأل المستدل عاماً فيجيبه خاصاً، مثل أن تكون المسألة ذات صور، فيسأل السائل عنها سؤالاً لا يقتضي الجواب عن جميع صورها، فيجيب المستدل عن صورة أو صورتين منها، لأن الفرض هو القطع والتقدير، فكأن المستدل اقتطع تلك الصورة عن أخواتها فأجاب عنها. وهو إما فرض في الفتوى، كما لو سئل في البيع الفاسد، هل ينعقد أم لا؟ فيقول: لا ينعقد بيع درهم بدرهمين، لورود النهي، فإن بيع الدرهم بالدرهمین من صور البيع الفاسد لا عينه. (١) هنا سقط في الأصول كلها. ٣٥٦ وإما فرض في الدليل بأن يبني عاماً ويدل خاصاً، مثل أن يقول: لا ينعقد البيع الفاسد، لأنه وَّلل نهى عن بيع درهم بدرهمين. والضابط أن يكون المستدل يساعده الدليل عليها، فإذا تمّ له فيها الدليل بنى الباقي من الصور عليها، ولذلك يسمى الفرض والبناء. وإذا عرفت هذا فقد اختلف في جوازه: فذهب ابن فورك إلى أنه لا يجوز، لأن حق الجواب أن يطابق السؤال. وذهب غيره من الجدليين إلى الجواز، لأن المسئول قد لا يجد دليلاً إلا على بعض صور السؤال، ولأنه قد يرد على جوابه العام إشكال لا يندفع، فيتخلص منه بالفَرْض الخاص. وقال إمام الحرمين: إنما يجوز إذا كانت علة الفَرْض شاملة لسائر الأطراف. (قال): والمستحسن منه هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السائل، وذلك محمول على استشعار انتشار الكلام في جميع الأطراف وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام الكلام فيها. وحاصله: إن ظهر انتظام العلة العامة في الصورتين كان مستحسناً وإلا كان مستهجناً. وفائدته كون العلة قد تخفى في بعض الصور، وفي بعضها أظهر. فالتفاوت بالأولوية خاصة والعلة واحدة. وهذا بمثابة توجّه النهي إلى جميع أذيات الأب إلى التأفيف. ويشبه الفرق بين التواطؤ والمشترك، فإن نسبة الآحاد إلى التواطؤ متساوية، بخلاف المشكل. قال ابن المنير: وأعجبني من الشيخ عز الدين بن عبد السلام كلام أورده في استبعاد مذهب الشافعي في مسألة الوصية بجزء من ماله، أو سهم، فإن مذهب الشافعي حمل الوصية على الأقل: فمهما / سلّمه الورثة خرجوا به عن العهدة. ٣٢٢/ب فكان يستبعد هذا ويفرض فيما لو احتضر متمول واسع المال فعطّفه الحاضرون على ولد ولد توفي في حياته وقيل له: إن ولد ولدك لا ميراث له مع غيره، فلو وصلت رحمه وأغنيت فقره بعدك بأن توصي له بشيء من مالك ليكون له مع ولدك مدخل. فقال المحتضر: قد أوصيت له بسهم من مالي، وأوصى عمَّه به حين توفي هذا ٣٥٧ المحتضر، فعمد ولده إلى سفرجلة أو تمرة فسلّمها لولد الولد زاعماً أن هذا مراد أبيه لَقَطَع كل عاقل بأن هذا الوارث مُدافع للوصية مُرادٌ. وكان الشيخ يستصوب مذهب مالك في حمله (السهم) على إلحاق الموصى له بسهمان الورثة. لكن يرجع إلى أقلهم سهماً فيعطى مثله جمعاً بين المعرف وبين الأصل في الحمل على الأقل. ومثل هذا الفرض يستحسن لا باعتبار تعدد العلل، ولكن باعتبار تمكن الصورة المفروضة من الدليل وإن كان شاملاً للجميع ولكن شمولاً متفاوتاً. قال: ثم وقع لي بعد ذلك أن الشيخ في فرضه إيقاف للأذهان في مبادیها، وإذا تؤمل اندفع التشنيع من الفقيه المفتي بأقل شمول لا الموصي الذي هو الحقيق باللوم وآية ذلك أن الموصى لو قال في السياق المذكور: ادفعوا له أقل متمَوَّل لم يكن بد من قبول السفرجلة ونحوها على سائر المذاهب. وكذا لو صرح بها، ولا لوم على الفقيه إذا قال: لا يستحق الموصى به أكثر من ذلك، فكذلك إذا عدل الموصي عن التعيين وقال: ادفعوا له سهماً أو جزءاً. وقد اتفقنا على أن (الأكثر) لا ينضبط. وكذلك (الأوسط) لتعدد حال الوسائط، فلم يبق من الأطراف الثلاثة إلا (الأقل) فكان كما لو صرح، فاللائمة حينئذ على الموصي لا على المفتي. واعلم أن بناء مسألة على أخرى إن كان قبل الشروع في الاستدلال فلا خلاف في جوازه، وإن كان بعده فإن ابتدأ الدلالة ولم يذكر أنه يريد البناء فلا يخلو: إما أن يكون من الأصول، كاستدلال المالكي على الحنفي بإجماع أهل المدينة في مسألة الأذان. فإن سلم الحنفي تسليماً جدليّاً عدل إلى غيره من الأسئلة، وإلا قال له المسئول: هذا أصل من أصولي، وأنا أبني فرعي على أصلي، فإن سلمت وإلا نقلت الكلام، فإن نقل جاز، وإن قال: لا أسلم ولا أنقل الكلام إليه لم يكن له ذلك. وإن كان الذي بنى عليه فرعاً يمانعه السائل، فإن أراد نقل الكلام إلى مسألة البناء فهل يجوز ذلك؟ قال أبو علي الطبري: ليس له ذلك، لأنه انتقال. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: له ذلك، وهو الصحيح عندي، اعتباراً ببنائها على أصل من الأصول الظاهرة. ٣٥٨ فصْل قال البلعمي في ((الغرر)): ألطف حيل المتناظرين ثلاثة أصناف: أحدها : نقل السائل عن سؤال: وإنما يكون عند استشهاده على المجيب بما يلزمه ويقطعه. فإذا أراد المجيب نقله جحد بعض ما استشهد به عليه وإن كان واضحاً، فإذا بينه اختلط الكلامان، وبه ينقله من المسألة الأولى إلى غيرها، فيجب على السائل إمعان النظر في مثل هذا. والثاني : تقسيم السؤال: وهو أن ينظر المجيب إلى أحواله، فإن كان محتملاً لوجوه شتى قسمه على وجوهه ليطيل مناظرة السائل ويشغل قلبه عن قوة المناظرة، فيبطل غرض السائل في الجدل. فالواجب على السائل أن لا يمكنه من التقسيم، لئلا يلتبس عليه غرضه. الثالث : ضرب الأمثال: وهو أن يقصد تكثير الأمثال المضروبة في القرآن ليجبن خصمه، مثل أن يقول في جواب دعواه: قوله تعالى: ﴿إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ [العنكبوت/٤١] وقوله: ﴿كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾ [ابراهيم/١٨] فإذا أراد الخصم إلزامه فتعذر عليه وانقطع دونه تلا قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾. [الأنبياء/ ١٠١] ٣٥٩ فصْل في التَعَلق بمناقضات الخِصُوم لخصته من كلام الكيا: لا خلاف أنه لا يجوز إثبات المذاهب إلا بدليل إجماعي أو مستقل من أوضاع الشرع وفاقاً. ولكن اختلفوا في التعلق بمناقضات الخصوم في المناظرة: - فذهب جماعة إلى جوازه من حيث إن المقصود من الجدل تضييق الأمر على الخصم وإبانة استقامة أصله. - وفصل القاضي تفصيلاً حسناً لا غبار عليه فقال: إن كانت المناقضة عائدة إلى تفاصيل أصل لا يرتبط فسادها وصحتها بفساد الأصل بحال، بل الأصل إذا ثبت استصحب حكمه على الفرع فلا يجوز التعلق بها من حيث إنه لا يعود على المقصود، ولئن قيل: فيها مقصود صحيح وهو اضطرار الخصم إلى إبانة الحجة التي يعول الخصم عليها فبه يتم النظر، ثم تكلم على المأخذ على هذا التدريج وحينئذ فيجوز التعلق به، ولكن كلامنا فيما إذا علم أن الفرع فاسد لفساد نظر الخصم فيه على الخصوص لا في الأصل، وهذا يعز وجوده، ولكن إذا وجد كان حکمه ما ذكرنا. وإن كان التعلق بالفرع من قبل امتحان الأصل بسياقه وعلم أن الفرع من ضرورات الأصل، فيجوز التعلق به وفاقاً. وسبب هذا التفصيل أن الذي يُسأل عن مسألة فيفتي فيها فلا بدّ له من نصب دليل على ما أفتى به، ولن يتحقق نصب الدليل على ذلك إلا بوجهين: (أحدهما) الهجوم على ذكر الدليل والبحث عن المعنى، وهذا هو الأصل. و (الثاني) أن ينقدح بإبطال مذهب الخصم إلى إثبات مذهبه إذا لم يكن في المسألة إلا مذهبان، أو اعترافاً بأن ما عدا المذهبين باطل. وإقرارهما على أنفسهما حجة. ٣٦٠